Ash-ShinqitiAl‑Isra · 17:33–35

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:33–35, continued

قالَ: فَكانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، حَتّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَقامَ خَطِيبًا فَقالَ: ألا إنَّ الإبِلَ قَدْ غَلَتْ، قالَ: فَفَرَضَها عَلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وعَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وعَلى أهْلِ الشّاءِ ألْفَيْ شاةٍ، وعَلى أهْلِ الحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ، وتَرَكَ دِيَةَ أهْلِ الكِتابِ لَمْ يَرْفَعْها فِيما رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ» .

حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَضى في الدِّيَةِ عَلى أهْلِ الإبِلِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وعَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وعَلى أهْلِ الشّاءِ ألْفَيْ شاةٍ، وعَلى أهْلِ الحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ، وعَلى أهْلِ القَمْحِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ مُحَمَّدٌ» .

قالَ أبُو داوُدَ: قَرَأْتُ عَلى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الطّالَقانِيِّ قالَ: ثِنا أبُو تُمَيْلَةَ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: ذَكَرَ عَطاءٌ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: فَرَضَ (p-١٠٩)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مُوسى، وقالَ: وعَلى أهْلِ الطَّعامِ شَيْئًا لَمْ أحْفَظْهُ. وقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ سُلَيْمانَ قالَ: حَدَّثْنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، قالَ: أنْبَأنا مُحَمَّدُ بْنُ راشِدٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مِن قُتِلَ خَطَأً فَدَيْتُهُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ: ثَلاثُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وثَلاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وثَلاثُونَ حَقَّةً، وعَشَرَةٌ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ» .

قالَ: وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَوِّمُها عَلى أهْلِ القُرى أرْبَعَمِائَةِ دِينارٍ، أوْ عَدْلَها مِنَ الوَرِقِ، ويُقَوِّمُها عَلى أهْلِ الإبِلِ إذا غَلَتْ رَفَعَ قِيمَتَها، وإذا هانَتْ نَقَصَ مِن قِيمَتِها عَلى نَحْوِ الزَّمانِ ما كانَ. فَبَلَغَ قِيمَتُها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما بَيْنَ الأرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ، إلى ثَمانِمِائَةِ دِينارٍ أوْ عَدْلِها مِنَ الوَرَقِ.

قالَ: «وَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ مَن كانَ عَقْلُهُ في البَقَرِ: عَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، ومَن كانَ عَقْلُهُ في الشّاءِ: ألْفَيْ شاةٍ، وقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”أنَّ العَقْلَ مِيراثٌ بَيْنَ ورَثَةِ القَتِيلِ عَلى فَرائِضِهِمْ، فَما فَضَلَ فَلِلْعَصَبَةِ» «وَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ“ أنْ يَعْقِلَ عَلى المَرْأةِ عَصَبَتُها مَن كانُوا، ولا يَرِثُونَ مِنهُ إلّا ما فَضَلَ عَنْ ورَثَتِها، وإنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُها بَيْنَ ورَثَتِها وهم يَقْتُلُونَ قاتِلَها» . وقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، عَنْ مُعاذِ بْنِ هانِئٍ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ (ح)، وأخْبَرَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ هانِئٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا وذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾» [التوبة: ٧٤] في أخْذِهِمُ الدِّيَةَ واللَّفْظُ لِأبِي داوُدَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ:

أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”قَضى بِاثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا“ - يَعْنِي في الدِّيَةِ - انْتَهى كَلامُ النَّسائِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَقالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ أيْضًا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الأنْبارِيُّ، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا»، قالَ أبُو داوُدَ: رَواهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبّاسٍ.

وَقالَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا العَبّاسُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ، ثَنا (p-١١٠)مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا»“ قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] قالَ: بِأخْذِهِمُ الدِّيَةَ.

وَفِي المُوَطَّأِ عَنْ مالِكٍ: أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَوَّمَ الدِّيَةَ عَلى أهْلِ القُرى فَجَعَلَها عَلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، قالَ مالِكٌ: فَأهْلُ الذَّهَبِ أهْلُ الشّامِ وأهْلُ مِصْرَ، وأهْلُ الوَرِقِ أهْلُ العِراقِ.

وَعَنْ مالِكٍ في المُوَطَّأِ أيْضًا: أنَّهُ سَمِعَ أنَّ الدِّيَةَ تَقْطَعُ في ثَلاثِ سِنِينَ أوْ أرْبَعِ سِنِينَ، قالَ مالِكٌ: والثَّلاثُ أحَبُّ ما سَمِعْتُ إلى في ذَلِكَ.

قالَ مالِكٌ: الأمْرُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنا أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِن أهْلِ القُرى في الدِّيَةِ الإبِلُ، ولا مِن أهْلِ العَمُودِ الذَّهَبُ ولا الوَرِقُ، ولا مِن أهْلِ الذَّهَبِ الوَرِقُ، ولا مِن أهْلِ الوَرِقِ الذَّهَبُ.

* *

فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.

الأوَّلُ: جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الدِّيَةَ في الخَطَأِ وشِبْهِ العَمْدِ مُؤَجَّلَةٌ في ثَلاثِ سِنِينَ، يَدْفَعُ ثُلْثَها في كُلِّ واحِدٍ مِنَ السِّنِينَ الثَّلاثِ.

قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ولا خِلافَ بَيْنِهِمْ في أنَّها مُؤَجَّلَةٌ في ثَلاثِ سِنِينَ؛ فَإنَّ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما جَعَلا دِيَةَ الخَطَأِ عَلى العاقِلَةِ في ثَلاثِ سِنِينَ، ولا نَعْرِفُ لَهُما في الصَّحابَةِ مُخالِفًا، فاتَّبَعَهم عَلى ذَلِكَ أهْلُ العِلْمِ اه.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومِثْلُ هَذا يُسَمّى إجْماعًا سُكُوتِيًّا، وهو حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ الأُصُولِ، وأشارَ إلى ذَلِكَ صاحِبُ ”مَراقِي السُّعُودِ“ مَعَ بَيانِ شَرْطِ الِاحْتِجاجِ بِهِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

؎وَجَعْلُ مَن سَكَتَ مِثْلَ مَن أقَرْ فِيهِ خِلافٌ بَيْنِهِمْ قَدِ اشْتُهِرْ

؎فالِاحْتِجاجُ بِالسُّكُوتِي نَمّا ∗∗∗ تَفْرِيعَهُ عَلَيْهِ مَن تَقَدَّما

؎وَهُوَ بِفَقْدِ السُّخْطِ والضِّدِّ حَرِي ∗∗∗ مَعَ مُضِيِّ مُهْلَةٍ لِلنَّظَرِ

وَتَأْجِيلُها في ثَلاثِ سِنِينَ هو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.

* *

الفَرْعُ الثّانِي: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في نَفْسِ الجانِي؛ هَلْ يَلْزَمُهُ قِسْطٌ مِن دِيَةِ الخَطَأِ كَواحِدٍ مِنَ العاقِلَةِ، أوْ لا.

(p-١١١)فَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنَّ الجانِيَ يَلْزَمُهُ قِسْطٌ مِنَ الدِّيَةِ كَواحِدٍ مِنَ العاقِلَةِ.

وَذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ: إلى أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ مِنَ الدِّيَةِ شَيْءٌ، لِظاهِرِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”قَضى بِالدِّيَةِ عَلى عاقِلَةِ المَرْأةِ»“ وظاهِرُهُ قَضاؤُهُ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ، وحُجَّةُ القَوْلِ الآخَرِ: أنْ أصْلَ الجِنايَةِ عَلَيْهِ وهم مُعِينُونَ لَهُ، فَيَتَحَمَّلُ عَنْ نَفْسِهِ مِثْلَ ما يَتَحَمَّلُ رَجُلٌ مِن عاقِلَتِهِ.

* *

الفَرْعُ الثّالِثُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِ العاقِلَةِ الَّتِي تَحْمِلُ عَنِ الجانِي دِيَةَ الخَطَأِ.

فَمَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ العاقِلَةَ هم أهْلُ دِيوانِ القاتِلِ إنْ كانَ القاتِلُ مِن أهْلِ دِيوانٍ، وأهْلُ الدِّيوانِ أهْلُ الرّاياتِ، وهُمُ الجَيْشُ الَّذِينَ كَتَبَتْ أسْماؤُهم في الدِّيوانِ لِمُناصَرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، تُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِن عَطاياهم في ثَلاثِ سِنِينَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ دِيوانٍ فَعاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ، وتُقْسَمُ عَلَيْهِمْ في ثَلاثِ سِنِينَ، فَإنْ لَمْ تَتَّسِعِ القَبِيلَةُ لِذَلِكَ ضُمَّ إلَيْهِمْ أقْرَبُ القَبائِلِ نَسَبًا عَلى تَرْتِيبِ العَصِباتِ.

وَمَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: البُداءَةُ بِأهْلِ الدِّيوانِ أيْضًا، فَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِن عَطاياهم في ثَلاثِ سِنِينَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَطاؤُهم قائِمًا فَعاقِلَتُهُ عَصَبَتُهُ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ، ولا يَحْمِلُ النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ شَيْئًا مِنَ العَقْلِ.

وَلَيْسَ لِأمْوالِ العاقِلَةِ حَدٌّ إذا بَلَغَتْهُ عَقَلُوا، ولا لِما يُؤْخَذُ مِنهم حَدٌّ، ولا يُكَلَّفُ أغْنِياؤُهُمُ الأداءَ عَنْ فُقَرائِهِمْ.

وَمِن لَمْ تَكُنْ لَهُ عَصَبَةً فَعَقْلُهُ في بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ.

والمَوالِي بِمَنزِلَةِ العَصَبَةِ مِنَ القَرابَةِ، ويَدْخُلُ في القَرابَةِ الِابْنُ والأبُ.

قالَ سَحْنُونٌ: إنْ كانَتِ العاقِلَةُ ألْفًا فَهم قَلِيلٌ، يُضَمُّ إلَيْهِمْ أقْرَبُ القَبائِلِ إلَيْهِمْ.

وَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ لا يُؤْخَذُ مِن واحِدٍ مِن أفْرادِ العَصَبَةِ مِنَ الدِّيَةِ أكْثَرُ مِن دِرْهَمٍ وثُلُثٍ في كُلِّ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الثَّلاثِ، فالمَجْمُوعُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ.

وَمَذْهَبُ أحْمَدَ والشّافِعِيُّ: أنَّ أهْلَ الدِّيوانِ لا مَدْخَلَ لَهم في العَقْلِ إلّا إذا كانُوا عَصَبَةً، ومَذْهَبُهُما رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّ العاقِلَةَ هي العَصَبَةُ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَدْخُلُ في ذَلِكَ الأبْناءُ والآباءُ ؟ فَعَنْ أحْمَدَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: أنَّهم داخِلُونَ في العَصَبَةِ؛ لِأنَّهم أقْرَبُ العَصَبَةِ، وعَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ أُخْرى والشّافِعِيُّ: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ في العاقِلَةِ؛ لِظاهِرِ حَدِيثِ (p-١١٢)أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ: «أنَّ مِيراثَ المَرْأةِ لِوَلَدِها، والدِّيَةَ عَلى عاقِلَتِها»، وظاهِرُهُ عَدَمُ دُخُولِ أوْلادِها، فَقِيسَ الآباءُ عَلى الأوْلادِ.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيما يَحْمِلُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم.

فَقالَ أحْمَدُ: يَحْمِلُونَ عَلى قَدْرِ ما يُطِيقُونَ. هَذا لا يَتَقَدَّرُ شَرْعًا، وإنَّما يَرْجِعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ، فَيَفْرِضُ عَلى كُلِّ واحِدٍ قَدْرًا يَسْهُلُ ولا يُؤْذِي، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ لا يَثْبُتُ إلّا بِتَوْقِيفٍ، ولا يَثْبُتُ بِالرَّأْيِ والتَّحَكُّمِ، ولا نَصَّ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيها إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ كَمَقادِيرِ النَّفَقاتِ.

وَعَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ أُخْرى: أنَّهُ يَفْرِضُ عَلى المُوسِرِ نِصْفَ مِثْقالٍ؛ لِأنَّهُ أقَلُّ مالٍ يَتَقَدَّرُ في الزَّكاةِ فَكانَ مُعَبَّرًا بِها، ويَجِبُ عَلى المُتَوَسِّطِ رُبُعُ مِثْقالٍ؛ لِأنَّ ما دُونَ ذَلِكَ تافِهٌ لِكَوْنِ اليَدِ لا تُقْطَعُ فِيهِ، وقَدْ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لا تُقْطَعُ اليَدُ في الشَّيْءِ التّافِهِ، وما دُونَ رُبُعِ دِينارٍ لا تُقْطَعُ فِيهِ. وهَذا اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أكْثَرُ ما يُحْمَلُ عَلى الواحِدِ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، ولَيْسَ لِأقَلِّهِ حَدٌّ. اه كَلامُ صاحِبِ ”المُغْنِي“ .

* *

الفَرْعُ الرّابِعُ: لا تَحْمِلُ العاقِلَةُ شَيْئًا مِنَ الكَفّارَةِ المَنصُوصُ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، بَلْ هي في مالِ الجانِي إجْماعًا، وشَذَّ مَن قالَ: هي في بَيْتِ المالِ.

والكَفّارَةُ في قَتْلِ الخَطَأِ واجِبَةٌ إجْماعًا بِنَصِّ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الصَّرِيحَةِ في ذَلِكَ.

واخْتَلَفُوا في العَمْدِ، واخْتِلافُهم فِيهِ مَشْهُورٌ، وأجْرى القَوْلَيْنِ عَلى القِياسِ عِنْدِي قَوْلُ مَن قالَ: لا كَفّارَةَ في العَمْدِ؛ لِأنَّ العُمَدَ في القَتْلِ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفِّرَهُ العِتْقُ، لِقَوْلِهِ تَعالى في القاتِلِ عَمْدًا: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، فَهَذا الأمْرُ أعْلى وأفْخَمُ مِن أنْ يُكَّفَرَ بِعِتْقِ رَقَبَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

والدِّيَةُ لا تَحْمِلُها العاقِلَةُ إنْ كانَ القَتْلُ خَطَّأً ثابِتًا بِإقْرارِ الجانِي ولَمْ يُصَدِّقُوهُ، بَلْ إنَّما تَحْمِلُها إنْ ثَبَتَ القَتْلُ بِبَيِّنَةٍ، كَما ذَهَبَ إلى هَذا عامَّةُ أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى، والثَّوْرِيُّ، (p-١١٣)والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ. وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، ومالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهم. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

الفَرْعُ الخامِسُ: جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ الحُرِّ المُسْلِمِ عَلى ما بَيَّنّا.

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وحَكى غَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ والأصَمِّ، أنَّهُما قالا: دِيَتُها كَدِيَةِ الرَّجُلِ. وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ، مُخالِفٌ لِإجْماعِ الصَّحابَةِ، كَما قالَهُ صاحِبُ المُغْنِي.

وَجِراحُ المَرْأةِ تُساوِي جِراحَ الرَّجُلِ إلى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإنْ بَلَغَتِ الثُّلُثَ فَعَلى النِّصْفِ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ورُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ.

قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وهو قَوْلُ فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ، وجُمْهُورِ أهْلِ المَدِينَةِ، وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ.

وَقالَ الحَسَنُ: يَسْتَوِيانِ إلى النِّصْفِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّها عَلى النِّصْفِ فِيما قَلَّ أوْ كَثُرَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ شُبْرُمَةَ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ. وأبُو ثَوْرٍ، والشّافِعِيُّ في ظاهِرِ مَذْهَبِهِ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ؛ لِأنَّهُما شَخْصانِ تَخْتَلِفُ دِيَةُ نَفْسِهِما فاخْتَلَفَ أرْشُ جِراحِهُما. اه وهَذا القَوْلُ أقِيسُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: كَلامُ ابْنِ قُدامَةَ والخِرَقِيِّ صَرِيحٌ في أنَّ ما بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ يَسْتَوِيانِ فِيهِ، وأنَّ تَفْضِيلَهُ عَلَيْها بِنِصْفِ الدِّيَةِ إنَّما هو فِيما زادَ عَلى الثُّلُثِ، فَمُقْتَضى كَلامِهِما أنَّ دِيَةَ جائِفَةِ المَرْأةِ ومَأْمُومَتِها كَدِيَةِ جائِفَةِ الرَّجُلِ ومَأْمُومَتِهِ؛ لِأنَّ في كُلٍّ مِنَ الجائِفَةِ والمَأْمُومَةِ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وأنَّ عَقْلَها لا يَكُونُ عَلى النِّصْفِ مِن عَقْلِهِ إلّا فِيما زادَ عَلى الثُّلُثِ، كَدِيَةِ أرْبَعَةِ أصابِعَ مِنَ اليَدِ، فَإنَّ فِيها أرْبَعِينَ مِنَ الإبِلِ، إذْ في كُلِّ إصْبَعٍ عَشْرٌ، والأرْبَعُونَ أكْثَرُ مِن ثُلْثِ المِائَةِ. وكَلامُ مالِكٍ في المُوَطَّأِ وغَيْرِهِ صَرِيحٌ في أنَّ ما بَلَغَ الثُّلُثُ كالجائِفَةِ والمَأْمُومَةِ تَكُونُ دِيَةُ المَرْأةِ فِيهِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ، وأنَّ مَحَلَّ اسْتِوائِها (p-١١٤)إنَّما هو فِيما دُونَ الثُّلْثِ خاصَّةً كالمُوَضَّحَةِ والمُنَقِّلَةِ، والإصْبَعِ والإصْبَعَيْنِ والثَّلاثَةِ، وهُما قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِأهْلِ العِلْمِ، وأصَحَّهُما هو ما ذَكَرْناهُ عَنْ مالِكٍ، ورَجَّحَهُ ابْنُ قُدامَةَ في آخِرِ كَلامِهِ بِالحَدِيثِ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ جِدًّا لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ المَرْأةَ إنَّ قَطَعَتْ مِن يَدِها ثَلاثَةَ أصابِعَ كانَتْ دِيَتُها ثَلاثِينَ مِنَ الإبِلِ كَأصابِعِ الرَّجُلِ، لِأنَّها دُونَ الثُّلْثِ، وإنْ قَطَعَتْ مِن يَدِها أرْبَعَةَ أصابِعَ كانَتْ دِيَتُها عِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ، لِأنَّها زادَتْ عَلى الثُّلُثِ فَصارَتْ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ، وكَوْنُ دِيَةِ الأصابِعِ الثَّلاثَةِ ثَلاثِينَ مِنَ الإبِلِ، وِدِيَةِ الأصابِعِ الأرْبَعَةِ عِشْرِينَ في غايَةِ الإشْكالِ كَما تَرى.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذا رَبِيعَةُ بْنُ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلى سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، فَأجابَهُ بِأنَّ هَذا هو السُّنَّةُ، فَفي مُوَطَّأِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ مالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ كَمْ في إصْبَعِ المَرْأةِ ؟ قالَ: عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ في إصْبَعَيْنِ ؟ قالَ: عِشْرُونَ مِنَ الإبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ في ثَلاثٍ ؟ فَقالَ: ثَلاثُونَ مِنَ الإبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ في أرْبَعٍ ؟ قالَ: عِشْرُونَ مِنَ الإبِلِ. فَقُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُها، واشْتَدَّتْ مُصِيبَتُها نَقَصَ عَقْلُها ؟ فَقالَ سَعِيدٌ: أعِراقِيٌّ أنْتَ ؟ فَقُلْتُ. بَلْ عالِمٌ مُتَثَبِّتٌ، أوْ جاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ. فَقالَ سَعِيدٌ: هي السُّنَّةُ يابْنَ أخِي.

وَظاهِرُ كَلامِ سَعِيدٍ هَذا: أنَّ هَذا مِن سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ . ولَوْ قُلْنا: إنَّ هَذا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ فَإنَّهُ مُرْسَلٌ؛ لِأنَّ سَعِيدًا لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ، ومَراسِيلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْها مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ مَعَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ قالَ: إنَّ مُرادَهُ بِالسُّنَّةِ هُنا سُنَّةُ أهْلِ المَدِينَةِ.

وَقالَ النَّسائِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا عِيسى بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنا حَمْزَةُ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَيّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَقْلُ المَرْأةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِن دِيَتِها» اه وهَذا يُعَضِّدُ قَوْلَ سَعِيدٍ: إنَّ هَذا هو السُّنَّةُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إسْنادُ النَّسائِيِّ هَذا ضَعِيفٌ فِيما يَظْهَرُ مِن جِهَتَيْنِ.

إحْداهُما: أنَّ إسْماعِيلَ بْنَ عَيّاشٍ رَواهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ورِوايَةُ إسْماعِيلَ المَذْكُورِ عَنْ غَيْرِ الشّامِيِّينَ ضَعِيفَةٌ كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ، وابْنُ جُرَيْجٍ لَيْسَ بِشامِيٍّ، بَلْ هو حِجازِيٌّ مَكِّيٌّ.

(p-١١٥)الثّانِيَةُ: أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ عَنْعَنَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مُدَلِّسٌ، وعَنْعَنَةُ المُدَلِّسُ لا يُحْتَجُّ بِها ما لَمْ يَثْبُتِ السَّماعُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى كَما تَقَرَّرَ في عُلُومِ الحَدِيثِ، ويُؤَيِّدُ هَذا الإعْلالَ ما قالَهُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ - يَعْنِي البُخارِيَّ - قالَ: إنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْ مِن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ“ في تَرْجَمَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ المَذْكُورِ.

وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ تَصْحِيحَ ابْنِ خُزَيْمَةَ لِهَذا الحَدِيثِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وإنْ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”بُلُوغِ المَرامِ“ وسَكَتَ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَذا مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الحَدِيثُ يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ في ثَلاثَةِ أصابِعَ مِن أصابِعِ المَرْأةِ ثَلاثُونَ، وفي أرْبَعَةِ أصابِعَ عِشْرُونَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما عَهِدَ مِن حِكْمَةِ هَذا الشَّرْعِ الكَرِيمِ كَما تَرى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنْ جَعَلَ المَرْأةَ عَلى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ فِيما بَلَغَ الثّالِثَ فَصاعِدًا أنَّهُ في الزّائِدِ فَقَطْ، فَيَكُونُ في أرْبَعَةِ أصابِعَ مِن أصابِعِها خَمْسٌ وثَلاثُونَ، فَيَكُونُ النَّقْصُ في العَشْرَةِ الرّابِعَةُ فَقَطْ، وهَذا مَعْقُولٌ وظاهِرٌ، والحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ: ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى مِن وجْهَيْنِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنِ ابْنِ غَنَمٍ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دِيَةُ المَرْأةِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ»، ثُمَّ قالَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ورُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ وفِيهِ ضَعْفٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ عُبادَةَ بْنَ نُسَيٍّ ثِقَةٌ فاضِلٌ، فالضَّعْفُ الَّذِي يَعْنِيهِ البَيْهَقِيُّ مِن غَيْرِهِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «دِيَةُ المَرْأةِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ في الكُلِّ» . وهو مِن رِوايَةِ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْهُ وفِيهِ انْقِطاعٌ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ، وأخْرَجَهُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ وعَنْ عُمَرَ، قالَهُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.

* *

الفَرْعُ السّادِسُ: اعْلَمْ أنَّ أصَحَّ الأقْوالِ وأظْهَرُها دَلِيلًا: أنَّ دِيَةَ الكافِرِ الذِّمِّيِّ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ، كَما قَدَّمْنا عَنْ أبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ دِيَةَ أهْلِ الكِتابِ كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِينَ»، وأنَّ عُمَرَ لَمْ يَرْفَعْها فِيما رَفَعَ عِنْدَ تَقْوِيمِهِ الدِّيَةَ لَمّا غَلَتِ الإبِلُ.

وَقالَ أبُو داوُدَ أيْضًا في سُنَنِهِ: حَدَّثْنا يَزِيدُ بْنُ خالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ، ثَنا عِيسى بْنُ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «دِيَةُ المُعاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ» . قالَ أبُو داوُدَ: ورَواهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، (p-١١٦)وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحارِثِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مِثْلَهُ اه.

وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ راشِدٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى. . - وذَكَرَ كَلِمَةً مَعْناها - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَقْلُ أهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى» أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قالَ: أنْبَأنا ابْنُ وهْبٍ، قالَ: أخْبَرَنِي أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «عَقْلُ الكافِرِ نِصْفُ عَقْلِ المُؤْمِنِ» .

وَقالَ ابْنُ ماجَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ في سُنَنِهِ: حَدَّثْنا هِشامُ بْنُ عَمّارٍ، ثَنا حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَضى أنَّ عَقْلَ أهْلِ الكِتابَيْنِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.

قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ الجارُودِ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِن قَوْلِ مَن قالَ: دِيَةُ أهْلِ الذِّمَّةِ كَدِيَةِ المُسْلِمِينَ؛ كَأبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ. ومَن قالَ: إنَّها قَدْرُ ثُلْثِ دِيَةِ المُسْلِمِ. كالشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ الرِّواياتِ الَّتِي جاءَتْ بِأنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ والمُعاهِدِ كَدِيَةِ المُسْلِمِ ضَعِيفَةٌ لا يُحْتَجُّ بِها، وقَدْ بَيَّنَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ضَعْفَها في ”السُّنَنِ الكُبْرى“، وقَدْ حاوَلَ ابْنُ التُّرْكُمانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في حاشِيَتِهِ عَلى سُنَنِ البَيْهَقِيِّ أنْ يَجْعَلَ تِلْكَ الرِّواياتِ صالِحَةً لِلِاحْتِجاجِ، وهي لَيْسَ فِيها شَيْءٌ صَحِيحٌ.

أمّا الِاسْتِدْلالُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فَيُقالُ فِيهِ: هَذِهِ دَلالَةُ اقْتِرانٍ، وهي غَيْرُ مُعْتَبِرَةٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وغايَةُ ما في البابِ: أنَّ الآيَةَ لَمْ تُبَيِّنْ قَدْرَ دِيَةِ المُسْلِمِ ولا الكافِرِ، والسُّنَّةُ بَيَّنَتْ أنَّ دِيَةَ الكافِرِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ.

أمّا اسْتِواؤُهُما في قَدْرِ الكَفّارَةِ فَلا دَلِيلَ فِيهِ عَلى الدِّيَةِ، لِأنَّها مَسْألَةٌ أُخْرى.

والأدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْنا دَلالَتَها أنَّها عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ أقْوى، ويُؤَيِّدُها: أنَّ في الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» فَمَفْهُومُ (p-١١٧)قَوْلِهِ ”المُؤْمِنَةِ“ أنَّ النَّفْسَ الكافِرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، عَلى أنَّ المُخالِفَ في هَذِهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، والمُقَرَّرُ في أُصُولِهِ: أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ دَلِيلُ الخِطابِ أعْنِي مَفْهُومَ المُخالَفَةِ كَما هو مَعْلُومٌ عَنْهُ. ولا يَقُولُ بِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيِّدِ، فَيَسْتَدِلُّ بِإطْلاقِ النَّفْسِ عَنْ قَيْدِ الإيمانِ في الأدِلَّةِ الأُخْرى عَلى شُمُولِها لِلْكافِرِ، والقَوْلِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الكافِرِ المَقْتُولِ عَمْدًا فَتَكُونُ دِيَتُهُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، وبَيْنَ المَقْتُولِ خَطَأً فَتَكُونُ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ، لا نَعْلَمُ لَهُ مُسْتَنَدًا مِن كِتابٍ ولا سَنَةٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَأمّا دِيَةُ المَجُوسِيِّ: فَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّها ثُلْثُ خُمْسِ دِيَةِ المُسْلِمِ؛ فَهي ثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، ونِساؤُهم عَلى النِّصْفِ مِن ذَلِكَ.

وَهَذا قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ؛ مِنهم عُمَرُ وعُثْمانُ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وإسْحاقُ.

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّهُ قالَ: دِيَتُهُ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ كَدِيَةِ الكِتابِيِّ.

وَقالَ النَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، وهَذا هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

والِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ دِيَةَ المَجُوسِيِّ كَدِيَةِ الكِتابِيِّ بِحَدِيثِ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» لا يَتَّجِهُ، لِأنّا لَوْ فَرَضْنا صَلاحِيَةَ الحَدِيثِ لِلِاحْتِجاجِ، فالمُرادُ بِهِ أخْذُ الجِزْيَةَ مِنهم فَقَطْ، بِدَلِيلِ أنَّ نِساءَهم لا تَحِلُّ، وذَبائِحُهم لا تُؤْكَلُ اه.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: إنَّ قَوْلَ مَن ذَكَرْنا مِنَ الصَّحابَةِ: إنَّ دِيَةَ المَجُوسِيِّ ثُلُثُ خُمْسِ دِيَةِ المُسْلِمِ، لَمْ يُخالِفْهم فِيهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ فَصارَ إجْماعًا سُكُوتِيًّا. وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ حُجَّةٌ.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: دِيَةُ المُرْتَدِّ إنْ قُتِلَ قَبْلَ الِاسْتِتابَةِ كَدِيَةِ المَجُوسِيِّ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ. وأمّا الحَرُبِيُّونَ فَلا دِيَةَ لَهم مُطْلَقًا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

17:34Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤

And do not approach the property of an orphan, except in the way that is best,1 until he reaches maturity. And fulfill [every] commitment. Indeed, the commitment is ever [that about which one will be] questioned.

No commentary for this ayah

17:35Page 285

وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥

And give full measure when you measure, and weigh with an even [i.e., honest] balance. That is the best [way] and best in result.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском