Ибн АшурАль‑Хиджр · 15:61–84

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Хиджр 15:61–84

15:61–65Страница 265

فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٦١

Когда посланцы пришли к Луту (Лоту),

قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٦٢

он сказал: «Воистину, вы - люди незнакомые».

قَالُواْ بَلۡ جِئۡنَٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٦٣

Они сказали: «Но мы явились к тебе с тем, по поводу чего они препирались.

وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٦٤

Мы принесли тебе истину, и мы говорим правду.

فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ ٦٥

Среди ночи выведи свою семью и сам иди вслед за ними. И пусть никто из вас не оборачивается. Ступайте туда, куда вам приказано».

﴿فَلَمّا جا آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فاسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ، وقَدْ طُوِيَ ما هو مَعْلُومٌ مِن خُرُوجِ المَلائِكَةِ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ، والتَّقْدِيرُ: فَفارَقُوهُ وذَهَبُوا إلى لُوطٍ فَلَمّا جاءُوا لُوطًا.

صفحة ٦٣

وعُبِّرَ بِآلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهم نَزَلُوا في مَنزِلَةٍ بَيْنَ أهْلِهِ فَجاءُوا آلَهُ وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِالخِطابِ والمَجِيءِ هو لُوطٌ.

وتَوَلّى لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ تَلَقِّيَهم كَما هو شَأْنُ كَبِيرِ المَنزِلِ، ولَكِنَّهُ وجَدَهم في شَكْلٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ في القَبائِلِ الَّتِي كانَتْ تَمُرُّ بِهِمْ فَأُلْهِمَ إلى أنَّ لَهم قِصَّةً غَرِيبَةً ولِذَلِكَ قالَ لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ لا تُعْرَفُ قَبِيلَتُكم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى نَكِرَهم في سُورَةِ هُودٍ.

وقَدْ أجابُوهُ بِما يُزِيلُ ذَلِكَ إذْ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إضْرابًا عَنْ قَوْلِهِ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وإبْطالًا لِما ظَنَّهُ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفْ قَبِيلَتَهم فَلا يَأْمَنُهم أنْ يُعامِلُوهُ بِما يَضُرُّهُ.

وعُبِّرَ عَنِ العَذابِ بِـ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إيماءً إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّعْذِيبُ، أيْ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ قَوْمُكَ يَشُكُّونَ في حُلُولِهِ بِهِمْ وهو العَذابُ، فَعَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

والمُرادُ بِالحَقِّ الخَبَرُ الحَقُّ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِجُمْلَةِ وإنّا لَصادِقُونَ.

وقَوْلُهُ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾

حِكايَةً لِخِطابِ المَلائِكَةِ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَعْنى عِباراتِهِمْ مُحَوَّلَةً إلى نَظْمٍ عَرَبِيٍّ يُفِيدُ مَعْنى كَلامِهِمْ في نَظْمٍ عَرَبِيٍّ بَلِيغٍ، فَبِنا أنَّ نُبَيِّنَ خَصائِصَ هَذا النَّظْمِ العَرَبِيِّ:

فَإعادَةُ فِعْلِ أتَيْناكَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ مَعَ أنَّ فِعْلَ أتَيْناكَ مُرادِفٌ لِفِعْلِ جِئْناكَ دُونَ أنْ يَقُولَ: وبِالحَقِّ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِالمُرادِفِ، والتَّعْبِيرُ في أحَدِ الفِعْلَيْنِ بِمادَّةِ المَجِيءِ وفي الفِعْلِ الآخَرِ بِمادَّةِ الإتْيانِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ لِدَفْعِ تَكْرارِ الفِعْلِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا. وعَلَيْهِ تَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ وقَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ.

صفحة ٦٤

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِذِكْرِ الفِعْلِ الثّانِي وهو وأتَيْناكَ خُصُوصِيَّةٌ لا تَفِي بِها واوُ العَطْفِ، وهي مُراعاةُ اخْتِلافِ المَجْرُورَيْنِ بِالباءِ في مُناسَبَةِ كُلٍّ مِنها لِلْفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ هو بِهِ، فَلَمّا كانَ المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ جِئْناكَ أمْرًا حِسِّيًّا وهو العَذابُ الَّذِي كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، وكانَ ما يَصِحُّ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ المَجِيءُ بِمَعْنى كالحَقِيقِيِّ، إذْ هو مَجِيءٌ مَجازِيٌّ مَشْهُورٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقِيِّ، أُوثِرَ فِعْلُ جِئْناكَ لِيُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ويُعَلَّقُ بِهِ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ. وتَكُونُ الباءُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ لِلتَّعَدُّدِيَّةِ؛ لِأنَّهم أجاءُوا العَذابَ، قَوْلُهُ تَعالى بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ مَوْقِعُ مَفْعُولٍ بِهِ، كَما تَقُولُ ذَهَبْتُ بِهِ بِمَعْنى أذْهَبْتُهُ وإنْ كُنْتَ لَمْ تَذْهَبْ مَعَهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ [الزخرف: ٤١] أيْ نُذْهِبُكَ مِنَ الدُّنْيا، أيْ نُمِيتُكَ، فَهَذِهِ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ وهي بِمَنزِلَةِ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ.

وأمّا مُتَعَلِّقُ فِعْلِ أتَيْناكَ وهو (بِالحَقِّ) فَهو أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يَقَعُ مِنهُ الإتْيانُ فَلا يَتَعَلَّقُ الإتْيانُ بِفِعْلِ الإتْيانِ فَغُيِّرَتْ مادَّةُ المَجِيءِ إلى مادَّةِ الإتْيانِ تَنْبِيهًا عَلى إرادَةِ مَعْنًى غَيْرِ المُرادِ بِالفِعْلِ السّابِقِ، أعْنِي المَجِيءَ المَجازِيَّ، فَإنَّ هَذا الإتْيانَ مُسْنَدٌ إلى المَلائِكَةِ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وكانُوا في إتْيانِهِمْ مُلابِسِينَ لِلْحَقِّ، أيِ الصِّدْقِ، ولَيْسَ الصِّدْقُ مُسْنَدًا إلَيْهِ الإتْيانُ، فالباءُ في قَوْلِهِ تَعالى بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ لا لِلتَّعَدُّدِيَّةِ.

والقِطْعُ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ الجُزْءُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا في سُورَةِ يُونُسَ.

وأمَرُوهُ أنْ يَجْعَلَ أهْلَهُ قُدّامَهُ ويَكُونُ مِن خَلْفِهِمْ، فَهو يَتَّبِعُ أدْبارَهم، أيْ ظُهُورَهم لِيَكُونَ كالحائِلِ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ الَّذِي يَحِلُّ بِقَوْمِهِ بِعَقِبِ خُرُوجِهِ تَنْوِيهًا بِبَرَكَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّهم أمَرُوهُ أنْ لا يَلْتَفِتَ أحَدٌ مِن أهْلِهِ إلى دِيارِ قَوْمِهِمْ؛ لِأنَّ العَذابَ يَكُونُ قَدْ نَزَلَ بِدِيارِهِمْ، فَبِكَوْنِهِ وراءَ أهْلِهِ يَخافُونَ الِالتِفاتَ؛ لِأنَّهُ يُراقِبُهم، وقَدْ مَضى تَفْصِيلُ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ، وأنَّ امْرَأتَهُ التَفَتَتْ فَأصابَها العَذابُ.

صفحة ٦٥

وحَيْثُ تُؤْمَرُونَ أيْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ بِالمُضِيِّ، ولَمْ يُبَيِّنُوا لَهُ المَكانَ الَّذِي يَقْصِدُهُ إلّا وقْتَ الخُرُوجِ، وهو مَدِينَةُ عَمُّورِيَّةُ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ.

15:66Страница 265

وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ ٦٦

Мы объявили ему приговор о том, что к утру все они будут уничтожены.

﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ قَضَيْنا قَدَّرْنا، وضُمِّنَ مَعْنى أوْحَيْنا فَعُدِّيَ بِـ (إلى)، والتَّقْدِيرُ: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ، أيْ إلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ أوْحَيْنا إلَيْهِ بِما قَضَيْنا.

وذَلِكَ الأمْرُ إبْهامٌ لِلتَّهْوِيلِ، والإشارَةُ لِلتَّعْظِيمِ، أيِ الأمْرُ العَظِيمُ.

و﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِـ (ذَلِكَ الأمْرَ) وهي المُناسِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضَمَّنِ وهو أوْحَيْنا. فَصارَ التَّقْدِيرُ: وقَضَيْنا الأمْرَ، وأوْحَيْنا إلَيْهِ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ، فَنُظِمَ الكَلامُ هَذا النَّظْمَ البَدِيعَ الوافِرَ المَعْنى بِما في قَوْلِهِ (ذَلِكَ الأمْرَ) مِنَ الإبْهامِ والتَّعْظِيمِ.

ومَجِيءُ جُمْلَةِ (دابِرَ) مُفَسِّرَةٌ مَعَ صُلُوحِيَّةِ (أنَّ) لِبَيانِ كُلٍّ مِن إبْهامِ الإشارَةِ ومِن فِعْلِ (أوْحَيْنا) المُقَدَّرِ المُضَمَّنِ، فَتَمَّ ذَلِكَ إيجازٌ بَدِيعٌ مُعْجِزٌ.

والدّابِرُ: الآخِرُ، أيْ آخِرُ شَخْصٍ.

وقَطْعُهُ: إزالَتُهُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ كُلِّهِمْ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وإشارَةُ (هَؤُلاءِ) إلى قَوْمِهِ.

و(مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ، أيْ في أوَّلِ وقْتِهِ، وهو حالٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، ومَبْدَأُ الصَّباحِ وقْتُ شُرُوقِ الشَّمْسِ ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] .

15:67–69Страница 265

وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٦٧

Жители города пришли, ликуя.

قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٦٨

Он сказал им: «Это - мои гости, не позорьте же меня.

وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ ٦٩

Побойтесь Аллаха и не унижайте меня».

صفحة ٦٦

﴿وجا أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ وهو الجُزْءُ الأهَمُّ فِيها.

ومَجِيءُ أهْلِ المَدِينَةِ إلَيْهِ ومُحاوَرَتُهُ مَعَهم كانَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ ولَوْ عَلِمَ ذَلِكَ لَما أشْفَقَ مِمّا عَزَمَ عَلَيْهِ أهْلُ المَدِينَةِ لَمّا عَلِمَ بِما عَزَمُوا عَلَيْهِ بَعْدَ مُجادَلَتِهِمْ مَعَهُ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ [هود: ٨١] في سُورَةِ هُودٍ، والواوُ لا تُفِيدُ تَرَتُّبَ مَعْطُوفِها.

ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ لُوطٍ المُسْتَتِرِ في فِعْلِ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢]، أوِ الهاءِ في (إلَيْهِ)، ولا إشْكالَ حِينَئِذٍ. والمَدِينَةُ هي سَدُومُ. و يَسْتَبْشِرُونَ يَفْرَحُونَ ويُسَرُّونَ، وهو مُطاوِعُ بَشَّرَهُ فاسْتَبْشَرَ، قالَ تَعالى ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التوبة: ١١١] في سُورَةِ بَراءَةٍ، وصِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ مُبالَغَةً في الفَرَحِ، وذَلِكَ أنَّهم عَلِمُوا أنَّ رِجالًا غُرَباءَ حَلُّوا بِبَيْتِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ لِيَغْتَصِبُوهم كَعادَتِهِمُ السَّيِّئَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.

والفَضْحُ والفَضِيحَةُ: شُهْرَةُ حالٍ شَنِيعَةٍ، وكانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِإهانَةِ الضَّيْفِ ويُعَدُّ ذَلِكَ مَذَلَّةً لِمُضِيفِهِ، وقَدْ ذَكَّرَهم بِالوازِعِ الدِّينِيِّ وإنْ كانُوا كُفّارًا اسْتِقْصاءً لِلدَّعْوَةِ الَّتِي جاءَ بِها، وبِالوازِعِ العُرْفِيِّ فَقالَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ كَما في قَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحِسْحاسِ:

كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا

والخِزْيُ: الذُّلُّ والإهانَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ في مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.

15:70–77Страница 265

قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٠

Они сказали: «Разве мы не запрещали тебе укрывать людей?».

قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٧١

Он сказал: «Вот мои дочери, если вы хотите этого».

لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٢

Клянусь твоей жизнью! Они слепо блуждали, опьяненные.

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ ٧٣

А на восходе солнца их поразил вопль.

فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤

Мы перевернули город вверх дном и обрушили на них каменья из обожженной глины.

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥

Воистину, в этом - знамения для зрячих.

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ ٧٦

Воистину, они жили прямо на дороге из Мекки в Сирию.

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧

Воистину, в этом - знамение для верующих.

صفحة ٦٧

﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

الواوُ في أوَلَمْ نَنْهَكَ عَطْفٌ عَلى كَلامِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ عَلى كَلامِ الغَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْطُوفُ هو الإنْكارُ.

و(العالَمِينَ) النّاسُ، وتَعْدِيَةُ النَّهْيِ إلى ذاتِ العالَمِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ حِمايَةِ النّاسِ أوْ عَنْ إجارَتِهِمْ، أيْ أنَّ عَلَيْكَ أنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنا وبَيْنَ عادَتِنا حَتّى لا يَطْمَعَ المارُّونَ في حِمايَتِكَ، وقَدْ كانُوا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمارِّينَ عَلى قُراهم، و(العالَمِينَ) تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وأرادُوا بِهِ هُنا أصْنافَ القَبائِلِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وعَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهم ويُطْفِئُ شَبَقَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ مَعْنى عَرْضِهِ بَناتِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ (بَناتِي) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ صُلْبِهِ وكُنَّ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ القَوْمِ كُلِّهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ بَناتِهِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ كَأبٍ لِأُمَّتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ لِلْعِبْرَةِ في عَدَمِ جَدْوى المَوْعِظَةِ فِيمَن يَكُونُ في سَكْرَةِ هَواهُ.

صفحة ٦٨

والمُخاطَبُ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ بِتَقْدِيرِ (قَوْلٍ) .

وكَلِمَةُ لَعَمْرِكَ صِيغَةُ قَسَمٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ (عَمْرٍ) لامُ القَسَمِ.

والعَمْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ أصْلُهُ لُغَةٌ في العُمْرِ بِضَمِّ العَيْنِ، فَخُصَّ المَفْتُوحُ بِصِيغَةِ القَسَمِ لِخِفَّتِهِ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ القَسَمَ كَثِيرُ الدَّوَرانِ في الكَلامِ، فَهو قَسَمٌ بِحَياةِ المُخاطَبِ بِهِ، وهو في الِاسْتِعْمالِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ رَفَعُوهُ عَلى الِابْتِداءِ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا، والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.

وهُوَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيها الخَبَرُ حَذْفًا لازِمًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، وقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِغَيْرِ اللّامِ فَحِينَئِذٍ يُقْرِنُونَهُ بِاسْمِ الجَلالَةِ ويَنْصِبُونَهُما، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ

فَنُصِبَ عَمْرَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ القَسَمِ ونُصِبَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ، أيْ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ بِمَعْنى بِتَعْظِيمِكَ اللَّهَ، أيْ قَوْلِكِ لِلَّهِ لَعَمْرِكَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ أحَدٍ تَعْظِيمٌ لَهُ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ، كَما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ (التَّحِيّاتُ لِلَّهِ) أيْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِتَعْظِيمِكَ رَبَّكَ، هَذا ما يَظْهَرُ لِي في تَوْجِيهِ النَّصْبِ، وقَدْ خالَفْتُ فِيهِ أقْوالَ أهْلِ اللُّغَةِ بَعْضَ مُخالَفَةٍ لِأدْفَعَ ما عَرَضَ لَهم مِن إشْكالٍ.

والسَّكْرَةُ: ذَهابُ العَقْلِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ السَّكْرِ بِفَتْحِ السِّينِ وهو السَّدُّ والغَلْقُ، وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى الضَّلالِ تَشْبِيهًا لِغَلَبَةِ دَواعِي الهَوى عَلى دَواعِي الرَّشادِ بِذَهابِ العَقْلِ وغَشْيَتِهِ.

و(يَعْمَهُونَ) يَتَحَيَّرُونَ ولا يَهْتَدُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٦٩

وجُمْلَةُ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] .

والصَّيْحَةُ: صَعْقَةٌ في الهَواءِ، وهي صَواعِقُ وزَلازِلُ وفِيها حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، وقَدْ مَضى بَيانُها في سُورَةِ هُودٍ.

وانْتَصَبَ (مُشْرِقِينَ) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أشْرَقُوا إذا دَخَلُوا في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ.

وضَمِيرا ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ لِلْمَدِينَةِ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ إلى ما عادَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُ الجَمْعِ قَبْلَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: تَذْيِيلٌ.

والآياتُ: الأدِلَّةُ، أيْ دَلائِلُ عَلى حَقائِقَ مِنَ الهِدايَةِ وضِدِّها، وعَلى تَعَرُّضِ المُكَذِّبِينَ رُسُلَهم لِعِقابٍ شَدِيدٍ.

والإشارَةُ في ذَلِكَ إلى جَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ المَبْدُوءَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] . فَفِيها مِنَ الآياتِ آيَةُ نُزُولِ المَلائِكَةِ في بَيْتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَرامَةً لَهُ، وبِشارَتِهِ بِغُلامٍ عَلِيمٍ، وإعْلامِ اللَّهِ إيّاهُ بِما سَيَحِلُّ بِقَوْمِ لُوطٍ كَرامَةً لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ونَصْرِ اللَّهِ لُوطًا بِالمَلائِكَةِ، وإنْجاءِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وآلِهِ، وإهْلاكِ قَوْمِهِ وامْرَأتِهِ لِمُناصَرَتِها إيّاهم، وآيَةُ عُمايَةِ أهْلِ الضَّلالَةِ عَنْ دَلائِلِ الإنابَةِ، وآيَةُ غَضَبِ اللَّهِ عَلى المُسْتَرْسِلِينَ في عِصْيانِ الرُّسُلِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ آيَةٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُتَوَسِّمُونَ أصْحابُ التَّوَسُّمِ وهو التَّأمُّلُ في السِّمَةِ، أيِ العَلامَةِ الدّالَّةِ عَلى المَعْلَمِ، والمُرادُ لِلْمُتَأمِّلِينَ في الأسْبابِ وعَواقِبِها وأُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وهو تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ لَمْ تَرْدَعْهُمُ العِبَرُ بِأنَّهم دُونَ مَرْتَبَةِ النَّظَرِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ

صفحة ٧٠

الَّذِينَ لَمْ يَتَّعِظُوا؛ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِهِمُ الَّتِي عَرَفُوا أخْبارَها ورَأوْا آثارَها.

ولِذَلِكَ أعْقَبَ الجُمْلَةَ بِجُمْلَةِ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾، أيِ المَدِينَةُ المَذْكُورَةُ آنِفًا هي بِطْرِيقٍ باقٍ يُشاهِدُ كَثِيرٌ مِنكم آثارَها في بِلادِ فِلَسْطِينَ في طَرِيقِ تِجارَتِكم إلى الشّامِ وما حَوْلَها، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] .

والمُقِيمُ: أصْلُهُ الشَّخْصُ المُسْتَقِرُّ في مَكانِهِ غَيْرُ مُرْتَحِلٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِآثارِ المَدِينَةِ الباقِيَةِ في المَكانِ بِتَشْبِيهِهِ بِالشَّخْصِ المُقِيمِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، والإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ مِنَ القِصَّةِ مَعَ ما انْضَمَّ إلَيْها مِنَ التَّذْكِيرِ بِأنَّ قُراهم واضِحَةٌ فِيها آثارُ الخَسْفِ والأمْطارِ بِالحِجارَةِ المُحْماةِ، وعَبَّرَ في التَّذْيِيلِ بِالمُؤْمِنِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُتَوَسِّمِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ.

وجَعَلَ ذَلِكَ (آيَةً) بِالإفْرادِ تَفَنُّنًا؛لِأنَّ (آيَةً) اسْمُ جِنْسٍ يَصْدُقُ بِالمُتَعَدِّدِ، عَلى أنَّ مَجْمُوعَ ما حَصَلَ لَهم آيَةٌ عَلى المَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ، وهو عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ، وفي مَطاوِي تِلْكَ الآياتِ آياتٌ، والَّذِي في دُرَّةِ التَّنْزِيلِ، أيِ الفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ الآياتِ في الأوَّلِ، وإفْرادِهِ ثانِيًا في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ ما قُصَّ مِن حَدِيثِ لُوطٍ وضَيْفِ إبْراهِيمَ وما كانَ مِن عاقِبَةِ أمْرِهِمْ كُلُّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ في نَفْسِهِ آيَةٌ، فالمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ هو عِدَّةُ آياتٍ، وأمّا كَوْنُ قَرْيَةِلُوطٍ (بِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) فَهو في جُمْلَتِهِ آيَةٌ واحِدَةٌ، فَتَأمَّلْ.

15:78Страница 266

وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨

Жители Айки также были беззаконниками.

﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٧٩]

عَطَفَ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ لِما في كِلْتَيْهِما مِنَ المَوْعِظَةِ، وذِكْرُ هاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ تَكْمِيلٌ وإدْماجٌ إذْ لا عَلاقَةَ بَيْنَهُما وبَيْنَ ما قَبْلَهُما مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ

صفحة ٧١

والمَلائِكَةِ، وخَصَّ بِالذِّكْرِ أصْحابَ الأيْكَةِ، وأصْحابَ الحِجْرِ؛ لِأنَّهم مِثْلُ قَوْمِ لُوطٍ في مَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ يُشاهِدُونَ دِيارَ هَذِهِ الأُمَمِ الثَّلاثِ.

و(إنْ) مُخَفَّفَةُ (إنَّ) وقَدْ أُهْمِلَ عَمَلُها بِالتَّخْفِيفِ فَدَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (لَظالِمِينَ) اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَ (إنَّ) الَّتِي أصْلُها مُشَدَّدَةٌ وبَيْنَ (إنَّ) النّافِيَةِ.

والأيْكَةُ: الغَيْضَةُ مِنَ الأشْجارِ المُلْتَفُّ بَعْضُها بِبَعْضٍ، واسْمُ الجَمْعِ (أيْكٌ)، وأُطْلِقَتْ هُنا مُرادًا بِها الجِنْسُ إذْ قَدْ كانَتْ مَنازِلُهم في غَيْضَةٍ مِنَ الأشْجارِ الكَثِيرَةِ والوَرَقِ، وقَدْ تُخَفَّفُ الأيْكَةُ فَيُقالُ لَيْكَةُ.

وأصْحابُ الأيْكَةِ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم مَدْيَنُ. وقِيلَ أصْحابُ الأيْكَةِ فَرِيقٌ مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ غَيْرُ أهْلِ مَدْيَنَ، فَأهْلُ مَدْيَنَ سُكّانُ الحاضِرَةِ وأصْحابُ الأيْكَةِ هم بادِيَتُهم، وكانَ شُعَيْبٌ رَسُولًا إلَيْهِمْ جَمِيعًا، قالَ تَعالى (﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧])، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ.

والِانْتِقامُ: العُقُوبَةُ لِأجْلِ ذَنْبٍ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّقْمِ، وهو الإنْكارُ عَلى الفِعْلِ، يُقالُ: نَقَمَ عَلَيْهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ونَقَمَ مِنهُ أيْضًا. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿وما تَنْقِمُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦]) في سُورَةِ الأعْرافِ، وأُجْمِلَ الِانْتِقامُ في هَذِهِ الآيَةِ وبُيِّنَ في آياتٍ أُخْرى مِثْلِ آيَةِ هُودٍ.

15:79Страница 266

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩

Мы отомстили им. Воистину, оба эти поселения находились на ясной дороге.

﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾

ضَمِيرُ (إنَّهُما) لِقَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ وأيْكَةُ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.

صفحة ٧٢

والإمامُ: الطَّرِيقُ الواضِحُ؛ لِأنَّهُ يَأْتَمُّ بِهِ السّائِرُ، أيْ يَعْرِفُ أنَّهُ يُوَصِّلُ إذْ لا يَخْفى عَنْهُ شَيْءٌ مِنهُ، والمُبِينُ البَيِّنُ، أيْ أنَّ كِلْتا القَرْيَتَيْنِ بِطَرِيقِ القَوافِلِ بِأهْلِ مَكَّةَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] فَإدْخالُ مَدِينَةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الضَّمِيرِ هُنا تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ.

ويَظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهم قَبِيلَتانِ، وهُما مَدْيَنُ، وسُكّانُ الغَيْضَةِ الأصْلِيُّونَ الَّذِينَ نَزَلَ مَدْيَنُ بِجِوارِهِمْ، فَإنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أسْكَنَ ابْنَهُ مَدْيَنَ في شَرْقِ بِلادِ الخَلِيلِ، ولا يَكُونُ إلّا في أرْضٍ مَأْهُولَةٍ، وهَذا عِنْدِي هو مُقْتَضى ذِكْرِ قَوْمِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْمِ مَدْيَنَ مَرّاتٍ وبِاسْمِ أصْحابِ الأيْكَةِ مَرّاتٍ، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

15:80–84Страница 266

وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠

Жители Хиджра тоже сочли лжецами посланников.

وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١

Мы даровали им Наши знамения, но они отвернулись от них.

وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢

Они высекали в горах безопасные жилища.

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُصۡبِحِينَ ٨٣

А на заре их поразил вопль,

فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤

и не помогло им то, что они приобретали.

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بِيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ جُمِعَتْ قَصَصُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ الثَّلاثِ: قَوْمِ لُوطٍ، وأصْحابِ الأيْكَةِ، وأصْحابِ الحِجْرِ في نَسَقٍ، لِتَماثُلِ حالِ العَذابِ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْها وهو عَذابُ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ والصّاعِقَةِ.

وأصْحابُ الحِجْرِ هم ثَمُودُ كانُوا يَنْزِلُونَ الحِجْرَ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، والحِجْرُ: المَكانُ المَحْجُورُ، أيِ المَمْنُوعُ مِنَ النّاسِ بِسَبَبِ اخْتِصاصٍ

صفحة ٧٣

بِهِ، أوِ اشْتُقَّ مِنَ الحِجارَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ بُيُوتَهم في صَخْرِ الجَبَلِ نَحْتًا مُحْكَمًا، وقَدْ جُعِلَتْ طَبَقاتٌ وفي وسَطِها بِئْرٌ عَظِيمَةٌ وبِئارٌ كَثِيرَةٌ.

والحِجْرُ هو المَعْرُوفُ بِوادِي القُرى وهو بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ، وهو المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِاسْمِ مَدائِنِ صالِحٍ عَلى الطَّرِيقِ مِن خَيْبَرَ إلى تَبُوكَ ؟ .

وأمّا حَجْرُ اليَمامَةِ مَدِينَةِ بَنِي حَنِيفَةَ فَهي بِفَتْحِ الحاءِ وهي في بِلادِ نَجْدٍ وتُسَمّى العُرُوضُ وهي اليَوْمَ مِن بِلادِ البَحْرَيْنِ.

وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ مِنَ الإفْرِنْجِ أنَّ البُيُوتَ المَنحُوتَةَ في ذَلِكَ الجَبَلِ كانَتْ قُبُورًا، وتَعَلَّقُوا بِحُجَجٍ وهْمِيَّةٍ، ومِمّا يُفَنِّدُ أقْوالَهم خَلُوُّ تِلْكَ الكُهُوفِ عَنْ أجْسادٍ آدَمِيَّةٍ، وإذا كانَتْ تِلْكَ قُبُورًا فَأيْنَ كانَتْ مَنازِلُ الأحْياءِ ؟ .

والظّاهِرُ أنَّ ثَمُودَ لَمّا أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ كانُوا مُنْتَشِرِينَ في خارِجِ البُيُوتِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾، وقَدْ وُجِدَتْ في مَداخِلِ تِلْكَ البُيُوتِ نُقَرٌ صَغِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّها مَجْعُولَةٌ لِوَصْدِ أبْوابِ المَداخِلِ في اللَّيْلِ.

وتَعْرِيفُ المُرْسَلِينَ لِلْجِنْسِ، فَيَصْدُقُ بِالواحِدِ، إذِ المُرادُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وقَدْ تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ جَمْعُ الآياتِ في قَوْلِهِ (آياتِنا) مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، وهي آيَةُ النّاقَةِ، أوْ أُرِيدَ أنَّها آيَةٌ تَشْتَمِلُ عَلى آياتٍ في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها مِن صَخْرَةٍ، وحَياتِها، ورَعْيِها، وشُرْبِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّها خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها، فَهُما آيَتانِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والنَّحْتُ: بَرْيُ الحَجَرِ أوِ العُودِ مِن وسَطِهِ أوْ مِن جَوانِبِهِ.

و(مِنَ الجِبالِ) تَبْعِيضٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَنْحِتُونَ) . والمَعْنى مِن صَخْرِ الجِبالِ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (يَنْحِتُونَ) .

صفحة ٧٤

و(آمِنِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَنْحِتُونَ) وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَكُونُوا آمِنِينَ عَقِبَ نَحْتِها وسُكْناها. وكانَتْ لَهم بِمَنزِلَةِ الحُصُونِ لا يَنالُهم فِيها العَدُوُّ.

ولَكِنَّهم نَسُوا أنَّها لا تُأمِّنُهم مِن عَذابِ اللَّهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

والفاءُ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ والسَّبَبِيَّةِ، و”مُصْبِحِينَ“ حالٌ، أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ.

و﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ يَصْنَعُونَ، أيِ البُيُوتُ الَّتِي عُنُوا بِتَحْصِينِها وتَحْسِينِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (كانُوا) . وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَكْسِبُونَ لِدَلالَتِها عَلى التَّكَرُّرِ والتَّجَدُّدِ المُكَنّى بِهِ عَنْ إتْقانِ الصَّنْعَةِ، وبِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ المَوْصُولِ والصِّلَةِ أبْلَغَ مِن مَوْقِعِ لَفْظِ بُيُوتِهِمْ مَثَلًا؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الَّذِي لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْءٌ مُتَّخَذٌ لِلْإغْناءِ ومِن شَأْنِهِ ذَلِكَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English