Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:111–116
9:111–112Page 204
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١
Indeed, Allāh has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allāh, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur’ān. And who is truer to his covenant than Allāh? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.
ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢
[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allāh], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allāh. And give good tidings to the believers.
﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾:
نَزَلَتْ في البَيْعَةِ الثّانِيَةِ وهي بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، وهي الَّتِي أنافَ فِيها رِجالٌ الأنْصارِ عَلى السَّبْعِينَ، وكانَ أصْغَرُهم سِنًّا عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو. وذَلِكَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ العَقَبَةِ، فَقالُوا: اشْتَرِطْ لَكَ ولِرَبِّكَ، والمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فاشْتَرَطَ ﷺ حِمايَتَهُ مِمّا يَحْمُونَ مِنهُ أنْفُسَهم، واشْتَرَطَ لِرَبِّهِ التِزامَ الشَّرِيعَةِ وقِتالَ الأحْمَرِ والأسْوَدِ في الدَّفْعِ عَنِ الحَوْزَةِ، فَقالُوا: ما لَنا عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ: الجَنَّةُ، فَقالُوا: نَعَمْ رَبِحَ البَيْعُ، لا تُقِيلُ ولا نُقائِلُ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتْ.
والآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ مَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «نَزَلَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ فَكَبَّرَ النّاسُ، فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ ثانِيًا طَرَفَ رِكابِهِ عَلى أحَدِ عاتِقَيْهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“ فَقالَ: بَيْعٌ رَبِحٌ، لا تُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: فَخَرَجَ إلى الغَزْوِ فاسْتُشْهِدَ» . وقالَ الحَسَنُ: لا واللَّهِ إنْ في الأرْضِ مُؤْمِنٌ إلّا وقَدْ أحْدَثَ بَيْعَتَهُ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ والأعْمَشُ: ”وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ“، مَثَّلَ تَعالى إثابَتَهم بِالجَنَّةِ عَلى بَذْلِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ في سَبِيلِهِ بِالشِّراءِ، وقَدَّمَ الأنْفُسَ عَلى الأمْوالِ ابْتِداءً بِالأشْرَفِ وبِما لا عِوَضَ لَهُ إذا فُقِدَ. وفي لَفْظَةِ (اشْتَرى) لَطِيفَةٌ وهي: رَغْبَةُ المُشْتَرِي فِيما اشْتَراهُ، واغْتِباطُهُ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ باعُوا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الشِّراءَ هو مَعَ المُجاهِدِينَ. وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: (اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم) أنْ لا يَعْمَلُوها إلّا في طاعَةٍ، (وأمْوالَهم) أنْ لا يُنْفِقُوها إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ، فالآيَةُ عَلى هَذا أعَمُّ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ (يُقاتِلُونَ) مُسْتَأْنَفًا، ذَكَرَ أعْظَمَ أحْوالِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى أشْرَفَ مَقامِهِمْ. وعَلى الظّاهِرِ وقَوْلِ الجُمْهُورِ يَكُونُ (يُقاتِلُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والعَرَبِيّانِ، والحَرَمِيّانِ، وعاصِمٌ: أوَّلًا عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وثانِيًا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ والأخَوانِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، والمَعْنى واحِدٌ، إذِ الغَرَضُ أنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتَلُونَ ويُؤْخَذُ مِنهم مَن يُقْتَلُ، وفِيهِمْ مَن يَقْتُلُ، وفِيهِمْ مَن يَجْتَمِعُ لَهُ الأمْرانِ، وفِيهِمْ مَن لا يَقَعُ لَهُ واحِدٌ مِنهُما، بَلْ تَحْصُلُ مِنهُمُ المُقاتَلَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقاتِلُونَ فِيهِ مَعْنى الأمْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] . انْتَهى. فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّ ما فِيهِ مَعْنى الأمْرِ لا يَقَعُ حالًا. وانْتَصَبَ (وعْدًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى اشْتَرى (p-١٠٣)بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ وعَدَهُمُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِهِ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُمِرَتْ بِالجِهادِ ووُعِدَتْ عَلَيْهِ بِالجَنَّةِ، فَيَكُونُ (في التَّوْراةِ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (اشْتَرى) . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِتَقْدِيرِ قَوْلِهِ مَذْكُورًا، وهو صِفَةٌ فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا مَذْكُورًا في التَّوْراةِ، فَيَكُونُ هَذا الوَعْدُ بِالجَنَّةِ إنَّما هَدْيُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ذُكِرَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: الأمْرُ بِالجِهادِ والقِتالِ مَوْجُودٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ. (ومَن أوْفى) اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ، أيْ: لا أحَدَ، ولَمّا أكَّدَ الوَعْدَ بِقَوْلِهِ (عَلَيْهِ حَقًّا) أبْرَزَهُ هُنا في صُورَةِ العَهْدِ الَّذِي هو آكَدُ وأوْثَقُ مِنَ الوَعْدِ، إذِ الوَعْدُ في غَيْرِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى جائِزٌ إخْلافُهُ، والعَهْدُ لا يَجُوزُ إلّا الوَفاءُ بِهِ، إذْ هو آكَدُ مِنَ الوَعْدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ لِأنَّ إخْلافَ المِيعادِ قَبِيحٌ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ الكِرامُ مِنَ الخَلْقِ مَعَ جَوازِهِ عَلَيْهِمْ لِحاجَتِهِمْ، فَكَيْفَ بِالغَنِيِّ الَّذِي لا يَجُوزُ عَلَيْهِ قَبِيحٌ قَطُّ ؟ ولا تَرى تَرْغِيبًا في الجِهادِ أحْسَنَ مِنهُ وأبْلَغَ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، واسْتِعْمالُ قَطُّ في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ؛ لِأنَّهُ أتى بِهِ مَعَ قَوْلِهِ: لا يَجُوزُ عَلَيْهِ قَبِيحٌ قَطُّ. وقَطُّ ظَرْفٌ ماضٍ فَلا يَعْمَلُ فِيهِ إلّا الماضِي. ثُمَّ قالَ: (فاسْتَبْشِرُوا) خاطَبَهم عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ في مُواجَهَتِهِ تَعالى لَهم بِالخِطابِ تَشْرِيفٌ لَهم، وهي حِكْمَةُ الِالتِفاتِ هُنا. ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ، بَلْ هي بِمَعْنى أفْعَلَ كاسْتَوْقَدَ وأوْقَدَ. و(الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ) وصْفٌ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ومُحِيلٌ عَلى البَيْعِ السّابِقِ. ثُمَّ قالَ: (وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ)، أيْ: الظَّفَرُ لِلْحُصُولِ عَلى الرِّبْحِ التّامِّ، والغِبْطَةُ في البَيْعِ لِحَطِّ الذَّنْبَ ودُخُولِ الجَنَّةِ.
﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ - قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وإنْ زَنا، وإنْ سَرَقَ، وإنْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَنَزَلَتْ: (التّائِبُونَ)» الآيَةَ. وهَذِهِ أوْصافُ الكَمَلَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِيَسْتَبِقَ إلى التَّحَلِّي بِها عِبادُهُ، ولِيَكُونُوا عَلى أوْفى دَرَجاتِ الكَمالِ. وآيَةُ (إنَّ اللَّهَ اشْتَرى) مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، لَمْ يُشْتَرَطْ فِيها شَيْءٌ سِوى الإيمانُ، فَيَنْدَرِجُ فِيها كُلُّ مُؤْمِنٍ قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، وإنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ. والشَّهادَةُ ماحِيَةٌ لِكُلِّ ذَنْبٍ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يَحْمِلُ عَنِ الشَّهِيدِ مَظالِمَ العِبادِ ويُجازِيهِمْ عَنْهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الصِّفاتُ شَرْطٌ في المُجاهِدِ. والآيَتانِ مُرْتَبِطَتانِ، فَلا يَدْخُلُ في المُبايَعَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى هَذِهِ الأوْصافِ، ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللَّهِ. وسَألَ الضَّحّاكَ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: (إنَّ اللَّهَ اشْتَرى) الآيَةَ، وقالَ: لِأحْمِلَنَّ عَلى المُشْرِكِينَ فَأُقاتِلُ حَتّى أُقْتَلَ، فَقالَ الضَّحّاكُ: ويْلَكَ، أيْنَ الشَّرْطُ (التّائِبُونَ العابِدُونَ) الآيَةَ ؟ وهَذا القَوْلُ فِيهِ حَرَجٌ وتَضْيِيقٌ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تَرَتَّبَ إعْرابُ (التّائِبُونَ)، فَقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَذْكُورٌ، وهو (العابِدُونَ)، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ: التّائِبُونَ في الحَقِيقَةِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الخِصالِ. وقِيلَ: خَبَرُهُ (الآمِرُونَ) . وقِيلَ: خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ بَعْدَ تَمامِ الأوْصافِ، وتَقْدِيرُهُ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا وإنْ لَمْ يُجاهِدْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] ولِذَلِكَ جاءَ: (وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ) وعَلى هَذِهِ الأعارِيبِ تَكُونُ الآيَةُ مَعْناها مُنْفَصِلٌ مِن مَعْنى الَّتِي قَبْلَها. وقِيلَ: (التّائِبُونَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هُمُ التّائِبُونَ، أيْ: الَّذِينَ بايَعُوا اللَّهَ هم (p-١٠٤)التّائِبُونَ، فَيَكُونُ صِفَةً مَقْطُوعَةً لِلْمَدْحِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ: (التّايِبِينَ) بِالياءِ، إلى: (والحافِظِينَ) نَصْبًا عَلى المَدْحِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَهُ أيْضًا ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (التّائِبُونَ) وبَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يُقاتِلُونَ) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: التّائِبُونَ مِنَ الشِّرْكِ. وقالَ الحَسَنُ: مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ. وقِيلَ: عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العابِدُونَ بِالصَّلاةِ. وعَنْهُ أيْضًا: المُطِيعُونَ بِالعِبادَةِ، وعَنِ الحَسَنِ: هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: المُوَحِّدُونَ السّائِحُونَ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما: الصّائِمُونَ شُبِّهُوا بِالسّائِحِينَ في الأرْضِ لِامْتِناعِهِمْ مِن شَهَواتِهِمْ. وعَنْ عائِشَةَ: سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيامُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ الأزْهَرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ؛ لِأنَّ الَّذِي يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدٌ لا زادَ مَعَهُ، كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ مُمْسِكٌ عَنِ الأكْلِ. وقالَ عَطاءٌ: السّائِحُونَ المُجاهِدُونَ. وعَنْ أبِي أُمامَةَ: «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في السِّياحَةِ فَقالَ: ”إنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ“» صَحَّحَهُ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ. وقِيلَ: المُرادُ السِّياحَةُ في الأرْضِ. فَقِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. وقِيلَ: المُسافِرُونَ لِطَلَبِ الحَدِيثِ والعِلْمِ. وقِيلَ: المُسافِرُونَ في الأرْضِ لِيَنْظُرُوا ما فِيها مِن آياتِ اللَّهِ، وغَرائِبِ مُلْكِهِ نَظَرَ اعْتِبارٍ. وقِيلَ: الجائِلُونَ بِأفْكارِهِمْ في قُدْرَةِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ. والصِّفاتُ إذا تَكَرَّرَتْ وكانَتْ لِلْمَدْحِ أوِ الذَّمِّ أوِ التَّرَحُّمِ جازَ فِيها الإتْباعُ لِلْمَنعُوتِ والقَطْعُ في كُلِّها أوْ بَعْضِها، وإذا تَبايَنَ ما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ جازَ العَطْفُ. ولَمّا كانَ الأمْرُ مُبايِنًا لِلنَّهْيِ، إذِ الأمْرُ طَلَبُ فِعْلٍ والنَّهْيُ تَرْكُ فِعْلٍ - حَسُنَ العَطْفُ في قَوْلِهِ: (والنّاهُونَ) . ودَعْوى الزِّيادَةِ، أوْ واوِ الثَّمانِيَةِ ضَعِيفٌ. وتَرْتِيبُ هَذِهِ الصِّفاتِ في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ، إذْ بَدَأ أوَّلًا بِما يَخُصُّ الإنْسانَ مُرَتَّبَةً عَلى ما سَعى، ثُمَّ بِما يَتَعَدّى مِن هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الإنْسانِ لِغَيْرِهِ، وهو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ بِما شَمِلَ ما يَخُصُّهُ في نَفْسِهِ وما يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ وهو الحِفْظُ لِحُدُودِ اللَّهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَجْمُوعَ هَذِهِ الأوْصافِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ. وفي الآيَةِ قَبْلَها (فاسْتَبْشِرُوا) أمَرَهم بِالِاسْتِبْشارِ، فَحَصَلَتْ لَهُمُ المَزِيَّةُ التّامَّةُ بِأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالِاسْتِبْشارِ، وأمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَشِّرَهم.
9:113–114Page 205
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١١٣
It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.
وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ١١٤
And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to him [i.e., Abraham] that he [i.e., the father] was an enemy to Allāh, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.
﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: ومَدارُهُ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ، والزُّهْرِيِّ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، «نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ حِينَ احْتُضِرَ فَوَعَظَهُ وقالَ: ”أيْ عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا لِلَّهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ“ وكانَ بِالحَضْرَةِ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ فَقالا لَهُ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ فَقالَ أبُو طالِبٍ: يا مُحَمَّدُ لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمَّ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وماتَ، فَنَزَلَتْ: (إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ) (p-١٠٥)فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ“ فَكانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَرَكَ الِاسْتِغْفارَ لِأبِي طالِبٍ» . ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوْهُ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ جَعَلُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهم، فَلِذَلِكَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ أتى قَبْرَ أُمِّهِ ووَقَفَ عَلَيْهِ حَتّى سَخُنَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وجَعَلَ يَرْغَبُ في أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في الِاسْتِغْفارِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَأخْبَرَ أنَّهُ أُذِنَ لَهُ في زِيارَةِ قَبْرِها ومُنِعَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَها، ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: واللَّهِ لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: نَسْتَغْفِرُ لِمَوْتانا كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ. وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ (ما كانَ لِلنَّبِيِّ) الآيَةَ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم عَلى أيِّ حالٍ كانُوا، ولَوْ في حالِ كَوْنِهِمْ أُولِي قُرْبى. فَقَوْلُهُ: (ولَوْ كانُوا) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى حالٍ مُقَدَّرَةٍ، وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، أنَّ ”ولَوْ“ تَأْتِي لِاسْتِقْصاءِ ما لَوْلاها لَمْ يَكُنْ لِيَدْخُلَ فِيما قَبْلَها ما بَعْدَها. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى المُبالَغَةِ في إظْهارِ البَراءَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمَنعِ مِن مُواصَلَتِهِمْ ولَوْ كانُوا في غايَةِ القُرْبِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الشَّرِيفِ مِنَ النُّبُوَّةِ والإيمانِ، وأنَّهُ مُنافٍ لِلِاسْتِغْفارِ لِمَن ماتَ عَلى ضِدِّهِ وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ. ومَعْنى (مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ)، أيْ: وضُحَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ لِمُوافاتِهِمْ عَلى الشِّرْكِ، والتَّبَيُّنُ هو بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ) والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ هُنا هو طَلَبُ المَغْفِرَةِ، وبِهِ تَظافَرَتْ أسْبابُ النُّزُولِ. وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الآيَةُ في النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، والِاسْتِغْفارُ هُنا يُرادُ بِهِ الصَّلاةُ. قالُوا: والِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِ الحَيِّ جائِزٌ إذْ يُرْجى إسْلامُهُ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ: رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبِي هُرَيْرَةَ ولِأُمِّهِ، قِيلَ لَهُ: ولِأبِيهِ ؟ قالَ: لا لِأنَّ أبِي ماتَ كافِرًا، فَإنْ ورَدَ نَصٌّ مِنَ اللَّهِ عَلى أحَدٍ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ وهو حَيٌّ كَأبِي لَهَبٍ امْتَنَعَ الِاسْتِغْفارُ لَهُ، فَتَبَيُّنُ كَيْنُونَةِ المُشْرِكِ أنَّهُ مِن أصْحابِ الجَحِيمِ - تَمْوِيهٌ عَلى الشِّرْكِ، وبِنَصِّ اللَّهِ عَلَيْهِ وهو حَيٌّ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. ويَدْخُلُ عَلى جَوازِ الِاسْتِغْفارِ لِلْكُفّارِ إذا كانُوا أحْياءً، لِأنَّهُ يُرْجى إسْلامُهم ما حَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَبِيٍّ قَبْلَهُ شَجَّهُ قَوْمُهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُخْبِرُ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» .
ولَمّا كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ بِصَدَدِ أنْ يُقْتَدى بِهِ، ولِذَلِكَ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: نَسْتَغْفِرُ لِمَوْتانا كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ - بَيَّنَ العِلَّةَ في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، وذَكَرَ أنَّهُ حِينَ اتَّضَحَتْ لَهُ عَداوَتُهُ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إبْراهِيمُ. والمَوْعِدَةُ الَّتِي وعَدَها إبْراهِيمُ أباهُ هي قَوْلُهُ: (سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) وقَوْلُهُ: (لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) . والضَّمِيرُ الفاعِلُ في (وعَدَها) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وكانَ أبُوهُ بِقَيْدِ الحَياةِ، فَكانَ يَرْجُو إيمانَهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ وأنَّهُ يَمُوتُ كافِرًا وانْقَطَعَ رَجاؤُهُ مِنهُ، تَبَرَّأ مِنهُ وقَطَعَ اسْتِغْفارَهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الفاعِلَ في (وعَدَ) ضَمِيرٌ يُعُودُ عَلى إبْراهِيمَ - قِراءَةُ الحَسَنِ، وحَمّادٍ الرّاوِيَةِ، وابْنِ السَّمَيْقَعِ، وأبِي نَهِيكٍ، ومُعاذٍ القارِئِ: (وعَدَها أباهُ) . وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرُ والِدِ إبْراهِيمَ، و”إيّاهُ“ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، وعَدَهُ أبُوهُ أنَّهُ سَيُؤْمِنُ، فَكانَ إبْراهِيمُ قَدْ قَوِيَ طَمَعُهُ في إيمانِهِ، فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ حَتّى نُهِيَ عَنْهُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ: ”وما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ“، وعَنْهُ: ”وما يَسْتَغْفِرُ إبْراهِيمُ“ عَلى حِكايَةِ الحالِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ كانَ في حالَةِ الدُّنْيا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] وقَوْلِهِ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ) ويَضْعُفُ ما قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ: مِن أنَّ هَذا كُلَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ إبْراهِيمَ يَلْقى أباهُ فَيَعْرِفُهُ ويَتَذَكَّرُ قَوْلَهُ: ”سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي“، فَيَقُولُ لَهُ: الزَمْ حِقْوِي فَلَنْ أدَعَكَ اليَوْمَ لِشَيْءٍ، فَيَدَعُهُ حَتّى يَأْتِيَ الصِّراطَ، فَيَلْتَفِتُ إلَيْهِ فَإذا هو قَدْ مُسِخَ ضِبْعانًا، فَيَتَبَرَّأُ مِنهُ حِينَئِذٍ. انْتَهى ما قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ولا يَظْهَرُ رَبْطُهُ بِالآخِرَةِ.
قالَ (p-١٠٦)الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: خَفِيَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْكافِرِ غَيْرُ جائِزٍ حَتّى وعَدَهُ. قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ ما دامَ يُرْجى لَهُ الإيمانُ جازَ الِاسْتِغْفارُ لَهُ عَلى أنَّ امْتِناعَ جَوازِ الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ إنَّما عُلِمَ بِالوَحْيِ؛ لِأنَّ العَقْلَ يُجَوِّزُ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِلْكافِرِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﷺ: ”لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ“، «وعَنِ الحَسَنِ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ فُلانًا يَسْتَغْفِرُ لِآبائِهِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ”ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُ لَهم“» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَأيْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْهِ وهُما مُشْرِكانِ فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: ألَيْسَ قَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ ؟ انْتَهى. وقَوْلُهُ: لِأنَّ العَقْلَ يُجَوِّزُ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِلْكافِرِ، رُجُوعٌ إلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ.
والأوّاهُ: الدَّعّاءُ، أوِ المُؤْمِنُ، أوِ الفَقِيهُ، أوِ الرَّحِيمُ، أوِ المُؤْمِنُ التَّوّابُ، أوِ المُسَبِّحُ، أوِ الكَثِيرُ الذِّكْرِ لَهُ، أوِ التَّلّاءُ لِكِتابِ اللَّهِ، أوِ القائِلُ مِن خَوْفِ اللَّهِ: أوّاهٌ، المُكْثِرُ ذَلِكَ، أوِ الجامِعُ المُتَضَرِّعُ، أوِ المُؤْمِنُ بِالحَبَشِيَّةِ، أوِ المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، أوِ المُوَفِّي، أوِ المُسْتَغْفِرُ عِنْدَ ذِكْرِ الخَطايا، أوِ الشَّفِيقُ، أوِ الرّاجِعُ عَنْ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ، أقْوالٌ لِلسَّلَفِ، وقَدْ ذَكَرْنا مَدْلُولَهُ في اللُّغَةِ في المُفْرَداتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوّاهٌ فَقالَ: مِن أوَّهَ كَلَآلٍ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، وهو الَّذِي يُكْثِرُ التَّأوُّهَ، ومَعْناهُ أنَّهُ لِفَرْطِ تَرَحُّمِهِ ورِقَّتِهِ وحِلْمِهِ كانَ يَتَعَطَّفُ عَلى أبِيهِ الكافِرِ ويَسْتَغْفِرُ لَهُ مَعَ شَكاسَتِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلِهِ: (لَأرْجُمَنَّكَ) . انْتَهى. وتَشْبِيهُ أوّاهٍ مِن أوَّهَ بِلَآلٍ مِنَ اللُّؤْلُؤِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مادَّةَ أوَّهَ مَوْجُودَةٌ في صُورَةِ أوّاهٍ، ومادَّةَ لُؤْلُؤٍ مَفْقُودَةٌ في لَآلٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ، إذْ لَآلٌ ثُلاثِيٌّ، ولُؤْلُؤٌ رُباعِيٌّ، وشَرْطُ الِاشْتِقاقِ التَّوافُقُ في الحُرُوفِ الأصْلِيَّةِ. وفَسَّرُوا الحَلِيمَ هُنا بِالصّافِحِ عَنِ الذَّنْبِ، الصّابِرِ عَلى الأذى، وبِالصَّبُورِ، وبِالعاقِلِ، وبِالسَّيِّدِ، وبِالرَّقِيقِ القَلْبِ الشَّدِيدِ العَطْفِ.
9:115–116Page 205
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ١١٥
And Allāh would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allāh is Knowing of all things.
إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ١١٦
Indeed, to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allāh any protector or any helper.
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾: ماتَ قَوْمٌ كانَ عَمَلُهم عَلى الأمْرِ الأوَّلِ؛ كاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، فَسَألَ قَوْمٌ الرَّسُولَ بَعْدَ مَجِيءِ النَّسْخِ ونُزُولِ الفَرائِضِ عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: أسْلَمَ قَوْمٌ مِنَ الأعْرابِ فَعَمِلُوا بِما شاهَدُوا الرَّسُولَ يَفْعَلُهُ مِنَ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وصِيامِ الأيّامِ البِيضِ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ ويَصُومُ رَمَضانَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ دِنّا بَعْدَكَ بِالضَّلالِ، إنَّكَ عَلى أمْرٍ وإنّا عَلى غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: خافَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً، أيْ: ما كانَ اللَّهُ بَعْدَ أنْ هَدى لِلْإسْلامِ وأنْقَذَ مِنَ النّارِ لِيُحْبِطَ ذَلِكَ ويُضِلَّ أهْلَهُ لِمُقارَفَتِهِمْ ذَنْبًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نَهْيٌ عَنْهُ. فَأمّا إذْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ مِنَ الأمْرِ، ويَتَجَنَّبُونَ مِنَ الأشْياءِ - فَحِينَئِذٍ مَن واقَعَ بَعْدَ النَّهْيِ اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ما أمَرَ اللَّهُ بِاتِّقائِهِ واجْتِنابِهِ كالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ وغَيْرِهِ مِمّا نَهى عَنْهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ مَحْظُورٌ، ولا يُؤاخِذُ بِهِ عِبادَهُ الَّذِينَ هَداهم لِلْإسْلامِ، ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا ولا يَخْذُلُهم إلّا إذا أقْدَمُوا عَلَيْهِ بَعْدَ بَيانِ حَظْرِهِ عَلَيْهِمْ، وعِلْمِهِ بِأنَّهُ واجِبُ الِاتِّقاءِ والِاجْتِنابِ، وأمّا قَبْلَ العِلْمِ والبَيانِ فَلا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، كَما لا يُؤاخَذُونَ بِشُرْبِ الخَمْرِ ولا بِبَيْعِ الصّاعِ بِالصّاعَيْنِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وهَذا بَيانٌ لِعُذْرِ مَن خافَ المُؤاخَذَةَ بِالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ. في هَذِهِ الآيَةِ شَدِيدَةٌ ما يَنْبَغِي أنْ يُغْفَلَ عَنْها، وهي أنَّ المَهْدِيَّ لِلْإسْلامِ إذا أقْبَلَ عَلى بَعْضِ مَحْظُوراتِ اللَّهِ - داخِلٌ في حُكْمِ الضَّلالِ، والمُرادُ بِـ (ما يَتَّقُونَ) ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ لِلنَّهْيِ. فَأمّا ما يُعْلَمُ بِالعَقْلِ كالصِّدْقِ في الخَبَرِ ورَدِّ الوَدِيعَةِ فَغَيْرُ مَوْقُوفٌ عَلى التَّوْقِيفِ. انْتَهى. وفي هَذا الأخِيرِ مِن كَلامِهِ وفي قَوْلِهِ قَبْلُ في تَفْسِيرِ (لَيُضِلَّ): ولا يُسَمِّيهِمْ ضُلّالًا ولا يَخْذُلُهم - دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وفي كَلامِهِ إسْهابٌ، وهو بَسْطُ ما قالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ما كانَ لِيُضِلَّكم بِالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ إذْ هَداكم لِلْإيمانِ حَتّى يَتَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ويُبَيِّنَهُ لَكم فَتَتَّقُوهُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ (p-١٠٧)فِي أسْبابِ النُّزُولِ ما يَشْرَحُ بِهِ الآيَةَ مِن سُؤالِهِمْ عَمَّنْ ماتَ وقَدْ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وشَرِبَ الخَمْرَ، ومِن قِصَّةِ الأعْرابِ.
والَّذِي يَظْهَرُ في مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها وفي شَرْحِها - أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يَسْتَغْفِرُ لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، كانَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي الَّتِي بَعْدَها تَبايُنٌ ما بَيْنَ القَرابَةِ حَتّى مُنِعُوا مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، فَمُنِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ وهو الَّذِي تَوَلّى تَرْبِيَتَهُ ونَصْرَهُ وحِفْظَهُ إلى أنْ ماتَ، ومُنِعَ إبْراهِيمُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ وهو أصْلُ نَشْأتِهِ ومُرَبِّيهِ، وكَذَلِكَ مُنِعَ المُسْلِمُونَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ أقْرِباءَ وغَيْرَ أقْرِباءَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْجَبْ لِتَبايُنِ هَؤُلاءِ، هَذا خَلِيلُ اللَّهِ، وهَذا حَبِيبُ اللَّهِ، والأقْرِباءُ المُخْتَصُّونَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ أعْداءُ اللَّهِ، فَإضْلالُ هَؤُلاءِ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ أنْ أرْشَدَهُمُ اللَّهُ إلى طَرِيقِ الحَقِّ بِما رَكَّزَ فِيهِمْ مِن حُجَجِ العُقُولِ الَّتِي أغْفَلُوها، وتَبْيِينِ ما يَتَّقُونَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ، فَتَظافَرَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَجُ العَقْلِيَّةُ والسَّمْعِيَّةُ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَتَّبِعُوا ما جاءَتِ الرُّسُلُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَخْتَصُّ بِالهِدايَةِ مَن يَشاءُ. فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ لِيُدِيمَ إضْلالَ قَوْمٍ أرْشَدَهم إلى الهُدى حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَهُ، أيْ: يَجْتَنِبُونَهُ فَلا يُجْدِي ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَدُومُ إضْلالُهم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَهو يَعْلَمُ ما يَصْلُحُ لِكُلِّ أحَدٍ، وما هُيِّئَ لَهُ في سابِقِ الأزَلِ، ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ مِن أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَتَصَرَّفُ في عِبادِهِ بِما شاءَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أعْظَمِ تَصَرُّفاتِهِ الإحْياءَ والإماتَةَ، أيْ: الإيجادُ والإعْدامُ. وتَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ هُنا قَوْلَهُ (يُحْيِي ويُمِيتُ) بِأنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألّا يَجْزَعُوا مِن عَدُوٍّ وإنْ كَثُرَ، ولا يَهابُوا أحَدًا، فَإنَّ المَوْتَ المَخُوفَ والحَياةَ المَحْتُومَةَ إنَّما هي بِيَدِ اللَّهِ - غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، وإنْ كانَ في نَفْسِهِ قَوْلًا صَحِيحًا. وتَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧] في البَقَرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences