Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:93–99
9:93–94Page 201
۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣
The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allāh has sealed over their hearts, so they do not know.
يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤
They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allāh has already informed us of your news [i.e., affair]. And Allāh will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed,1 and He will inform you of what you used to do."
(p-٨٧)﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥] ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧] ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٨] ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢] ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦] ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩] ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٠] ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ١١٦] ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢١] ”الأعْرابُ“ صِيغَةُ جَمْعٍ، وفَرْقٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَرَبِ. فالعَرَبِيُّ مَن لَهُ نَسَبٌ في العَرَبِ، والأعْرابِيُّ البَدَوِيُّ مُنْتَجَعُ الغَيْثِ والكَلَأِ، كانَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِن مَوالِيهِمْ. ولِلْفَرْقِ نُسِبَ إلَيْهِ عَلى لَفْظِهِ فَقِيلَ: الأعْرابِيُّ، وجُمِعَ الأعْرابُ عَلى الأعارِبِ جَمْعِ الجَمْعِ.
”أجْدَرُ“ أحَقُّ وأحْرى، قالَ اللَّيْثُ: جَدَرَ جَدارَةً فَهو جَدِيرٌ وأجْدَرُ، بِهِ يُؤَنَّثُ ويُثَنّى ويُجْمَعُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎نَخِيلٌ عَلَيْها جَنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
”أسَّسَ“ عَلى وزْنِ فَعَّلَ مُضَعَّفُ العَيْنِ، وآسَسَ عَلى وزْنِ فاعَلَ، وضَعَ الأساسَ، وهو مَعْرُوفٌ، ويُقالُ فِيهِ: (p-٨٨)أُسٌّ. والجُرُفُ: البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهُوَّةُ وما يَجْرُفُهُ السَّيْلُ مِنَ الأوْدِيَةِ. هارٍ: مُنْهالٌ ساقِطٌ يَتَداعى بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ، وفِعْلُهُ هارَ يَهُورُ ويَهارُ ويَهِيرُ، فَعَيْنُ هارٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ واوًا أوْ ياءً، فَأصْلُهُ هايِرٍ أوْ هاوِرٍ فَقُلِبَتْ، وصُنِعَ بِهِ ما صُنِعَ بِقاضٍ وغازٍ، وصارَ مَنقُوصًا مِثْلَ شاكِي السِّلاحِ ولاثٍ قالَ:
؎لاثٍ بِهِ الآشاءُ والعُبْرِيُّ
وقِيلَ: هارٍ مَحْذُوفُ العَيْنِ لِفَرْعٍ لَهُ فَتَجْرِي الرّاءُ بِوُجُوهِ الإعْرابِ. وحَكى الكِسائِيُّ: تَهَوَّرَ وتَهَيَّرَ. ”أوّاهٌ“ كَثِيرُ قَوْلِ أوَّهْ، وهي اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى أتَوَجَّعُ، ووَزْنُهُ فَعّالٌ لِلْمُبالَغَةِ. فَقِياسُ الفِعْلِ أنْ يَكُونَ ثُلاثِيًّا، وقَدْ حَكاهُ قُطْرُبٌ، حَكى آهَ يَئُوهُ أوْهًا كَقالَ يَقُولُ قَوْلًا، ونُقِلَ عَنِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهم أنْكَرُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لَيْسَ مِن لَفْظِ أوَّهْ فِعْلٌ ثُلاثِيٌّ، إنَّما يُقالُ: أوَّهَ تَأْوِيها وتَأوَّهَ تَأوُّهًا. قالَ الرّاجِزُ:
؎فَأوَّهَ الدّاعِي وضَوْضَأ كَلْبُهُ
وقالَ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ:
؎إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ ∗∗∗ تَأوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ
وفِي ”أوَّهْ“ اسْمِ الفِعْلِ لُغاتٌ ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ. الظَّمَأُ: العَطَشُ الشَّدِيدُ، وهو مَصْدَرُ ظَمِئَ يَظْمَأُ فَهو ظَمْآنُ وهي ظَمْآنُ، ويُمَدُّ فَيُقالُ ظِماءٌ. الوادِي: ما انْخَفَضَ مِنَ الأصْلِ مُسْتَطِيلًا كَمَجارِي السُّيُولِ ونَحْوِها، وجَمَعَتْهُ العَرَبُ عَلى أوْدِيَةٍ ولَيْسَ بِقِياسِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] وقِياسُهُ فَواعِلُ، لَكِنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوهُ لِجَمْعِ الواوَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: ولا أعْرِفُ فاعِلًا وأفْعِلَةً سِواهُ، وذَكَرَ غَيْرُهُ نادٍ وأنْدِيَةً، قالَ الشّاعِرُ:
؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُهُمُ ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
والنّادِي: المَجْلِسُ، وحَكى الفَرّاءُ في جَمْعِهِ أوْداءٌ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، قالَ جَرِيرٌ:
؎عَرَفْتُ بِبُرْقَةِ الأوْداءِ رَسْمًا ∗∗∗ مُحِيلًا طالَ عَهْدُكَ مِن رُسُومِ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوادِي كُلُّ مُنْعَرِجٍ مِن جِبالٍ وآكامٍ يَكُونُ مَنفَذًا لِلسَّيْلِ، وهو في الأصْلِ فاعِلٌ مِن ودِيَ إذا سالَ، ومِنهُ الوَدْيُ. وقَدْ شاعَ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ بِمَعْنى الأرْضِ، تَقُولُ: لا تُصَلِّ في وادِي غَيْرِكَ.
﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾: أثْبَتَ في حَقِّ المُنافِقِينَ ما نَفاهُ في حَقِّ المُحْسِنِينَ، فَدَلَّ لِأجْلِ المُقابَلَةِ أنَّ هَؤُلاءِ مُسِيئُونَ، وأيُّ إساءَةٍ أعْظَمُ مِنَ النِّفاقِ والتَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ والرَّغْبَةِ بِأنْفُسِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ولَيْسَتْ ”إنَّما“ لِلْحُصْرِ، إنَّما هي لِلْمُبالَغَةِ في التَّوْكِيدِ، والمَعْنى: إنَّما السَّبِيلُ في اللّائِمَةِ والعُقُوبَةِ والإثْمِ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ وهم قادِرُونَ عَلَيْهِ لِغِناهم، وكانَ خَبَرُ (السَّبِيلُ) ”عَلى“ وإنْ كانَ قَدْ فُصِلَ بِـ ”إلى“ كَما قالَتْ:
؎هَلْ مِن سَبِيلٍ إلى خَمْرٍ فَأشْرَبُها ∗∗∗ أمْ مِن سَبِيلٍ إلى نَصْرِ بْنِ حَجّاجِ
لِأنَّ ”عَلى“ تَدُلُّ عَلى الِاسْتِعْلاءِ وقِلَّةِ مَنَعَةِ مَن دَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ: لا سَبِيلَ لِي عَلى زَيْدٍ، ولا سَبِيلَ لِي إلى زَيْدٍ. وهَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وغَيْرِهِمْ. و(رَضُوا): اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ بِالمَدِينَةِ وهم قادِرُونَ عَلى الجِهادِ، فَقِيلَ: رَضُوا بِالدَّناءَةِ وانْتِظامِهِمْ في سِلْكِ الخَوالِفِ، وعُطِفَ (وطَبَعَ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّبَبَ في تَخَلُّفِهِمْ رِضاهم بِالدَّناءَةِ.
﴿وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الجِهادِ مِن مَنافِعَ الدِّينِ والدُّنْيا.
﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاعْتِذارِ، لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فِيما يَعْتَذِرُ بِهِ، فَإذا عُلِمَ أنَّهُ مُكَذِّبٌ في اعْتِذارِهِ كُفَّ (p-٨٩)عَنْهُ.
﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِانْتِفاءِ التَّصْدِيقِ، لِأنَّهُ تَعالى إذا أخْبَرَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ سَرائِرُهم مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ، لَمْ يُمْكِنْ تَصْدِيقُهم في مَعاذِيرِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]، ونَحْوُ هَذا. و(نَبَّأ) هُنا تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ كَعَرَّفَ، نَحْوُ قَوْلِهِ: (مَن أنْبَأكَ هَذا)، والثّانِي هو (مِن أخْبارِكم)، أيْ: جُمْلَةٌ (مِن أخْبارِكم)، وعَلى رَأْيِ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ تَكُونُ ”مِن“ زائِدَةً، أيْ: أخْبارَكم. وقِيلَ: نَبَّأ بِمَعْنى أعْلَمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى ثَلاثَةٍ، والثّالِثُ مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، أيْ: مِن أخْبارِكم كَذِبًا أوْ نَحْوَهُ. (وسَيَرى اللَّهُ) تَوَعُّدٌ، أيْ: سَيَراهُ في حالِ وُجُودِهِ، فَيَقَعُ الجَزاءُ مِنهُ عَلَيْهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أتُنِيبُونَ أمْ تَثْبُتُونَ عَلى الكُفْرِ، (ثُمَّ تُرَدُّونَ) إشارَةٌ إلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، والتَّنَبُّؤِ بِأعْمالِهِمْ عِبارَةٌ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها. قالَ ابْنُ عِيسى: (وسَيَرى) لِجَعْلِهِ مِنَ الظُّهُورِ بِمَنزِلَةِ ما يُرى، ثُمَّ يُجازِي عَلَيْهِ. وقِيلَ: كانُوا يُظْهِرُونَ لِلرَّسُولِ عِنْدَ تَقْرِيرِهِمْ مَعاذِيرَهم حُبًّا وشَفَقَةً، فَقِيلَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ هَلْ يَبْقَوْنَ عَلى ذَلِكَ أوْ لا يَبْقَوْنَ ؟ والغَيْبُ والشَّهادَةُ هُما جامِعانِ لِأعْمالِ العَبْدِ لا يَخْلُو مِنهُما. وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِهِمْ كاطِّلاعِهِ عَلى ظَواهِرِهِمْ، لا تَفاوُتَ عِنْدَهُ في ذَلِكَ.
9:95–99Page 202
سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٥
They will swear by Allāh to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.
يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٩٦
They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allāh is not satisfied with a defiantly disobedient people.
ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧
The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allāh has revealed to His Messenger. And Allāh is Knowing and Wise.
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨
And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss1 and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allāh is Hearing and Knowing.
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩
But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهم يَصْدُرُ مِنهُمُ الِاعْتِذارُ أخْبَرَ أنَّهم سَيُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ الكاذِبَ بِالحَلِفِ، وأنَّ سَبَبَ الحَلِفِ هو طِلْبَتُهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يَلُومُوهم ولا يُوَبِّخُوهم، فَأعْرِضُوا عَنْهم، أيْ: فَأجِيبُوا إلى طِلْبَتِهِمْ. وعَلَّلَ الإعْراضُ عَنْهم بِأنَّهم رِجْسٌ، أيْ مُسْتَقْذَرُونَ بِما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ، فَتَجِبُ مُباعَدَتُهم واجْتِنابُهم؛ كَما قالَ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَمَن كانَ رِجْسًا لا تَنْفَعُ فِيهِ المُعاتَبَةُ، ولا يُمْكِنُ تَطْهِيرُ الرِّجْسِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ الحَلِفِ مَخافَتَهم أنْ يُعْرِضُوا عَنْهم فَلا يُقْبِلُوا عَلَيْهِمْ ولا يُوادُّوهم، فَأمَرَ تَعالى بِالإعْراضِ عَنْهم وعَدَمِ تَوَلِّيهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ في ذَلِكَ بِرِجْسِيَّتِهِمْ، وبِأنَّ مَآلَ أمْرِهِمْ إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لا تُكَلِّمُوهم. وفي الخَبَرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَدِمَ مِن تَبُوكَ، قالَ: لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم.
قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَ قَدِ اعْتَذَرَ بَعْضُ المُنافِقِينَ واسْتَأْذَنُوهُ في القُعُودِ قَبْلَ مَسِيرِهِ، فَأذِنَ، فَخَرَجُوا، وقالَ أحَدُهم: ما هو إلّا شَحْمَةٌ لِأوَّلِ آكِلٍ، فَلَمّا خَرَجَ الرَّسُولُ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، فانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقالَ لِلْمُنافِقِينَ في مَجْلِسٍ مِنهم: نَزَلَ فِيكم قُرْآنٌ فَقالُوا لَهُ: وما ذَلِكَ ؟ قالَ: لا أحْفَظُ، إلّا أنِّي سَمِعْتُ وصْفَكم فِيهِ بِالرِّجْسِ، فَقالَ لَهم مَخْشِيٌّ: لَوَدِدْتُ أنْ أُجْلَدَ مِائَةً ولا أكُونُ مَعَكم، فَخَرَجَ حَتّى لَحِقَ بِالرَّسُولِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: ”ما جاءَ بِكَ“ ؟ فَقالَ لَهُ: وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْفَعُهُ الرِّيحُ، وأنا في الكِنِّ. فَرُوِيَ أنَّهُ مِمَّنْ تابَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أمْرٌ بِانْتِهارِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِالإعْراضِ والوَصْمِ بِالنِّفاقِ، وهَذا مَعَ إجْمالٍ لا مَعَ تَعْيِينٍ مُصَرِّحٍ مِنَ اللَّهِ ولا مِن رَسُولِهِ، بَلْ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَيْدانُ المَقالَةِ مَبْسُوطًا. وقَوْلُهُ: (رِجْسٌ) أيْ: نَتَنٌ وقَذَرٌ. وناهِيكَ بِهَذا الوَصْفِ مَحَطَّةً دُنْيَوِيَّةً، ثُمَّ عَطَفَ لِمَحَطَّةِ الآخِرَةِ. ومِن حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: أنَّهم جاءُوا يَعْتَذِرُونَ ويَحْلِفُونَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ، فَقَبِلَ مِنهم عَلانِيَتَهم وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهم، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ.
﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ حَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بَعْدَها، (p-٩٠)وحَلَفَ ابْنُ أبِي سَرْحٍ لَنَكُونُنَّ مَعَهُ عَلى عَدُوِّهِ، وطَلَبَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَرْضى عَنْهُ، فَنَزَلَتْ، وهُنا حُذِفَ المَحْلُوفُ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أُثْبِتَ كَقَوْلِهِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها﴾ [القلم: ١٧] وقَوْلِهِ: (وأقْسَمُوا بِاللَّهِ) فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَذْفِهِ وإثْباتِهِ في انْعِقادِ ذَلِكَ يَمِينًا. وغَرَضُهم في الحَلِفِ رِضا الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لِنَفْعِهِمْ في دُنْياهم، لا أنَّ مَقْصِدَهم وجْهُ اللَّهِ تَعالى. والمُرادُ: هي أيْمانٌ كاذِبَةٌ، وأعْذارٌ مُخْتَلَقَةٌ لا حَقِيقَةَ لَها. وفي الآيَةِ قَبْلَها لَمّا ذَكَرَ حَلِفَهم لِأجْلِ الإعْراضِ، جاءَ الأمْرُ بِالإعْراضِ نَصًّا، لِأنَّ الإعْراضَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَظْهَرُ لِلنّاسِ، وهُنا ذَكَرَ الحَلِفَ لِأجْلِ الرِّضا فَأبْرَزَ النَّهْيَ عَنِ الرِّضا في صُورَةٍ شَرْطِيَّةٍ؛ لِأنَّ الرِّضا مِنَ الأُمُورِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي تَخْفى، وخَرَجَ مَخْرَجَ المُتَرَدَّدِ فِيهِ، وجَعَلَ جَوابَهُ انْتِفاءَ رِضا اللَّهِ عَنْهم، فَصارَ رِضا المُؤْمِنِينَ عَنْهم أبْعَدَ شَيْءٍ في الوُقُوعِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنهم أنَّهم لا يَرْضَوْنَ عَمَّنْ لا يَرْضى اللَّهُ عَنْهم. ونَصَّ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِانْتِفاءِ الرِّضا وهو الفِسْقُ، وجاءَ اللَّفْظُ عامًّا، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الخُصُوصُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْهم، ويُحْتَمَلُ بَقاؤُهُ عَلى العُمُومِ فَيَنْدَرِجُونَ فِيهِ ويَكُونُونَ أوْلى بِالدُّخُولِ؛ إذِ العامُّ إذا نَزَلَ عَلى سَبَبٍ مَخْصُوصٍ لا يُمْكِنُ إخْراجُ ذَلِكَ السَّبَبِ مِنَ العُمُومِ بِتَخْصِيصٍ ولا غَيْرِهِ.
﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في أعْرابٍ مِن أسَدٍ، وتَمِيمٍ، وغَطَفانَ. ومِن أعْرابِ حاضِرِي المَدِينَةِ، أيْ: أشَدُّ كُفْرًا مِن أهْلِ الحَضَرِ. وإذا كانَ الكُفْرُ مُتَعَلِّقًا بِالقَلْبِ فَقَطْ، فالتَّقْدِيرُ: أشَدُّ أسْبابِ كُفْرٍ، وإذا دَخَلَتْ فِيهِ أعْمالُ الجَوارِحِ تَحَقَّقَتْ فِيهِ الشِّدَّةُ. وكانُوا أشَدَّ كُفْرًا ونِفاقًا لِتَوَحُّشِهِمْ واسْتِيلاءِ الهَواءِ الحارِّ عَلَيْهِمْ، فَيَزِيدُ في تِيهِهِمْ ونَخْوَتِهِمْ وفَخْرِهِمْ وطَيْشِهِمْ وتَرْبِيَتِهِمْ بِلا سائِسٍ ولا مُؤَدِّبٍ ولا ضابِطٍ، فَنَشَئُوا كَما شاءُوا لِبُعْدِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ العُلَماءِ ومَعْرِفَةِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ولِبُعْدِهِمْ عَنْ مَهْبِطِ الوَحْيِ. كانُوا أطْلَقَ لِسانًا بِالكُفْرِ والنِّفاقِ مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ، إذْ كانَ هَؤُلاءِ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِمُ الخَوْفُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَكانَ كُفْرُهم سِرًّا ولا يَتَظاهَرُونَ بِهِ إلّا تَعْرِيضًا. (وأجْدَرُ)، أيْ: أحَقُّ، (ألّا يَعْلَمُوا)، أيْ: بِأنْ لا يَعْلَمُوا. والحُدُودُ هُنا: الفَرائِضُ. وقِيلَ: الوَعِيدُ عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ، والتَّأخُّرِ عَنِ الجِهادِ. وقِيلَ: مَقادِيرُ التَّكالِيفِ والأحْكامِ. وقالَ قَتادَةُ: أقَلُّ عِلْمًا بِالسُّنَنِ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «: ”إنَّ الجَفاءَ والقَسْوَةَ في الفَدّادِينَ“» . (واللَّهُ عَلِيمٌ) يَعْلَمُ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ، (حَكِيمٌ) فِيما يُصِيبُ بِهِ مُسِيئَهم ومُحْسِنَهم مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.
﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في أعْرابِ أسَدٍ، وغَطَفانَ، وتَمِيمٍ، كانُوا يَتَّخِذُونَ ما يُؤْخَذُ مِنهم مَنِ الصَّدَقاتِ. وقِيلَ: مِنَ الزَّكاةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: ما هي إلّا جِزْيَةٌ أوْ قَرِيبَةٌ مِنَ الجِزْيَةِ. وقِيلَ: كُلُّ نَفَقَةٍ لا تَهْواها أنْفُسُهم وهي مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، وهو ما يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ ولَيْسَ يَلْزَمُهُ؛ لِأنَّهُ لا يُنْفِقُ إلّا تَقِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ ورِياءً، لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وابْتِغاءِ المَثُوبَةِ عِنْدَهُ فَعَلَ هَذا. المَغْرَمُ: إلْزامُ ما لا يَلْزَمُ. وقِيلَ: المَغْرَمُ: الغُرْمُ والخُسْرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وقَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: المَغْرَمُ ما لَزَمَ أصْحابَهُ، والغَرامُ اللّازِمُ، ومِنهُ الغَرِيمُ لِلُزُومِهِ وإلْحاحِهِ. والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ. والدَّوائِرُ: هي المَصائِبُ الَّتِي لا مُخَلِّصَ مِنها، تُحِيطُ بِهِ كَما تُحِيطُ الدّائِرَةُ. وقِيلَ: تَرَبُّصُ الدَّوائِرِ هُنا مَوْتُ الرَّسُولِ ﷺ وظُهُورِ الشِّرْكِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تَطْلُقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها
وتَرَبُّصُ الدَّوائِرِ لِيَخْلُصُوا مِن إعْياءِ النَّفَقَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ، دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِنِسْبَةِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنْهم كَقَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] والدُّعاءُ مِنَ اللَّهِ هو بِمَعْنى إنْجابِ الشَّيْءِ؛ (p-٩١)لِأنَّهُ تَعالى لا يَدْعُو عَلى مَخْلُوقاتِهِ وهي في قَبْضَتِهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: عَلَيْهِمْ تَدُورُ المَصائِبُ والحُرُوبُ الَّتِي يَتَوَقَّعُونَها عَلى المُسْلِمِينَ، وهُنا وعْدٌ لِلْمُسْلِمِينَ وإخْبارٌ. وقِيلَ: دُعاءٌ، أيْ: قُولُوا عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، أيْ: المَكْرُوهِ، وحَقِيقَةُ الدّائِرَةِ ما تَدُورُ بِهِ الأيّامَ. وقِيلَ: يَدُورُ بِهِ الفَلَكُ في سَيْرِهِ، والدَّوائِرُ انْقِلابُ النِّعْمَةِ إلى ضِدِّها. وفي الحُجَّةِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (السَّوْءُ) هُنا. وفي سُورَةِ الفَتْحِ ثانِيَةٌ بِالضَّمِّ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالفَتْحِ، فالفَتْحُ مَصْدَرٌ. قالَ الفَرّاءُ: سُؤْتُهُ سَوْءًا ومَساءَةً وسَوائِيَةً، والضَّمُّ الِاسْمُ وهو الشَّرُّ والعَذابُ، والفَتْحُ ذَمُّ الدّائِرَةِ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ، وُصِفَتِ الدّائِرَةُ بِالمَصْدَرِ كَما قالُوا: رَجُلُ سَوْءٍ في نَقِيضِ رَجُلِ صِدْقٍ، يَعْنُونَ في هَذا الصَّلاحَ، لا صِدْقَ اللِّسانِ، وفي ذَلِكَ الفَسادَ. ومِنهُ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] أيْ: امْرَأً فاسِدًا. وقالَ المُبَرِّدُ: السَّوْءُ بِالفَتْحِ الرَّداءَةُ، ولا يَجُوزُ ضَمُّ السِّينِ في رَجُلِ سَوْءٍ، قالَهُ أكْثَرُهم. وقَدْ حُكِيَ بِالضَّمِّ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎وكُنْتَ كَذِيبِ السُّوءِ لَمّا رَأى دَمًا ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الدَّمِ
) واللَّهُ سَمِيعٌ ) لِأقْوالِهِمْ، (عَلِيمٌ) بِنِيّاتِهِمْ.
﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ مِن مُزَيَنَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُغَفَّلِ بْنِ مُقَرِّنٍ: كُنّا عَشَرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ﴾ الآيَةَ، يُرِيدُ: السِّتَّةَ والسَّبْعَةَ الإخْوَةِ عَلى الخِلافِ في عَدَدِهِمْ وبَنِيهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: في عَبْدِ اللَّهِ ذِي النِّجادَيْنِ ورَهْطِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في أسْلَمَ وغِفارٍ وجُهَيْنَةَ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾؛ ذَكَرَ مُقابِلَهُ وهو مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْنَمًا، وذَكَرَ هُنا الأصْلَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إنْفاقُ المالِ في القُرُباتِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، إذْ جَزاءُ ما يُنْفَقُ إنَّما يَظْهَرُ ثَوابُهُ الدّائِمُ في الآخِرَةِ. وفي قِصَّةِ أُولَئِكَ اكْتَفى بِذِكْرِ نَتِيجَةِ الكُفْرِ وعَدَمِ الإيمانِ، وهو اتِّخاذُهُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وتَرَبُّصُهُ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ. والأجْوَدُ تَعْمِيمُ القُرُباتِ مِن جِهادٍ وصَدَقَةٍ، والمَعْنى: يَتَّخِذُهُ سَبَبَ وصْلٍ عِنْدَ اللَّهِ وأدْعِيَةِ الرَّسُولِ، وكانَ يَدْعُو لِلْمُصَدِّقِينَ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويَسْتَغْفِرُ لَهم كَقَوْلِهِ: ”اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى“، وقالَ تَعالى: (وصَلِّ عَلَيْهِمْ)، والظّاهِرُ عَطْفُ (وصَلَواتِ) عَلى (قُرُباتٍ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ عَطْفًا عَلى (ما يُنْفِقُ)، أيْ: ويَتَّخِذُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ صَلَواتِ الرَّسُولِ قُرْبَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَلَواتُ الرَّسُولِ هي اسْتِغْفارُهُ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: أدْعِيَتُهُ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، سَمّاها صَلَواتٍ جَرْيًا عَلى الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، أوْ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيها، وحِينَ جاءَ ابْنُ أبِي أوْفى بِصَدَقَتِهِ قالَ: ”آجَرَكَ اللَّهُ فِيما أعْطَيْتَ، وجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا“ والضَّمِيرُ في (أنْها) قِيلَ: عائِدٌ عَلى الصَّلَواتِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى النَّفَقاتِ. وتَحْرِيرُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما عَلى مَعْناها، والمَعْنى: قُرْبَةٌ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، وهَذِهِ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُتَصَدِّقِ بِصِحَّةِ ما اعْتَقَدَ مِن كَوْنِ نَفَقَتِهِ قُرُباتٍ وصَلَواتٍ، وتَصْدِيقُ رَجائِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ مَعَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ، وهو ”ألا“، وحَرْفِ التَّوْكِيدِ وهو ”إنَّ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما في السِّينِ مِن تَحْقِيقِ الوَعْدِ، وما أدَلُّ هَذا الكَلامِ عَلى رِضا اللَّهِ تَعالى عَنِ المُتَصَدِّقِينَ، وأنَّ الصَّدَقَةَ مِنهُ تَعالى بِمَكانٍ إذا خَلَصَتِ النِّيَّةُ مِن صاحِبِها. انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في دَعْواهُ أنَّ السِّينَ تُفِيدُ تَحْقِيقَ الوَعْدِ. وقَرَأ ورْشٌ: (قُرُبَةٌ) بِضَمِّ الرّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالسُّكُونِ، وهُما لُغَتانِ. ولَمْ يَخْتَلِفُوا في (قُرُباتٍ) أنَّهُ بِالضَّمِّ، فَإنْ كانَ جَمْعَ قُرُبَةٍ فَجاءَ الضَّمُّ عَلى الأصْلِ في الوَضْعِ، وإنْ كانَ جَمْعَ قُرْبَةٍ بِالسُّكُونِ فَجاءَ الضَّمُّ اتِّباعًا لِما قَبْلَهُ، كَما قالُوا: ظُلُماتٌ في جَمْعِ ظُلْمَةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences