Ибн АшурАль‑Хиджр · 15:92–99

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

Аль-Хиджр 15:92–99

15:92–93Страница 267

فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢

Клянусь твоим Господом! Мы непременно всех их спросим

عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣

о том, что они совершали.

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، وهَذا تَفْرِيعٌ عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] .

والواوُ لِلْقَسَمِ، فالمُفَرَّعُ هو القَسَمُ وجَوابُهُ، والمَقْصُودُ بِالقَسَمِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ، ولَيْسَ الرَّسُولُ ﷺ مِمَّنْ يَشُكُّ في صِدْقِ هَذا الوَعِيدِ، ولَكِنَّ التَّأْكِيدَ مُتَسَلِّطٌ عَلى ما في الخَبَرِ مِن تَهْدِيدِ مُعادِ ضَمِيرِ النَّصْبِ في (لَنَسْألَنَّهم) .

ووَصْفُ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ إيماءً إلى أنَّ في السُّؤالِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ حَظًّا مِنَ التَّنْوِيهِ بِهِ، وهو سُؤالُ اللَّهِ المُكَذِّبِينَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ سُؤالَ رَبٍّ يَغْضَبُ لِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .

والسُّؤالُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو عِقابُ المَسْئُولِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] فَهو وعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ.

15:94–96Страница 267

فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤

Провозгласи же то, что тебе велено, и отвернись от многобожников.

إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٩٥

Воистину, Мы избавили тебя от тех, кто насмехается,

ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٩٦

кто признает других богов помимо Аллаха, и скоро они узнают.

﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] بِصَرِيحِهِ وكِنايَتِهِ عَنِ التَّسْلِيَةِ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ.

صفحة ٨٨

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ أوِ الخامِسَةِ مِنَ البَعْثَةِ ورَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُخْتَفٍ في دارِ الأرْقَمِ بْنِ أبِي الأرْقَمِ.

رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «ما زالَ النَّبِيءُ ﷺ مُسْتَخْفِيًا حَتّى نَزَلَتْ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فَخَرَجَ هو وأصْحابُهُ»، يَعْنِي «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ كانَ يَدْعُو النّاسَ خُفْيَةً، وكانَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ إذا أرادَ الصَّلاةَ يَذْهَبُ إلى بَعْضِ الشِّعابِ يَسْتَخْفِي بِصَلاتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ ويَعِيبُونَ صَلاتَهم، فَحَدَثَ تَضارُبٌ بَيْنَهم وبَيْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أدْمى فِيهِ سَعْدٌ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَبَعْدَ تِلْكَ الوَقْعَةِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ دارَ الأرْقَمِ عِنْدَ الصَّفا؛ فَكانُوا يُقِيمُونَ الصَّلاةَ بِها واسْتَمَرُّوا كَذَلِكَ ثَلاثَ سِنِينَ أوْ تَزِيدُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ الآيَةَ، وبِنُزُولِها تَرَكَ الرَّسُولُ ﷺ الِاخْتِفاءَ بِدارِ الأرْقَمِ»، وأعْلَنَ بِالدَّعْوَةِ لِلْإسْلامِ جَهْرًا.

والصَّدْعُ: الجَهْرُ والإعْلانُ، وأصْلُهُ الِانْشِقاقُ، ومِنهُ انْصِداعُ الإناءِ، أيِ انْشِقاقُهُ؛ فاسْتُعْمِلَ الصَّدْعُ في لازِمِ الِانْشِقاقِ، وهو ظُهُورُ الأمْرِ المَحْجُوبِ وراءَ الشَّيْءِ المُنْصَدِعِ؛ فالمُرادُ هُنا الجَهْرُ والإعْلانُ.

وماصَدَقُ (ما تُؤْمَرُ) هو الدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ.

وقَصْدُ شُمُولِ الأمْرِ كُلُّ ما أُمِرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِتَبْلِيغِهِ، هو نُكْتَةُ حَذْفِ مُتَعَلِّقِ (تُؤْمَرُ)، فَلَمْ يُصَرِّحْ بِنَحْوِ (بِتَبْلِيغِهِ) أوْ بِالأمْرِ بِهِ أوْ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وهو إيجازٌ بَدِيعٌ.

والإعْراضُ عَنِ المُشْرِكِينَ الإعْراضُ عَنْ بَعْضِ أحْوالِهِمْ لا عَنْ ذَواتِهِمْ، وذَلِكَ إبايَتُهُمُ الجَهْرَ بِدَعْوَةِ الإسْلامِ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ، وعَنِ اسْتِهْزائِهِمْ، وعَنْ تَصَدِّيهِمْ إلى أذى المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ الإعْراضُ عَنْ دَعْوَتِهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى إلى أذى المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ المُرادُ الإعْراضَ عَنْ دَعْوَتِهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ مانِعٌ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ .

صفحة ٨٩

وجُمْلَةُ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْلانِ بِما أُمِرَ بِهِ، فَإنَّ اخْتِفاءَ النَّبِيءِ ﷺ بِدارِ الأرْقَمِ كانَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها اللَّهُ أهَمُّها تَعَدُّدُ الدّاخِلِينَ في الإسْلامِ في تِلْكَ المُدَّةِ بِحَيْثُ يَغْتاظُ المُشْرِكُونَ مِن وفْرَةِ الدّاخِلِينَ في الدِّينِ مَعَ أنَّ دَعْوَتَهُ مَخْفِيَةٌ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِإعْلانِ دَعْوَتِهِ لِحِكْمَةٍ أعْلى، تَهَيَّأ اعْتِبارُها في عِلْمِهِ تَعالى.

والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِوَصْفِ المُسْتَهْزِئِينَ إيماءٌ إلى أنَّهُ كَفاهُ اسْتِهْزاءُهم، وهو أقَلُّ أنْواعِ الأذى، فَكِفايَتُهُ ما هو أشَدُّ مِن الِاسْتِهْزاءِ مِنَ الأذى مَفْهُومٌ بِطْرِيقِ الأحْرى.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِهِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ لا لِلشَّكِّ في تَحَقُّقِهِ.

والتَّعْرِيفُ في المُسْتَهْزِئِينَ لِلْجِنْسِ فَيُفِيدُ العُمُومَ، أيْ كَفَيْناكَ كُلَّ مُسْتَهْزِئٍ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِهَذا الوَصْفِ إيماءٌ إلى أنَّ قُصارى ما يُؤْذُونَهُ بِهِ الِاسْتِهْزاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، فَقَدْ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يُؤْذُوا النَّبِيءَ بِغَيْرِ الِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِرَسُولِهِ ﷺ .

ومَعْنى الكِفايَةِ تَوَلِّي الكافِيَ مُهِمَّ المَكْفِيِّ، فالكافِي هو مُتَوَلِّي عَمَلٍ عَنْ غَيْرِهِ لِأنَّهُ أقْدَرُ عَلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ يَبْتَغِي راحَةَ المُكْفى، يُقالُ: كَفَيْتُ مُهِمَّكَ، فَيَتَعَدّى الفِعْلُ إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما هو المُهِمُّ المَكْفِيُ مِنهُ. فالأصْلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فَإذا كانَ اسْمَ ذاتٍ فالمُرادُ أحْوالُهُ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ، فَإذا قُلْتَ: كَفَيْتُكَ عَدُوَّكَ، فالمُرادُ: كَفَيْتُكَ بَأْسَهُ، وإذا قُلْتَ: كَفَيْتُكَ غَرِيمَكَ، فالمُرادُ: كَفَيْتُكَ مُطالَبَتَهُ، فَلَمّا قالَ هُنا ﴿كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ فُهِمَ أنَّ المُرادَ كَفَيْناكَ الِانْتِقامَ مِنهم وإراحَتُكَ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ. وكانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِصُنُوفٍ مِن الِاسْتِهْزاءِ كَما تَقَدَّمَ.

ويَأْتِي في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ اسْتِهْزائِهِمِ اسْتِهْزاؤُهم بِأسْماءِ سُوَرِ القُرْآنِ مِثْلُ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ وسُورَةِ البَقَرَةِ، كَما في الإتْقانِ في ذِكْرِ أسْماءِ السُّوَرِ.

صفحة ٩٠

وعُدَّ مِن كُبَرائِهِمْ خَمْسَةٌ هُمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، والحارِثُ ابْنُ عَيْطَلَةَ، ويُقالُ ابْنُ عَيْطَلٍ - وهو اسْمُ أُمِّهِ دُعِيَ لَها - واسْمُ أبِيهِ قَيْسٌ، وفي الكَشّافِ والقُرْطُبِيِّ أنَّهُ ابْنُ الطُّلاطِلَةِ، ومِثْلُهُ في القامُوسِ، وهي بِضَمِّ الطّاءِ الأُولى، وكَسْرِ الطّاءِ الثّانِيَةِ والعاصِي بْنُ وائِلٍ، هَلَكُوا بِمَكَّةَ مُتَتابِعِينَ، وكانَ هَلاكُهُمُ العَجِيبُ المَحْكِيُّ في كُتُبِ السِّيرَةِ صارِفًا أتْباعَهم عَنْ الِاسْتِهْزاءِ لِانْفِراطِ عِقْدِهِمْ.

وقَدْ يَكُونُ مِن أسْبابِ كِفايَتِهِمْ زِيادَةُ الدّاخِلِينَ في الإسْلامِ بِحَيْثُ صارَ بَأْسُ المُسْلِمِينَ مَخْشِيًّا، وقَدْ أسْلَمَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فاعْتَزَّ بِهِ المُسْلِمُونَ، ولَمْ يَبْقَ مِن أذى المُشْرِكِينَ إيّاهم إلّا الِاسْتِهْزاءُ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَخَشِيَهُ سُفَهاءُ المُشْرِكِينَ، وكانَ إسْلامُهُ في حُدُودِ سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ البَعْثَةِ.

ووَصْفُهم بِـ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ لِلتَّشْوِيهِ بِحالِهِمْ، ولِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهم ما اقْتَصَرُوا عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ فَقَدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى (يَجْعَلُونَ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ مُجَدِّدُونَ لَهُ.

وفُرِّعَ عَلى الأمْرَيْنِ الوَعِيدُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وحَذْفُ مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ جَزاءَ بُهْتانِهِمْ.

15:97–99Страница 267

وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧

Мы знаем, что твоя грудь сжимается от того, что они говорят.

فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨

Так восславь же Господа твоего хвалой и будь в числе тех, кто падает ниц.

وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩

Поклоняйся Господу твоему, пока убежденность (смерть) не явится к тебе.

﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾

لَمّا كانَ الوَعِيدُ مُؤْذِنًا بِإمْهالِهِمْ قَلِيلًا كَما قالَ تَعالى ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّنْفِيسِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] طَمْأنَ اللَّهُ نَبِيَّهُ

صفحة ٩١

ﷺ بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى تَحَرُّجِهِ مِن أذاهم وبُهْتانِهِمْ مِن أقْوالِ الشِّرْكِ وأقْوالِ الِاسْتِهْزاءِ فَأمَرَهُ بِالثَّباتِ والتَّفْوِيضِ إلى رَبِّهِ؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ في إمْهالِهِمْ، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ.

ولَيْسَ المُخاطَبُ مِمَّنْ يُداخِلُهُ الشَّكُّ في خَبَرِ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنَّ التَّحْقِيقَ كِنايَةٌ عَنْ الِاهْتِمامِ بِالمُخْبَرِ، وأنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِنَ اللَّهِ؛ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] أوْ حالٌ.

وضِيقُ الصَّدْرِ: مَجازٌ عَنْ كَدَرِ النَّفْسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] في سُورَةِ هُودٍ.

وفُرِّعَ عَلى جُمْلَةِ (ولَقَدْ نَعْلَمُ) أمْرُهُ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعالى وتَنْزِيهِهِ عَمّا يَقُولُونَهُ مِن نِسْبَةِ الشَّرِيكِ، أيْ عَلَيْكَ بِتَنْزِيهِ رَبِّكَ فَلا يَضُرُّكَ شِرْكُهم، عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ مَعَ مَعْناهُ الأصْلِيِّ فَيُفِيدُ الإنْكارَ عَلى المُشْرِكِينَ فِيما يَقُولُونَ، أيْ فاقْتَصِرْ في دَفْعِهِمْ عَلى إنْكارِ كَلامِهِمْ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] .

والباءُ في (بِحَمْدِ رَبِّكَ) لِلْمُصاحَبَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَسَبِّحْ رَبَّكَ بِحَمْدِهِ؛ فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ لِدَلالَةِ الثّانِي، وتَسْبِيحُ اللَّهِ تَنْزِيهُهُ بِقَوْلِ: سُبْحانَ اللَّهِ.

والأمْرُ في ﴿وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ مُسْتَعْمَلانِ في طَلَبِ الدَّوامِ.

و(﴿مِنَ السّاجِدِينَ﴾) أبْلَغُ في الِاتِّصافِ بِالسُّجُودِ مِن (ساجِدًا) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] في سُورَةِ بَراءَةٍ، وقَوْلِهِ ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ ونَظائِرِهِما.

والسّاجِدُونَ: هُمُ المُصَلُّونَ، فالمَعْنى: ودُمْ عَلى الصَّلاةِ أنْتَ ومَن مَعَكَ.

ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِن سُجُودِ التِّلاوَةِ عِنْدَ أحَدٍ مِن فُقَهاءِ المُسْلِمِينَ، وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ أبِي بَكْرٍ النَّقّاشِ أنَّ أبا حُذَيْفَةَ - لَعَلَّهُ يَعْنِي بِهِ أبا حُذَيْفَةَ اليَمانَ

صفحة ٩٢

ابْنَ المُغِيرَةِ البَصْرِيَّ مِن أصْحابِ عِكْرِمَةَ - وكانَ مُنْكَرَ الحَدِيثِ والِيمانُ بْنُ رِئابٍ كَذا رَأياها سَجْدَةَ تِلاوَةٍ واجِبَةً.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ شاهَدْتُ الإمامَ بِمِحْرابِ زَكَرِيّاءَ مِنَ البَيْتِ المُقَدَّسِ سَجَدَ في هَذا المَوْضِعِ حِينَ قِراءَتِهِ في تَراوِيحِ رَمَضانَ وسَجَدْتُ مَعَهُ فِيها، وسُجُودُ الإمامِ عَجِيبٌ، وسُجُودُ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ مَعَهُ أعْجَبُ؛ لِلْإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا سَجْدَةَ هُنا، فالسُّجُودُ فِيها يُعَدُّ زِيادَةً، وهي بِدْعَةٌ لا مَحالَةَ.

واليَقِينُ: المَقْطُوعُ بِهِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ وهو النَّصْرُ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ.

* * *

صفحة ٩٣

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ النَّحْلِ

سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عِنْدَ السَّلَفِ سُورَةُ النَّحْلِ، وهو اسْمُها المَشْهُورُ في المَصاحِفِ، وكُتُبِ التَّفْسِيرِ، وكُتُبِ السُّنَّةِ.

ووَجْهُ تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ أنَّ لَفْظَ النَّحْلِ لَمْ يُذْكَرْ في سُورَةٍ أُخْرى.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّها تُسَمّى سُورَةُ النِّعَمِ: أيْ بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ العَيْنِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِما عَدَّدَ اللَّهُ فِيها مِنَ النِّعَمِ عَلى عِبادِهِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وقِيلَ إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ مُنْصَرَفَ النَّبِيءِ ﷺ مِن غَزْوَةِ أُحُدٍ، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] إلى آخِرِ السُّورَةِ، قِيلَ: نَزَلَتْ في نَسْخِ عَزْمِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى أنْ يُمَثِّلَ بِسَبْعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ إنْ أظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ مُكافَأةً عَلى تَمْثِيلِهِمْ بِحَمْزَةَ.

وعَنْ قَتادَةَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ أوَّلَها مَكِّيٌّ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [النحل: ٤١] فَهو مَدَنِيٌّ إلى آخِرِ السُّورَةِ.

وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ﴾ [النحل: ٧٩] ما يُرَجِّحُ أنَّ بَعْضَ السُّورَةِ مَكِّيٌّ وبَعْضَها مَدَنِيٌّ، وبَعْضَها نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ

صفحة ٩٤

إلى الحَبَشَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]، وبَعْضَها مُتَأخِّرُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الأنْعامِ؛ لِقَوْلِهِ في هَذِهِ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ [النحل: ١١٨]، يَعْنِي بِما قَصَّ مِن قَبْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآياتِ.

وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَرَأْتُها عَلى أبِي طالِبٍ فَتَعَجَّبَ، وقالَ: يا آلَ غالِبٍ اتَّبِعُوا ابْنَ أخِي تُفْلِحُوا فَواللَّهِ إنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ لِيَأْمُرَكم بِمَكارِمِ الأخْلاقِ.

ورَوى أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ جالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ - قالَ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الإيمانُ في قَلْبِي، وأحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ﷺ .

ورُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أمْرَهُ اللَّهُ أنْ يَضَعَها في مَوْضِعِها هَذا مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأنْبِياءِ، وقَبْلَ سُورَةِ (الم) السَّجْدَةِ، وقَدْ عُدَّتِ الثّانِيَةُ والسَّبْعِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ.

وآيُها مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ بِلا خِلافٍ، ووَقَعَ لِلْخَفاجِيِّ عَنِ الدّانِيِّ أنَّها نَيِّفٌ وتِسْعُونَ، ولَعَلَّهُ خَطَأٌ أوْ تَحْرِيفٌ أوْ نَقْصٌ.

* * *

أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ مُعْظَمُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ إكْثارٌ مُتَنَوِّعُ الأدِلَّةِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، والأدِلَّةُ عَلى فَسادِ دِينِ الشِّرْكِ، وإظْهارِ شَناعَتِهِ، وأدِلَّةُ إثْباتِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ ﷺ .

وإنَّ شَرِيعَةَ الإسْلامِ قائِمَةٌ عَلى أُصُولِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

صفحة ٩٥

وإثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ؛ فابْتُدِئَتْ بِالإنْذارِ بِأنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ حُلُولُ ما أُنْذِرَ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ الَّذِي يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وتَلا ذَلِكَ قَرْعُ المُشْرِكِينَ وزَجْرُهم عَلى تَصَلُّبِهِمْ في شِرْكِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ.

وانْتَقَلَ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إبْطالِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ؛ فابْتُدِئَ بِالتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما في السَّماءِ مِن شَمْسٍ وقَمَرٍ ونُجُومٍ، وما في الأرْضِ مِن ناسٍ وحَيَوانٍ ونَباتٍ وبِحارٍ وجِبالٍ، وأعْراضِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وما في أطْوارِ الإنْسانِ وأحْوالِهِ مِنَ العِبَرِ.

وخُصَّتِ النَّحْلُ وثَمَراتُها بِالذِّكْرِ؛ لِوَفْرَةِ مَنافِعِها، والِاعْتِبارِ بِإلْهامِها إلى تَدْبِيرِ بُيُوتِها وإفْرازِ شَهْدِها.

والتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وتَنْزِيهِهِ عَنِ اقْتِرابِ الشَّيْطانِ، وإبْطالِ افْتِرائِهِمْ عَلى القُرْآنِ، والِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، وأنَّهُ تَكْوِينٌ كَتَكْوِينِ المَوْجُوداتِ.

والتَّحْذِيرُ مِمّا حَلَّ بِالأُمَمِ الَّتِي أشْرَكَتْ بِاللَّهِ، وكَذَّبَتْ رُسُلَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَذابَ الدُّنْيا، وما يَنْتَظِرُهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ، وقابَلَ ذَلِكَ بِضِدِّهِ مِن نَعِيمِ المُتَّقِينَ المُصَدِّقِينَ والصّابِرِينَ عَلى أذى المُشْرِكِينَ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ وظُلِمُوا، والتَّحْذِيرُ مِن الِارْتِدادِ عَنِ الإسْلامِ، والتَّرْخِيصُ لِمَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ في التُّقْيَةِ مِنَ المُكْرَهِينَ، والأمْرُ بِأُصُولٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ مِن تَأْصِيلِ العَدْلِ، والإحْسانِ، والمُواساةِ، والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وإبْطالِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، ونَقْضِ العُهُودِ، وما عَلى ذَلِكَ مِن جَزاءٍ بِالخَيْرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

صفحة ٩٦

وأُدْمِجَ في ذَلِكَ ما فِيها مِنَ العِبَرِ والدَّلائِلِ، والِامْتِنانِ عَلى النّاسِ بِما في ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ الطَّيِّباتِ المُنْتَظِمَةِ، والمَحاسِنِ، وحُسْنِ المَناظِرِ، ومَعْرِفَةِ الأوْقاتِ، وعَلاماتِ السَّيْرِ في البَرِّ والبَحْرِ، ومِن ضَرْبِ الأمْثالِ، ومُقابَلَةِ الأعْمالِ بِأضْدادِها، والتَّحْذِيرُ مِنَ الوُقُوعِ في حَبائِلِ الشَّيْطانِ، والإنْذارُ بِعَواقِبِ كُفْرانِ النِّعْمَةِ.

ثُمَّ عَرَّضَ لَهم بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْبَةِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النحل: ١١٩] إلَخْ. . . .

ومِلاكُ طَرائِقِ دَعْوَةِ الإسْلامِ ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] .

وتَثْبِيتُ الرَّسُولِ ﷺ ووَعْدُهُ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ إيّاهُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English