Abu HayyanAt‑Tawbah · 9:74–79

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:74–79

9:74Page 199

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤

They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ. فَقِيلَ: هو حَلِفُ الجُلاسِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ مَعَ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ، وقِيلَ: حَلِفُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أنَّهُ ما قالَ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] الآيَةَ. وقالَ الضَّحّاكُ: حَلِفُهم حِينَ نَقَلَ حُذَيْفَةُ إلى الرَّسُولِ ﷺ سَبَّهم أصْحابَهُ وإيّاهُ في خَلْوَتِهِمْ، وأمّا ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ فَنَزَلَتْ، قِيلَ: في ابْنِ أُبَيٍّ في قَوْلِهِ: (لَيُخْرِجَنَّ)، قالَهُ قَتادَةُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: بِقَتْلِ الرَّسُولِ، والَّذِي هَمَّ بِهِ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ الأسْوَدُ مِن قُرَيْشٍ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في خَمْسَةَ (p-٧٣)عَشَرَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ وتَوافَقُوا عَلى أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذا تَسَنَّمَ العَقَبَةَ، فَأخَذَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِخِطامِ راحِلَتَهُ يَقُودُها، وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَبَيْنَما هُما كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ حُذَيْفَةُ بِوَقْعِ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةِ السِّلاحِ، فالتَفَتَ فَإذا قَوْمٌ مُتَلَثِّمُونَ، فَقالَ: إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ، فَهَرَبُوا، وكانَ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وطُعَيْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، والجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ، وأبُو عامِرِ بْنُ نُعْمانَ، وأبُو الأحْوَصِ. وقِيلَ: هَمُّهم بِما لَمْ يَنالُوا هو أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ إذا رَجَعُوا مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ يُباهُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ، فَلَمْ يَنالُوا ما هَمُّوا بِهِ، فَنَزَلَتْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ الرَّسُولُ ﷺ جالِسًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ فَيَنْظُرُ إلَيْكم شَيْطانٌ، فَإذا جاءَ فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ رَجُلٌ أزْرَقُ فَدَعاهُ، فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ ؟ فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجاءَ بِأصْحابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما قالُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

وكَلِمَةُ الكُفْرِ: قَوْلُ ابْنِ أُبَيٍّ لَمّا شاوَرَ الجَهْجاهَ الغِفارِيَّ وسِنانَ بْنَ وبَرَةَ الجُهَنِيَّ، وقَدْ كَسَعَ أحَدُهُما رِجْلَ الآخَرِ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ، فَصاحَ الجَهْجاهُ: يا لَلْأنْصارِ، وصاحَ سِنانٌ: يا لَلْمُهاجِرِينَ، فَثارَ النّاسُ، وهَدَّأهُمُ الرَّسُولُ، فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: ما أرى هَؤُلاءِ إلّا قَدْ تَداعَوْا عَلَيْنا، ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلّا كَما قالَ الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ - أوِ الِاسْتِهْزاءُ، أوْ قَوْلُ الجُلاسِ المُتَقَدِّمُ، أوْ قَوْلُهم: نَعْقِدُ التّاجَ، أوْ قَوْلُهم: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، أوِ القَوْلُ: ”لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ“ أقْوالٌ. (وكَفَرُوا): أيْ أظْهَرُوا الكُفْرَ بَعْدَ إسْلامِهِمْ أيْ إظْهارِ إسْلامِهِمْ. ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: بَعْدَ إيمانِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ ألْسِنَتَهم. والهَمُّ دُونَ العَزْمِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في الهامِّ والمَهْمُومِ بِهِ. وقِيلَ: هو هَمُّ المُنافِقِينَ أوِ الجُلاسِ بِقَتْلِ ناقِلِ حَدِيثِ الجُلاسِ إلى الرَّسُولِ، وفي تَعْيِينِ اسْمِ النّاقِلِ خِلافٌ، فَقِيلَ: عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ. وقِيلَ: حُذَيْفَةُ. وقِيلَ: ابْنُ امْرَأةِ الجُلاسِ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ. وقِيلَ: اسْمُهُ مُصْعَبٌ. وقِيلَ: هَمُّوا بِالرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ أشْياءَ لَمْ يَنالُوها.

﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا﴾ [المائدة: ٥٩] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] وكانَ حَقُّ الغَنِيِّ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ أنْ يَشْكُرَ لا أنْ يَنْقِمَ، جَعَلُوا الغِنى سَبَبًا يَنْتَقِمُ بِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ:

؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

وكانَ الرَّسُولُ قَدْ أعْطى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ دِيَةً، كانَتْ قَدْ تَغَلَّظَتْ لَهُ، قالَ عِكْرِمَةُ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا. وقِيلَ: بَلْ كانَتْ لِلْجُلاسِ. وكانَتِ الأنْصارُ حِينَ قَدِمَ الرَّسُولُ ﷺ المَدِينَةَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ لا يَرْكَبُونَ الخَيْلَ، ولا يَحُوزُونَ الغَنِيمَةَ، فَأُثِرُوا، وقالَ الرَّسُولُ لِلْأنْصارِ: «وكُنْتُمْ عالَةً فَأغْناكُمُ اللَّهُ بِي» وقِيلَ: كانَ عَلى الجُلاسِ دَيْنٌ كَثِيرٌ فَقَضاهُ الرَّسُولُ، وحَصَلَ لَهُ مِنَ الغَنائِمِ مالٌ كَثِيرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ الجُمْلَةُ كَلامٌ أُجْرِيَ مَجْرى التَّهَكُّمِ بِهِ، كَما تَقُولُ: ما لِي عِنْدَكَ ذَنْبٌ إلّا أنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، فَإنَّ فِعْلَهم يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا لِئامًا. وقالَ الشّاعِرُ:

؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهُم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا

؎وأنَّهم سادَةُ المُلُوكِ ولا ∗∗∗ يَصْلُحُ إلّا عَلَيْهِمُ العَرَبُ

وقالَ الآخَرُ وهو نَظِيرُ البَيْتِ السّابِقِ:

؎ولا عَيْبَ فِينا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ ∗∗∗ كِرامٍ وأنّا لا نَحُطُّ عَلى النَّمْلِ

(فَإنْ يَتُوبُوا) هَذا إحْسانٌ مِنهُ تَعالى ورِفْقٌ ولُطْفٌ بِهِمْ، حَيْثُ فَتَحَ لَهم بابَ التَّوْبَةِ بَعْدَ ارْتِكابِ تِلْكَ الجَرائِمِ العَظِيمَةِ. وكانَ الجُلاسُ بَعْدَ حَلِفِهِ وإنْكارِهِ أنْ قالَ ما نُقِلَ عَنْهُ - قَدِ اعْتَرَفَ وصَدَّقَ النّاقِلَ عَنْهُ وتابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ أحَدًا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ مِنهم غَيْرَ الجُلاسِ. قِيلَ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ (p-٧٤)تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ المُسِرِّ الكُفْرَ المُظْهِرِ لِلْإيمانِ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ. وقالَ مالِكٌ: لا تُقْبَلُ فَإنْ جاءَ تائِبًا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَبْلَ أنْ يُعْثَرَ عَلَيْهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ بِلا خِلافٍ، (وإنْ يَتَوَلَّوْا)، أيْ: عَنِ التَّوْبَةِ، أوِ الإيمانِ، أوِ الإخْلاصِ، أوِ الرَّسُولِ. والمَعْنى: وإنْ يُدِيمُوا التَّوَلِّي إذْ هم مُتَوَلُّونَ في الدُّنْيا بِإلْحاقِهِمْ بِالحَرْبِيِّينَ إذْ أظْهَرُوا الكُفْرَ، فَيَحِلُّ قِتالُهم وقَتْلُهم وسَبْيُ أوْلادِهِمْ وأزْواجِهِمْ، وغَنْمُ أمْوالِهِمْ. وقِيلَ: ما يُصِيبُهم عِنْدَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقِيلَ: التَّعَبُ والخَوْفُ والهُجْنَةُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ.

9:75–78Page 199

۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥

And among them are those who made a covenant with Allāh, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦

But when He gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allāh in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨

Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: في مُعَتِّبٍ وثَعْلَبَةَ، خَرَجا عَلى مَلَأٍ فَقالا ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ في رَجُلٍ مِن بَنِي عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهُ مالٌ بِالشّامِ فَأبْطَأ عَنْهُ، فَجَهِدَ لِذَلِكَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾، أيْ: مِن ذَلِكَ المالِ، لَأصَّدَّقَنَّ مِنهُ ولَأصِلَنَّ، فَآتاهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. والأكْثَرُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ، وذَكَرُوا لَهُ حَدِيثًا طَوِيلًا، وقَدْ لَخَّصْتُ مِنهُ: أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ مالًا فَقِيلَ لَهُ: قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، فَألَحَّ عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ، فاتَّخَذَ غَنَمًا كَثُرَتْ حَتّى ضاقَتْ عَنْها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وما زالَتْ تَنْمُو، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ، وبَعَثَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ المُصَدِّقَ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَأخْبَرَهُ قَرِيبٌ لَهُ بِها، فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ إلى الرَّسُولِ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَلَمّا قُبِضَ الرَّسُولُ أتى أبا بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْها، ثُمَّ عُثْمانَ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: ”لَنَصَّدَّقَنْ ولَنَكُونَنْ“ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما، والظّاهِرُ والمُسْتَفِيضُ مِن أسْبابِ النُّزُولِ أنَّهم نَطَقُوا بِذَلِكَ ولَفَظُوا بِهِ. وقالَ مَعْبَدُ بْنُ ثابِتٍ وفِرْقَةٌ: لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ، وإنَّما هو شَيْءٌ نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ مِنَ الصّالِحِينَ، أيْ مِن أهْلِ الصَّلاحِ في أمْوالِهِمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ والإنْفاقِ في الخَيْرِ والحَجِّ وأعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِ الآخِرَةِ. (بَخِلُوا بِهِ)، أيْ: بِإخْراجِ حَقِّهِ مِنهُ، وكُلُّ بُخْلٍ أُعْقِبَ بِوَعِيدٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ الواجِبِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَأعْقَبَهم) هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، عاقَبَهم عَلى الذَّنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهم حِينَ نافَقُوا، وتَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ نِفاقُهم فَلا يَنْفَكُّ عَنْها إلى أنْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوا اللَّهَ مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ وكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ومِنهُ: خُلْفُ المَوْعِدِ ثُلُثُ النِّفاقِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: ”خَذَلَهم“ هو لَفْظُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في (فَأعْقَبَهم) لِلْبُخْلِ، أيْ: فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: (فَأعْقَبَهم) أيِ البُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ كُفْرٍ، ويَكُونَ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذا النَّصِّ والإبْقاءِ عَلَيْهِ لِمَكانِ إظْهارِهِ الإسْلامَ وتَعَلُّقِهِ بِما فِيهِ احْتِمالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِفاقَ مَعْصِيَةٍ وقِلَّةِ اسْتِقامَةٍ، فَيَكُونَ تَقْرِيرُهُ صَحِيحًا، ويَكُونُ تَرْكُ قَبُولِ الزَّكاةِ مِنهُ عِقابًا لَهُ ونَكالًا. وهَذا نَحْوُ ما رُوِيَ أنَّ عامِلًا كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ فُلانًا يَمْنَعُ الزَّكاةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنْ دَعْهُ واجْعَلْ عُقُوبَتَهُ أنْ لا يُؤَدِّيَ الزَّكاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، يُرِيدُ لِما يَلْحَقُهُ مِنَ المَقْتِ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في: (يَلْقَوْنَهُ)، عَلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: يَلْقَوْنَ الجَزاءَ. فَقِيلَ: جَزاءَ بُخْلِهِمْ. وقِيلَ: جَزاءَ أفْعالِهِمْ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (يُكَذِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ. ولَفْظَةُ (فَأعْقَبَهم نِفاقًا) لا تَدُلُّ ولا تُشْعِرُ بِأنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ لَمّا بَخِلَ ولَمْ يَفِ (p-٧٥)بِالعَهْدِ صارَ مُنافِقًا، كَما قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ؛ لِأنَّ المُعَقَّبَ نِفاقٌ مُتَّصِلٌ إلى وقْتِ المُوافاةِ، فَهو نِفاقٌ مُقَيَّدٌ بِغايَةٍ، ولا يَدُلُّ المُقَيَّدُ عَلى انْتِفاءِ المُطْلَقِ قَبْلَهُ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ فَلا يَكُونُ اللِّقاءُ مُتَضَمِّنًا رُؤْيَةَ اللَّهِ؛ لِإجْماعِ العُلَماءِ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَرَوْنَ اللَّهَ، فالِاسْتِدْلالُ بِاللِّقاءِ عَلى الرُّؤْيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] لَيْسَ بِظاهِرٍ، ولِقَوْلِهِ «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ كاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ هُنا: لَقِيَ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ. (ألَمْ يَعْلَمُوا) هَذا اسْتِفْهامٌ تَضَمَّنَ التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ.

وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ: ”تَعْلَمُوا“ بِالتّاءِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ. وأنَّهُ تَعالى فاضِحُ المُنافِقِينَ، ومُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ أحْوالَهُمُ الَّتِي يَكْتُمُونَها شَيْئًا فَشَيْئًا سِرَّهم ونَجْواهم. هَذا التَّقْسِيمُ عِبارَةٌ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في جَمِيعِ المُنافِقِينَ مَن عاهَدَ وأخْلَفَ وغَيْرِهِمْ، وخَصَّتْها فِرْقَةٌ بِمَن عاهَدَ وأخْلَفَ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما أسَرُّوهُ مِنَ النِّفاقِ والعَزْمِ عَلى إخْلافِ ما وعَدُوهُ، وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المَطاعِنِ في الدِّينِ، وتَسْمِيَةِ الصَّدَقَةِ جِزْيَةً، وتَدْبِيرِ مَنعِها. وقِيلَ: أشارَ بِسِرِّهِمْ إلى ما يُخْفُونَهُ مِنَ النِّفاقِ، وبِنَجْواهم إلى ما يُفِيضُونَ بِهِ بَيْنَهم مِن تَنْقِيصِ الرَّسُولِ، وتَعْيِيبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: سِرُّهم ما يُسارُّ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَجْواهم ما تَحَدَّثُوا بِهِ جَهْرًا بَيْنَهم، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ مُتَّفِقَةٌ في المَعْنى.

9:79Page 199

ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allāh will ridicule them, and they will have a painful punishment.

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: نَزَلَتْ فِيمَن عابَ المُتَصَدِّقِينَ. «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَثَّ عَلى الصَّدَقَةِ، فَتَصَدَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ وأمْسَكَ مِثْلَها، فَبارَكَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ فِيما أمْسَكَ وفِيما أعْطى. وتَصَدَّقَ عُمَرُ بِنِصْفِ مالِهِ، وعاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ بِمِائَةِ وسْقٍ، وعُثْمانُ بِصَدَقَةٍ عَظِيمَةٍ، وأبُو عَقِيلٍ الأرْلَشِيُّ بِصاعِ تَمْرٍ، وتَرَكَ لِعِيالِهِ صاعًا، وكانَ آجَرَ نَفْسَهُ لِسَقْيِ نَخِيلٍ بِهِما، ورَجُلٌ بِناقَةٍ عَظِيمَةٍ قالَ: هي وذُو بَطْنِها صَدَقَةٌ يا رَسُولَ اللَّهِ، وألْقى إلى الرَّسُولِ خِطامُها، فَقالَ المُنافِقُونَ: ما تَصَدَّقَ هَؤُلاءِ إلّا رِياءً وسُمْعَةً، وما تَصَدَّقَ أبُو عَقِيلٍ إلّا لِيُذْكَرَ مَعَ الأكابِرِ، أوْ لِيُذَكِّرَ بِنَفْسِهِ فَيُعْطى مِنَ الصَّدَقاتِ، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ صاعِهِ. وقالَ بَعْضُهم: تَصَدَّقَ بِالنّاقَةِ وهي خَيْرٌ مِنهُ. وكانَ الرَّجُلُ أقْصَرَ النّاسِ قامَةً وأشَدَّهم سَوادًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وقالَ: قُلْ هو خَيْرٌ مِنكَ ومِنها، يَقُولُها ثَلاثًا» . وأصْلُ (المُطَّوِّعِينَ) المُتَطَوِّعِينَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وهُمُ المُتَبَرِّكُونَ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرِهِ.

﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ هم مُنْدَرِجُونَ في المُطَّوِّعِينَ، ذُكِرُوا تَشْرِيفًا لَهم، حَيْثُ ما فاتَتْهُمُ الصَّدَقَةُ بَلْ تَصَدَّقُوا بِالشَّيْءِ، وإنْ كانُوا أشَدَّ النّاسِ حاجَةً إلَيْهِ، وأتْعَبَهم في تَحْصِيلِ ما تَصَدَّقُوا بِهِ كَأبِي عَقِيلٍ، وأبِي خَيْثَمَةَ، وكانَ قَدْ لُمِزَ في التَّصَدُّقِ بِالقَلِيلِ ونُظِرَ أيُّهُما. وكانَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ يَذْهَبُ إلى أنَّ المَعْطُوفَ في هَذا وشَبَهِهِ لَمْ يَنْدَرِجْ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ، قالَ: لِأنَّهُ لا يَسُوغُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى مِثْلِهِ. وكَذَلِكَ كانَ يَقُولُ في: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وإلى هَذا كانَ يَذْهَبُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ جِنِّيٍّ، وأكْثَرُ النّاسِ عَلى خِلافِهِما. وتَسْمِيَةُ بَعْضِهِمُ التَّجْرِيدَ، جُرِّدُوا بِالذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وجَماعَةٌ: (جَهْدَهم) بِالفَتْحِ. فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ القُتَبِيُّ: بِالضَّمِّ الطّاقَةُ، وبِالفَتْحِ (p-٧٦)المَشَقَّةُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: بِالضَّمِّ القُوتُ، وبِالفَتْحِ في العَمَلِ. وقِيلَ: بِالضَّمِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ يُعاشُ بِهِ. والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَلْمِزُونَ)، و﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ [التوبة: ٩١] مَعْطُوفٌ عَلى (المُطَّوِّعِينَ)، كَأنَّهُ قِيلَ: يَلْمِزُونَ الأغْنِياءَ وغَيْرَهم. و(فَيَسْخَرُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى (يَلْمِزُونَ)، و﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ . وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾، وهَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى المُبْتَدَأِ مُشارِكٌ لَهُ في الخَبَرِ، ولا يُمْكِنُ مُشارَكَةُ ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ مَعَ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ إلّا إنْ كانُوا مِثْلَهم مُنافِقِينَ. قالَ: وقِيلَ: و﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ [التوبة: ٩١] مَعْطُوفٌ عَلى (المُؤْمِنِينَ)، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. قالَ: وخَبَرُ الأوَّلِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: (فَيَسْخَرُونَ) . ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الَّذِينَ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالشَّرْطِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ الخَبَرُ كَأنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ مَن عابَ وغَمَزَ أحَدًا هو ساخِرٌ مِنهُ، فَقَرُبَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ: سَيِّدُ الجارِيَةِ مالِكُها، وهو لا يَجُوزُ. قالَ: والثّانِي: أنَّ الخَبَرَ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾، قالَ: وعَلى هَذا المَعْنى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (سَخِرَ)، تَقْدِيرُهُ: عابَ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِنهُمُ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ. وقالَ أبُو البَقاءِ أيْضًا: (مِنَ المُؤْمِنِينَ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (المُطَّوِّعِينَ)، و(في الصَّدَقاتِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَلْمِزُونَ)، ولا يَتَعَلَّقُ بِـ (المُطَّوِّعِينَ) لِئَلّا يُفْصَلَ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ. انْتَهى. ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ لِأنَّهُ حالٌ كَما قُرِّرَ، وإذا كانَ حالًا؛ جازَ الفَصْلُ بِها بَيْنَ العامِلِ فِيها وبَيْنَ المَعْمُولِ، أُخِّرَ لِذَلِكَ العامِلُ، نَحْوُ: جاءَنِي الَّذِي يَمُرُّ راكِبًا بِزَيْدٍ. والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ خَبَرٌ لَفْظًا ومَعْنًى، ويُرَجِّحُهُ عَطْفُ الخَبَرِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: صِيغَتُهُ خَبَرٌ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ. ولَمّا قالَ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ قالَ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ، ومَعْناهُ: أمْهَلَهم حَتّى ظَنُّوا أنَّهُ أهْمَلَهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ هَذا في الخُرُوجِ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ جازاهم عَلى سُخْرِيَتِهِمْ، وجَزاءُ الشَّيْءِ قَدْ يُسَمّى باسِمِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَسْمِيَةٌ لِلْعُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وهي عِبارَةٌ عَمّا حَلَّ بِهِمْ مِنَ المَقْتِ والذُّلِّ في نُفُوسِهِمْ. انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ الأصَمُّ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقْبَلَ مَعاذِيرَهُمُ الكاذِبَةَ في الظّاهِرِ، ووَبالُ فِعْلِهِمْ عَلَيْهِمْ كَما هو، فَكَأنَّهُ سَخِرَ مِنهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وهو عَذابُ الآخِرَةِ المُقِيمُ. انْتَهى. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لَمْزَ المُؤْمِنِ والسُّخْرِيَةَ مِنهُ مِنَ الكَبائِرِ، لِما يَعْقُبُهُما مِنَ الوَعِيدِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском