Ash-ShinqitiAl‑Hijr · 15:54–79

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:54–79

15:54Page 265

قَالَ أَبَشَّرۡتُمُونِي عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِيَ ٱلۡكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ٥٤

He said, "Have you given me good tidings although old age has come upon me? Then of what [wonder] do you inform?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ .

بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ قالَ: إنَّهُ وقْتَ البُشْرى بِإسْحاقَ مَسَّهُ الكِبَرُ. وصَرَّحَ في هُودٍ بِأنَّ امْرَأتَهُ أيْضًا قالَتْ إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ في قَوْلِهِ عَنْها: ﴿وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] كَما صَرَّحَ عَنْها هي أنَّها وقْتَ البُشْرى عَجُوزٌ كَبِيرَةُ السِّنِّ وذَلِكَ كَقَوْلِهِ في هُودٍ: ﴿ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ الآيَةَ [هود: ٧٢]، وقَوْلِهِ في الذّارِياتِ: ﴿فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] . وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ أنَّهُ وقْتَ هِبَةِ اللَّهِ لَهُ ولَدَهُ إسْماعِيلَ أنَّهُ كَبِيرُ السِّنِّ أيْضًا، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ .

الظّاهِرُ أنَّ اسْتِفْهامَ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِلْمَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ ما وقَعَ لَهُ وقَعَ نَظِيرُهُ لِامْرَأتِهِ حَيْثُ قالَتْ ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ لِعَجَبِها مِن ذَلِكَ الأمْرِ الخارِقِ لِلْعادَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [هود: ٧٣] ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا وُقُوعُ مِثْلِهِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] .

(p-٢٨٢)وَقَوْلُهُ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ [آل عمران: ٣٩] عَجِبَ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٠] وقَوْلُهُ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً وهي نُونُ الرَّفْعِ، وقَرَأهُ نافِعٌ بِكَسْرِ النُّونِ مُخَفَّفَةً وهي نُونُ الوِقايَةِ مَعَ حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْها، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ المَكْسُورَةِ المُشَدَّدَةِ مَعَ المَدِّ، فَعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ لَمْ يَحْذِفْ نُونَ الرَّفْعِ ولا المَفْعُولَ بِهِ، بَلْ نُونُ الرَّفْعِ مُدْغَمَةٌ في نُونِ الوِقايَةِ وياءُ المُتَكَلِّمِ هي المَفْعُولُ بِهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَنُونُ الرَّفْعِ ثابِتَةٌ والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ.

؎وَحَذْفُ فَضْلَةٍ أجِزْ إنْ لَمْ يَضُرَّ كَحَذْفِ ما سِيقَ جَوابًا أوْ حُصِرَ

وَعَلى قِراءَةِ نافِعٍ فَنُونُ الرَّفْعِ مَحْذُوفَةٌ لِاسْتِثْقالِ اجْتِماعِها مَعَ نُونِ الوِقايَةِ.

تَنْبِيهٌ

حَذْفُ نُونِ الرَّفْعِ لَهُ خَمْسُ حالاتٍ ثَلاثٌ مِنها يَجِبُ فِيها حَذْفُها، وواحِدَةٌ يَجُوزُ فِيها حَذْفُها وإثْباتُها، وواحِدَةٌ يُقْصَرُ فِيها حَذْفُها عَلى السَّماعِ، أمّا الثَّلاثُ الَّتِي يَجِبُ فِيها الحَذْفُ: فالأُولى مِنها إذا دَخَلَ عَلى الفِعْلِ عامِلُ جَزْمٍ، والثّانِيَةُ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ عامِلُ نَصْبٍ، والثّالِثَةُ إذا أُكِّدَ الفِعْلُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ نَحْوَ لَتُبْلَوُنَّ، وأمّا الحالَةُ الَّتِي يَجُوزُ فِيها الإثْباتُ والحَذْفُ فَهي ما إذا اجْتَمَعَتْ مَعَ نُونِ الرَّفْعِ نُونُ الوِقايَةِ، لِكَوْنِ المَفْعُولِ ياءَ المُتَكَلِّمِ فَيَجُوزُ الحَذْفُ والإثْباتُ، ومِنَ الحَذْفِ قِراءَةُ نافِعٍ في هَذِهِ الآيَةِ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ بِالكَسْرِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧] بِكَسْرِ النُّونِ مَعَ التَّخْفِيفِ في الجَمْعِ أيْضًا وقَوْلُهُ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٤] بِالكَسْرِ مَعَ التَّخْفِيفِ أيْضًا، وكُلُّها قَرَأها بَعْضُ القُرّاءِ بِالتَّشْدِيدِ لِإثْباتِ نُونِ الرَّفْعِ وإدْغامِها في نُونِ الوِقايَةِ، وأمّا الحالَةُ الخامِسَةُ المَقْصُورَةُ عَلى السَّماعِ فَهو حَذْفُها لِغَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأسْبابِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ:

؎أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتُ تُدَلِّكِي ∗∗∗ وجْهَكِ بِالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكِيِّ

أمّا بَقاءُ نُونِ الرَّفْعِ مَعَ الجازِمِ في قَوْلِهِ: (p-٢٨٣)

؎لَوْلا فَوارِسُ مِن نُعْمٍ وأُسْرَتِهِمْ ∗∗∗ يَوْمَ الصُّلَيْفاءِ لَمْ يُوفُونَ بِالجارِ

فَهُوَ نادِرٌ حَمْلًا لِلَمْ عَلى أُخْتِها لا النّافِيَةِ أوْ ما النّافِيَةِ، وقِيلَ هو لُغَةُ قَوْمٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في التَّسْهِيلِ، وكَذَلِكَ بَقاءُ النُّونِ مَعَ حَرْفِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ:

؎أنْ تَقْرَآنِ عَلى أسْماءَ ويْحَكُما ∗∗∗ مِنِّي السَّلامَ وألّا تُشْعِرا

أحَدًا فَهو لُغَةُ قَوْمٍ حَمَلُوا أنِ المَصْدَرِيَّةَ عَلى أُخْتِها ما المَصْدَرِيَّةِ في عَدَمِ النَّصْبِ بِها، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَبَعْضُهم أهْمَلَ أنْ حَمْلًا عَلى ∗∗∗ ما أُخْتِها حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلًا

وَلا يُنافِي كَوْنُ اسْتِفْهامِ إبْراهِيمَ لِلتَّعَجُّبِ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ قَوْلَ المَلائِكَةِ لَهُ فِيما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم: ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] . لِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اسْتِفْهامَهُ لَيْسَ اسْتِفْهامَ مُنْكِرٍ ولا قانِطٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

15:55Page 265

قَالُواْ بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ ٥٥

They said, "We have given you good tidings in truth, so do not be of the despairing."

No commentary for this ayah

15:56Page 265

قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ٥٦

He said, "And who despairs of the mercy of his Lord except for those astray?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ .

بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ قالَ لِلْمَلائِكَةِ إنَّهُ لا يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - إلّا الضّالُّونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ وبَيِّنٌ أنَّ هَذا المَعْنى قالَهُ أيْضًا يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ لِبَنِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. ورَوْحُ اللَّهِ رَحْمَتُهُ وفَرَجُهُ وتَنْفِيسُهُ.

15:57Page 265

قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٧

[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"

No commentary for this ayah

15:58Page 265

قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٥٨

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ .

أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ قَوْمُ لُوطٍ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُ، ووَجْهُ إشارَتِهِ تَعالى لِذَلِكَ اسْتِثْناءُ لُوطٍ وأهْلِهِ غَيْرَ امْرَأتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ إلا امْرَأتَهُ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٥٩ - ٦٠] وصَرَّحَ بِأنَّهم قَوْمُ لُوطٍ

• بِقَوْلِهِ في هُودٍ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٧٠] وصَرَّحَ في الذّارِياتِ بِأنَّهم أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ لِيُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٢ - ٣٣] وصَرَّحَ في العَنْكَبُوتِ أنَّهم قالُوا إنَّهم مُهْلِكُوهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، ومُنْزِلُونَ عَلَيْهِمْ (p-٢٨٤)رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٣١ - ٣٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٣ - ٣٤]

• وقَوْلِهِ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ اسْتَثْنى آلَ لُوطٍ مِن ذَلِكَ العَذابِ النّازِلِ بِقَوْمِهِ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ﴾ الآيَةَ [هود: ٨١]

• وقَوْلِهِ في العَنْكَبُوتِ: ﴿وَقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٣٣]

• وقَوْلِهِ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]

• وقَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٧٠ - ١٧١]

• وقَوْلِهِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنِ اسْتِثْناءِ امْرَأتِهِ مِن أهْلِهِ النّاجِينَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ أوْضَحَهُ في هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا ونَحْوَها مِنَ الآياتِ، وبَيَّنَ في الذّارِياتِ أنَّهُ أنْجى مَن كانَ في قَوْمِ لُوطٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا بَيْتٌ واحِدٌ وهم آلُ لُوطٍ وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٥ - ٣٦] .

تَنْبِيهٌ

فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلِيلٌ واضِحٌ لِما حَقَّقَهُ عُلَماءُ الأُصُولِ مِن جَوازِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى آلَ لُوطٍ مِن إهْلاكِ المُجْرِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ثُمَّ اسْتَثْنى مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ امْرَأةَ لُوطٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:

؎وَحُكْمُها في القَصْدِ حُكْمُ الأوَّلِ

لَيْسَ صَحِيحًا عَلى إطْلاقِهِ. وأوْضَحَ مَسْألَةَ تَعَدُّدِ الِاسْتِثْناءِ بِأقْسامِها صاحِبُ مَراقِي (p-٢٨٥)السُّعُودِ في مَبْحَثِ المُخَصَّصِ المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ:

؎وَذا تَعَدُّدٍ بِعَطْفٍ حَصَلَ ∗∗∗ بِالِاتِّفاقِ مُسْجَلًا لِلْأوَّلْ

؎إلّا فَكُلٌّ لِلَّذِي بِهِ اتَّصَلْ ∗∗∗ وكُلُّها مَعَ التَّساوِي قَدْ بَطَلْ

؎إنْ كانَ غَيْرُ الأوَّلِ المُسْتَغْرَقا ∗∗∗ فالكُلُّ لِلْمُخْرَجِ مِنهُ حُقِّقا

؎وَحَيْثُما اسْتَغْرَقَ الاوَّلَ فَقَطْ ∗∗∗ فَألْغِ واعْتَبِرْ بِخُلْفٍ في النَّمَطْ

15:59Page 265

إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٩

Except the family of Lot; indeed, we will save them all

No commentary for this ayah

15:60Page 265

إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٦٠

Except his wife." We [i.e., Allāh] decreed that she is of those who remain behind.1

No commentary for this ayah

15:61Page 265

فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٦١

And when the messengers came to the family of Lot,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ .

بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ لُوطًا - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا جاءَهُ المَلائِكَةُ المُرْسَلُونَ لِإهْلاكِ قَوْمِهِ قالَ لَهم: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ . وصَرَّحَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ مَساءَةٌ بِمَجِيئِهِمْ، وأنَّهُ ضاقَ ذَرْعًا بِذَلِكَ،

• كَقَوْلِهِ في هُودٍ: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]

• وقَوْلِهِ في العَنْكَبُوتِ: ﴿وَلَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: ٣٣]، وذَكَرَ تَعالى في الذّارِياتِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ قالَ لَهم أيْضًا: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، كَما ذَكَرَ عَنْ لُوطٍ هُنا وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]

• وقَوْلِهِ ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم غَيْرُ مَعْرُوفِينَ، والنَّكِرَةُ ضِدُّ المَعْرِفَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَآهم في صِفَةِ شَبابٍ حِسانِ الوُجُوهِ، فَخافَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ قَوْمُهُ فاحِشَةَ اللِّواطِ فَقالَ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: مُنْكَرُونَ أيْ تُنْكِرُكم نَفْسِي وتَفِرُّ مِنكم، فَأخافُ أنْ تَطْرُقُونِي بِشَرٍّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وَأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٦٣ - ٦٤] ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ أنَّهُ بَيَّنَ في هُودٍ أنَّ سَبَبَ إنْكارِ إبْراهِيمَ لَهم عَدَمُ أكْلِهِمْ مِن لَحْمِ العِجْلِ الَّذِي قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] لِأنَّ مَنِ اسْتَضافَ وامْتَنَعَ مِنَ الأكْلِ خِيفَ مِنهُ الشَّرُّ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ [الحجر: ٥٩] قَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإسْكانِ النُّونِ بَعْدَ المِيمِ المَضْمُومَةِ مُخَفَّفًا اسْمُ فاعِلِ أنْجى عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وقَرَأهُ غَيْرُهُما مِنَ القُرّاءِ بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ اسْمُ فاعِلِ نُجِّيَ عَلى وزْنِ فُعِّلَ بِالتَّضْعِيفِ، والإنْجاءِ والتَّنْجِيَةِ مَعْناهُما واحِدٌ وقَوْلُهُ: ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] قَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وقَرَأهُ غَيْرُهُ بِتَشْدِيدِها وهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿جاءَ آلَ لُوطٍ﴾ [الحجر: ٦١]

قَرَأهُ قالُونُ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ الأُولى وتَحْقِيقِ الثّانِيَةِ مَعَ (p-٢٨٦)القَصْرِ والمَدِّ، وقَرَأهُ ورْشٌ بِتَحْقِيقِ الأُولى وإبْدالِ الثّانِيَةِ ألِفًا مَعَ القَصْرِ والمَدِّ، وعَنْ ورْشٍ أيْضًا تَحْقِيقُ الأُولى وتَسْهِيلُ الثّانِيَةِ مَعَ القَصْرِ والتَّوَسُّطِ والمَدِّ، وقَرَأهُ قُنْبُلٌ مِثْلَ قِراءَةِ ورْشٍ إلّا أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَعَ التَّسْهِيلِ إلّا القَصْرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ وكُلٌّ عَلى أصْلِهِ مِنَ المَدِّ، وما ذُكِرَ مِن قِراءَةِ ورْشٍ وقُنْبُلٍ هو التَّحْقِيقُ عَنْهُما وإنْ قِيلَ غَيْرُهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

15:62Page 265

قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٦٢

He said, "Indeed, you are people unknown."

No commentary for this ayah

15:63Page 265

قَالُواْ بَلۡ جِئۡنَٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٦٣

They said, "But we have come to you with that about which they were disputing,

No commentary for this ayah

15:64Page 265

وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٦٤

And we have come to you with truth, and indeed, we are truthful.

No commentary for this ayah

15:65Page 265

فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ ٦٥

So set out with your family during a portion of the night and follow behind them and let not anyone among you look back and continue on to where you are commanded."

No commentary for this ayah

15:66Page 265

وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ ٦٦

And We conveyed to him [the decree] of that matter: that those [sinners] would be eliminated by early morning.

No commentary for this ayah

15:67Page 265

وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٦٧

And the people of the city came rejoicing.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .

سَبَبُ اسْتِبْشارِ قَوْمِ لُوطٍ أنَّهم ظَنُّوا المَلائِكَةَ شَبابًا مِن بَنِي آدَمَ، فَحَدَّثَتْهم أنْفُسُهم بِأنْ يَفْعَلُوا بِهِمْ فاحِشَةَ اللِّواطِ، كَما يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ [الحجر: ٦٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ الآيَةَ [القمر: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ٧٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

15:68Page 265

قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٦٨

[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.

No commentary for this ayah

15:69Page 265

وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ ٦٩

And fear Allāh and do not disgrace me."

No commentary for this ayah

15:70Page 265

قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٠

They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"

No commentary for this ayah

15:71Page 266

قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٧١

[Lot] said, "These are my daughters1 - if you would be doers [of lawful marriage]."

No commentary for this ayah

15:72Page 266

لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٢

By your life, [O Muḥammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.

No commentary for this ayah

15:73Page 266

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ ٧٣

So the shriek1 seized them at sunrise.

No commentary for this ayah

15:74Page 266

فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤

And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.

No commentary for this ayah

15:75Page 266

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥

Indeed in that are signs for those who discern.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ .

بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ فِيما أوْقَعَ مِنَ النَّكالِ بِقَوْمِ لُوطٍ آياتٍ لِلْمُتَأمِّلِينَ في ذَلِكَ، تَحْصُلُ لَهم بِها المَوْعِظَةُ والِاعْتِبارُ والخَوْفُ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ العَذابِ الَّذِي أنْزَلَ بِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا عَصَوْهُ وكَذَّبُوا رَسُولَهُ. وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ

• كَقَوْلِهِ في العَنْكَبُوتِ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥]

• وقَوْلِهِ في الذّارِياتِ: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧]

• وقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]

• وقَوْلِهِ في الشُّعَراءِ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٧٤]،

كَما صَرَّحَ بِمِثْلِ ذَلِكَ في إهْلاكِ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ هُودٍ وقَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ شُعَيْبٍ في الشُّعَراءِ وقَوْلُهُ: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أصْلُ التَّوَسُّمِ تَفَعُّلٌ مِنَ الوَسْمِ، وهو العَلامَةُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى مَطْلُوبِ غَيْرِها. يُقالُ: تَوَسَّمْتُ فِيهِ الخَيْرَ إذا رَأيْتُ مِيْسَمَهُ فِيهِ، أيْ عَلامَتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في النَّبِيِّ ﷺ:

؎إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ أعْرِفُهُ واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي ثابِتُ النَّظَرِ

وَقالَ الآخَرُ:

؎تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ

هَذا أصْلُ التَّوَسُّمِ، ولِلْعُلَماءِ فِيهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ يَرْجِعُ مَعْناها كُلُّها إلى شَيْءٍ واحِدٍ. (p-٢٨٧)فَعَنْ قَتادَةَ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيِ المُعْتَبِرِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيِ المُتَفَرِّسِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيْ لِلنّاظِرِينَ، وعَنْ مالِكٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِ المَدِينَةِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيْ لِلْمُتَأمِّلِينَ.

وَلا يَخْفى أنَّ الِاعْتِبارَ والنَّظَرَ والتَّفَرُّسَ والتَّأمُّلَ مَعْناها واحِدٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ ومُقاتِلٍ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ، وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيْ لِلْمُتَبَصِّرِينَ، فَمَآلُ جَمِيعِ الأقْوالِ راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ وهو أنَّ ما وقَعَ لِقَوْمِ لُوطٍ فِيهِ مَوْعِظَةٌ وعِبْرَةٌ لِمَن نَظَرَ في ذَلِكَ وتَأمَّلَ فِيهِ حَقَّ التَّأمُّلِ، وإطْلاقُ التَّوَسُّمِ عَلى التَّأمُّلِ والنَّظَرِ والِاعْتِبارِ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ::

؎وَفِيهِنَّ مَلْهى لِلصَّدِيقِ ومَنظَرٌ ∗∗∗ أنِيقٌ لَعِينِ النّاظِرِ المُتَوَسِّمِ

أيِ المُتَأمِّلِ في ذَلِكَ الحُسْنِ، وقَوْلُ طَرِيفِ بْنِ تَمِيمٍ العَنْبَرِيِّ:

؎أوْ كُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ

أيْ يَنْظُرُ ويَتَأمَّلُ. وقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ: لِلنّاظِرِينَ.

وَأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: قالَ لِلْمُعْتَبِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: هُمُ المُتَفَرِّسُونَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ ﴿لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: هُمُ المُتَفَرِّسُونَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ مَعًا في الطِّبِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ“ ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: ”لِلْمُتَفَرِّسِينَ»“ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْذَرُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ويَنْطِقُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والبَزّارُ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ عِبادًا يَعْرِفُونَ النّاسَ بِالتَّوَسُّمِ» . اهـ.

15:76Page 266

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ ٧٦

And indeed, they [i.e., those cities] are [situated] on an established road.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ .

بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ دِيارَ قَوْمِ (p-٢٨٨)لُوطٍ، وآثارَ تَدْمِيرِ اللَّهِ لَها بِسَبِيلٍ مُقِيمٍ أيْ بِطَرِيقٍ ثابِتٍ يَسْلُكُهُ النّاسُ لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، يَمُرُّ بِها أهْلُ الحِجازِ في ذَهابِهِمْ إلى الشّامِ، والمُرادُ أنَّ آثارَ تَدْمِيرِ اللَّهِ لَهُمُ الَّتِي تُشاهِدُونَ في أسْفارِكم فِيها لَكم عِبْرَةٌ ومُزْدَجَرٌ يُوجِبُ عَلَيْكُمُ الحَذَرَ مِن أنْ تَفْعَلُوا كَفِعْلِهِمْ، لِئَلّا يُنْزِلَ اللَّهُ بِكم مِثْلَ ما أنْزَلَ بِهِمْ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]

• وقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] .

• وقَوْلِهِ فِيها وفي دِيارِ أصْحابِ الأيْكَةِ: ﴿وَإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

15:77Page 266

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧

Indeed in that is a sign for the believers.

No commentary for this ayah

15:78Page 266

وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨

And the companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] were [also] wrongdoers,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا ظالِمِينَ وأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - انْتَقَمَ مِنهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وأوْضَحَ هَذِهِ القِصَّةَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ في الشُّعَراءِ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وَما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٩٠] فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ظُلْمَهم هو تَكْذِيبُ رَسُولِهِمْ وتَطْفِيفُهم في الكَيْلِ، وبَخْسُهُمُ النّاسَ أشْياءَهم، وأنَّ انْتِقامَهُ مِنهم بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ، والظُّلَّةُ سَحابَةٌ أظَلَّتْهم فَأضْرَمَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ”لَيْكَةِ“ . في ”الشُّعَراءِ“ و ”ص“ بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلَ الكَلِمَةِ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ آخِرَها مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا تَعْرِيفٍ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”الأيْكَةِ“ بِالتَّعْرِيفِ والهَمْزِ وكَسْرِ التّاءِ، وقَرَأ كَذَلِكَ جَمِيعُ القُرّاءِ في ”ق“ و ”الحِجْرِ“ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَيْكَةُ والأيْكَةُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، والأيْكَةُ في لُغَةِ العَرَبِ الغَيْضَةُ وهي جَماعَةُ الشَّجَرِ، والجَمْعُ الأيْكُ، وإنَّما سُمُّوا أصْحابَ الأيْكَةِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ غِياضٍ (p-٢٨٩)وَرِياضٍ، ويُرْوى أنَّ شَجَرَهم كانَ دَوْمًا وهو المُقْلِ، ومِن إطْلاقِ الأيْكَةِ عَلى الغَيْضَةِ قَوْلُ النّابِغَةِ:

؎تَجْلُو بِقادِمَتَيْ حَمامَةِ أيْكَةٍ بَرَدًا أُسِفَّ لِثاتُهُ بِالإثْمَدِ

وَقالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: ومَن قَرَأ أصْحابَ الأيْكَةِ فَهي الغَيْضَةُ، ومَن قَرَأ لَيْكَةِ فَهي اسْمُ القَرْيَةِ، ويُقالُ: هُما مِثْلُ بَكَّةَ ومَكَّةَ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأيْكَةُ الشَّجَرَةُ، والأيْكُ هو الشَّجَرُ المُلْتَفُّ.

15:79Page 266

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩

So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском