Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:117–121
9:117–118Page 205
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧
Allāh has already forgiven the Prophet and the Muhājireen and the Anṣār who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.
وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨
And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness1 and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.
﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (p-١٠٨)لَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ في أحْوالِ المُنافِقِينَ مِن تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، واسْتَطْرَدَ إلى تَقْسِيمِ المُنافِقِينَ إلى أعْرابٍ وغَيْرِهِمْ، وذَكَرَ ما فَعَلُوا مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ، وذَكَرَ مُبايَعَةَ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ في الجِهادِ وأثْنى عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُبايِنُوا المُشْرِكِينَ حَتّى الَّذِينَ ماتُوا مِنهم بِتَرْكِ الِاسْتِغْفارِ لَهم، عادَ إلى ذِكْرِ ما بَقِيَ مِن أحْوالِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهَذِهِ شَنْشَنَةُ كَلامِ العَرَبِ يَشْرَعُونَ في شَيْءٍ ثُمَّ يَذْكُرُونَ بَعْدَهُ أشْياءَ مُناسِبَةً ويُطِيلُونَ فِيها، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا شَرَعُوا فِيهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: التَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ رُجُوعُهُ لِعَبْدِهِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أرْفَعَ مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ في الأكْثَرِ رُجُوعًا عَنْ حالَةِ المَعْصِيَةِ إلى حالَةِ الطّاعَةِ، وقَدْ يَكُونُ رُجُوعًا مِن حالَةِ طاعَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها. وهَذِهِ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ رَجَعَ بِهِ مِن حالَةٍ قَبْلَ تَحْصِيلِ الغَزْوَةِ وتَحَمُّلِ مَشاقِّها، إلى حالَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ أكْمَلَ مِنها. وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَحالُها مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تَكُونَ مِن نُقْصانٍ إلى طاعَةٍ وجِدٍّ في الغَزْوِ ونُصْرَةِ الدِّينِ، وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى الفَرِيقِ فَرُجُوعٌ مِن حالَةٍ مَحْطُوطَةٍ إلى حالَةِ غُفْرانٍ ورِضًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] وهو بَعْثٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّوْبَةِ، وأنَّهُ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، حَتّى النَّبِيُّ والمُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وإبانَةٌ لِفَضْلِ التَّوْبَةِ ومِقْدارِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ صِفَةَ الأوّابِينَ صِفَةُ الأنْبِياءِ، كَما وصَفَهم بِالصّالِحِينَ لِتَظْهَرَ فَضِيلَةُ الصَّلاحِ. وقِيلَ: مَعْناهُ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . انْتَهى. وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ صَدَرَ عَنِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أنْواعٌ مِنَ المُخالَفاتِ، إلّا أنَّهُ تَعالى تابَ عَلَيْهِمْ وعَفا عَنْهم لِأجْلِ أنَّهم تَحَمَّلُوا مَشاقَّ ذَلِكَ السَّفَرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَمَّ ذِكْرُ الرَّسُولِ ﷺ إلى ذِكْرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَراتِبِهِمْ في قَبُولِ التَّوْبَةِ.
﴿اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ: اتَّبَعُوا أمْرَهُ، فَهو مِن مَجازِ الحَذْفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو ابْتَدَأ بِالخُرُوجِ، وخَرَجُوا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ الِاتِّباعُ حَقِيقَةً.
﴿ساعَةِ العُسْرَةِ﴾، أيْ: في وقْتِ العُسْرَةِ، والسّاعَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلزَّمانِ المُطْلَقِ، كَما اسْتَعارُوا الغَداةَ والعَشِيَّةَ واليَوْمَ. قالَ:
؎غَداةَ طَفَتْ عَلْماءِ بَكْرِ بْنِ وائِلِ عَشِيَّةَ قارَعْنا جُذامَ وحِمْيَرا
وآخَرُ:
؎إذا جاءَ يَوْمًا وارِثِي يَبْتَغِي الغِنَـى
وهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ كانَتْ تُسَمّى غَزْوَةَ العُسْرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِساعَةِ العُسْرَةِ السّاعَةَ الَّتِي وقَعَ فِيها عَزْمُهم وانْقِيادُهم لِتَحَمُّلِ المَشَقَّةِ، إذِ السَّفْرَةُ كُلُّها تَبَعٌ لِتِلْكَ السّاعَةِ، وبِها وفِيها يَقَعُ الأجْرُ عَلى اللَّهِ وتَرْتَبِطُ النِّيَّةُ، فَمَنِ اعْتَزَمَ عَلى الغَزْوِ وهو مُعْسِرٌ فَقَدْ أنْفَعَ في ساعَةِ عُسْرَةٍ، ولَوِ اتَّفَقَ أنْ يَطْرَأ لَهم غِنًى في سائِرِ سَفَرِهِمْ لَما اخْتَلَّ كَوْنُهم مُتَّبِعِينَ في ساعَةِ العُسْرَةِ. والعُسْرَةُ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ والعَدَمُ، وهَذا هو جَيْشُ العُسْرَةِ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ» فَجَهَّزَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ بِألْفِ جَمَلٍ وألْفِ دِينارٍ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَلَّبَ الدَّنانِيرَ بِيَدِهِ، وقالَ: «وما عَلى عُثْمانَ ما عَمِلَ بَعْدَ هَذا» وجاءَ أنْصارِيٌّ بِسَبْعِمِائَةِ وسْقٍ مِن بُرٍّ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: بَلَغَتِ العُسْرَةُ بِهِمْ إلى أنْ كانَ العَشَرَةُ مِنهم يَعْتَقِبُونَ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ مِن قِلَّةِ الظَّهْرِ، وإلى أنْ قَسَّمُوا التَّمْرَةَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، وكانَ النَّفَرُ يَأْخُذُونَ التَّمْرَةَ الواحِدَةَ فَيَمُصُّها أحَدُهم ويَشْرَبُ عَلَيْها الماءَ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِها كُلُّهم ذَلِكَ. «وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أصابَهم في بَعْضِها عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتّى جَعَلُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَشْرَبُونَ ما في كُرُوشِها مِنَ الماءِ، (p-١٠٩)ويَعْصِرُونَ الفَرْثَ حَتّى اسْتَسْقى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَما رَجَعَها حَتّى انْسَكَبَتْ سَحابَةٌ، فَشَرِبُوا وادَّخَرُوا ثُمَّ ارْتَحَلُوا، فَإذا السَّحابَةُ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ العَسْكَرِ». وفي هَذِهِ الغَزْوَةِ هَمُّوا مِنَ المَجاعَةِ بِنَحْرِ الإبِلِ، فَأمَرَ بِجَمْعِ فَضْلِ أزْوادِهِمْ حَتّى اجْتَمَعَ مِنهُ عَلى النِّطَعِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعا فِيهِ بِالبَرَكَةِ ثُمَّ قالَ: «خُذُوا في أوْعِيَتِكم فَمَلَئُوها حَتّى لَمْ يَبْقَ وِعاءٌ» وأكَلَ القَوْمُ كُلُّهم حَتّى شَبِعُوا، وفَضَلَتْ فَضْلَةٌ. وكانَ الجَيْشُ ثَلاثِينَ ألْفًا وزِيادَةً، وهي آخِرُ مَغازِيهِ، وفِيها خَلَّفَ عَلِيًّا بِالمَدِينَةِ. وقالَ المُنافِقُونَ خَلَّفَهُ بُغْضًا لَهُ، فَأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِمْ فَقالَ: «”أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى“ ؟» ووَصَلَ ﷺ إلى أوائِلِ بِلادِ العَدُوِّ، وبَثَّ السَّرايا، فَصالَحَهُ أهْلُ أذْرَحَ وأيْلَةَ وغَيْرُهُما عَلى الجِزْيَةِ، وانْصَرَفَ.
﴿يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: هَمَّتْ فِرْقَةٌ بِالِانْصِرافِ لِما لَقَوْا مِنَ المَشَقَّةِ. وقِيلَ: زَيْغُها كانَ بِظُنُونٍ لَها ساءَتْ في مَعْنى عَزْمِ الرَّسُولِ عَلى تِلْكَ الغَزْوَةِ، لِما رَأتْهُ مِن شِدَّةِ العُسْرَةِ وقِلَّةِ الوَفْرِ، وبُعْدِ الشُّقَّةِ، وقُوَّةِ العَدُوِّ المَقْصُودِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَزِيغُ: تَعْدِلُ عَنِ الحَقِّ في المُبايَعَةِ. وكادَ تَدُلُّ عَلى القُرْبِ، لا عَلى التَّلَبُّسِ بِالزَّيْغِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ: (يَزِيغُ) بِالياءِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ في كادَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وارْتِفاعُ (قُلُوبُ) بِـ (تَزِيغُ) لِامْتِناعِ أنْ يَكُونَ (قُلُوبُ) اسْمَ كادَ و(تَزِيغُ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ لِأنَّ النِّيَّةَ بِهِ التَّأْخِيرُ. ولا يَجُوزُ: مِن بَعْدِ ما كادَ قُلُوبٌ يَزِيغُ، بِالياءِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِالتّاءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (قُلُوبُ) اسْمَ كادَ، و(تَزِيغُ) الخَبَرُ، وسَطٌ بَيْنِهِما، كَما فُعِلَ ذَلِكَ بِـ ”كانَ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في عَسى، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ ”كادَ“ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى الجَمْعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ذِكْرُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، أيْ مِن بَعْدِ ما كادَ هو، أيْ: الجَمْعُ. وقَدْ قَدَّرَ المَرْفُوعَ بِكادَ باسِمٍ ظاهِرٍ، وهو القَوْمُ - ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، كَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما كادَ القَوْمُ. وعَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعارِيبِ الثَّلاثَةِ إشْكالٌ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ: مِن أنَّ خَبَرَ أفْعالِ المُقارَبَةِ لا يَكُونُ إلّا مُضارِعًا رافِعًا ضَمِيرَ اسْمِها. فَبَعْضُهم أطْلَقَ، وبَعْضُهم قَيَّدَ بِغَيْرِ عَسى مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ، ولا يَكُونُ سَبَبًا، وذَلِكَ بِخِلافِ كانَ. فَإنَّ خَبَرَها يَرْفَعُ الضَّمِيرَ، والسَّبَبِيُّ لِاسْمِ كادَ، فَإذا قَدَّرْنا فِيها ضَمِيرَ الشَّأْنِ كانَتِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ، والمَرْفُوعُ لَيْسَ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اسْمِ كادَ، بَلْ ولا سَبَبًا لَهُ، وهَذا يَلْزَمُ في قِراءَةِ الياءِ أيْضًا. وأمّا تَوْسِيطُ الخَبَرِ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في مِثْلِ: كانَ يَقُومُ زَيْدٌ، وفِيهِ خِلافٌ، والصَّحِيحُ المَنعُ. وأمّا تَوْجِيهُ الآخَرِ فَضَعِيفٌ جِدًّا مِن حَيْثُ أُضْمِرَ في ”كادَ“ ضَمِيرٌ لَيْسَ لَهُ عَلى مَن يَعُودُ إلّا بِتَوَهُّمٍ، ومِن حَيْثُ يَكُونُ خَبَرُ ”كادَ“ واقِعًا سَبَبِيًّا، ويُخَلِّصُ مِن هَذِهِ الإشْكالاتِ اعْتِقادُ كَوْنِ كادَ زائِدَةً، ومَعْناها مُرادٌ، ولا عَمَلَ لَها إذْ ذاكَ في اسْمٍ ولا خَبَرٍ، فَتَكُونُ مِثْلَ كانَ إذا زِيدَتْ، يُرادُ مَعْناها ولا عَمَلَ لَها. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”مِن بَعْدِ ما زاغَتْ“ بِإسْقاطِ كادَ. وقَدْ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى زِيادَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠] مَعَ تَأْثِيرِها لِلْعامِلِ، وعَمَلِها هي. فَأحْرى أنْ يُدَّعى زِيادَتُها، وهي لَيْسَتْ عامِلَةً ولا مَعْمُولَةً.
وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: (تُزِيغُ) بِرَفْعِ التّاءِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (مِن بَعْدِ ما كادَتْ تَزِيغُ) .
﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عائِدٌ عَلى الأوَّلِينَ، أوْ عَلى الفَرِيقِ، فالجُمْلَةُ كُرِّرَتْ تَأْكِيدًا. أوْ يُرادُ بِالأوَّلِ إنْشاءُ التَّوْبَةِ، وبِالثّانِي اسْتَدامَتُها، أوْ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ فَرِيقًا مِنهم كادَتْ قُلُوبُهم تَزِيغُ نَصَّ عَلى التَّوْبَةِ ثانِيًا رَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهم مَسْكُوتٌ عَنْهم في التَّوْبَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ التَّوْبَةِ وهو رَأْفَتُهُ بِهِمْ ورَحْمَتُهُ لَهم. والثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا تَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم، ومَعْنى خُلِّفُوا عَنِ الغَزْوِ غَزْوِ تَبُوكَ، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ خُلِّفُوا عَنْ أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ، حَيْثُ تِيبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ وإرْجاءِ أمْرِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا، ثُمَّ قَبِلَ تَوْبَتَهم. وقَدْ رَدَّ تَأْوِيلَ قَتادَةَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ بِنَفْسِهِ، فَقالَ: مَعْنى ﴿خُلِّفُوا﴾ تُرِكُوا عَنْ قَبُولِ العُذْرِ، ولَيْسَ بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿خُلِّفُوا﴾ بِتَشْدِيدِ (p-١١٠)اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ كَذَلِكَ وخَفَّفَ اللّامَ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ هارُونَ المَخْزُومِيُّ، وذِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، وحُمَيْدٌ: بِتَخْفِيفِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: خَلَفُوا الغازِينَ بِالمَدِينَةِ، أوْ فَسَدُوا؛ مِنَ الخالِفَةِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وأبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ مُشَدَّدَ اللّامِ. وقَرَأ أبُو زَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ يَعْمَرَ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وابْناهُ زَيْدٌ ومُحَمَّدٌ الباقِرُ، وابْنُهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: (خالَفُوا) بِألِفٍ، أيْ: لَمْ يُوافِقُوا عَلى الغَزْوِ. وقالَ الباقِرُ: ولَوْ خُلِّفُوا لَمْ يَكُنْ لَهم. وقَرَأ الأعْمَشُ: (وعَلى الثَّلاثَةِ المُخَلَّفِينَ)، ولَعَلَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ.
﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في هَذِهِ السُّورَةِ في قِصَّةِ حُنَيْنٍ. (وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم) اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ الهَمَّ والغَمَّ مَلَأها بِحَيْثُ لا يَسَعُها أُنْسٌ ولا سُرُورٌ، وخَرَجَتْ عَنْ فَرْطِ الوَحْشَةِ والغَمِّ.
﴿وظَنُّوا﴾، أيْ: عَلِمُوا. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْقَنُوا، كَما قالُوا في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
وقالَ قَوْمٌ: الظَّنُّ هُنا عَلى بابِهِ مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ لِأنَّهُ وقَفَ أمْرُهم عَلى الوَحْيِ ولَمْ يَكُونُوا قاطِعِينَ بِأنَّهُ يَنْزِلُ في شَأْنِهِمْ قُرْآنٌ، أوْ كانُوا قاطِعِينَ لَكِنَّهم يُجَوِّزُونَ تَطْوِيلَ المُدَّةِ في بَقائِهِمْ في الشِّدَّةِ، فالظَّنُّ عادَ إلى تَجْوِيزِ تِلْكَ المُدَّةِ قَصِيرَةً. وجاءَتْ هَذِهِ الجُمَلُ في كَنَفِ ”إذا“ في غايَةِ الحُسْنِ والتَّرْتِيبِ، فَذَكَرَ أوَّلًا ضِيقَ الأرْضِ عَلَيْهِمْ وهو كِنايَةٌ عَنِ اسْتِيحاشِهِمْ ونَبْوَةِ النّاسِ عَنْ كَلامِهِمْ. وثانِيًا ﴿وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنْ تَواتُرِ الهَمِّ والغَمِّ عَلى قُلُوبِهِمْ، حَتّى لَمْ يَكُنْ فِيها شَيْءٌ مِنَ الِانْشِراحِ والِاتِّساعِ، فَذَكَرَ أوَّلًا ضِيقَ المَحَلِّ، ثُمَّ ثانِيًا ضِيقَ الحالِ فِيهِ، لِأنَّهُ قَدْ يَضِيقُ المَحَلُّ وتَكُونُ النَّفْسُ مُنْشَرِحَةً.
؎سَمُّ الخِياطِ مَعَ المَحْبُوبِ مَيْدانُ
ثُمَّ ثالِثًا لَمّا يَئِسُوا مِنَ الخَلْقِ عَلَّقُوا أُمُورَهم بِاللَّهِ وانْقَطَعُوا إلَيْهِ، وعَلِمُوا أنَّهُ لا يُخَلِّصُ مِنَ الشِّدَّةِ ولا يُفَرِّجُها إلّا هو تَعالى ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] و”إذا“ إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً فَجَوابُها مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تابَ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾، نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ. ودَعْوى أنَّ ”ثُمَّ“ زائِدَةٌ وجَوابَ ”إذا“ ما بَعْدَ ”ثُمَّ“ بَعِيدٌ جِدًّا، وغَيْرُ ثابِتٍ مِن لِسانِ العَرَبِ زِيادَةُ ”ثُمَّ“ . ومَن زَعَمَ أنَّ ”إذا“ بَعْدَ ”حَتّى“ قَدْ تُجَرِّدُ مِنَ الشَّرْطِ وتَبْقى لِمُجَرَّدِ الوَقْتِ فَلا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ بَلْ تَكُونُ غايَةً لِلْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها وهو قَوْلُهُ: (خُلِّفُوا)، أيْ: خُلِّفُوا إلى هَذا الوَقْتِ (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) ثُمَّ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ كَرَّةً أُخْرى لِيَسْتَقِيمُوا عَلى تَوْبَتِهِمْ ويُنِيبُوا، أوْ لِيَتُوبُوا أيْضًا فِيما يُسْتَقْبَلُ إنْ فَرَطَتْ مِنهم خَطِيئَةٌ؛ عِلْمًا مِنهم أنَّ اللَّهَ تَوّابٌ عَلى مَن تابَ، ولَوْ عادَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿لِيَتُوبُوا﴾ لِيَدُومُوا عَلى التَّوْبَةِ ولا يُراجِعُوا ما يُبْطِلُها. وقِيلَ: ﴿لِيَتُوبُوا﴾ لِيَرْجِعُوا إلى حالِهِمْ وعادَتِهِمْ مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالمُؤْمِنِينَ، وتَسْتَكِنُّ نُفُوسُهم عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ لَمّا كانَ هَذا القَوْلُ في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ بَدَأ في تَرْتِيبِهِ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى تَلَقِّي النِّعْمَةِ مِن عِنْدِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ القَوْلُ في تَعْدِيدِ ذَنْبٍ لَكانَ الِابْتِداءُ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ المُذْنِبِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] لِيَكُونَ هَذا أشَدَّ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن فَصاحَةِ القُرْآنِ وبَدِيعِ نَظْمِهِ ومُعْجِزِ اتِّساقِهِ. وبَيانُ هَذِهِ الآيَةِ ومَواقِعِ ألْفاظِها أنَّها تَكْمُلُ مَعَ مُطالَعَةِ حَدِيثِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وقَدْ خَرَّجَ حَدِيثَهم بِكَمالِهِ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وهو في السِّيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُ سَوْقَهُ. وإنَّما عَظُمَ ذَنْبُهم واسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ الشَّرْعَ يُطالِبُهم مِنَ الحَدِّ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ مِنهُ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ، إذْ هو أُسْوَةٌ وحُجَّةٌ لِلْمُنافِقِينَ والطّاعِنِينَ، إذْ كانَ (p-١١١)كَعْبٌ مِن أهْلِ العَقَبَةِ، وصاحِباهُ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وفي هَذا ما يَقْتَضِي أنَّ الرَّجُلَ العالِمَ والمُقْتَدى بِهِ أقَلُّ عُذْرًا في السُّقُوطِ مِن سِواهُ. وكَتَبَ الأوْزاعِيُّ إلى المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ في آخِرِ رِسالَةٍ: واعْلَمْ أنَّ قَرابَتَكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكَ إلّا عِظَمًا، ولا طاعَتَهُ إلّا وُجُوبًا، ولا النّاسَ فِيما خالَفَ ذَلِكَ مِنكَ إلّا إنْكارًا، والسَّلامُ. ولَقَدْ أحْسَنَ القاضِي التَّنُوخِيُّ في قَوْلِهِ:
؎والعَيْبُ يَعْلَقُ بِالكَبِيرِ كَبِيرُ
ورُوِيَ أنَّ أُناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومِنهم مَن بَدا لَهُ فَيَلْحَقُ بِهِمْ كَأبِي خَيْثَمَةَ، ومِنهم مَن بَقِيَ لَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ، مِنهُمُ الثَّلاثَةُ. وسُئِلَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقالَ: أنْ تَضِيقَ عَلى التّائِبِ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، وتَضِيقُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ كَتَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ.
9:119Page 206
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩
O you who have believed, fear Allāh and be with those who are true.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أُمِرُوا بِكَوْنِهِمْ مَعَ أهْلِ الصِّدْقِ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ نَفَعَهم صِدْقُهم وأزاحَهم عَنْ رِبْقَةِ النِّفاقِ. واعْتَرَضَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَنْبِيهًا عَلى رُتْبَةِ الصِّدْقِ، وكَفى بِها أنَّها ثانِيَةٌ لِرُتْبَةِ النُّبُوَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: الصِّدْقُ هُنا صِدْقُ الحَدِيثِ. وقالَ الضَّحّاكُ ونافِعٌ ما مَعْناهُ: اللَّفْظُ أعَمُّ مِن صِدْقِ الحَدِيثِ، وهو بِمَعْنى الصِّحَّةِ في الدِّينِ، والتَّمَكُّنِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلُ صِدْقٍ. وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وخِيارِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ في الإسْلامِ. وقِيلَ: هُمُ الثَّلاثَةُ، أيْ: كُونُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ في صِدْقِهِمْ وثَباتِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانِهِمْ ومُعاهَدَتُهُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] وهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا في دِينِ اللَّهِ نِيَّةً وقَوْلًا وعَمَلًا. انْتَهى. وقِيلَ: الخِطابُ بِالَّذِينَ آمَنُوا لِمَن تَخَلَّفَ مِنَ الطُّلَقاءِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الخِطابُ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: كُونُوا مَعَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، و”مَعَ“ تَقْتَضِي الصُّحْبَةَ في الحالِ والمُشارَكَةَ في الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْمَدْحِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: (مِنَ الصّادِقِينَ)، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأوَّلَهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ وقالَ: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ مِنهُ جِدٌّ ولا هَزْلٌ، ولا أنْ يَعِدَ مِنكم أحَدٌ صَبِيَّهُ ثُمَّ لا يُنْجِزَهُ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ . وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: و(مِن) أعَمُّ مِن ”مَعَ“؛ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ مِن قَوْمٍ فَهو مَعَهم في المَعْنى المَأْمُورِ بِهِ، ولا يَنْعَكِسُ ذَلِكَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ومُعاذٌ القارِئُ: ﴿مَعَ الصّادِقِينَ﴾ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ النُّونِ عَلى التَّثْنِيَةِ، ويَظْهَرُ أنَّهُما اللَّهُ ورَسُولُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢]، ولَمّا تَقَدَّمَ: ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨]؛ أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِامْتِثالِ الأمْرِ واجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ كَما يُقالُ: كُنْ مَعَ اللَّهِ يَكُنْ مَعَكَ.
9:120–121Page 206
مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠
It was not [proper] for the people of Madīnah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allāh or that they prefer themselves over his self.1 That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allāh, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that it is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of the doers of good.
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١
Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allāh may reward them for the best of what they were doing.
﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (p-١١٢)نَزَلَتْ فِيمَن تَخَلَّفَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وفِيمَن تَخَلَّفَ مِمَّنْ حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ مِن مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ وغِفارٍ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ، وأمَرَ بِكَيْنُونَتِهِمْ مَعَ الصّادِقِينَ، وأفْضَلُ الصّادِقِينَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، اقْتَضى ذَلِكَ مُوافَقَةَ الرَّسُولِ وصُحْبَتَهُ أنّى تَوَجَّهَ مِنَ الغَزَواتِ والمَشاهِدِ، فَعُوتِبَ العِتابَ الشَّدِيدَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الرَّسُولِ في غَزْوَةٍ، واقْتَضى ذَلِكَ الأمْرُ لِصُحْبَتِهِ وبَذْلِ النُّفُوسِ دُونَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنْ يَصْحَبُوهُ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ، وأُمِرُوا أنْ يُكابِدُوا مَعَهُ الأهْوالَ بِرَغْبَةٍ ونَشاطٍ واغْتِباطٍ، وأنْ يُلْقُوا أنْفُسَهم في الشَّدائِدِ ما يَلْقاهُ نَفْسُهُ ﷺ، عِلْمًا بِأنَّها أعَزُّ نَفْسٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأكْرَمُها عَلَيْهِ، فَإذا تَعَرَّضَتْ مَعَ كَرامَتِها وعِزَّتِها لِلْخَوْضِ في شِدَّةٍ وهَوْنٍ وجَبَ عَلى سائِرِ الأنْفُسِ أنْ تَتَهافَتَ فِيما تَعَرَّضَتْ لَهُ، ولا يَكْتَرِثُ لَها أصْحابُها، ولا يُقِيمُوا لَها وزْنًا، وتَكُونُ أخَفَّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ وأهْوَنَهُ، فَضْلًا أنْ يَرْبَئُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ مُتابَعَتِها ومُصاحَبَتِها، ويَضِنُّوا بِها عَلى ما سَمَحَ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ، وهَذا نَهْيٌ بَلِيغٌ مَعَ تَقْبِيحٍ لِأمْرِهِمْ وتَوْبِيخٍ لَهم عَلَيْهِ، وتَهْيِيجٍ لِمُتابَعَتِهِ بِأنَفَةٍ وحَمِيَّةٍ. قالَ الكَرْمانِيُّ: هَذا نَفْيٌ مَعْناهُ النَّهْيُ، وخُصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ وكُلُّ النّاسِ في ذَلِكَ سَواءٌ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ خُرُوجُهُ. قالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الإلْزامُ خاصًّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وجَوابُ النَّفْرِ إلى الغَزْوِ إذا خَرَجَ هو بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَبْقَ هَذا الحُكْمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ هَذا الأمْرُ والإلْزامُ في قِلَّةِ الإسْلامِ واحْتِياجٍ إلى اتِّصالِ الأيْدِي، ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ قُوَّةِ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] قالَ: وهَذا كُلُّهُ في الِانْبِعاثِ إلى غَزْوِ العَدُوِّ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وأمّا إذا ألَمَّ العَدُوُّ بِجِهَةٍ فَيَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ أحَدٍ القِيامُ بِذَبِّهِ ومُكافَحَتِهِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَضَمَّنَهُ انْتِفاءُ التَّخَلُّفِ مِن وُجُوبِ الخُرُوجِ مَعَهُ وبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ الوُجُوبُ لِلْخُرُوجِ وبَذْلِ النَّفْسِ هو بِسَبَبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الجَسِيمِ عَلى المَشاقِّ الَّتِي تَنالُهم، وما يَتَسَنّى عَلى أيْدِيهِمْ مِن إيذاءِ أعْداءِ الإسْلامِ. والظَّمَأُ: العَطَشُ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: (ظِماءٌ) بِالمَدِّ، مِثْلُ: سَفِهَ سِفاهًا، ولَمّا كانَ العَطَشُ أشَقَّ الأشْياءِ المُؤْذِيَةِ لِلْمُسافِرِ بِكَثْرَةِ الحَرَكَةِ وإزْعاجِ النَّفْسِ وخُصُوصًا في شِدَّةِ الحَرِّ كَغَزْوَةِ تَبُوكَ بُدِئَ بِهِ أوَّلًا، وثَنّى بِالنَّصَبِ وهو التَّعَبُ؛ لِأنَّهُ الكَلالُ الَّذِي يَلْحَقُ المُسافِرَ والإعْياءُ النّاشِئُ عَنِ العَطَشِ والسَّيْرِ، وأتى ثالِثًا بِالجُوعِ؛ لِأنَّهُ حالَةٌ يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَلَيْها الأوْقاتِ العَدِيدَةَ، بِخِلافِ العَطَشِ والنَّصَبِ المُفْضِيَيْنِ إلى الخُلُودِ والِانْقِطاعِ عَنِ السَّفَرِ. فَكانَ الإخْبارُ بِما يَعْرِضُ لِلْمُسافِرِ أوَّلًا فَثانِيًا فَثالِثًا. و”مَوْطِئًا“ مَفْعِلٌ مِن وطِئَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَكانًا، واحْتَمَلَ مَصْدَرًا. والفاعِلُ في (يَغِيظُ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ، إمّا عَلى ”مَوْطِئٍ“ إنْ كانَ مَصْدَرًا، وإمّا عَلى ما يُفْهَمُ مِن ”مَوْطِئٍ“ إنْ كانَ مَكانًا، أيْ: يَغِيظُ وطْؤُهم إيّاهُ الكُفّارَ. وأطْلَقَ مَوْطِئًا إذا كانَ مَكانًا لِيَعُمَّ كُلَّ مَوْطِئٍ يَغِيظُ وطْؤُهُ الكُفّارَ، سَواءٌ كانَ مِن أمْكِنَةِ الكُفّارِ، أمْ مِن أمْكِنَةِ المُسْلِمِينَ إذا كانَ في سُلُوكِهِ غَيْظُهم. والوَطْءُ يَدْخُلُ فِيهِ بِالحَوافِرِ والأخْفافِ والأرْجُلِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُغِيظُ) بِضَمِّ الياءِ. والنَّيْلُ مَصْدَرٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَبْقى عَلى مَوْضُوعِهِ، واحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ المَنِيلُ. وأطْلَقَ نَيْلًا لِيَعُمَّ القَلِيلَ والكَثِيرَ مِمّا يَسُوءُهم قَتْلًا وأسْرًا وغَنِيمَةً وهَزِيمَةً، ولَيْسَتِ الياءُ في نَيْلٍ بَدَلًا مِن واوٍ، خِلافًا لِزاعِمِ ذَلِكَ، بَلْ نالَ مادَّتانِ: إحْداهُما مِن ذَواتِ الواوِ: نِلْتُهُ أنُولُهُ نَوْلًا ونَوالًا مِنَ العَطِيَّةِ، ومِنهُ التَّناوُلُ. والأُخْرى: هَذِهِ مِن ذَواتِ الياءِ، نِلْتُهُ نالَهُ نَيْلًا إذا أصابَهُ وأدْرَكَهُ. وبُدِئَ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ بِالأسْبَقِ أيْضًا وهو الوَطْءُ، ثُمَّ ثَنّى بِالنَّيْلِ مِنَ العَدْوِ. جاءَ العُمُومُ في (الكُفّارِ) بِالألِفِ واللّامِ، وفي ”مِن عَدُوٍّ (لِكَوْنِهِ في سِياقِ النَّفْيِ (p-١١٣)وبُدِئَ أوَّلًا بِما يَحُضُّ المُسافِرَ في الجِهادِ في نَفْسِهِ، ثُمَّ ثانِيًا بِما يَتَرَتَّبُ عَلى تَحَمُّلِ تِلْكَ المَشاقِّ مِن غَيْظِ الكُفّارِ والنَّيْلِ مِنَ العَدُوِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالوَطْءِ الإيقاعُ والإبادَةُ، لا الوَطْءُ بِالأقْدامِ والحَوافِرِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «آخِرُ وطْأةٍ وطِئَها اللَّهُ بِوَجٍّ» . والكَتْبُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أيْ: كُتِبَ في الصَّحائِفِ، أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، لِيُجازى عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً، عَبَّرَ عَنِ الثُّبُوتِ بِالكِتابَةِ؛ لِأنَّ مَن أرادَ أنْ يُثْبِتَ شَيْئًا كَتَبَهُ. والجُمْلَةُ مِن ( كُتِبَ) في مَوْضِعِ الحالِ، وبِهِ أُفْرِدَ الضَّمِيرُ إجْراءً لَهُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا كُتِبَ لَهم بِذَلِكَ عَمَلٌ صالِحٌ، أيْ: بِإصابَةِ الظَّمَأِ والنَّصَبِ والمَخْمَصَةِ والوَطْءِ والنَّيْلِ. وفي الحَدِيثِ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ في سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى النّارِ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِكُلِّ رَوْعَةٍ تَنالُهم في سَبِيلِ اللَّهِ سَبْعُونَ ألْفَ حَسَنَةٍ. والنَّفَقَةُ الصَّغِيرَةُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالتَّمْرَةِ ونَحْوِها، والكَبِيرَةُ ما فَوْقَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صَغِيرَةً﴾ ولَوْ تَمْرَةً، ولَوْ عَلاقَةَ سَوْطٍ، ﴿ولا كَبِيرَةً﴾ مِثْلُ ما أنْفَقَ عُثْمانُ في جَيْشِ العُسْرَةِ. انْتَهى. وقَدَّمَ ﴿صَغِيرَةً﴾ عَلى سَبِيلِ الِاهْتِمامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩] ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ [يونس: ٦١] وإذا كُتِبَ أجْرُ الصَّغِيرَةِ فَأحْرى أجْرُ الكَبِيرَةِ. ومَفْعُولُ ﴿كُتِبَ﴾ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُنْفِقُونَ﴾ و﴿يَقْطَعُونَ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: كُتِبَ لَهم هو أيِ الإنْفاقُ والقَطْعُ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿عَمَلٌ صالِحٌ﴾ المُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ. وتَأخَّرَتْ هاتانِ الجُمْلَتانِ وقُدِّمَتْ تِلْكَ الجُمَلُ السّابِقَةُ؛ لِأنَّها أشَقُّ عَلى النَّفْسِ وأنْكى في العَدُوِّ، وهاتانِ أهْوَنُ؛ لِأنَّهُما في الأمْوالِ وقَطْعِ الأرْضِ إلى العَدُوِّ، سَواءٌ حَصَلَ غَيْظُ الكُفّارِ والنَّيْلُ مِنَ العَدُوِّ أمْ لَمْ يَحْصُلا، فَهَذا أعَمُّ وتِلْكَ أخَصُّ. وكانَ تَعْلِيلُ تِلْكَ آكَدُ، إذْ جاءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ بِـ“ إنَّ ”، وذَكَرَ فِيهِ الأجْرَ. ولَفْظُ ﴿المُحْسِنِينَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم حازُوا رُتَبَ الإحْسانِ الَّتِي هي أعْلى رُتَبِ المُؤْمِنِينَ. وفي هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ أتى بِلامِ العِلَّةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (كُتِبَ)، والتَّقْدِيرُ: أحْسَنَ جَزاءَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ؛ لِأنَّ عَمَلَهم لَهُ جَزاءٌ حَسَنٌ، ولَهُ جَزاءٌ أحْسَنُ، وهُنا الجَزاءُ أحْسَنُ جَزاءٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ﴿أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ أحْسَنَ مِن صِفَةِ فِعْلِهِمْ، وفِيها الواجِبُ والمَندُوبُ دُونَ المُباحِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ. فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ﴿أحْسَنَ﴾ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَجْزِيَ اللَّهُ أحْسَنَ أفْعالِهِمْ بِالأحْسَنِ مِنَ الجَزاءِ، أوْ بِما شاءَ مِنَ الجَزاءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِيَجْزِيَهم جَزاءَ أحْسَنِ أفْعالِهِمْ. والثّانِي: أنَّ الأحْسَنَ صِفَةٌ لِلْجَزاءِ، أيْ: يَجْزِيَهم جَزاءً هو أحْسَنُ مِن أعْمالِهِمْ وأجَلُّ وأفْضَلُ، وهو الثَّوابُ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ. وإذا كانَ الأحْسَنُ مِن صِفَةِ الجَزاءِ فَكَيْفَ أُضِيفَ إلى الأعْمالِ ولَيْسَ بَعْضُها مِنها ؟ وكَيْفَ يَقَعُ التَّفْضِيلُ إذْ ذاكَ بَيْنَ الجَزاءِ وبَيْنَ الأعْمالِ، ولَمْ يُصَرَّحْ فِيهِ بِـ“ مِن " ؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences