Ash-ShinqitiAl‑Kahf · 18:19

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:19

18:19Page 295

وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩

And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾

، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ بَعَثَ (p-٢٢٧)أصْحابَ الكَهْفِ مِن نَوْمَتِهِمُ الطَّوِيلَةِ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم، أيْ لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ في الكَهْفِ في تِلْكَ النَّوْمَةِ، وأنَّ بَعْضَهم قالَ إنَّهم لَبِثُوا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وبَعْضَهم رَدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا.

وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنا قَدْرَ المُدَّةِ الَّتِي تَساءَلُوا عَنْها في نَفْسِ الأمْرِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّها ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ بِحِسابِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعُ سِنِينَ بِحِسابِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] كَما تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ﴾ .

فِي قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ ”أزْكى“ قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ.

أحَدُهُما أنَّ المُرادَ بِكَوْنِهِ ”أزْكى“ أطْيَبُ لِكَوْنِهِ حَلالًا لَيْسَ مِمّا فِيهِ حَرامٌ ولا شُبْهَةٌ.

والثّانِي أنَّ المُرادَ بِكَوْنِهِ أزْكى أنَّهُ أكْثَرُ، كَقَوْلِهِمْ: زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎قَبائِلُنا سَبْعٌ وأنْتُمْ ثَلاثَةٌ ولَلسَّبْعُ أزْكى مِن ثَلاثٍ وأطْيَبُ

أيْ أكْثَرُ مِن ثَلاثَةٍ.

والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي يَدُلُّ لَهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّ أكْلَ الحَلالِ والعَمَلَ الصّالِحِ أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ كَما أمَرَ المُرْسَلِينَ، قالَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٥١]، وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ويَكْثُرُ في القُرْآنِ إطْلاقُ مادَّةِ الزَّكاةِ عَلى الطَّهارَةِ؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ [الشمس: ٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ [النور: ٢١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٧٤]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

فالزَّكاةُ في هَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها: يُرادُ بِها الطَّهارَةُ مِن أدْناسِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، فاللّائِقُ بِحالِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ الأخْيارِ المُتَّقِينَ أنْ يَكُونَ مَطْلَبُهم في مَأْكَلِهِمُ الحَلْبَةَ والطَّهارَةَ، لا الكَثْرَةَ. وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ عَهْدَهم بِالمَدِينَةِ فِيها مُؤْمِنُونَ يُخْفُونَ إيمانَهم، (p-٢٢٨)وَكافِرُونَ، وأنَّهم يُرِيدُونَ الشِّراءَ مِن طَعامِ المُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ، وأنَّ ذَلِكَ هو مُرادُهم بِالزَّكاةِ في قَوْلِهِ: ﴿أزْكى طَعامًا﴾، وقِيلَ: كانَ فِيها أهْلُ كِتابٍ ومَجُوسٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

والوَرِقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: ١٩] الفِضَّةُ، وأخَذَ عُلَماءُ المالِكِيَّةِ وغَيْرُهم مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَسائِلَ مِن مَسائِلِ الفِقْهِ:

المَسْألَةُ الأُولى: جَوازُ الوَكالَةِ وصِحَّتُها؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكُمْ﴾ الآيَةَ، يَدُلُّ عَلى تَوْكِيلِهِمْ لِهَذا المَبْعُوثِ لِشِراءِ الطَّعامِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى جَوازِ التَّوْكِيلِ مُطْلَقًا بَلْ مَعَ التَّقِيَّةِ والخَوْفِ، لِأنَّهم لَوْ خَرَجُوا كُلُّهم لِشِراءِ حاجَتِهِمْ لَعَلِمَ بِهِمْ أعْداؤُهم في ظَنِّهِمْ فَهم مَعْذُورُونَ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَوْكِيلِ المَعْذُورِ دُونَ غَيْرِهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، وهو قَوْلُ سَحْنُونٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ في التَّوْكِيلِ عَلى الخِصامِ.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وكَأنَّ سَحْنُونًا تَلَقّاهُ مِن أسَدِ بْنِ الفُراتِ، فَحَكَمَ بِهِ أيّامَ قَضائِهِ، ولَعَلَّهُ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأهْلِ الظُّلْمِ والجَبَرُوتِ إنْصافًا مِنهم وإذْلالًا لَهم، وهو الحَقُّ، فَإنَّ الوَكالَةَ مَعُونَةٌ ولا تَكُونُ لِأهْلِ الباطِلِ. اهـ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ: كَلامُ ابْنِ العَرَبِيِّ هَذا حَسَنٌ، فَأمّا أهْلُ الدِّينِ والفَضْلِ فَلَهم أنْ يُوَكِّلُوا وإنْ كانُوا حاضِرِينَ أصِحّاءَ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ جَوازِ الوَكالَةِ لِلشّاهِدِ الصَّحِيحِ، ما أخْرَجَهُ الصَّحِيحانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ لِرَجُلٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الإبِلِ، فَجاءَ يَتَقاضاهُ، فَقالَ: ”أعْطُوهُ“ فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا إلّا سِنًّا فَوْقَها، فَقالَ ”أعْطُوهُ“ فَقالَ: أوْفَيْتَنِي أوْفى اللَّهُ لَكَ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ خَيْرَكم أحْسَنُكم قَضاءً“» لَفْظُ البُخارِيِّ.

فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ مَعَ صِحَّتِهِ عَلى جَوازِ تَوْكِيلِ الحاضِرِ الصَّحِيحِ البَدَنِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أمَرَ أصْحابَهُ أنْ يُعْطُوا عَنْهُ السِّنَّ الَّتِي عَلَيْهِ وذَلِكَ تَوْكِيلٌ مِنهُ لَهم عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ مَرِيضًا ولا مُسافِرًا، وهَذا يَرُدُّ قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ وسَحْنُونٍ في قَوْلِهِما: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الحاضِرِ الصَّحِيحِ إلّا بِرِضا خَصْمِهِ "، وهَذا الحَدِيثُ خِلافُ قَوْلِهِما. اهـ كَلامُ القُرْطُبِيِّ.

وَلا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ أبا حَنِيفَةَ وسَحْنُونًا إنَّما خالَفا في الوَكالَةِ عَلى المُخاصَمَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الخَصْمِ فَقَطْ، ولَمْ يُخالِفا في الوَكالَةِ في دَفْعِ الحَقِّ.

(p-٢٢٩)وَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ سَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ الأدِلَّةَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى صِحَّةِ الوَكالَةِ وجَوازِها، وبَعْضَ المَسائِلِ المُحْتاجِ إلَيْها مِن ذَلِكَ، تَنْبِيهًا بِها عَلى غَيْرِها.

اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ والإجْماعَ كُلَّها دَلَّ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ وصِحَّتِها في الجُمْلَةِ، فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦٠]، فَإنَّ عَمَلَهم عَلَيْها تَوْكِيلٌ لَهم عَلى أخْذِها.

واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بَعْضُ العُلَماءِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي﴾ الآيَةَ [يوسف: ٩٣]، فَإنَّهُ تَوْكِيلٌ لَهم مِن يُوسُفَ عَلى إلْقائِهِمْ قَمِيصَهُ عَلى وجْهِ أبِيهِ لِيَرْتَدَّ بَصِيرًا.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٥٥]، فَإنَّهُ تَوْكِيلٌ عَلى ما في خَزائِنِ الأرْضِ.

وَأمّا السُّنَّةُ فَقَدْ دَلَّتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ وصِحَّتِها، مِن ذَلِكَ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَقَدِّمِ في كَلامِ القُرْطُبِيِّ، الدّالِّ عَلى التَّوْكِيلِ في قَضاءِ الدَّيْنِ، وهو حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وأخْرَجَ الجَماعَةُ إلّا البُخارِيَّ مِن حَدِيثِ أبِي رافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.

وَمِنها حَدِيثُ «عُرْوَةَ بْنِ أبِي الجَعْدِ البارِقِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطاهُ دِينارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ لَهُ شاةً، فاشْتَرى لَهُ بِهِ شاتَيْنِ: فَباعَ إحْداهُما بِدِينارٍ وجاءَهُ بِدِينارٍ وشاةٍ، فَدَعا لَهُ بِالبَرَكَةِ في بَيْعِهِ»، فَكانَ لَوِ اشْتَرى التُّرابَ لَرَبِحَ فِيهِ، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ، وفِيهِ التَّوْكِيلُ عَلى الشِّراءِ.

وَمِنها حَدِيثُ «جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خَيْبَرَ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خَيْبَرَ. فَقالَ: ”إذا أتَيْتَ وكِيلِي فَخُذْ مِنهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وسْقًا، فَإنِ ابْتَغى مِنكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلى تَرْقُوَتِهِ“» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والدّارَقُطْنِيُّ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ مِنهُ ﷺ بِأنَّ لَهُ وكِيلًا.

وَمِنها قَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ:

«واغْدُ يا أُنَيْسُ إلى امْرَأةِ هَذا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها»، وهو صَرِيحٌ في التَّوْكِيلِ في إقامَةِ الحُدُودِ.

وَمِنها حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أقُومَ عَلى بُدْنِهِ وأنْ أتَصَدَّقَ بِلُحُومِها وجُلُودِها وأجِلَّتِها، وألّا أُعْطِيَ الجازِرَ مِنها شَيْئًا، وقالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِن (p-٢٣٠)عِنْدِنا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفِيهِ التَّوْكِيلُ عَلى القِيامِ عَلى البُدْنِ والتَّصَدُّقِ بِلُحُومِها وجُلُودِها وأجِلَّتِها، وعَدَمِ إعْطاءِ الجازِرِ شَيْئًا مِنها.

وَمِنها حَدِيثُ «عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطاهُ غَنَمًا يُقَسِّمُها عَلى أصْحابِهِ فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ ”ضَحِّ أنْتَ بِهِ“» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا. وفِيهِ الوَكالَةُ في تَقْسِيمِ الضَّحايا، والأحادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما طَرَفًا كافِيًا مِنها، ذَكَرْنا بَعْضَهُ هُنا.

وَقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي في كِتابِ الوَكالَةِ ما نَصُّهُ: اشْتَمَلَ كِتابُ الوَكالَةِ - يَعْنِي مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ - عَلى سِتَّةٍ وعِشْرِينَ حَدِيثًا، المُعَلَّقُ مِنها سِتَّةٌ، والبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، المُكَرَّرُ مِنها فِيهِ وفِيما مَضى اثْنا عَشَرَ حَدِيثًا، والبَقِيَّةُ خالِصَةٌ، وافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلى تَخْرِيجِها سِوى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في قَتْلِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في الشّاةِ المَذْبُوحَةِ، وحَدِيثِ وفْدِ هَوازِنَ مِن طَرِيقَيْهِ، وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في حِفْظِ زَكاةِ رَمَضانَ، وحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الحارِثِ في قِصَّةِ النُّعَيْمانِ، وفِيهِ مِنَ الآثارِ عَنِ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ سِتَّةُ آثارٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى مِن فَتْحِ البارِي. وكُلُّ تِلْكَ الأحادِيثِ دالَّةٌ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ وصِحَّتِها.

وَأمّا الإجْماعُ فَقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ وصِحَّتِها في الجُمْلَةِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ في الجُمْلَةِ، ولِأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ كُلَّ أحَدٍ فِعْلُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، فَدَعَتِ الحاجَةُ إلَيْها، انْتَهى مِنهُ. وهَذا مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ.

فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِمَسْألَةِ الوَكالَةِ

الفَرْعُ الأوَّلُ: لا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ إلّا في شَيْءٍ تَصِحُّ النِّيابَةُ فِيهِ، فَلا تَصِحُّ في فِعْلِ مُحَرَّمٍ؛ لِأنَّ التَّوْكِيلَ مِنَ التَّعاوُنِ، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٢] .

وَلا تَصِحُّ في عِبادَةٍ مَحْضَةٍ كالصَّلاةِ والصَّوْمِ ونَحْوِهِما؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ مِن كُلِّ أحَدٍ بِعَيْنِهِ، فَلا يَنُوبُ فِيهِ أحَدٌ مِن أحَدٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٥٦] .

أمّا الحَجُّ عَنِ المَيِّتِ والمَعْضُوبِ، والصَّوْمُ عَنِ المَيِّتِ فَقَدْ دَلَّتْ أدِلَّةٌ أُخَرُ عَلى (p-٢٣١)النِّيابَةِ في ذَلِكَ، وإنْ خالَفَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ في الصَّوْمِ عَنِ المَيِّتِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالدَّلِيلِ الصَّحِيحِ مِنَ الوَحْيِ لا بِآراءِ العُلَماءِ، إلّا عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ مِنَ الوَحْيِ.

الفَرْعُ الثّانِي: ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في المُطالَبَةِ بِالحُقُوقِ وإثْباتِها والمُحاكَمَةِ فِيها، سَواءٌ كانَ المُوَكِّلُ حاضِرًا أوْ غائِبًا، صَحِيحًا أوْ مَرِيضًا. وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وغَيْرُهم. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لِلْخَصْمِ أنْ يَمْتَنِعَ مِن مُحاكَمَةِ الوَكِيلِ إذا كانَ المُوَكِّلُ حاضِرًا غَيْرَ مَعْذُورٍ؛ لِأنَّ حُضُورَهُ مَجْلِسَ الحُكْمِ ومُخاصَمَتَهُ حَقٌّ لِخَصْمِهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْلُهُ إلى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضا خَصْمِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في كَلامِ القُرْطُبِيِّ أنَّ هَذا قَوْلُ سَحْنُونٍ أيْضًا مِن أصْحابِ مالِكٍ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِظَواهِرِ النُّصُوصِ؛ لِأنَّ الخُصُومَةَ أمْرٌ لا مانِعَ مِنَ الِاسْتِنابَةِ فِيهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ في مَسْألَةِ التَّوْكِيلِ عَلى الخِصامِ والمُحاكَمَةِ: أنَّ الصَّوابَ فِيها التَّفْصِيلُ.

فَإنْ كانَ المُوَكِّلُ مِمَّنْ عُرِفَ بِالظُّلْمِ والجَبَرُوتِ والِادِّعاءِ بِالباطِلِ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ التَّوْكِيلُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] . وإنْ كانَ مَعْرُوفًا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلا مانِعَ مِن تَوْكِيلِهِ عَلى الخُصُومَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الفَرْعُ الثّالِثُ: ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ وبِدُونِ جُعْلٍ، والدَّلِيلُ عَلى التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ جُعْلٍ أنَّهُ ﷺ وكَّلَ أُنَيْسًا في إقامَةِ الحَدِّ عَلى المَرْأةِ، وعُرْوَةَ البارِقِيَّ في شِراءِ الشّاةِ مِن غَيْرِ جُعْلٍ. ومِثالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنا وغَيْرِها.

والدَّلِيلُ عَلى التَّوْكِيلِ بِجُعْلٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ [التوبة: ٦٠] فَإنَّهُ تَوْكِيلٌ عَلى جِبايَةِ الزَّكاةِ وتَفْرِيقِها بِجُعْلٍ مِنها كَما تَرى.

الفَرْعُ الرّابِعُ: إذا عَزَلَ المُوَكِّلُ وكِيَلَهُ في غَيْبَتِهِ وتَصَرَّفَ الوَكِيلُ بَعْدَ العَزْلِ وقَبْلَ العِلْمِ بِهِ، أوْ ماتَ مُوَكِّلُهُ وتَصَرَّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ وقَبْلَ العِلْمِ بِهِ، فَهَلْ يَمْضِي تَصَرُّفُهُ نَظَرًا لِاعْتِقادِهِ، أوْ لا يَمْضِي نَظَرًا لِلْواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ، في ذَلِكَ خِلافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ مَبْنِيٌّ عَلى قاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ، وهي:

هَلْ يَسْتَقِلُّ الحُكْمُ بِمُطْلَقِ وُرُودِهِ وإنْ لَمْ يَبْلُغِ المُكَلَّفَ، أوْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ بُلُوغِهِ لِلْمُكَلَّفِ. ويُبْنى عَلى الخِلافِ في هَذِهِ القاعِدَةِ الِاخْتِلافُ في خَمْسٍ وأرْبَعِينَ صَلاةً الَّتِي نُسِخَتْ مِنَ الخَمْسِينَ بَعْدَ فَرْضِها لَيْلَةَ الإسْراءِ، هَلْ يُسَمّى ذَلِكَ نَسْخًا في حَقِّ الأُمَّةِ (p-٢٣٢)لِوُرُودِهِ، أوْ لا يُسَمّى نَسْخًا في حَقِّهِمْ؛ لِأنَّهُ وقَعَ قَبْلَ بُلُوغِ التَّكْلِيفِ بِالمَنسُوخِ لَهم، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

؎هَلْ يَسْتَقِلُّ الحُكْمُ بِالوُرُودِ ∗∗∗ أوْ بِبُلُوغِهِ إلى المَوْجُودِ

؎فالعَزْلُ بِالمَوْتِ أوِ العَزْلُ عَرَضْ ∗∗∗ كَذا قَضاءُ جاهِلٍ لِلْمُفْتَرَضْ

وَمَسائِلُ الوَكالَةِ مَعْرُوفَةٌ مُفَصَّلَةٌ في كُتُبِ فُرُوعِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ، ومَقْصُودُنا ذِكْرُ أدِلَّةِ ثُبُوتِها بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ، وذِكْرُ أمْثِلَةٍ مِن فُرُوعِها تَنْبِيهًا بِها عَلى غَيْرِها؛ لِأنَّها بابٌ كَبِيرٌ مِن أبْوابِ الفِقْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أخَذَ بَعْضُ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جَوازَ الشَّرِكَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُشْتَرِكِينَ في الوَرِقِ الَّتِي أرْسَلُوها لِيَشْتَرِيَ لَهم طَعامًا بِها.

وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ: لا دَلِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الشَّرِكَةِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أرْسَلَ مَعَهُ نَصِيبَهُ مُنْفَرِدًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ طَعامَهُ مُنْفَرِدًا، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ مُتَّجَهٌ كَما تَرى، وقَدْ دَلَّتْ أدِلَّةٌ أُخْرى عَلى جَوازِ الشَّرِكَةِ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ أدِلَّةَ ذَلِكَ، وبَعْضَ مَسائِلِهِ المُحْتاجِ إلَيْها، وأقْوالَ العُلَماءِ في ذَلِكَ.

اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ الشَّرِكَةَ جائِزَةٌ في الجُمْلَةِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ المُسْلِمِينَ.

أمّا الكِتابُ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ مِنهُ آياتٌ في الجُمْلَةِ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]، عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ الخُلَطاءَ: الشُّرَكاءُ،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٤١]،

وهي تَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ مِن جِهَتَيْنِ.

وَأمّا السُّنَّةُ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى جَوازِ الشَّرِكَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ سَنَذْكُرُ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ طَرَفًا مِنها، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: «مَن أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، وكانَ لَهُ مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوِّمَ العَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأعْطى شُرَكاءَهُ حِصَصَهم، وإلّا فَقَدَ عَتَقَ عَلَيْهِ ما عَتَقَ» . وقَدْ ثَبَتَ نَحْوُهُ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ مِنهُ ﷺ بِالِاشْتِراكِ في الرَّقِيقِ، وقَدْ تَرْجَمَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ المَذْكُورَيْنِ بِقَوْلِهِ: (بابُ الشَّرِكَةِ في الرَّقِيقِ)، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ رَحِمَهُما اللَّهُ «عَنْ أبِي المِنهالِ، قالَ:

اشْتَرَيْتُ أنا (p-٢٣٣)وَشَرِيكٌ لِي شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ ونَسِيئَةً، فَجاءَنا البَراءُ بْنُ عازِبٍ فَسَألْناهُ فَقالَ: فَعَلْتُ أنا وشَرِيكِي زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: ”ما كانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وما كانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ“» . وفِيهِ إقْرارُهُ ﷺ البَراءَ وزَيْدًا المَذْكُورَيْنَ عَلى ذَلِكَ الِاشْتِراكِ، وتَرْجَمَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذا الحَدِيثِ في كِتابِ الشَّرِكَةِ بِقَوْلِهِ: (بابُ الِاشْتِراكِ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ وما يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ)، ومِن ذَلِكَ إعْطاؤُهُ ﷺ أرْضَ خَيْبَرَ لِلْيَهُودِ لِيَعْمَلُوا فِيها ويَزْرَعُوها، عَلى أنَّ لَهم شَطْرَ ما يَخْرُجُ مِن ذَلِكَ، وهو اشْتِراكٌ في الغَلَّةِ الخارِجَةِ مِنها، وقَدْ تَرْجَمالبُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذا الحَدِيثِ في كِتابِ الشَّرِكَةِ بِقَوْلِهِ (بابُ مُشارَكَةِ الذِّمِّيِّينَ والمُشْرِكِينَ في المُزارَعَةِ) ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى بِالشُّفْعَةِ في كُلِّ ما لَمْ يُقَسَّمْ، فَإذا وقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ» . وتَرْجَمَ البُخارِيُّ لِهَذا الحَدِيثِ في كِتابِ الشَّرِكَةِ بِقَوْلِهِ: (بابُ الشَّرِكَةِ في الأرَضِينَ وغَيْرِها) ثُمَّ ساقَ الحَدِيثَ بِسَنَدٍ آخَرَ، وتَرْجَمَ لَهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ (بابُ إذا قَسَّمَ الشُّرَكاءُ الدُّورَ وغَيْرَها، فَلَيْسَ لَهم رُجُوعٌ ولا شُفْعَةٌ) ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ”أنا ثالِثُ الشَّرِيكَيْنِ ما لَمْ يَخُنْ أحَدُهُما صاحِبَهُ، فَإذا خانَهُ خَرَجْتُ مِن بَيْنِهِما“» قالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في نَيْلِ الأوْطارِ في هَذا الحَدِيثِ: صَحَّحَهُ الحاكِمُ وأعَلَّهُ ابْنُ القَطّانِ بِالجَهْلِ بِحالِ سَعِيدِ بْنِ حَيّانَ. وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبّانَ في الثِّقاتِ، وأعَلَّهُ أيْضًا ابْنُ القَطّانِ بِالإرْسالِ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أبا هُرَيْرَةَ وقالَ إنَّهُ الصَّوابُ. ولَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ أبِي هَمّامٍ مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقانِ وسَكَتَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَلى هَذا الحَدِيثِ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو القاسِمِ الأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ. انْتَهى مِنهُ. ومِنَ المَعْرُوفِ عَنْ أبِي داوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَسْكُتُ عَنِ الكَلامِ في حَدِيثٍ إلّا وهو يَعْتَقِدُ صَلاحِيَّتَهُ لِلِاحْتِجاجِ. والسَّنَدُ الَّذِي أخْرَجَهُ بِهِ أبُو داوُدَ الظّاهِرُ مِنهُ أنَّهُ صالِحٌ لِلِاحْتِجاجِ، فَإنَّهُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ المِصِّيصِيُّ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقانِ عَنْ أبِي حَيّانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَفَعَهُ، قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ”أنا ثالِثُ الشَّرِيكَيْنِ“ .» إلى آخَرِ الحَدِيثِ.

فالطَّبَقَةُ الأُولى مِن هَذا الإسْنادِ هي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ، وهو أبُو جَعْفَرٍ العَلّافُ الكُوفِيُّ، ثُمَّ المِصِّيصِيُّ لَقَبُهُ ”لُوَيْنٌ“ بِالتَّصْغِيرِ، وهو ثِقَةٌ.

والطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنهُ: مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقانِ أبُو هَمّامٍ الأهْوازِيُّ، وهو مِن رِجالِ (p-٢٣٤)الصَّحِيحَيْنِ، وقالَ في التَّقْرِيبِ: صَدُوقٌ، رُبَّما وهِمَ.

والطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ مِنهُ هي أبُو حَيّانَ التَّيْمِيُّ، وهو يَحْيى بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَيّانَ الكُوفِيُّ، وهو ثِقَةٌ.

والطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ مِنهُ هي أبُوهُ سَعِيدُ بْنُ حَيّانَ المَذْكُورُ الَّذِي قَدَّمْنا في كَلامِ الشَّوْكانِيِّ: أنَّ ابْنَ القَطّانِ أعَلَّ هَذا الحَدِيثَ بِأنَّهُ مَجْهُولٌ، ورَدَّ ذَلِكَ بِأنَّ ابْنَ حِبّانَ قَدْ ذَكَرَهُ في الثِّقاتِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ (في التَّقْرِيبِ): إنَّهُ وثَّقَهُ العِجْلِيُّ أيْضًا.

والطَّبَقَةُ الخامِسَةُ مِنهُ أبُو هُرَيْرَةَ، رَفَعَهُ.

فَهَذا إسْنادٌ صالِحٌ كَما تَرى، وإعْلالُ الحَدِيثِ بِأنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا مِن جِهَةٍ أُخْرى، يُقالُ فِيهِ: إنَّ الرَّفْعَ زِيادَةٌ، وزِيادَةُ العُدُولِ مَقْبُولَةٌ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ وعُلُومِ الحَدِيثِ، ويُؤَيِّدُهُ كَوْنُهُ جاءَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ كَما ذَكَرْناهُ في كَلامِ الشَّوْكانِيِّ آنِفًا.

وَمِن ذَلِكَ حَدِيثُ السّائِبِ بْنِ أبِي السّائِبِ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كُنْتَ شَرِيكِي في الجاهِلِيَّةِ فَكُنْتَ خَيْرَ شَرِيكٍ، لا تُدارِينِي ولا تُمارِينِي، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، ولَفْظُهُ: «كُنْتَ شَرِيكِي ونِعْمَ الشَّرِيكُ، كُنْتَ لا تُدارِي ولا تُمارِي»، وأخْرَجَهُ أيْضًا النَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وفِيهِ إقْرارُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَلى كَوْنِهِ كانَ شَرِيكًا لَهُ، والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى الشَّرِكَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وَقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي في آخِرِ كِتابِ الشَّرِكَةِ ما نَصُّهُ: اشْتَمَلَ كِتابُ الشَّرِكَةِ (يَعْنِي مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ) مِنَ الأحادِيثِ المَرْفُوعَةِ عَلى سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ حَدِيثًا، المُعَلَّقُ مِنها واحِدٌ، والبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، المُكَرَّرُ مِنها فِيهِ وفِيما مَضى ثَلاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، والخالِصُ أرْبَعَةَ عَشَرَ، وافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلى تَخْرِيجِها سِوى حَدِيثِ النُّعْمانِ: «مَثَلُ القائِمِ عَلى حُدُودِ اللَّهِ»، وحَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشامٍ، وحَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قِصَّتِهِ، وحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الأخِيرِ، وفِيهِ مِنَ الآثارِ أثَرٌ واحِدٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ، وبِهَذا تَعْلَمُ كَثْرَةَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى الشَّرِكَةِ في الجُمْلَةِ.

وَأمّا الإجْماعُ فَقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ عَلى جَوازِ أنْواعٍ مِن أنْواعِ الشَّرِكاتِ، وإنَّما الخِلافُ بَيْنَهم في بَعْضِ أنْواعِها.

اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ الشَّرِكَةَ قِسْمانِ: شَرِكَةُ أمْلاكٍ، وشَرِكَةُ عُقُودٍ.

فَشَرِكَةُ الأمْلاكِ أنْ يَمْلِكَ عَيْنًا اثْنانِ أوْ أكْثَرُ بِإرْثٍ أوْ شِراءٍ أوْ هِبَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ المالِكِيَّةِ بِالشَّرِكَةِ الأعَمِّيَّةِ.

(p-٢٣٥)وَشَرِكَةُ العُقُودِ تَنْقَسِمُ إلى شَرِكَةِ مُفاوَضَةٍ، وشَرِكَةِ عِنانٍ، وشَرِكَةِ وُجُوهٍ، وشَرِكَةِ أبْدانٍ، وشَرِكَةِ مُضارَبَةٍ، وقَدْ تَتَداخَلُ هَذِهِ الأنْواعُ فَيَجْتَمِعُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ.

أمّا شَرِكَةُ الأمْلاكِ فَقَدْ جاءَ القُرْآنُ الكَرِيمُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، ولا خِلافَ فِيها بَيْنَ العُلَماءِ.

وَأمّا أنْواعُ شَرِكَةِ العُقُودِ فَسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ هُنا مَعانِيَها وكَلامَ العُلَماءِ فِيها، وأمْثِلَةً لِلْجائِزِ مِنها تَنْبِيهًا بِها عَلى غَيْرِها، وما ورَدَ مِنَ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ.

اعْلَمْ أنَّ شَرِكَةَ المُفاوَضَةِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّفْوِيضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُفَوِّضُ أمْرَ التَّصَرُّفِ في مالِ الشَّرِكَةِ إلى الآخَرِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [غافر: ٤٤] .

وَقِيلَ: أصْلُها مِنَ المُساواةِ، لِاسْتِواءِ الشَّرِيكَيْنِ فِيها في التَّصَرُّفِ والضَّمانِ، وعَلى هَذا فَهي مِنَ الفَوْضى بِمَعْنى التَّساوِي، ومِنهُ قَوْلُ الأفْوَهِ الأوْدِيِّ:

؎لا يَصْلُحُ النّاسُ فَوْضى لا سَراةَ لَهم ∗∗∗ ولا سَراةَ إذا جُهّالُهم سادُوا

؎إذا تَوَلّى سَراةُ النّاسِ أمْرَهُمُ ∗∗∗ نَما عَلى ذاكَ أمْرُ القَوْمِ وازْدادُوا

فَقَوْلُهُ: ”لا يَصْلُحُ النّاسُ فَوْضى“ أيْ لا تَصْلُحُ أُمُورُهم في حالِ كَوْنِهِمْ فَوْضى، أيْ مُتَساوِينَ لا أشْرافَ لَهم يَأْمُرُونَهم ويَنْهَوْنَهم، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّوابُ، هَذا هو أصْلُها في اللُّغَةِ.

وَأمّا شَرِكَةُ العِنانِ فَقَدِ اخْتُلِفَ في أصْلِ اشْتِقاقِها اللُّغَوِيِّ، فَقِيلَ: أصْلُها مِن عَنَّ الأمْرُ يَعِنُّ - بِالكَسْرِ والضَّمِّ - عَنًّا وعُنُونًا: إذا عَرَضَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎فَعَنَّ لَنا سِرْبٌ كَأنَّ نِعاجَهُ ∗∗∗ عَذارى دَوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ

قالَ ابْنُ مَنظُورٍ في اللِّسانِ: وشِرْكُ العِنانِ وشَرِكَةُ العِنانِ: شَرِكَةٌ في شَيْءٍ خاصٍّ دُونَ سائِرِ أمْوالِهِما، كَأنَّهُ عَنَّ لَهُما شَيْءٌ فاشْتَرَياهُ واشْتَرَكا فِيهِ، واسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ:

؎فَشارَكْنا قُرَيْشًا في تُقاها ∗∗∗ وفي أحْسابِها شِرْكَ العِنانِ

؎بِما ولَدَتْ نِساءُ بَنِي هِلالٍ ∗∗∗ وما ولَدَتْ نِساءُ بَنِي أبانِ

وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ شَرِكَةَ العِنانِ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، وأنَّ قَوْلَ ابْنِ القاسِمِ مِن (p-٤٣٦)أصْحابِ مالِكٍ: إنَّهُ لا يَعْرِفُ شَرِكَةَ العِنانِ عَنْ مالِكٍ، وأنَّهُ لَمْ يَرَ أحَدًا مِن أهْلِ الحِجازِ يَعْرِفُها، وإنَّما يُرْوى عَنْ مالِكٍ والشّافِعِيِّ مِن أنَّهُما لَمْ يُطْلِقا هَذا الِاسْمَ عَلى هَذِهِ الشَّرِكَةِ، وأنَّهُما قالا:

هِيَ كَلِمَةٌ تَطَرَّقَ بِها أهْلُ الكُوفَةِ لِيُمْكِنَهُمُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الشَّرِكَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في كَلامِ العَرَبِ - كُلُّ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ لِما عَرَفْتَ أنْ كانَ ثابِتًا عَنْهم.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ:

اعْلَمْ أنَّ مُرادَ النّابِغَةِ في بَيْتَيْهِ المَذْكُورَيْنِ: بِما ولَدَتْ نِساءُ بَنِي هِلالٍ ابْنُ عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وأنَّ مِنهم لُبابَةَ الكُبْرى، ولُبابَةَ الصُّغْرى، وهُما أُخْتانِ، ابْنَتا الحارِثِ بْنِ حَزْنِ بْنِ بُجَيْرِ بْنِ الهَزْمِ بْنِ رُوَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلالٍ، وهُما أُخْتا مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ .

أمّا لُبابَةُ الكُبْرى فَهي زَوْجُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المَطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهي أُمُّ أبْنائِهِ: عَبْدِ اللَّهِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ، والفَضْلِ وبِهِ كانَتْ تُكَنّى، وفِيها يَقُولُ الرّاجِزُ:

؎ما ولَدَتْ نَجِيبَةٌ مِن فَحْلِ ∗∗∗ كَسِتَّةٍ مِن بَطْنِ أُمِّ الفَضْلِ

وَأمّا لُبابَةُ الصُّغْرى فَهي أُمُّ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَمَّتُهُما صَفِيَّةُ بِنْتُ حَزْنٍ هي أُمُّ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وهَذا مُرادُهُ:

؎بِما ولَدَتْ نِساءُ بَنِي هِلالِ

وَأمّا نِساءُ بَنِي أبانٍ فَإنَّهُ يَعْنِي أنَّ أبا العاصِ، والعاصَ، وأبا العِيصِ، والعِيصَ أبْناءَ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أُمُّهم آمِنَةُ بِنْتُ أبانِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَهَذِهِ الأرْحامُ المُخْتَلِطَةُ بَيْنَ العامِرِيِّينَ وبَيْنَ قُرَيْشٍ هي مُرادُ النّابِغَةِ بِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في الحَسَبِ والتُّقى شِرْكَ العِنانِ.

وَقِيلَ: إنَّ شَرِكَةَ العِنانِ أصْلُها مِن عِنانِ الفَرَسِ، كَما يَأْتِي إيضاحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهو المَشْهُورُ عِنْدَ العُلَماءِ.

وَقِيلَ هي مِنَ المُعاناةِ بِمَعْنى المُعارَضَةِ، يُقالُ: عانَنْتُهُ: إذا عارَضْتُهُ بِمِثْلِ مالِهِ أوْ فِعالِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ يُعارِضُ الآخَرَ بِمالِهِ وفِعالِهِ.

وَهِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى الصَّحِيحِ خِلافًا لِمَن زَعَمَ فَتْحَها، ويُرْوى عَنْ عِياضٍ وغَيْرِهِ، وادِّعاءُ أنَّ أصْلَها مِن عَنانِ السَّماءِ بَعِيدٌ جِدًّا كَما تَرى.

(p-٣٣٧)وَأمّا شَرِكَةُ الوُجُوهِ فَأصْلُها مِنَ الوَجاهَةِ، لِأنَّ الوَجِيهَ تُتْبَعُ ذِمَّتُهُ بِالدَّيْنِ، وإذا باعَ شَيْئًا باعَهُ بِأكْثَرَ مِمّا يَبِيعُ بِهِ الخامِلُ.

وَأمّا شَرِكَةُ الأبْدانِ فَأصْلُها اللُّغَوِيُّ واضِحٌ؛ لِأنَّهُما يَشْتَرِكانِ بِعَمَلِ أبْدانِهِما، ولِذا تُسَمّى شَرِكَةَ العَمَلِ، إذْ لَيْسَ الِاشْتِراكُ فِيها بِالمالِ، وإنَّما هو بِعَمَلِ البَدَنِ.

وَأمّا شَرِكَةُ المُضارَبَةِ وهي القِراضُ فَأصْلُها مِنَ الضَّرْبِ في الأرْضِ؛ لِأنَّ التّاجِرَ يُسافِرُ في طَلَبِ الرِّبْحِ، والسَّفَرُ يُكَنّى عَنْهُ بِالضَّرْبِ في الأرْضِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [المزمل: ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠١] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском