Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:7–11
8:7–9Page 177
وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧
[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers
لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨
That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.
إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩
[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."
﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، والطّائِفَتانِ هُما كَطائِفَةِ عِيرِ قُرَيْشٍ، وكانَتْ فِيهِما تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا فِيها أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، وطائِفَةُ الَّذِينَ اسْتَنْفَرَهم أبُو جَهْلٍ وكانُوا في العَدَدِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ هي العِيرُ؛ لِأنَّها (p-٤٦٤)لَيْسَتْ ذاتَ قِتالٍ، وإنَّما هي غَنِيمَةٌ بارِدَةٌ، ومَعْنى إثْباتِ الحَقِّ تَثْبِيتُهُ وإعْلاؤُهُ، وبِكَلِماتِهِ بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ في مُحارَبَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وبِما أمَرَ المَلائِكَةَ مِن نُزُولِهِمْ لِلنُّصْرَةِ، وبِما قَضى مِن أسْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قَلِيبِ بَدْرٍ، وبِما ظَهَرَ ما أخْبَرَ بِهِ ﷺ، وقَطْعُ الدّابِرِ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، والمَعْنى: أنَّكم تَرْغَبُونَ في إبْقاءِ العاجِلَةِ وسَلامَةِ الأحْوالِ وسَفْسافِ الأُمُورِ وإعْلاءِ الحَقِّ والفَوْزِ في الدّارَيْنِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ المُرادَيْنِ، ولِذَلِكَ اخْتارَ لَكم ذاتَ الشَّوْكَةِ وأراكَهم عِيانًا، خَذَلَهم ونَصَرَكم، وأذَلَّهم وأعَزَّكم، وحَصَّلَ لَكم ما أرْبى عَلى دائِرَةِ العِيرِ وما أدْناهُ خَيْرٌ مِنهُما، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: يَعِدْكم، بِسُكُونِ الدّالِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: اللَّهُ احْدى، بِإسْقاطِ هَمْزَةِ إحْدى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: أحَدَ، عَلى التَّذْكِيرِ؛ إذْ تَأْنِيثُ الطّائِفَةِ مَجازٌ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو: الشَّوْكَة تَّكُونُ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ مُحارِبٍ: بِكَلِمَتِهِ، عَلى التَّوْحِيدِ، وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْبَةَ وأبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ، بِخِلافٍ عَنْهم وأطْلَقَ المُفْرَدَ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ كَلِمَةُ تَكْوِينِ الأشْياءِ، وهو: كُنْ، قِيلَ: وكَلِماتُهُ هي ما وعَدَ نَبِيَّهُ في سُورَةِ الدُّخانِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، أيْ: مِن أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ؛ وقِيلَ: أوامِرُهُ ونَواهِيهِ؛ وقِيلَ: مَواعِيدُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والِاسْتِيلاءُ عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ؛ وقِيلَ: كَلِماتُهُ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ، ومَعْنى ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ لِيُظْهِرَ ما يَجِبُ إظْهارُهُ، وهو الإسْلامُ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَعَلَ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: الحَقُّ القُرْآنُ، والباطِلُ إبْلِيسُ، وتَتَعَلَّقُ هَذِهِ اللّامُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: ما فَعَلَهُ إلّا لَهُما، وهو إثْباتُ الإسْلامِ وإظْهارُهُ وإبْطالُ الكُفْرِ ومَحْوُهُ، ولَيْسَ هَذا بِتَكْرِيرٍ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ: تَبْيِينٌ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، والثّانِي: بَيانٌ لِما فُعِلَ مِنِ اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ عَلى غَيْرِها لَهم ونُصْرَتِهِمْ عَلَيْها، وأنَّهُ ما نَصَرَهم ولا خَذَلَ أُولَئِكَ عَلى كَثْرَتِهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ الَّذِي هو أسْنى المَقاصِدِ، وتَقْدِيرُ ما تَعَلَّقَ بِهِ مُتَأخِّرًا أحْسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجِبُ أنْ يُقَدَّرَ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا حَتّى يُفِيدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ ويَنْطَبِقَ عَلَيْهِ المَعْنى، انْتَهى، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ والمَجْرُورِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ والحَصْرِ، وذَلِكَ عِنْدَنا لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ إنَّما يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ والِاهْتِمامِ بِما قُدِّمَ لا عَلى تَخْصِيصٍ ولا حَصْرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ؛ وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ لِيُحِقَّ بِقَوْلِهِ: ويَقْطَعَ؛ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كَرِهَ، أيْ: وكَراهَتُكم واقِعَةٌ فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، انْتَهى، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ وأنَّ التَّحْقِيقَ فِيهِ أنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ ذَلِكَ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ، ومَثَّلْنا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، أيْ: عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تُنافِي الصَّدَقَةَ عَلى السّائِلِ، وأنْ ولَوْ هَذِهِ تَأْتِي لِاسْتِقْصاءِ ما بَطَنَ؛ لِأنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في عُمُومِ ما قَبْلَهُ لِمُلاقاةِ الَّتِي بَيْنَ هَذِهِ الحالِ وبَيْنَ المُسْنَدِ الَّذِي قَبْلَهُما، وقالَ الحَسَنُ: هاتانِ الآيَتانِ مُتَقَدِّمَتانِ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال: ٥]، وفي القِراءَةِ بَعْدَهُما لِتَقابُلِ الحَقِّ بِالحَقِّ والكَراهَةِ بِالكَراهَةِ، انْتَهى، وهَذِهِ دَعْوى لا دَلِيلَ عَلَيْها، ولا حاجَةَ تَضْطَرُّنا إلى تَصْحِيحِها.
﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ اسْتَغاثَ: طَلَبَ الغَوْثَ، لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القِتالِ شَرَعُوا في طَلَبِ الغَوْثِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والدُّعاءِ بِالنُّصْرَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ: وإذْ يَعِدُكم وتَوَدُّونَ، وأنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: كَما أخْرَجَكَ، ويُجادِلُونَكَ، هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولِذَلِكَ أفْرَدَ، فالخِطابانِ مُخْتَلِفانِ؛ وقِيلَ: المُسْتَغِيثُ هو النَّبِيُّ ﷺ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ إلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ ونَيِّفٌ، وإلى المُشْرِكِينَ وهم (p-٤٦٥)ألْفٌ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَهُ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ أنْجِزْنِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العُصْبَةَ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ، ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَرَدَّهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَفاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ مُناشَدَتَكَ اللَّهَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ»، قالُوا: فَيَكُونُ مِن خِطابِ الواحِدِ المُعَظَّمِ خِطابُ الجَمِيعِ، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ عِنْدَما اصْطَفَّ القَوْمُ قالَ: اللَّهُمَّ أوْلانا بِالحَقِّ فانْصُرْهُ، وإذْ بَدَلٌ مِن إذْ يَعِدُكم، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ العامِلَ في إذْ يَعِدُكُمُ اذْكُرْ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِيُحِقَّ ويُبْطِلَ، وأجازَ هو والحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِيَعِدُكم، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عَلى إضْمارِ واذْكُرُوا، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِتَوَدُّونَ، واسْتَغاثَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، كَما هو في الآيَةِ، ويَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، كَما جاءَ في لَفْظِ سِيبَوَيْهِ في بابِ الِاسْتِغاثَةِ، وفي بابِ ابْنِ مالِكٍ في النَّحْوِ المُسْتَغاثُ، ولا يَقُولُ: المُسْتَغاثُ بِهِ، وكَأنَّهُ لَمّا رَآهُ في القُرْآنِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ قالَ: المُسْتَغاثُ، ولَمْ يُعَدِّهِ بِالباءِ كَما عَدّاهُ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيُّونَ، وزَعَمَ أنَّ كَلامَ العَرَبِ بِخِلافِ ذَلِكَ، وكَلامُهُ مَسْمُوعٌ مِن كَلامِ العَرَبِ فَما جاءَ مُعَدًّى بِالباءِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎حَتّى اسْتَغاثَ بِماءٍ لا رِشاءَ لَهُ مِنَ الأباطِحِ في حاجاتِهِ البُرَكُ
؎مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّبْتِ تَنْسُجُهُ ∗∗∗ رِيحٌ حَرِيقٌ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ
؎كَما اسْتَغاثَ بِشَيْءٍ قَبْرُ عَنْطَلَةٍ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ ولَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنِّي، بِفَتْحٍ، أيْ: بِأنِّي، وعِيسى بْنُ عُمَرَ رَواها عَنْ أبِي عَمْرٍو: وإنِّي، بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى الحِكايَةِ بِاسْتَجابَ لِإجْرائِهِ مَجْرى الفِعْلِ؛ إذْ سَوّى في مَعْناهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرْحِ اسْتَجابَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِألْفٍ عَلى التَّوْحِيدِ، والجَحْدَرِيُّ بِآلُفٍ عَلى وزْنِ أفْلُسٍ، وعَنْهُ وعَنِ السُّدِّيِّ بِآلافٍ، والجَمْعُ بَيْنَ الإفْرادِ والجَمْعِ، أنْ يُحْمَلَ الإفْرادُ عَلى مَن قاتَلَ مِنهم، أوْ عَلى الوُجُوهِ الَّذِينَ مَن سِواهم أتْباعٌ لَهم؛ وقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وغَيْرُهم مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدّالِ، وباقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ بِكَسْرِها، أيْ: مُتابِعًا بَعْضُهم بَعْضًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خَلْفَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ وراءَهُ. وقَرَأ بَعْضُ المَكِّيِّينَ فِيما رَوى عَنْهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ: مُرَدِّفِينَ، بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً أصْلُهُ مُرْتَدِفِينَ فَأُدْغِمَ؛ وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَدْ يَجُوزُ فَتْحُ الرّاءِ فِرارًا إلى أخَفِّ الحَرَكاتِ، أوْ لِثِقَلِ حَرَكَةِ التّاءِ إلى الرّاءِ عِنْدَ الإدْغامِ، ولا يُعْرَفُ فِيهِ أثَرًا انْتَهى. ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ يُضَمُّ الرّاءُ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ لِقَوْلِهِمْ: مُخَضَّمٌ؛ وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِكَسْرِ الرّاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الدّالِ، أوْ حُرِّكَتْ بِالكَسْرِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ كَسْرُ المِيمِ، ولا أحْفَظُهُ قِراءَةً، كَقَوْلِهِمْ: مُخَضَّمٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في عَدَدِ المَلائِكَةِ وهَلْ قاتَلَتْ أمْ لَمْ تُقاتِلْ في آلِ عِمْرانَ ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِقِتالِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ الدّالِ أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بِألْفٍ﴾، أيْ: أرْدَفَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُرْدَفِينَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: أُرْدِفُوا بِالمَلائِكَةِ، فَمُرْدَفِينَ عَلى هَذا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرْدَفْتُهُ إيّاهُ إذا أتْبَعْتَهُ، ويُقالُ: أرْدَفْتُهُ، كَقَوْلِكَ: أتْبَعْتُهُ إذا جِئْتَ بَعْدَهُ، فَلا يَخْلُو المَكْسُورُ الدّالِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أوْ مُتَّبَعِينَ، فَإنْ (p-٤٦٦)كانَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ فَلا يَخْلُو أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مُتْبِعِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ إيّاهُمُ المُؤْمِنُونَ، أيْ: يَتَقَدَّمُونَهم فَيَتْبَعُونَهم أنْفُسَهم، أوْ مُتْبِعِينَ لَهم يُشَيِّعُوهم ويُقَدِّمُونَهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهم عَلى ساقَتِهِمْ لِيَكُونُوا عَلى أعْيُنِهِمْ وحِفْظِهِمْ، أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أنْفُسَهم مَلائِكَةً آخَرِينَ، أوْ مُتْبِعِينَ غَيْرَهم مِنَ المَلائِكَةِ، ويُعَضِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، انْتَهى. وهَذا تَكْثِيرٌ في الكَلامِ، ومُلَخَّصُهُ أنَّ اتَّبَعَ مُشَدَّدًا يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وأتْبَعَ مُخَفَّفًا يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وأرْدَفَ أتى بِمَعْناهُما، والمَفْعُولُ لِـ (تَبِعَ) مَحْذُوفٌ والمَفْعُولانِ لِـ (تَبِعَ) مَحْذُوفانِ، فَيُقَدَّرُ ما يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وقَوْلُهُ: أوْ مُتْبِعِينَ إيّاهُمُ المُؤْمِنِينَ، هَذا لَيْسَ مِن مَواضِعِ فَصْلِ الضَّمِيرِ، بَلْ مِمّا يُتَّصَلُ وتُحْذَفُ لَهُ النُّونُ، لا يُقالُ: هَؤُلاءِ كاسُّونَ إيّاكَ ثَوْبًا، بَلْ يُقالُ: كاسُوكَ، فَتَصْحِيحُهُ أنْ يَقُولَ: أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِيهِمُ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَقُولَ: أوْ بِمَعْنى مُتْبِعِينَ أنْفُسَهُمُ المُؤْمِنِينَ.
8:10–11Page 178
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠
And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١
[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.
﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: إلّا بُشْرى لَكم، وأُثْبِتَ في آلِ عِمْرانَ؛ لِأنَّ القِصَّةَ فِيها مُسْهِبَةٌ وهُنا مُوجَزَةٌ، فَناسَبَ هُنا الحَذْفُ، وهُنا قَدَّمَ وأخَّرَ هُناكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ والِاتِّساعِ في الكَلامِ، وهُنا جاءَ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مُراعاةً لِأواخِرِ الآيِ، وهُناكَ لَيْسَتْ آخِرَ آيَةٍ لِتَعَلُّقِ (يَقْطَعَ) بِما قَبْلَهُ، فَناسَبَ أنْ يَأْتِيَ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) عَلى سَبِيلِ الصِّفَةِ، وكِلاهُما مُشْعِرٌ بِالعَلِيَّةِ، كَما تَقُولُ: أكْرِمْ زَيْدًا العالِمَ، وأكْرِمْ زَيْدًا إنَّهُ عالِمٌ، والضَّمِيرُ في ﴿وما جَعَلَهُ﴾ عائِدٌ عَلى الإمْدادِ المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، أوْ عَلى المَدَدِ، أوْ عَلى الوَعْدِ الدّالِّ عَلَيْهِ يَعِدُكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، أوْ عَلى الألْفِ، أوْ عَلى الِاسْتِجابَةِ، أوْ عَلى الإرْدافِ، أوْ عَلى الخَبَرِ بِالإمْدادِ، أوْ عَلى جِبْرِيلَ، أقْوالٌ مُحْتَمَلَةٌ مَقُولَةٌ أظْهَرُها الأوَّلُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ.
﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ قالَ (p-٤٦٧)الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ ثانٍ مِن إذْ يَعِدُكم، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ، أوْ بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِما جَعَلَهُ اللَّهُ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرِ، انْتَهى. أمّا كَوْنُهُ بَدَلًا ثانِيًا مِن إذْ يَعِدُكم فَوافَقَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَإنَّ العامِلَ في إذْ هو العامِلُ في قَوْلِهِ: وإذْ يَعِدُكم بِتَقْدِيرِ تَكْرارِهِ؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في العامِلِ الأوَّلِ نَفْسِهِ لا يَكُونُ إلّا بِحَرْفِ عَطْفٍ، وإنَّما القَصْدُ أنْ يُعَدِّدَ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَقالَ: واذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا بِكم كَذا، اذْكُرُوا إذْ فَعَلْنا كَذا، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِالنَّصْرِ فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرٌ فِيهِ ألْ، وفي إعْمالِهِ خِلافٌ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ، الثّانِي: أنَّهُ مَوْصُولٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ إعْمالٌ لا يَجُوزُ، لا يُقالُ ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ عَمْرًا، الثّالِثُ: أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ إعْمالُ ما قَبْلَ إلّا في ما بَعْدَها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَفْعُولُ مُسْتَثْنًى أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ، وإذْ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَجُوزُ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ فَيُضَعِّفُهُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ اسْتِقْرارُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِالظَّرْفِ، والنَّصْرُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُطْلَقًا في وقْتِ غَشْيِ النُّعاسِ وغَيْرِهِ، وأمّا كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما جَعَلَهُ اللَّهُ فَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا لِطُولِ الفَصْلِ، ولِكَوْنِهِ مَعْمُولَ ما قَبْلَ إلّا، ولَيْسَ أحَدَ تِلْكَ الثَّلاثَةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: العامِلُ في إذْ قَوْلُهُ: ولِتَطْمَئِنَّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَعَ احْتِمالِهِ فِيهِ ضَعْفٌ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى قَرِيبٍ مِن هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: ولَوْ جُعِلَ العامِلُ في إذْ شَيْئًا قَرَنَها بِما قَبْلَها لَكانَ الأوْلى في ذَلِكَ أنْ يَعْمَلَ في إذْ (حَكِيمٌ)؛ لِأنَّ إلْقاءَ النُّعاسِ عَلَيْهِمْ وجَعْلَهُ أمَنَةً حِكْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، انْتَهى، والأجْوَدُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ: يَغْشاكُمُ النُّعاسُ، مُضارِعُ غَشِيَ والنُّعاسُ رُفِعَ بِهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ نِصاحٍ وأبُو حَفْصٍ ونافِعٌ: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾، مُضارِعُ أغْشى، وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ مُضارِعُ: غَشّى، والنُّعاسُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَنصُوبٌ، والفاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ، وناسَبَتْ قِراءَةُ نافِعٍ قَوْلَهُ: يَغْشى طائِفَةً مِنكم، وقِراءَةَ الباقِينَ ﴿ويُنَزِّلُ﴾ حَيْثُ لَمْ يَخْتَلِفِ الفاعِلُ، ومَعْنى يُغَشِّيكم يُعْطِيكم بِهِ، وهو اسْتِعارَةٌ، جَعَلَ ما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ النُّعاسِ غَشَيانًا لَهم، وتَقَدَّمَ شَرْحُ النُّعاسِ وأمَنَةً في آلِ عِمْرانَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وانْتَصَبَ أمَنَةً، قِيلَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَأمِنتُمْ أمَنَةً، والأظْهَرُ أنَّهُ انْتَصَبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ في قِراءَةِ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ لِاتِّحادِ الفاعِلِ؛ لِأنَّ المُغَشِّيَ والمُؤَمِّنَ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا عَلى قِراءَةِ: يَغْشاكم، فالفاعِلُ مُخْتَلِفٌ؛ إذْ فاعِلُ يَغْشاكم هو النُّعاسُ والمُؤَمِّنُ هو اللَّهُ، وفي جَوازِ مَجِيءِ المَفْعُولِ لَهُ مَعَ اخْتِلافِ الفاعِلِ خِلافٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أما وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ الفِعْلِ المُعَلَّلِ والعِلَّةِ واحِدًا ؟ قُلْتُ بَلى، ولَكِنْ لَمّا كانَ مَعْنى يَغْشاكُمُ النُّعاسُ: تُتَغَشَّوْنَ، انْتَصَبَ أمَنَةً عَلى أنَّ النُّعاسَ والأمَنَةَ لَهم، والمَعْنى: إذْ تُتَغَشَّوْنَ أمَنَةً (p-٤٦٨)بِمَعْنى أمْنًا، أيْ: لِأمْنِكم، ومِنهُ صِفَةٌ لَها، أيْ: أمَنَةً حاصِلَةً لَكم مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى أنَّ الأمَنَةَ لِلنُّعاسِ الَّذِي هو يَغْشاكم، أيْ: يَغْشاكُمُ النُّعاسُ لِأمْنِهِ، عَلى أنَّ إسْنادَ الأمْنِ إلى النُّعاسِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ، وهو لِأصْحابِ النُّعاسِ عَلى الحَقِيقَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ أمانُكم في وقْتِهِ كانَ مِن حَقِّ النُّعاسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ المَخُوفِ أنْ لا يُقَدَّمَ عَلى غِشْيانِكم، وإنَّما غَشّاكم أمَنَةً حاصِلَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَوْلاها لَمْ يَغْشَكم عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، (قُلْتُ) لا تَتَعَدّى فَصاحَةُ القُرْآنِ عَنِ احْتِمالِهِ، ولَهُ فِيهِ نَظائِرُ، ولَقَدْ ألَمَّ بِهِ مَن قالَ:
؎يَهابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشى عُيُونًا تَهابُكَ فَهْوَ نَفّارٌ شُرُودُ
وقُرِئَ أمْنَةً بِسُكُونِ المِيمِ، ونَظِيرُ أمِنَ أمَنَةً حَيِيَ حَياةً، ونَحْوُ أمِنَ أمْنَةً رَحِمَ رَحْمَةً، والمَعْنى: أنَّ ما كانَ بِهِمْ مِنَ الخَوْفِ كانَ يَمْنَعُهم مِنَ النَّوْمِ، فَلَمّا طامَنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم أمَّنَهم وأقَرُّوا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: النُّعاسُ في القِتالِ أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي الصَّلاةِ وسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، انْتَهى، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَبِيهُ هَذا الكَلامِ، وقالَ: النُّعاسُ عِنْدَ حُضُورِ القِتالِ عَلامَةُ أمْنٍ مِنَ العَدُوِّ، وهو مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو في الصَّلاةِ مِنَ الشَّيْطانِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا إنَّما طَرِيقَةُ الوَحْيِ، فَهو لا مَحالَةَ يُسْنِدُها، انْتَهى، والَّذِي قَرَأ ﴿أمَنَةً﴾ بِسُكُونِ المِيمِ هو ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّخَعِيِّ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وغِشْيانُ النَّوْمِ إيّاهم قِيلَ: حالَ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ ومَضى مِثْلُ هَذا في يَوْمِ أُحُدٍ في آلِ عِمْرانَ؛ وقِيلَ: اللَّيْلَةَ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها امْتُنَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ مَعَ الأمْرِ المُهِمِّ الَّذِي يَرَوْنَهُ في غَدٍ لِيَسْتَرِيحُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ ويَنْشَطُوا في غَدِها لِلْقِتالِ ويَزُولَ رُعْبُهم، ويُقالُ: الأمْنُ مُنِيمٌ والخَوْفُ مُسْهِرٌ، والأوْلى أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ في الزَّمانِ كَتَرْتِيبِها في التِّلاوَةِ، فَيَكُونَ إنْزالُ المَطَرِ تَأخَّرَ عَنْ غِشْيانِ النُّعاسِ، وعَنِ ابْنِ نَجِيحٍ أنَّ المَطَرَ كانَ قَبْلَ النُّعاسِ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: ونُزُولُ الماءِ كانَ قَبْلَ تَغْشِيَةِ النُّعاسِ ولَمْ يَتَرَتَّبْ كَذَلِكَ في الآيَةِ؛ إذِ القَصْدُ مِنها تَعْدِيدُ النِّعَمِ فَقَطْ، وقَرَأ طَلْحَةُ: ﴿ويُنَزِّلُ﴾، بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ماءً﴾، بِالمَدِّ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ: ما، بِغَيْرِ هَمْزٍ، حَكاهُ ابْنُ جِنِّيٍّ، صاحِبُ اللَّوامِحِ في شَواذِّ القِراءاتِ، وخَرَّجاهُ عَلى أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وصِلَتُهُ حَرْفُ الجَرِّ الَّذِي هو لِيُطَهِّرَكم، والعائِدُ عَلَيْهِ هو، ومَعْناهُ الَّذِي هو لِيُطَهِّرَكم بِهِ، انْتَهى، وظاهِرُ هَذا التَّخْرِيجِ فاسِدٌ؛ لِأنَّ لامَ كَيْ لا تَكُونُ صِلَةً، ومِن حَيْثُ جَعْلِ الضَّمائِرِ هو، وقالَ: مَعْناهُ الَّذِي هو لِيُطَهِّرَكم، ولا تَكُونُ لامُ كَيْ هي الصِّلَةُ، بَلِ الصِّلَةُ هو، ولامُ الجَرِّ والمَجْرُورِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ ما مَوْصُولَةٌ وصِلَتُها حَرْفُ الجَرِّ بِما جَرَّهُ، فَكَأنَّهُ قالَ ما لِلطَّهُورِ، انْتَهى. وهَذا فِيهِ ما قُلْنا مِن مَجِيءِ لامِ كَيْ صِلَةً، ويُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ ما لَيْسَ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، وأنَّهُ بِمَعْنى ماءً المَحْدُودِ، وذَلِكَ أنَّهم حَكَوْا أنَّ العَرَبَ حَذَفَتْ هَذِهِ الهَمْزَةَ، فَقالُوا: مًا يا هَذا، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وتَنْوِينِ المِيمِ، فَيُمْكِنُ أنْ تُخَرَّجَ عَلى هَذا، إلّا أنَّهم أجْرَوُا الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ فَحَذَفُوا التَّنْوِينَ؛ لِأنَّكَ إذا وقَفْتَ عَلى شَرِبْتُ مًا قُلْتَ: شَرِبْتُ ما، بِحَذْفِ التَّنْوِينِ وإبْقاءِ الألِفِ، إمّا ألِفُ الوَصْلِ الَّذِي هي بَدَلٌ مِنَ الواوِ وهي عَيْنُ الكَلِمَةِ، وإمّا الألِفُ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ التَّنْوِينِ حالَةَ النَّصْبِ، وقَرَأ ابْنُ المُسَيَّبِ: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، بِسُكُونِ الطّاءِ، ومَعْنى لِيُطْهِرَكم مِنَ الجَناباتِ، وكانَ المُؤْمِنُونَ لَحِقَ أكْثَرَهم في سَفَرِهِمُ الجَناباتُ وعَدِمُوا الماءَ وكانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ ماءِ بَدْرٍ مَسافَةٌ طَوِيلَةٌ مِن رَمْلٍ دَهْسٍ لَيِّنٍ تَسُوخُ فِيهِ الأرْجُلُ، وكانَ المُشْرِكُونَ قَدْ سَبَقُوهم إلى ماءِ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: بَلِ المُؤْمِنُونَ سَبَقُوا إلى الماءِ بِبَدْرٍ، وكانَ نُزُولُ المَطَرِ قَبْلَ ذَلِكَ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بَدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم فَوَجَسَتْ نُفُوسُهم وعَطِشُوا وأجْنَبُوا وصَلَّوْا كَذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم في نُفُوسِهِمْ بِإلْقاءِ الشَّيْطانِ إلَيْهِمْ: نَزْعُمُ أنّا أوْلِياءُ اللَّهِ وفِينا رَسُولُ اللَّهِ وحالُنا هَذِهِ، والمُشْرِكُونَ (p-٤٦٩)عَلى الماءِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ السّابِعَةَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ حَتّى سالَتِ الأوْدِيَةُ، فَشَرِبَ النّاسُ وتَطَهَّرُوا وسَقَوُا الظَّهْرَ وتَلَبَّدَتِ السَّبْخَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، حَتّى ثَبَتَتْ فِيها أقْدامُ المُسْلِمِينَ وقْتَ القِتالِ وكانَتْ قَبْلَ المَطَرِ تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ، فَلَمّا نَزَلَ تَلَبَّدَتْ، قالُوا: فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾، أيْ: مِنَ الجَناباتِ، ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ، أيْ: عَذابَهُ لَكم بِوَسْواسِهِ، والرِّجْزُ العَذابُ؛ وقِيلَ: رِجْزُهُ كَيْدُهُ ووَسْوَسَتُهُ؛ وقِيلَ: الجَنابَةُ مِنَ الِاحْتِلامِ فَإنَّها مِنَ الشَّيْطانِ، ووَرَدَ ما احْتَلَمَ نَبِيٌّ قَطُّ، إنَّما الِاحْتِلامُ يَكُونُ مِنَ الشَّيْطانِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو يُذْهِبْ بِجَزْمِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ رُجْزَ بِضَمِّ الرّاءِ، وأبُو العالِيَةِ رِجْسَ بِالسِّينِ، ومَعْنى الرَّبْطِ عَلى القَلْبِ هو اجْتِماعُ الرَّأْيِ والتَّشْجِيعُ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ والصَّبْرُ عَلى مُكافَحَةِ العَدُوِّ، والرَّبْطُ الشَّدُّ، هو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ، فاسْتُعِيرَ مِنها لِما حَصَلَ في القَلْبِ مِنَ الشِّدَّةِ والطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ التَّزَلْزُلِ، ومُقْتَضى ذَلِكَ الرَّبْطِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّبْرُ، وقالَ مُقاتِلٌ: الإيمانُ؛ وقِيلَ: نُزُولُ المَطَرِ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ تَعْلِيلٌ لِإنْزالِ المَطَرِ، والظّاهِرُ أنَّ تَثْبِيتَ الأقْدامِ هو حَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ المَكانَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ اللِّقاءُ كانَ رَمْلًا تَغُوصُ فِيهِ الأرْجُلُ فَلَبَّدَهُ المَطَرُ حَتّى ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الأقْدامُ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى المَطَرِ؛ وقِيلَ: التَّثْبِيتُ لِلْأقْدامِ مَعْنَوِيٌّ والمُرادُ بِهِ كَوْنُهُ لا يَفِرُّ وقْتَ القِتالِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿ولِيَرْبِطَ﴾ وانْظُرْ إلى فَصاحَةِ مَجِيءِ هَذِهِ التَّعْلِيلاتِ، بَدَأ أوَّلًا مِنها بِالتَّعْلِيلِ الظّاهِرِ، وهو تَطْهِيرُهم مِنَ الجَنابَةِ، وهو فِعْلٌ جُسْمانِيٌّ، أعْنِي اغْتِسالَهم مِنَ الجَنابَةِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لامِ العِلَّةِ ما هو مِن لازِمِ التَّطْهِيرِ، وهو إذْهابُ رِجْزِ الشَّيْطانِ؛ حَيْثُ وسْوَسَ إلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ ولَمْ يَغْتَسِلُوا مِنَ الجَنابَةِ، ثُمَّ عَطَفَ بِلامِ العِلَّةِ ما لَيْسَ بِفِعْلٍ جُسْمانِيٍّ، وهو فِعْلٌ مَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو التَّشْجِيعُ والِاطْمِئْنانُ والصَّبْرُ عَلى اللِّقاءِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لامِ العِلَّةِ ما هو مِن لازِمِهِ، وهو كَوْنُهم لا يَفِرُّونَ وقْتَ الحَرْبِ، فَحِينَ ذَكَرَ التَّعْلِيلَ الظّاهِرَ الجُسْمانِيَّ والتَّعْلِيلَ الباطِنَ القَلْبِيَّ ظَهَرَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ، وحِينَ ذَكَرَ لازِمَها لَمْ يُؤَكِّدْ بِلامِ التَّعْلِيلِ وبَدَأ أوَّلًا بِالتَّطْهِيرِ؛ لِأنَّهُ الآكَدُ والأسْبَقُ في الفِعْلِ، ولِأنَّهُ الَّذِي تُؤَدّى بِهِ أفْضَلُ العِباداتِ وتَحْيا بِهِ القُلُوبُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences