Abu HayyanAt‑Tawbah · 9:55–59

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:55–59

9:55Page 196

فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٥٥

So let not their wealth or their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ لَمّا قَطَعَ رَجاءَ المُنافِقِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعَ الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَظُنُّونَها مِن بابِ مَنافِعِ الدُّنْيا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى أسْبابًا لِيُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا؛ أيْ: ولا يُعْجِبُكَ أيُّها السّامِعُ بِمَعْنًى لا يُسْتَحْسَنُ ولا يُفْتَتَنُ بِما أُوتُوا مِن (p-٥٤)زِينَةِ الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] وفي هَذا تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ المُنافِقِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: فَلا تُعْجِبُكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. انْتَهى. ويَكُونُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها جُمْلَةَ اعْتِراضِ فِيها تَشْدِيدٌ لِلْكَلامِ وتَقْوِيَةٌ لِانْتِفاءِ الإعْجابِ؛ لِأنَّ مَن كانَ مَآلُ إتْيانِهِ المالَ والوَلَدَ لِلتَّعْذِيبِ لا يَنْبَغِي أنْ تُسْتَحْسَنَ حالُهُ ولا يُفْتَتَنَ بِها، إلّا أنَّ تَقْيِيدَ الإيجابِ المَنهِيِّ عَنْهُ الَّذِي يَكُونُ ناشِئًا عَنْ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا في الحَياةِ الدُّنْيا، فَنَفْيُ ذَلِكَ كَأنَّهُ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ بِخِلافِ التَّعْذِيبِ، فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا كَما يَكُونُ في الآخِرَةِ، ومَعَ أنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ لَخَّصَهُ أصْحابُنا بِالضَّرُورَةِ. وقالَ الحَسَنُ: الوَجْهُ في التَّعْذِيبِ أنَّهُ بِما ألْزَمَهم فِيها مِن أداءِ الزَّكاةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بِها عائِدٌ في هَذا القَوْلِ عَلى الأمْوالِ فَقَطْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: التَّعْذِيبُ هو مَصائِبُ الدُّنْيا ورَزاياها هي لَهم عَذابٌ، إذْ لا يُؤْجَرُونَ عَلَيْها. انْتَهى. ويَتَقَوّى هَذا القَوْلُ بِأنَّ تَعْذِيبَهم بِإلْزامِ الشَّرِيعَةِ أعْظَمُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِسائِرِ الرَّزايا؛ وذَلِكَ لِاقْتِرانِ الذِّلَّةِ والغَلَبَةِ وأمْرِ الشَّرِيعَةِ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَدْ جَمَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا كُلَّهُ فَقالَ: إنَّما أعْطاهم ما أعْطاهم لِلْعَذابِ بِأنْ عَرَّضَهم لِلْمَغْنَمِ والسَّبْيِ، وبَلاهم فِيهِ بِالآفاتِ والمَصائِبِ، وكَلَّفَهُمُ الإنْفاقَ مِنهُ في أبْوابِ الخَيْرِ وهم كارِهُونَ لَهُ عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ، وأذاقَهم أنْواعَ الكُلَفِ والمَجاشِمِ في جَمْعِهِ واكْتِسابِهِ وفي تَرْبِيَةِ أوْلادِهِمْ. وقِيلَ: أمْوالُهُمُ الَّتِي يُنْفِقُونَها فَإنَّها لا تُقْبَلُ مِنهم ولا أوْلادُهُمُ المُسْلِمُونَ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، فَإنَّهم لا يَنْفَعُونَ آباءَهُمُ المُنافِقِينَ، حَكاهُ القُشَيْرِيُّ. وقِيلَ: يَتَمَكَّنُ حُبُّ المالِ مِن قُلُوبِهِمْ، والتَّعَبُ في جَمْعِهِ، والوَصْلُ في حِفْظِهِ، والحَسْرَةُ عَلى تَخْلِفَتِهِ عِنْدَ مَن لا يَحْمَدُهُ، ثُمَّ يَقْدُمُ عَلى مَلِكٍ لا يَعْذُرُهُ. وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأوْلادِ؛ لِأنَّها كانَتْ أعْلَقَ بِقُلُوبِهِمْ، ونُفُوسُهم أمْيَلُ إلَيْها، فَإنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ أوْلادَهم خَشْيَةَ ذَهابِ أمْوالِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إنْ صَحَّ تَعْلِيقُ العَذابِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَما بالُ زُهُوقِ أنْفُسِهِمْ وهم كافِرُونَ ؟ قُلْتُ: المُرادُ الِاسْتِدْراجُ بِالنِّعَمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] كَأنَّهُ قِيلَ: ويُرِيدُ أنْ يُدِيمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ إلى أنْ يَمُوتُوا وهم كافِرُونَ مُلْتَهُونَ بِالتَّمَتُّعِ عَنِ النَّظَرِ لِلْعاقِبَةِ. انْتَهى. وهو بَسْطُ كَلامِ ابْنِ عِيسى وهو الرُّمّانِيُّ، وهُما كِلاهُما مُعْتَزِلِيّانِ. قالَ ابْنُ عِيسى: المَعْنى: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُمْلِيَ لَهم ويَسْتَدْرِجَهم لِيُعَذِّبَهُمُ انْتَهى. وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. والَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ عَطَفَ وتَزْهَقَ عَلى لِيُعَذِّبَ أنَّ المَعْنى لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ونَبَّهَ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ بِعِلَّتِهِ وهو زُهُوقُ أنْفُسِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ مَن ماتَ كافِرًا عُذِّبَ في الآخِرَةِ لا مَحالَةَ. والظّاهِرُ أنَّ زُهُوقَ النَّفْسِ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وتَزْهَقَ أنْفُسُهم مِن شِدَّةِ التَّعْذِيبِ الَّذِي يَنالُهم.

9:56–57Page 196

وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦

And they swear by Allāh that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أيْ لَمِن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ. وأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: وما هم مِنكم. ومَعْنى يَفْرَقُونَ: يَخافُونَ القَتْلَ وما يُفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، فَيَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ تَقِيَّةً، وهم يُبْطِنُونَ النِّفاقَ، أوْ يَخافُونَ إطْلاعَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى بَواطِنِهِمْ فَيَحِلُّ بِهِمْ ما يَحِلُّ بِالكُفّارِ. ولَمّا حَقَّرَ تَعالى شَأْنَ المُنافِقِينَ وأمْوالَهم وأوْلادَهم عادَ إلى ذِكْرِ مَصالِحِهِمْ وما هم عَلَيْهِ مِن خُبْثِ السَّرِيرَةِ فَقالَ: ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَّعْيِينِ، وهي عادَةُ اللَّهِ في سَتْرِ أشْخاصِ العُصاةِ.

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ فَرْقَ المُنافِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أخْبَرَ بِما هم عَلَيْهِ مَعَهم مِمّا يُوجِبُهُ الفَرْقُ؛ وهو أنَّهم لَوْ أمْكَنَهُمُ الهُرُوبُ مِنهم لَهَرَبُوا، ولَكِنْ صُحْبَتُهم لَهم صُحْبَةُ اضْطِرارٍ لا اخْتِيارٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (p-٥٥)المَلْجَأُ الحِرْزُ. وقالَ قَتادَةُ: الحِصْنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: المَهْرَبُ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَكانُ الَّذِي يَتَحَصَّنُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: القَوْمُ يَأْمَنُونَ مِنهم. والمَغاراتُ جَمْعُ مَغارَةٍ وهي الغارُ، ويُجْمَعُ عَلى غِيرانٍ، بُنِيَ مِن غارَ يَغُورُ إذا دَخَلَ، مَفْعَلَةٌ لِلْمَكانِ كَقَوْلِهِمْ: مَزْرَعَةٌ. وقِيلَ: المَغارَةُ السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مُغاراتٍ بِضَمِّ المِيمِ، فَيَكُونُ مِن أغارَ. قِيلَ: وتَقُولُ العَرَبُ: غارَ الرَّجُلُ وأغارَ بِمَعْنى دَخَلَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ (مَغاراتٍ) مِن أغارَ اللّازِمِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ المَنقُولِ بِالهَمْزَةِ مِن غارَ؛ أيْ أماكِنَ في الجِبالِ يُغِيرُونَ فِيها أنْفُسَهم. وقالَ الزَّجّاجُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ مَغارٌ؛ أيْ مَفْتُولٌ. ثُمَّ يُسْتَعارُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُحْكَمِ المُبْرَمِ، فَيَجِيءُ التَّأْوِيلُ عَلى هَذا: لَوْ يَجِدُونَ نُصْرَةً أوْ أُمُورًا مُرْتَبِطَةً مُشَدَّدَةً تَعْصِمُهم مِنكم أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ الثَّعْلَبُ إذا أسْرَعَ، بِمَعْنى مَهارِبٍ ومَغارٍ. انْتَهى. والمُدَّخَلُ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْقِلُ يَمْنَعُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: السِّرْبُ يَسِيرُونَ فِيهِ عَلى خَفاءٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. وقالَ الحَسَنُ: وجْهًا يَدْخُلُونَ فِيهِ عَلى خِلافِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: قَبِيلَةٌ يَدْخُلُونَ فِيها تَحْمِيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الجُمْهُورُ: مُدَّخَلًا، وأصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، مُفْتَعَلٌ مِنِ ادَّخَلَ، وهو بِناءُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ، ومَعْناهُ السِّرْبُ والنَّفَقُ في الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. بُدِئَ أوَّلًا بِالأعَمِّ وهو المَلْجَأُ؛ إذْ يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ ما يَلْجَأُ إلَيْهِ الإنْسانُ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَغاراتِ وهي الغِيرانُ في الجِبالِ، ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالمُدَّخَلِ وهو النَّفَقُ باطِنُ الأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُدَّخَلُ قَوْمٌ يُدْخِلُونَهم في جُمْلَتِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَدْخَلًا بِفَتْحِ المِيمِ مِن دَخَلَ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ الحَسَنِ: مُدْخَلًا بِضَمِّ المِيمِ مِن أدْخَلَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الأعْمَشِ وعِيسى بْنِ عُمَرَ. وقَرَأ قَتادَةُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: مُدَّخَّلًا بِتَشْدِيدِ الدّالِ والخاءِ مَعًا، أصْلُهُ مُتَدَخِّلٌ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ أُبَيٌّ مُنْدَخَلًا بِالنُّونِ مَنِ انْدَخَلَ. قالَ:

؎ولا يَدِي في حَمِيتِ السَّكْنِ تَنْدَخِلُ

وقالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ أُبِيٍّ مُتْدَخَلًا بِالتّاءِ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: لَوالَوْا إلَيْهِ أيْ لَتابَعُوا إلَيْهِ وسارَعُوا. ورَوى ابْنُ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أنَّهُ قَرَأ: لَوالَوْا إلَيْهِ مِنَ المُوالاةِ، وأنْكَرَها سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وقالَ: أظُنُّها لَوَألُوا بِمَعْنى لَلَجَئُوا. وقالَ أبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ الرّازِيُّ: وهَذا مِمّا جاءَ فِيهِ فاعَلَ وفَعُلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِثْلُهُ ضاعَفَ وضَعُفَ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مُتْدَخَلًا لَوالَوْا إلَيْهِ لالتَجَئُوا إلَيْهِ. انْتَهى. وعَنْ أُبَيٍّ لَوَلَّوْا وُجُوهَهم إلَيْهِ. ولَمّا كانَ العَطْفُ بَأوْ عادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ مُفْرَدًا عَلى قاعِدَةِ النَّحْوِ في أوْ، فاحْتَمَلَ مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلْجَأِ، أوْ عَلى المُدَّخَلِ، فَلا يَحْتَمِلُ عَلى أنْ يَعُودَ في الظّاهِرِ عَلى المَغاراتِ لِتَذْكِيرِهِ، وأمّا بِالتَّأْوِيلِ فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلَيْها. وهم يَجْمَحُونَ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّهم شَيْءٌ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ والأعْمَشُ: وهم يَجْمَزُونَ. قِيلَ: يَجْمَحُونَ، ويَجْمَزُونَ، ويَشْتَدُّونَ واحِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجْمَزُونَ: يُهَرْوِلُونَ، ومِنهُ قَوْلُهم في حَدِيثِ الرَّجْمِ: فَلَمّا أذْلَقَتْهُ الحِجارَةُ جَمَزَ.

9:58–59Page 196

وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩

If only they had been satisfied with what Allāh and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allāh; Allāh will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allāh,"1 [it would have been better for them].

﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾؛ اللّامِزُ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ التَّمِيمِيُّ، وهو ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ رَأْسِ الخَوارِجِ، كانَ الرَّسُولُ ﷺ (p-٥٦)يُقَسِّمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍفَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. الحَدِيثَ. وقِيلَ: هو ابْنُ الجَوّاظِ المُنافِقُ، قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكم إنَّما يُقَسِّمُ صَدَقاتِكم في رُعاةِ الغَنَمِ. وقِيلَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ كانَ يَقُولُ: إنَّما يُعْطِي مُحَمَّدٌ قُرَيْشًا. وقِيلَ: رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أتى الرَّسُولَ بِصَدَقَةٍ يُقَسِّمُها، فَقالَ: ما هَذا بِالعَدْلِ ؟ وهَذِهِ نَزْغَةُ مُنافِقٍ.

والمَعْنى: مَن يَعِيبُكَ في قَسْمِ الصَّدَقاتِ. وضَمِيرُ (ومِنهم) لِلْمُنافِقِينَ، والكافُ لِلرَّسُولِ. وهَذا التَّرْدِيدُ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَدُلُّ عَلى دَناءَةِ طِباعِهِمْ ونَجاسَةِ أخْلاقِهِمْ، وأنَّ لَمْزَهُمُ الرَّسُولَ إنَّما هو لِشَرَهِهِمْ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ المالِ، وأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم إنَّما مُتَعَلَّقُهُ العَطاءُ. والظّاهِرُ حُصُولُ مُطْلَقِ الإعْطاءِ أوْ نَفْيِهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَإنْ أُعْطُوا مِنها كَثِيرًا يَرْضَوْا، وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها كَثِيرًا بَلْ قَلِيلًا، وما أحْسَنَ مَجِيءَ جَوابِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ لا يَلْزَمُ أنْ يُقارِنَهُ ولا أنْ يَعْتَقِبَهُ، بَلْ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَتَأخَّرَ نَحْوُ: إنْ أسْلَمْتَ دَخَلْتَ الجَنَّةَ، فَإنَّما يَقْتَضِي مُطْلَقُ التَّرَتُّبِ. وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي فَجاءَ بِإذا الفُجائِيَّةِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يُعْطَوْا فاجَأ سُخْطُهم، ولَمْ يُمْكِنْ تَأخُّرُهُ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الدُّنْيا والشَّرَهِ في تَحْصِيلِها. ومَفْعُولُ رَضُوا مَحْذُوفٌ؛ أيْ: رَضُوا ما أُعْطُوهُ. ولَيْسَ المَعْنى رَضُوا عَنِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، ولِأنَّ رِضاهم وسُخْطَهم لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ الدِّينِ، بَلْ لِلدُّنْيا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَلْمِزُكَ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وغَيْرُهم بِضَمِّها، وهي قِراءَةُ المَكِّيِّينَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ الأعْمَشُ: يَلْمَزُكَ. ورَوى أيْضًا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُلامِزُكَ، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ. وقِيلَ: وفَّرَ الرَّسُولُ ﷺ قَسْمَ أهْلِ مَكَّةَ في الغَنائِمِ اسْتِعْطافًا لِقُلُوبِهِمْ، فَضَجَّ المُنافِقُونَ.

﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾: هَذا وصْفٌ لِحالِ المُسْتَقِيمِينَ في دِينِهِمْ؛ أيْ رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وقالُوا: كَفانا فَضْلُ اللَّهُ، وعَلَّقُوا آمالَهم بِما سَيُؤْتِيهِ اللَّهُ إيّاهم، وكانَتْ رَغْبَتُهم إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ خَيْرًا لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم. وكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ دَلِيلًا عَلى انْتِقالِهِمْ مِنَ النِّفاقِ إلى مَحْضِ الإيمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَضَمَّنَ الرِّضا بِقَسْمِ اللَّهِ والإقْرارَ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ؛ إذْ كانُوا يَقُولُونَ: سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ. وقِيلَ: جَوابُ لَوْ هو قَوْلُهُ: وقالُوا عَلى زِيادَةِ الواوِ، وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما أصابَهم بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الغَنِيمَةِ وطابَتْ بِهِ نُفُوسُهم وإنْ قَلَّ نَصِيبُهم، وقالُوا: كَفانا فَضْلُ اللَّهِ تَعالى وصُنْعُهُ، وحَسْبُنا ما قَسَمَ لَنا سَيَرْزُقُنا غَنِيمَةً أُخْرى، فَسَيُؤْتِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أكْثَرَ مِمّا آتانا اليَوْمَ، إنّا إلى اللَّهِ في أنْ يُغَنِّمَنا ويُخَوِّلَنا فَضْلَهُ راغِبُونَ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: راغِبُونَ فِيما يَمْنَحُنا مِنَ الثَّوابِ ويَصْرِفُ عَنّا مِنَ العِقابِ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: راغِبُونَ في أنْ يُوَسِّعَ عَلَيْنا مِن فَضْلِهِ، فَيُغْنِينا عَنِ الصَّدَقَةِ وغَيْرِها مِمّا في أيْدِي النّاسِ. وقِيلَ: ما آتاهُمُ اللَّهُ بِالتَّقْدِيرِ ورَسُولُهُ بِالقَسْمِ. انْتَهى. وأتى أوَّلًا بِمَقامِ الرِّضا وهو فِعْلٌ قَلْبِيٌّ يَصْدُرُ عَمَّنْ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ العَتَبِ والخَطَأِ عَلِيمٌ بِالعَواقِبِ، فَكُلُّ قَضائِهِ صَوابٌ وحَقٌّ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ثَنّى بِإظْهارِ آثارِ الوَصْفِ القَلْبِيِّ وهو الإقْرارُ بِاللِّسانِ، فَحَسْبُنا ما رَضِيَ بِهِ. ثُمَّ أتى ثالِثًا بِأنَّهُ تَعالى ما دامُوا في الحَياةِ الدُّنْيا مادٌّ لَهم بِنِعَمِهِ وإحْسانِهِ، فَهو إخْبارٌ حَسَنٌ إذْ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا ونِعَمُ اللَّهِ مُتَرادِفَةٌ عَلَيْهِ حالًا ومَآلًا، إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ. ثُمَّ أتى رابِعًا بِالجُمْلَةِ المُقْتَضِيَةِ الِالتِجاءَ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ، والرَّغْبَةَ إلَيْهِ، فَلا يُطْلَبُ بِالإيمانِ أخْذُ الأمْوالِ والرِّئاسَةِ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ مُتَغايِرَتَيْنِ وهُما ما تَضَمَّنَ الرِّضا بِالقَلْبِ، وما تَضَمَّنَ الإقْرارَ بِاللِّسانِ، تَعاطَفَتا. ولَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ الأخِيرَتانِ مِن آثارِ قَوْلِهِمْ: حَسْبُنا اللَّهُ لَمْ تَتَعاطَفا، إذْ هُما كالشَّرْحِ (p-٥٧)لِقَوْلِهِمْ: حَسْبُنا اللَّهُ، فَلا تَغايُرَ بَيْنَهُما.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском