Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:173–189, continued
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ أنَّ التَّداوِيَ بِالخَمْرِ لا يَجُوزُ؛ لِما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ وائِلِ بْنِ حُجْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَألَهُ طارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ الجُعْفِيُّ عَنِ الخَمْرِ فَنَهاهُ، أوْ كَرِهَ أنْ يَصْنَعَها فَقالَ: إنَّما أصْنَعُها لِلدَّواءِ، فَقالَ: ”إنَّهُ لَيْسَ بِدَواءٍ ولَكِنَّهُ داءٌ“» والظّاهِرُ إباحَتُها؛ لِإساغَةِ غُصَّةٍ خِيفَ بِها الهَلاكُ؛ وعَلَيْهِ جُلُّ أهْلِ العِلْمِ، والفَرْقُ بَيْنَ إساغَةِ الغُصَّةِ وبَيْنَ شُرْبِها لِلْجُوعِ أوِ العَطَشِ أنَّ إزالَتَها لِلْغُصَّةِ مَعْلُومَةٌ، وأنَّها لا يَتَيَقَّنُ إزالَتُها لِلْجُوعِ أوِ العَطَشِ.
قالَ الباجِيُّ: وهَلْ لِمَن يَجُوزُ لَهُ أكْلُ المَيْتَةِ أنْ يَشْرَبَ لِجُوعِهِ أوْ عَطَشِهِ الخَمْرَ ؟ قالَ مالِكٌ: لا يَشْرَبُها ولَنْ تَزِيدَهُ إلّا عَطَشًا.
وَقالَ ابْنُ القاسِمِ: يَشْرَبُ المُضْطَرُّ الدَّمَ ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَأْكُلُ المَيْتَةَ ولا يَقْرُبُ ضَوالَّ الإبِلِ، وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ.
وَقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَن غُصَّ بِطَعامٍ، وخافَ عَلى نَفْسِهِ، فَإنَّ لَهُ أنْ يُجَوِّزَهُ بِالخَمْرِ، وقالَهُ أبُو الفَرَجِ.
أمّا التَّداوِي بِها فَمَشْهُورُ المَذْهَبِ أنَّهُ لا يَحِلُّ: وإذا قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ التَّداوِي بِها، ويَجُوزُ اسْتِعْمالُها لِإساغَةِ الغُصَّةِ فالفَرْقُ أنَّ التَّداوِيَ بِها لا يَتَيَقَّنُ بِهِ البُرْءُ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ. اه. بِنَقْلِ المَوّاقِ في شَرْحِ قَوْلِ خَلِيلٍ: وخَمْرٌ لِغُصَّةٍ، وما نَقَلْنا عَنْ مالِكٍ مِن أنَّ الخَمْرَ لا تَزِيدُ إلّا عَطَشًا، نَقَلَ نَحْوَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ، قالَ: وقَدْ نَقَلَ الرُّويانِيُّ أنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَصَّ عَلى المَنعِ مِن شُرْبِها (p-٧١)لِلْعَطَشِ؛ مُعَلِّلًا بِأنَّها تُجِيعُ وتُعَطِّشُ.
وَقالَ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ: سَألْتُ مَن يَعْرِفُ ذَلِكَ فَقالَ: الأمْرُ كَما قالَ الشّافِعِيُّ: إنَّها تَرْوِي في الحالِ، ثُمَّ تُثِيرُ عَطَشًا عَظِيمًا.
وَقالَ القاضِي حُسَيْنٌ في ”تَعْلِيقِهِ“: قالَتِ الأطِبّاءُ: الخَمْرُ تَزِيدُ في العَطَشِ وأهْلُ الشُّرْبِ يَحْرِصُونَ عَلى الماءِ البارِدِ، فَجَعَلَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّها لا تَنْفَعُ في دَفْعِ العَطَشِ.
وَحَصَلَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ السّابِقِ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّها لا تَنْفَعُ في الدَّواءِ فَثَبَتَ تَحْرِيمُها مُطْلَقًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ا ه مِن ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ .
وَبِهِ تَعَلَمُ أنَّ ما اخْتارَهُ الغَزالِيُّ، وإمامُ الحَرَمَيْنِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، والأبْهَرِيُّ مِنَ المالِكِيَّةِ مِن جَوازِها لِلْعَطَشِ خِلافَ الصَّوابِ، وما ذَكَرَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ والأبْهَرِيُّ مِن أنَّها تَنْفَعُ في العَطَشِ خِلافَ الصَّوابِ أيْضًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَمَن مَرَّ بِبُسْتانٍ لِغَيْرِهِ فِيهِ ثِمارٌ وزَرْعٌ، أوْ بِماشِيَةٍ فِيها لَبَنٌ، فَإنْ كانَ مُضْطَرًّا اضْطِرارًا يُبِيحُ المَيْتَةَ فَلَهُ الأكْلُ بِقَدْرِ ما يَرُدُّ جُوعَهُ إجْماعًا، ولا يَجُوزُ لَهُ حَمْلُ شَيْءٍ مِنهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُضْطَرٍّ فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ أكْلِهِ مِنهُ.
فَقِيلَ: لَهُ أنْ يَأْكُلَ في بَطْنِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَحْمِلَ مِنهُ شَيْئًا، وقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وقِيلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ المُحَوَّطِ عَلَيْهِ فَيُمْنَعُ، وبَيْنَ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ، وحُجَّةُ مَن قالَ بِالمَنعِ مُطْلَقًا ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن عُمُومِ قَوْلِهِ: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم حَرامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا في بَلَدِكم هَذا» وعُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِالإباحَةِ مُطْلَقًا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا أتى أحَدُكم عَلى ماشِيَةٍ، فَإنْ كانَ فِيها صاحِبُها فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإنْ أذِنَ فَلْيَحْتَلِبْ ولْيَشْرَبْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها فَلْيُصَوِّتْ ثَلاثًا، فَإنْ أجابَ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإنْ أذِنَ لَهُ وإلّا فَلْيَحْتَلِبْ ولْيَشْرَبْ، ولا يَحْمِلْ» ا ه.
وَما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن دَخَلَ حائِطًا فَلْيَأْكُلْ، ولا يَتَّخِذْ خُبْنَةً» قالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ. وما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ المُعَلَّقِ فَقالَ: ”مَن أصابَ مِنهُ مِن ذِي (p-٧٢)حاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ»“ قالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ”إذا مَرَّ أحَدُكم بِحائِطٍ فَلْيَأْكُلْ مِنهُ، ولا يَتَّخِذْ ثِبانًا“ .
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: قالَ أبُو عَمْرٍو: هو يَحْمِلُ الوِعاءَ الَّذِي يَحْمِلُ فِيهِ الشَّيْءَ، فَإنْ حَمَلْتَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَهو ثِبانٌ، يُقالُ: قَدْ تَثَبَّنْتَ ثِبانًا، فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى ظَهْرِكَ فَهو الحالُ، يُقالُ: مِنهُ قَدْ تَحَوَّلَتْ كِسائِي، إذا جَعَلْتَ فِيهِ شَيْئًا ثُمَّ حَمَلْتَهُ عَلى ظَهْرِكَ، فَإنْ جَعَلْتَهُ في حِضْنِكَ فَهو خُبْنَةٌ، ومِنهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ المَرْفُوعُ: ”وَلا يَتَّخِذُ خُبْنَةً“ يُقالُ: فِيهِ خَبَنْتُ أخْبِنُ خَبْنا، قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
وَما رُوِيَ عَنْ أبِي زَيْنَبَ التَّيْمِيِّ، قالَ: سافَرْتُ مَعَ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وأبِي بُرْدَةَ، فَكانُوا يَمُرُّونَ بِالثِّمارِ، فَيَأْكُلُونَ بِأفْواهِهِمْ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“، وحَمَلَ أهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ هَذِهِ الأحادِيثَ والآثارَ عَلى حالِ الضَّرُورَةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُابْنُ ماجَهْ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ «عَنْ عَبّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ اليَشْكُرِيِّ الغُبَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: أصابَتْنا عامًا مَخْمَصَةٌ فَأتَيْتُ المَدِينَةَ، فَأتَيْتُ حائِطًا مِن حِيطانِها، فَأخَذْتُ سُنْبُلًا فَفَرَكْتُهُ وأكَلْتُهُ، وجَعَلْتُهُ في كِسائِي، فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ فَضَرَبَنِي، وأخَذَ ثَوْبِي، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: ”ما أطْعَمْتُهُ إذْ كانَ جائِعًا أوْ ساغِبًا ولا عَلَّمْتُهُ إذْ كانَ جاهِلًا“، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَرَدَّ إلَيْهِ ثَوْبَهُ، وأمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ مِن طَعامٍ، أوْ نِصْفِ وسْقٍ»، فَإنَّ في هَذا الحَدِيثِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ نَفْيَ القَطْعِ والأدَبِ إنَّما هو مِن أجْلِ المَخْمَصَةِ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَقِبَ نَقْلِهِ لِما قَدَّمْنا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وإنَّما يُوَجِّهُ هَذا الحَدِيثَ أنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ لِلْجائِعِ المُضْطَرِّ، الَّذِي لا شَيْءَ مَعَهُ يَشْتَرِي بِهِ، ألا يَحْمِلَ إلّا ما كانَ في بَطْنِهِ قَدْرَ قُوُتِهِ، ثُمَّ قالَ: قُلْتُ: لِأنَّ الأصْلَ المُتَّفَقَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ مالِ الغَيْرِ إلّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنهُ.
فَإنْ كانَتْ هُناكَ عادَةٌ بِعَمَلِ ذَلِكَ كَما كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ أوْ كَما هو الآنَ في بَعْضِ البُلْدانِ فَذَلِكَ جائِزٌ. ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أوْقاتِ المَجاعَةِ والضَّرُورَةِ، كَما تَقَدَّمَ، واللَّهُ أعْلَمُ. ا ه مِنهُ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِالفَرْقِ بَيْنَ المُحَوَّطِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، أنَّ إحْرازَهُ بِالحائِطِ دَلِيلٌ عَلى شُحِّ (p-٧٣)صاحِبِهِ بِهِ وعَدَمِ مُسامَحَتِهِ فِيهِ، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ كانَ عَلَيْها حائِطٌ فَهو حَرامٌ فَلا تَأْكُلْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها حائِطٌ فَلا بَأْسَ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“ وغَيْرُهُ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ مالِ المُسْلِمِ فَيَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وبَيْنَ مالِ الكِتابِيِّ (الذِّمِّيِّ) فَلا يَجُوزُ بِحالٍ غَيْرِ ظاهِرٍ.
وَيَجِبُ حَمْلُ حَدِيثِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ الوارِدِ في المَنعِ مِن دُخُولِ بُيُوتِ أهْلِ الكِتابِ، ومَنعِ الأكْلِ مِن ثِمارِهِمْ إلّا بِإذْنٍ عَلى عَدَمِ الضَّرُورَةِ المُلْجِئَةِ إلى أكْلِ المَيْتَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ الدَّمِ حَرامٌ، ومَثَلُها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”النَّحْلِ“: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٥] .
وَقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّمَ لا يَحْرُمُ إلّا إذا كانَ مَسْفُوحًا، وهي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الأنْعامِ“: ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥] .
والجَوابُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِن مَسائِلِ تَعارُضِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، والجارِي عَلى أُصُولِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ لا سِيَّما مَعَ اتِّحادِ الحُكْمِ والسَّبَبِ، كَما هُنا، وسَواءٌ عِنْدَهم تَأخَّرَ المُطْلَقُ عَنِ المُقَيَّدِ كَما هُنا أوْ تَقَدَّمَ، وإنَّما قُلْنا هُنا إنَّ المُطْلَقَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُقَيَّدِ، لِأنَّ القَيْدَ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، وهي نَزَلَتْ قَبْلَ ”النَّحْلِ“ مَعَ أنَّهُما مَكِّيَّتانِ إلّا آياتٍ مَعْرُوفَةً، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ”الأنْعامَ“ قَبْلَ ”النَّحْلِ“، قَوْلُهُ تَعالى في ”النَّحْلِ“: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٨]، والمُرادُ بِهِ ما قَصَّ (p-٢١٩)عَلَيْهِ في ”الأنْعامِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٦] .
وَأمّا كَوْنُ ”الأنْعامِ“ نَزَلَتْ قَبْلَ ”البَقَرَةِ“ و ”المائِدَةِ“ فَواضِحٌ، لِأنَّ ”الأنْعامَ“ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ إلّا آياتٍ مِنها، و ”البَقَرَةُ“ مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ و ”المائِدَةُ“ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ لِتَأخُّرِها.
وَعَلى هَذا فالدَّمُ إذا كانَ غَيْرَ مَسْفُوحٍ كالحُمْرَةِ الَّتِي تَظْهَرُ في القِدْرِ مِن أثَرِ تَقْطِيعِ اللَّحْمِ فَهو لَيْسَ بِحَرامٍ لِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، وعَلى هَذا كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وما ذَكَرْنا مِن عَدَمِ النَّسْخِ في ”المائِدَةِ“، قالَ بِهِ جَماعَةٌ وهو عَلى القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] غَيْرُ مَنسُوخَيْنِ صَحِيحٌ، وعَلى القَوْلِ بِنَسْخِهِما لا يَصِحُّ عَلى الإطْلاقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
2:174Page 26
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤
Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ﴾ فِعْلٌ في سِياقِ النَّفْيِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، وسَواءٌ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا أوْ لازِمًا عَلى التَّحْقِيقِ، خِلافًا لِلْغَزالِيِّ القائِلِ بِعُمُومِهِ في المُتَعَدِّي دُونَ اللّازِمِ، وخِلافُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ خِلافٌ في حالٍ لا في حَقِيقَةٍ لِأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ لَيْسَ صِيغَةً لِلْعُمُومِ، ولَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالِالتِزامِ، أيْ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحَقِيقَةِ ونَفْيُها يَلْزَمُهُ نَفْيُ جَمِيعِ الأفْرادِ.
فَقَوْلُهُ: لا أكَلْتُ مَثَلًا يَنْفِي حَقِيقَةَ أكْلٍ فَيَلْزَمُهُ نَفْيُ جَمِيعِ أفْرادِهِ، وإيضاحُ عُمُومِ الفِعْلِ في سِياقِ النَّفْيِ أنَّ الفِعْلَ يَنْحَلُّ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، وعَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ ونِسْبَةٍ عِنْدَ بَعْضِ البَلاغِيِّينَ، فالمَصْدَرُ داخِلٌ في مَعْناهُ إجْماعًا، فالنَّفْيُ داخِلٌ عَلى الفِعْلِ يَنْفِي المَصْدَرَ الكامِنَ في الفِعْلِ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ.
وَمِنَ العَجِيبِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُوافِقُ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ إنْ أُكِّدَ بِمَصْدَرٍ نَحْوَ لا شَرِبْتُ شُرْبًا مَثَلًا أفادَ العُمُومَ، مَعَ أنَّهُ لا يُوافِقُ عَلى إفادَةِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ.
(p-٢٢٠)وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧ - ١٠٨] .
والجَوابُ عَنْ هَذا بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو الحَقُّ، أنَّ الكَلامَ الَّذِي نَفى اللَّهُ أنَّهُ يُكَلِّمُهم بِهِ هو الكَلامُ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ، وأمّا التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ والإهانَةُ، فَكَلامُ اللَّهِ لَهم بِهِ مِن جِنْسِ عَذابِهِ لَهم، ولَمْ يَقْصِدْ بِالنَّفْيِ في قَوْلِهِ: ”وَلا يُكَلِّمُهُمُ“ .
الثّانِي: أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم أصْلًا وإنَّما تُكَلِّمُهُمُ المَلائِكَةُ بِإذْنِهِ وأمْرِهِ.
2:175Page 26
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥
Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!
No commentary for this ayah
2:176Page 26
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦
That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.
No commentary for this ayah
2:177Page 27
۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧
Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allāh, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakāh; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ هَذا المَصْدَرُ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى (مَن أتى المالَ)، والمَفْعُولُ مَحْذُوفًا، أوْ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المالِ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ، وأنَّ المَعْنى ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ: حُبِّ مُؤْتِي المالَ لِذَلِكَ المالِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ولا يَخْفى أنَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ تَلازُمًا في المَعْنى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما المُرادُ بِالبَأْسِ ؟ ولَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ البَأْسَ القِتالُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] كَما هو ظاهِرٌ مِن سِياقِ الكَلامِ.
2:178Page 27
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨
O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female.1 But whoever overlooks from his brother [i.e., the killer] anything,2 then there should be a suitable follow-up and payment to him [i.e., the deceased's heir or legal representative] with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that3 will have a painful punishment.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ القِصاصَ أمْرٌ حَتْمٌ لا بُدَّ مِنهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ لِأنَّ مَعْناهُ فُرِضَ وحُتِمَ عَلَيْكم، مَعَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أيْضًا أنَّ القِصاصَ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، لِأنَّ ولِيَّ الدَّمِ بِالخِيارِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٨] .
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ فَرْضَ القِصاصِ وإلْزامَهُ فِيما إذا لَمْ يَعْفُ أوْلِياءُ الدَّمِ أوْ بَعْضُهم، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٣٣] .
2:179Page 27
وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩
And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1
No commentary for this ayah
2:180Page 27
كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠
Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.1
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تُعارِضُ آياتِ المَوارِيثِ بِضَمِيمَةِ بَيانِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها إبْطالُ الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِينَ مِنهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» .
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ آيَةَ الوَصِيَّةِ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ المَوارِيثِ، والحَدِيثُ المَذْكُورُ بَيانٌ لِلنّاسِخِ، وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ لا مَنسُوخَةٌ، وانْتَصَرَ لِهَذا القَوْلِ ابْنُ حَزْمٍ غايَةَ الِانْتِصارِ ؟ وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مُحْكَمَةٌ فَهي مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، فالوالِدانِ والأقْرَبُونَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ لا وصِيَّةَ لَهم، بِدَلِيلِ آياتِ المَوارِيثِ والحَدِيثِ، وأمّا (p-٢٢١)الوالِدانِ اللَّذانِ لا مِيراثَ لَهُما كالرَّقِيقَيْنِ، والأقارِبِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ فَتَجِبُ لَهُمُ الوَصِيَّةُ عَلى هَذا القَوْلِ، ولَكِنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ خِلافُهُ.
وَحَكى العَبّادِيُّ في الآياتِ البَيِّناتِ الإجْماعَ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ، مَعَ أنَّ جَماعَةً مِنَ العُلَماءِ قالُوا بِعَدَمِ النَّسْخِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ أنَّ النَّسْخَ واقِعٌ فِيها يَقِينًا في البَعْضِ، لِأنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ الوارِثَيْنِ والأقارِبِ الوارِثِينَ رُفِعَ حُكْمُها بَعْدَ تُقَرُّرِهِ إجْماعًا، وذَلِكَ نَسْخٌ في البَعْضِ لا تَخْصِيصٌ، لِأنَّ التَّخْصِيصَ قَصْرُ العامِّ عَلى بَعْضِ أفْرادِهِ الدَّلِيلَ، أمّا رَفْعُ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ فَهو نَسْخٌ لا تَخْصِيصٌ كَما هو ظاهِرٌ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِ العَمَلِ بِالعامِّ نَسْخٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ مَراقِي السُّعُودِ:
؎وَإنْ أتى ما خُصَّ بَعْدَ العَمَلِ نُسِخَ والغَيْرُ مُخَصِّصًا جَلى
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
2:181Page 27
فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٨١
Then whoever alters it [i.e., the bequest] after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
No commentary for this ayah
2:182Page 28
فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨٢
But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them [i.e., the concerned parties], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
2:183Page 28
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣
O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ هي ثَلاثَةٌ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وعاشُوراءُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ هي رَمَضانُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدْ بَيَّنَها تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] .
2:184Page 28
أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤
[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ القادِرَ عَلى صَوْمِ رَمَضانَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّوْمِ والإطْعامِ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ وُجُوبِ الصَّوْمِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] .
والجَوابُ عَنْ هَذا بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: وهو الحَقُّ، أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] .
الثّانِي: أنَّ مَعْنى ”يُطِيقُونَهُ“ لا يُطِيقُونَهُ بِتَقْدِيرِ لا النّافِيَةِ، وعَلَيْهِ فَتَكُونُ الآيَةُ مُحْكَمَةً، ويَكُونُ وُجُوبُ الإطْعامِ عَلى العاجِزِ عَنِ الصَّوْمِ كالهَرِمِ والزَّمِنِ، واسْتُدِلَّ لِهَذا القَوْلِ بِقِراءَةِ بَعْضِ الصَّحابَةِ ”يُطَّوَّقُونَهُ“ بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ والواوِ المَفْتُوحَتَيْنِ بِمَعْنى يَتَكَلَّفُونَهُ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْهُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَيَجِبُ عَلى الهَرِمِ ونَحْوِهِ الفِدْيَةُ وهو اخْتِيارُ البُخارِيِّ، مُسْتَدِلًّا بِفِعْلِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
2:185Page 28
شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥
The month of Ramaḍān [is that] in which was revealed the Qur’ān, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the crescent of] the month,1 let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allāh intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ أُنْزِلَ في اللَّيْلِ مِنهُ أوِ النَّهارِ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ أُنْزِلَ في لَيْلَةِ القَدْرِ مِن رَمَضانَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ (p-٧٤)[الدخان: ٣]؛ لِأنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ هي لَيْلَةُ القَدْرِ عَلى التَّحْقِيقِ، وفي مَعْنى إنْزالِهِ وجْهانِ:
لْأوَّلُ: أنَّهُ أُنْزِلَ فِيها جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا، كَما ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى إنْزالِهِ فِيها ابْتِداءُ نُزُولِهِ كَما قالَ بِهِ بَعْضُهم.
2:186Page 28
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦
And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾
ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا قَرِيبٌ يُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِي وبَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى تَعْلِيقَ ذَلِكَ عَلى مَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا وهي قَوْلُهُ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٤١] .
وَقالَ بَعْضُهُمُ: التَّعْلِيقُ بِالمَشِيئَةِ في دُعاءِ الكُفّارِ كَما هو ظاهِرُ سِياقِ الآيَةِ، والوَعْدُ المُطْلَقُ في دُعاءِ المُؤْمِنِينَ، وعَلَيْهِ فَدُعاؤُهم لا يُرَدُّ، إمّا أنْ يُعْطُوا ما سَألُوا أوْ يُدَّخَرَ لَهم خَيْرٌ مِنهُ أوْ يُدْفَعَ عَنْهم مِنَ السُّوءِ بِقَدْرِهِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ، وبِالإجابَةِ الثَّوابُ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾، بَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والعَرَبُ تُسَمِّي ضَوْءَ الصُّبْحِ خَيْطًا، وظَلامَ اللَّيْلِ المُخْتَلِطَ بِهِ خَيْطًا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُوادَ الإيادِيِّ: [ المُتَقارِبِ ]
؎فَلَمّا أضاءَتْ لَنا سُدْفَةٌ ولاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أنارا
وَقَوْلُ الآخَرِ: [ البَسِيطِ ]
؎الخَيْطُ الأبَيْضُ ضَوْءُ الصُّبْحِ مُنْفَلِقٌ ∗∗∗ والخَيْطُ الأسْوَدُ جُنْحُ اللَّيْلِ مَكْتُومُ
2:187Page 29
أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧
It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.
No commentary for this ayah
2:188Page 29
وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨
And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].
No commentary for this ayah
2:189Page 29
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩
They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾
لَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِالمُرادِ بِمَنِ اتَّقى، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] والكَلامُ في الآيَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ولَكِنَّ ذا البِرِّ مَنِ اتَّقى، وقِيلَ ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقى، ونَظِيرُ الآيَةِ في ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الخَنْساءِ: [ البَسِيطِ ] (p-٧٥)
؎لا تَسْأمِ الدَّهْرَ مِنهُ كُلَّما ذَكَرَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
أيْ: ذاتُ إقْبالٍ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: [ المُتَقارِبِ ]
؎وَكَيْفَ تُواصِلُ مَن ∗∗∗ أصْبَحَتْ خِلالَتُهُ كَأبِي مَرْحَبِ
أيْ: كَخِلالَةِ أبِي مَرْحَبٍ. وقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلِ ] لَعَمْرُكَ ما الفِتْيانُ أنْ تَنْبُتَ ∗∗∗ اللِّحى ولَكِنَّما الفِتْيانُ كُلُّ فَتًى نَدى
أيْ: لَيْسَ الفِتْيانُ فِتْيانَ نَباتِ اللِّحى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences