Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Каф 50:22–30
50:22Страница 519
لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢
Ты был беспечен к этому, но Мы сорвали с тебя твое покрывало, и острым является сегодня твой взор.
﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾
مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دُلَّ عَلى تَعَيُّنِهُ مِنَ الخِطابِ، أيْ يُقالُ هَذا الكَلامُ لِكُلِّ نَفْسٍ مِن نُفُوسِ المُشْرِكِينَ فَهو خِطابُ التَّهَكُّمِ التَّوْبِيخِيِّ لِلنَّفْسِ الكافِرَةِ لِأنَّ المُؤْمِنَ لَمْ يَكُنْ في غَفْلَةٍ عَنِ الحَشْرِ والجَزاءِ.
صفحة ٣٠٩
وجُمْلَةُ القَوْلِ ومَقُولِهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كُلِّ نَفْسٍ أوْ مَوْقِعِ الصِّفَةِ، وعَلاماتُ الخِطابِ في كَلِماتِ: ”كُنْتَ“، و”عَنْكَ“، و”غِطاءَكَ“، و”بَصَرُكَ“ مَفْتُوحَةٌ لِتَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ أوْ بِالإنْسانِ ثُمَّ غَلَبَ فِيهِ التَّذْكِيرُ عَلى التَّأْنِيثِ. وهَذا الكَلامُ صادِرٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى وهو شُرُوعٌ في ذِكْرِ الحِسابِ.
والغَفْلَةُ: الذُّهُولُ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يُعْلَمَ وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى الإنْكارِ والجَحَدِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، ورَشَّحَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ بِمَعْنى: بَيَّنّا لَكَ الدَّلِيلَ بِالحِسِّ فَهو أيْضًا تَهَكُّمٌ.
وأُوثِرَ قَوْلُهُ ”في غَفْلَةٍ“ عَلى أنْ يُقالَ: غافِلًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الغَفْلَةِ مِنهُ ولِذَلِكَ اسْتَتْبَعَ تَمْثِيلَها بِالغِطاءِ.
وكَشْفُ الغِطاءِ تَمْثِيلٌ لِحُصُولِ اليَقِينِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ إنْكارِ وُقُوعِهِ، أيْ كَشَفْنا عَنْكَ الغِطاءَ الَّذِي كانَ يَحْجُبُ عَنْكَ وُقُوعَ هَذا اليَوْمِ بِما فِيهِ، وأُسْنِدَ الكَشْفُ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ الَّذِي أظْهَرَ لَها أسْبابَ حُصُولِ اليَقِينِ بِشَواهِدِ عَيْنِ اليَقِينِ.
وأُضِيفَ (غِطاءَ) إلى ضَمِيرِ الإنْسانِ المُخاطِبِ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِهِ وأنَّهُ مِمّا يُعْرَفُ بِهِ.
وحِدَّةُ البَصَرِ: قُوَّةُ نَفاذِهِ في المَرْئِيِّ، وحِدَّةُ كُلِّ شَيْءِ قُوَّةُ مَفْعُولِهِ، ومِنهُ حِدَّةُ الذِّهْنِ، والكَلامُ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ حُصُولِ اليَقِينِ بِرُؤْيَةِ المَرْئِيِّ بِبَصَرٍ قَوِيٍّ، وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ ”اليَوْمَ“ تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ، أيْ لَيْسَ حالُكَ اليَوْمَ كَحالِكَ قَبْلَ اليَوْمِ إذْ كُنْتَ في الدُّنْيا مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ.
والمَعْنى: فَقَدْ شاهَدْتَ البَعْثَ والحَشْرَ والجَزاءَ، فَإنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ، قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لْمَدِينُونَ وقالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] فَقَدْ رَأى العَذابَ بِبَصَرِهِ.
50:23Страница 519
وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٢٣
Его товарищ (ангел) скажет: «Вот то, что подготовлено у меня».
﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾
الواوُ واوُ الحالِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن تاءِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢]
صفحة ٣١٠
أيْ يُوَبَّخُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ بِكَلِمَةِ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢]، في حالِ قَوْلِ قَرِينِهِ ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ .
وهاءُ الغائِبِ في قَوْلِهِ ”قَرِينِهِ“ عائِدَةٌ إلى كُلِّ نَفْسٍ أوْ إلى الإنْسانِ.
”وقَرِينُ“ ”فَعِيلُ“ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَقْرُونٌ إلى غَيْرِهِ. وكَأنَّ فِعْلَ قَرَنَ مُشْتَقٌّ مِنَ القَرَنِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الحَبْلُ وكانُوا يَقْرِنُونَ البَعِيرَ بِمِثْلِهِ لِوَضْعِ الهَوْدَجِ، فاسْتُعِيرَ القَرِينُ لِلْمُلازِمِ. وهَذا لَيْسَ بِالتِفاتٍ إذْ لَيْسَ هو تَغْيِيرَ ضَمِيرٍ ولَكِنَّهُ تَعْيِينُ أُسْلُوبِ الكَلامِ وأُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الغائِبِ المُفْرَدِ بِاعْتِبارِ مَعْنى نَفْسٍ أيْ شَخْصٍ، أوْ غَلَبَ التَّذْكِيرُ عَلى التَّأْنِيثِ.
واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ”هَذا ما لَدَيَّ“ إلَخْ، يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ .
و(ما) في قَوْلِهِ ”ما لَدَيَّ“ مَوْصُولَةٌ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. و”لَدَيَّ“ صِلَةٌ، و”عَتِيدٌ“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالقَرِينِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: فَقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: هو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالإنْسانِ الَّذِي يَسُوقُهُ إلى المَحْشَرِ أيْ هو السّائِقُ الشَّهِيدُ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القَرِينُ في قَوْلِهِ الآتِي ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧] بِمَعْنًى غَيْرِ مَعْنى القَرِينِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ .
وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: أنَّ القَرِينَ شَيْطانُ الكافِرِ الَّذِي كانَ يُزَيِّنُ لَهُ الكُفْرَ في الدُّنْيا أيِ الَّذِي ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥] .
وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أيْضًا: أنْ قَرِينَهُ صاحِبُهُ مِنَ الإنْسِ، أيِ الَّذِي كانَ قَرِينَهُ في الدُّنْيا.
وعَلى الِاخْتِلافِ في المُرادِ بِالقَرِينِ يَخْتَلِفُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ فَإنْ كانَ القَرِينُ المَلَكَ كانْتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى العَذابِ المُوكَّلِ بِهِ ذَلِكَ المَلَكُ؛ وإنْ كانَ القَرِينُ شَيْطانًا أوْ إنْسانًا كانَتِ الإشارَةُ مُحْتَمَلَةً لِأنَ تَعُودَ إلى العَذابِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، أوْ أنْ تَعُودَ إلى مَعادِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ”قَرِينُهُ“
صفحة ٣١١
وهُوَ في نَفْسِ الكافِرِ، أيْ هَذا الَّذِي مَعِي، فَيَكُونُ لَدَيَّ بِمَعْنى: مَعِي، إذْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِن صاحِبٍ يَأْنَسُ بِمُحادَثَتِهِ والمُرادُ بِهِ قَرِينُ الشِّرْكِ المُماثِلِ.
وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ مَن كانَ قَرِينًا لِلْمُؤْمِنِ مِنَ المُشْرِكِينَ واخْتِلافَ حالَيْهِما يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥١] الآيَةُ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وقَوْلُ القَرِينِ ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّلَهُّفِ والتَّحَسُّرِ والإشْفاقِ، لِأنَّهُ لَمّا رَأى ما بِهِ العَذابَ عَلِمَ أنَّهُ قَدْ هُيِّئَ لَهُ، أوْ لَمّا رَأى ما قَدَّمَ إلَيْهِ قَرِينُهُ عَلِمَ أنَّهُ لاحِقٌ عَلى أثَرِهِ كَقِصَّةِ الثَّوْرَيْنِ الأبْيَضِ والأحْمَرِ اللَّذَيْنِ اسْتَعانَ الأسَدُ بِالأحْمَرِ مِنهُما عَلى أكْلِ الثَّوْرِ الأبْيَضِ ثُمَّ جاءَ الأسَدُ بَعْدَ يَوْمٍ لِيَأْكُلَ الثَّوْرَ الأحْمَرَ فَعَلا الأحْمَرُ رَبْوَةً وصاحَ: ألا إنَّما أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الأبْيَضُ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى ”عَتِيدٌ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وهو هُنا مُتَعَيِّنٌ لِلْمَعْنى الَّذِي فَسَّرَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، أيْ مُعَدٌّ ومُهَيَّأٌ.
50:24–25Страница 519
أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ ٢٤
Вдвоем бросайте в Геенну каждого упрямого неверующего,
مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ ٢٥
который отказывал в добре, совершал преступления и терзался сомнениями,
﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾
انْتِقالٌ مِن خِطابِ النَّفْسِ إلى خِطابِ المَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ السّائِقِ والشَّهِيدِ. والكَلامُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتِقالٌ مِن خِطابِ فَرِيقٍ إلى خِطابِ فَرِيقٍ آخَرَ، وصِيغَةُ المُثَنّى في قَوْلِهِ: ”ألْقِيا“ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في أصْلِها فَيَكُونُ الخِطابُ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في خِطابِ الواحِدِ وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِجَهَنَّمَ وخُوطِبَ بِصِيغَةِ المُثَنّى جَرْيًا عَلى طَرِيقَةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ في الخِطابِ جَرَتْ عَلى ألْسِنَتِهِمْ لِأنَّهم يَكْثُرُ فِيهِمْ أنْ يُرافِقَ السّائِرَ رَفِيقانِ، وهي طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ
وقَوْلِهِمْ: يا خَلِيلَيَّ، ويا صاحِبَيَّ. والمُبَرِّدُ يَرى أنَّ تَثْنِيَةَ الفاعِلِ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ لِاتِّحادِهِما كَأنَّهُ قِيلَ: ألْقِ ألْقِ لِلتَّأْكِيدِ.
صفحة ٣١٢
وهَذا أمْرٌ بِأنْ يَعُمَّ الإلْقاءُ في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ، فَيَعْلَمُ مِنهُ كُلُّ حاضِرٍ في الحَشْرِ مِن هَؤُلاءِ أنَّهُ مَدْفُوعٌ بِهِ إلى جَهَنَّمَ.
والكَفّارُ: القَوِيُّ الكُفْرِ، أيِ الشِّرْكِ.
والعَنِيدُ: القَوِيُّ العِنادِ، أيِ المُكابَرَةِ والمُدافَعَةِ لِلْحَقِّ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ مُبْطِلٌ.
والمَنّاعُ: الكَثِيرُ المَنعِ، أيْ صَدِّ النّاسِ عَنِ الخَيْرِ، والخَيْرُ هو الإيمانُ، كانُوا يَمْنَعُونَ أبْناءَهم وذَوِيهِمْ مِنِ اتِّباعِ الإيمانِ ومِن هَؤُلاءِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ كانَ يَقُولُ لِبَنِي أخِيهِ: مَن دَخَلَ مِنكم في الإسْلامِ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ ما عِشْتُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أيْضًا مَنعُ الفُقَراءِ مِنَ المالِ لِأنَّ الخَيْرَ يُطْلَقُ عَلى المالِ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَمْنَعُونَ الفُقَراءَ ويُعْطُونَ المالَ لِأكابِرِهِمْ تَقَرُّبًا وتَلَطُّفًا.
والمُعْتَدِي: الظّالِمُ الَّذِي يَعْتَدِي عَلى المُسْلِمِينَ بِالأذى وعَلى الرَّسُولِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والقَوْلِ الباطِلِ.
والمُرِيبُ الَّذِي أرابَ غَيْرَهُ، أيْ جَعَلَهُ مُرْتابًا، أيْ شاكًّا، أيْ بِما يُلْقُونَهُ إلى النّاسِ مِن صُنُوفِ المُغالَطَةِ لِيُشَكِّكُوهم في صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وصِحَّةِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ. وبَيْنَ لَفْظَيْ عَتِيدٍ وعَنِيدٍ الجِناسُ المُصَحَّفُ.
50:26Страница 519
ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦
который признавал наряду с Аллахом другого бога. Бросайте их в тяжкие мучения!».
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ بَدَلًا مِن ”كَفّارٍ عَنِيدٍ“ فَإنَّ المَعْرِفَةَ تُبَدَّلُ مِنَ النَّكِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢]، عَلى أنَّ المَوْصُولَ هُنا تَعْرِيفُهُ لَفْظِيٌّ مُجَرَّدٌ لِأنَّ مَعْنى الصِّلَةِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِمُعَيَّنٍ، وأنَّ قَوْلَهُ: ”فَألْقِياهُ“ تَفْرِيعٌ عَلى ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] ومَصَبُّ التَّفْرِيعِ المُتَعَلِّقِ وهو ﴿فِي العَذابِ الشَّدِيدِ﴾، أيْ في أشَدِّ عَذابِ جَهَنَّمَ تَفْرِيعًا عَلى الأمْرِ بِإلْقائِهِ في جَهَنَّمَ تَفْرِيعُ بَيانٍ، وإعادَةُ فِعْلِ ”ألْقِيا“ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ تَفْرِيعِ مُتَعَلِّقِ الفِعْلِ المُؤَكَّدِ. وهَذا مِن بَدِيعِ النَّظْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]
صفحة ٣١٣
فَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ: ”كَذَّبَتْ“ إلَخْ قَوْلَهُ ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، فالمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ هو قَوْلُهُ: ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وإعادَةُ ”تَحْسَبَنَّهم“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ، وعَلَيْهِ فالَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ: الكَفّارُ المُضافُ إلَيْهِ ”كُلَّ“ فَهو صادِقٌ عَلى جَماعَةِ الكَفّارِينَ فَضَمِيرُ النَّصْبِ في ”ألْقَيْناهُ“ بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ جَمْعٍ، أيْ فَألْقَياهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً عَلى اسْتِئْنافِ الكَلامِ ويُضَمَّنُ المَوْصُولُ مَعْنى الشَّرْطِ فَيَكُونُ في وُجُودِ الفاءِ في خَبَرِهِ لِأجْلِ ما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ وهَذا كَثِيرٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ هُنا تَأْكِيدُ العُمُومِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] .
50:27Страница 519
۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧
Его товарищ (дьявол) скажет: «Господь наш! Я не сбивал его с пути. Он сам находился в глубоком заблуждении».
﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾
حِكايَةُ قَوْلِ القَرِينِ بِالأُسْلُوبِ المُتَّبَعِ في حِكايَةِ المُقاوَلاتِ في القُرْآنِ وهو أُسْلُوبُ الفَصْلِ دُونَ عَطْفِ فِعْلِ القَوْلِ عَلى شَيْءٍ، وهو الأُسْلُوبُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، تُشْعِرُ بِأنَّ في المَقامِ كَلامًا مَطْوِيًّا هو كَلامُ صاحِبِ القَرِينِ طُوِيَ لِلْإيجازِ، ودَلِيلُهُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُ القَرِينِ مِن نَفْيِ أنْ يَكُونَ هو أطْغى صاحِبَهُ إذْ قالَ ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ . وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ في سُورَةِ ص صَرِيحًا بِقَوْلِهِ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النّارِ﴾ [ص: ٥٩] ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ [ص: ٦٠] ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ [ص: ٦١] . وتَقْدِيرُ المَطْوِيِّ هُنا: أنِ الكافِرَ العَنِيدَ لَمّا قَدِمَ إلى النّارِ أرادَ التَّنَصُّلَ مِن كُفْرِهِ وعِنادِهِ وألْقى تَبِعَتَهُ عَلى قَرِينِهِ الَّذِي كانَ يُزَيِّنُ لَهُ الكُفْرَ فَقالَ: هَذا القَرِينُ أطْغانِي، فَقالَ قَرِينُهُ ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ .
فالقَرِينُ هَذا هو القَرِينُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] .
صفحة ٣١٤
والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ في التَّعاظُمِ والظُّلْمِ والكُفْرِ، وفِعْلُهُ يائِيٌّ وواوِيٌّ، يُقالُ: طَغِيَ يَطْغى كَرَضِيَ، وطَغا يَطْغُو كَدَعا.
فَمَعْنى ”ما أطْغَيْتُهُ“ ما جَعَلْتُهُ طاغِيًا، أيْ ما أمَرْتُهُ بِالطُّغْيانِ ولا زَيَّنْتُهُ لَهُ. والِاسْتِدْراكُ ناشِئٌ عَنْ شِدَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِينِهِ لا سِيَّما إذا كانَ المُرادُ بِالقَرِينِ شَيْطانَهُ المُقَيَّضَ لَهُ فَإنَّهُ قُرِنَ بِهِ مِن وقْتِ إدْراكِهِ، فالِاسْتِدْراكُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ المُقارَنَةَ بَيْنَهُما تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ما بِهِ مِنَ الطُّغْيانِ بِتَلْقِينِ القَرِينِ فَهو يَنْفِي ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ الِاسْتِدْراكَ بِجُمْلَةِ ﴿كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ فَأخْبَرَ القَرِينُ بِأنَّ صاحِبَهُ ضالٌّ مِن قَبْلُ فَلَمْ يَكُنِ اقْتِرانُهُ مَعَهُ في التَّقْيِيضِ أوْ في الصُّحْبَةِ بِزائِدِ إيّاهُ إضْلالًا، وهَذا نَظِيرُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] . وفِعْلُ (كانَ) لِإفادَةِ أنَّ الضَّلالَ ثابِتٌ لَهُ بِالأصالَةِ مُلازِمٌ لِتَكْوِينِهِ.
والبَعِيدُ: مُسْتَعارٌ لِلْبالِغِ في قُوَّةِ النَّوْعِ حَدًّا لا يَبْلُغُ إلَيْهِ إدْراكُ العاقِلِ بِسُهُولَةٍ كَما لا يَبْلُغُ سَيْرُ السّائِرِ إلى المَكانِ البَعِيدِ إلّا بِمَشَقَّةٍ، أوْ بَعِيدُ الزَّمانِ، أيْ قَدِيمٌ أصِيلٌ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِمُفادِ فِعْلِ (كانَ)، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
والمَعْنى: أنَّ تَمَكُّنَ الضَّلالِ مِنهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بِتابِعٍ لِما يُمْلِيهِ غَيْرُهُ عَلَيْهِ لِأنَّ شَأْنَ التّابِعِ في شَيْءٍ أنْ لا يَكُونَ مَكِينًا فِيهِ مِثْلَ عِلْمِ المُقَلَّدِ وعِلْمِ النُّظّارِ.
50:28–29Страница 519
قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨
Он скажет: «Не препирайтесь предо Мной. Я предупреждал вас заранее.
مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٢٩
Мое Слово неизменно, и Я не поступаю несправедливо с рабами».
﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
هَذا حِكايَةُ كَلامٍ يَصْدُرُ يَوْمَئِذٍ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا والَّذِينَ اتُّبِعُوا، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] .
وعَدَمُ عَطْفِ فِعْلِ قالَ عَلى ما قَبْلَهُ لِوُقُوعِهِ في مَعْرِضِ المُقاوَلَةِ، والتَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ فَقَدْ صارَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَ ثَلاثِ جَوانِبَ.
صفحة ٣١٥
والِاخْتِصامُ: المُخاصَمَةُ وهو مَصْدَرٌ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ الَّتِي الأصْلُ فِيها أنَّها لِمُطاوَعَةِ بَعْضِ الأفْعالِ فاسْتُعْمِلَتْ لِلتَّفاعُلِ مَثَلَ: اجْتَوَرُوا واعْتَوَرُوا واخْتَصَمُوا.
والنَّهْيُ عَنِ المُخاصَمَةِ بَيْنَهم يَقْتَضِي أنَّ النُّفُوسَ الكافِرَةَ ادَّعَتْ أنَّ قُرَناءَها أطْغَوْها، وأنَّ القُرَناءَ تَنَصَّلُوا مِن ذَلِكَ وأنَّ النُّفُوسَ أعادَتْ رَمْيَ قُرَنائِها بِذَلِكَ فَصارَ خِصامًا فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ وطُوِيَ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ ”لا تَخْتَصِمُوا“ عَلَيْهِ إيثارًا لِحَقِّ الإيجازِ في الكَلامِ.
والنَّهْيُ عَنِ الِاخْتِصامِ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِتَأْوِيلِ النَّهْيِ عَنِ الدَّوامِ عَلَيْهِ، أيْ كَفُّوا عَنِ الخِصامِ.
ومَعْنى النَّهْيُ أنَّ الخِصامَ في ذَلِكَ لا جَدْوى لَهُ لِأنَّ اسْتِواءَ الفَرِيقَيْنِ في الكُفْرِ كافٍ في مُؤاخَذَةِ كِلَيْهِما عَلى السَّواءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ تَقَرَّرَ فَلا يُفِيدُهُمُ التَّخاصُمُ لِإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ.
ووَجْهُ اسْتِوائِهِما في العَذابِ أنَّ الدّاعِيَ إلى إضْلالِهِ قائِمٌ بِما اشْتَهَتْهُ نَفْسُهُ مِن تَرْوِيجِ الباطِلِ دُونَ نَظَرٍ في الدَّلائِلِ الوِزاعَةِ عَنْهُ وأنَّ مُتَلَقِّيَ الباطِلِ مِمَّنْ دَعاهُ إلَيْهِ قائِمٌ بِما اشْتَهَتْهُ نَفْسُهُ مِنَ الطّاعَةِ لِأئِمَّةِ الضَّلالِ فاسْتَوَيا في الدّاعِي وتَرَتُّبِ أثَرِهِ.
والواوُ في ”وقَدْ قَدَّمْتُ“ واوُ الحالِ.
والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”تَخْتَصِمُوا“ وهي حالٌ مُعَلِّلَةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاخْتِصامِ.
والمَعْنى: لا تَطْمَعُوا في أنَّ تَدافُعَكم في إلْقاءِ التَّبِعَةِ يُنْجِيكم مِنَ العِقابِ بَعْدَ حالِ إنْذارِكم بِالوَعِيدِ مِن وقْتِ حَياتِكم فَما اكْتَرَثْتُمْ بِالوَعِيدِ فَلا تَلُومُوا إلّا أنْفُسَكم لِأنَّ مَن أنْذَرَ فَقَدْ أعْذَرَ.
فَقَوْلُهُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالخِصامِ كَوْنَ العِقابِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ.
والباءُ في بِالوَعِيدِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
والمَعْنى: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمُ الوَعِيدَ قَبْلَ اليَوْمِ.
صفحة ٣١٦
والتَّقْدِيمُ: جَعْلُ الشَّيْءِ قُدّامَ غَيْرِهِ.
والمُرادُ بِهِ هُنا: كَوْنُهُ سابِقًا عَلى المُؤاخَذَةِ بِالشِّرْكِ لِأنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهم بِواسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
فالمَعْنى الأوَّلُ المُكَنّى عَنْهُ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾، أيْ لَسْتُ مُبْطِلًا ذَلِكَ الوَعِيدَ، وهو القَوْلُ، إذِ الوَعِيدُ مِن نَوْعِ القَوْلِ، والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، أيْ فَما أوْعَدْتُكم واقِعٌ لا مَحالَةَ لِأنَّ اللَّهَ تَعَهَّدَ أنْ لا يَغْفِرَ لِمَن يُشْرِكُ بِهِ ويَمُوتُ عَلى ذَلِكَ.
والمَعْنى الثّانِي المُكَنّى عَنْهُ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، أيْ فَلِذَلِكَ قَدَّمْتُ إلَيْكُمُ الوَعِيدَ.
والمُبالَغَةُ الَّتِي في وصْفِ ظَلّامٍ راجِعَةٌ إلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ. والمُرادُ: لا أظْلِمُ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ، ولَيْسَ المَعْنى: ما أنا بِشَدِيدِ الظُّلْمِ كَما قَدْ يُسْتَفادُ مِن تَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى المُقَيَّدِ يُفِيدُ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى القَيْدِ لِأنَّ ذَلِكَ أغْلَبِيٌّ. والأكْثَرُ في نَفْيِ أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ أنْ يُقْصَدَ بِالمُبالَغَةِ مُبالَغَةُ النَّفْيِ، قالَ طَرَفَةُ:
ولَسْتُ بِحَلّالِ التِّلاعِ مَخافَةً ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أرْفِدِ
فَإنَّهُ لا يُرِيدُ نَفْيَ كَثْرَةِ حُلُولِهِ التِّلاعَ وإنَّما أرادَ كَثْرَةَ النَّفْيِ.
وذَكَرَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ تَوَجُّهَ نَفْيِ الشَّيْءِ المُقَيَّدِ إلى خُصُوصِ القَيْدِ كَتَوَجُّهِ الإثْباتِ سَواءً، ولَكِنَّ كَلامَ التَّفْتَزانِيِّ في كِتابِ المَقاصِدِ في أُصُولِ الدِّينِ في مَبْحَثِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى أشارَ إلى اسْتِعْمالَيْنِ في ذَلِكَ، فالأكْثَرُ أنَّ النَّفْيَ يَتَوَجَّهُ إلى القَيْدِ فَيَكُونُ المَنفِيُّ القَيْدَ، وقَدْ يُعْتَبَرُ القَيْدُ قَيْدًا لِلنَّفْيِ وهَذا هو التَّحْقِيقُ.
عَلى أنِّي أرى أنَّ عَدَّ مِثْلِ صِيغَةِ المُبالَغَةِ في عِدادِ القُيُودِ مَحَلَّ نَظَرٍ فَإنَّ المُعْتَبَرَ مِنَ القُيُودِ هو ما كانَ لَفْظًا زائِدًا عَلى اللَّفْظِ المَنفِيِّ مِن صِفَةٍ أوْ حالٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: لَسْتُ ظَلّامًا، ولَكِنْ أظْلِمُ، ويَحْسُنُ أنْ يُقالَ لا آتِيكَ مُحارِبًا ولَكِنْ مُسالِمًا.
وقَدْ أشارَ في الكَشّافِ إلى أنَّ إيثارَ وصْفِ ظَلّامٍ هُنا إيماءٌ إلى أنَّ المَنفِيَّ
صفحة ٣١٧
لَوْ كانَ غَيْرَ مَنفِيٍّ لَكانَ ظُلْمًا شَدِيدًا فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ أُخِذَ الجانِي قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ أنَّ عَمَلَهُ جِنايَةٌ لَكانَتْ مُؤاخَذَتُهُ بِها ظُلْمًا شَدِيدًا. ولَعَلَّ صاحِبَ الكَشّافِ يَرْمِي إلى مَذْهَبِهِ مِنِ اسْتِواءِ السَّيِّئاتِ، والتَّعْبِيرُ بِالعَبِيدِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِالنّاسِ ونَحْوِهِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى الظُّلْمِ في نُفُوسِ الأُمَّةِ، أيْ لا أظْلِمُ ولَوْ كانَ المَظْلُومُ عَبْدِي فَإذا كانَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ العِبادَ قَدْ جَعَلَ مُؤاخَذَةَ مَن لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَشْرِيعٌ ظُلْمًا فَما بالَكَ بِمُؤاخَذَةِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالتَّبِعاتِ دُونَ تَقَدُّمٍ إلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ مِن قَبْلُ، ولِذَلِكَ يُقالُ: لا عُقُوبَةَ إلّا عَلى عَمَلٍ فِيهِ قانُونٌ سابِقٌ قَبْلَ فِعْلِهِ.
50:30Страница 519
يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ ٣٠
В тот день Мы скажем Геенне: «Заполнилась ли ты?». Она скажет: «Нет ли добавки?».
( ﴿يَوْمَ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ (
ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] . والتَّقْدِيرُ: قالَ لَهم في ذَلِكَ القَوْلِ يَوْمَ يَقُولُ قَوْلًا آخَرَ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ. ومُناسَبَةُ تَعْلِيقِهِ بِهِ أنَّ هَذا القَوْلَ لِجَهَنَّمَ مَقْصُودٌ بِهِ تَرْوِيعُ المَدْفُوعِينَ إلى جَهَنَّمَ أنْ لا يَطْمَعُوا في أنَّ كَثْرَتَهم يَضِيقُ بِها سَعَةُ جَهَنَّمَ فَيَطْمَعُ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مِمَّنْ لا يُوجَدُ لَهُ مَكانٌ فِيها، فَحَكاهُ اللَّهُ في القُرْآنِ عِبْرَةً لِمَن يَسْمَعُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَعْلِيمًا لِأهْلِ القُرْآنِ المُؤْمِنِينَ ولِذَلِكَ اسْتَوَتْ قِراءَةُ (يَقُولُ) بِالياءِ، وهي لِنافِعٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ جَرْيًا عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ ما سَبَقَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] . وقِراءَةُ الباقِينَ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ بَلْ هو التِفاتٌ تابِعٌ لِتَبْدِيلِ طَرِيقِ الإخْبارِ مِنَ الحَدِيثِ عَنْ غائِبٍ إلى خِطابِ حاضِرٍ.
والقَوْلُ الأوَّلُ حَقِيقِيٌّ وهو كَلامٌ يَصْدُرُ مِن جانِبِ اللَّهِ بِمَحْضِ خَلْقِهِ دُونَ واسِطَةٍ. فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ كَما يُقالُ القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ”هَلِ امْتَلَأْتِ“ مُسْتَعْمَلٌ في تَنْبِيهِ أهْلِ العَذابِ إلى هَذا السُّؤالِ عَلى وجْهِ التَّعْرِيضِ.
وأمّا القَوْلُ لِجَهَنَّمَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ في أصْواتِ لَهِيبِها أصْواتًا ذاتَ حُرُوفٍ يَلْتَئِمُ مِنها كَلامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنْ دَلالَةِ حالِها عَلى أنَّها
صفحة ٣١٨
تَسَعُ ما يُلْقى فِيها مِن أهْلِ العَذابِ بِأنْ يُكْشَفَ باطِنُها لِلْمَعْرُوضِينَ عَلَيْها حَتّى يَرَوْا سِعَتَها كَقَوْلِ الرّاجِزِ:
امْتَلا الحَوْضُ وقالَ: قَطْنِي والِاسْتِفْهامُ في ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّشْوِيقِ والتَّمَنِّي.
وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَوْجُوداتِ مُشَوِّقَةٌ إلى الإيفاءِ بِما خُلِقَتْ لَهُ كَما قالَ الشَّيْطانُ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى إظْهارِ الِامْتِثالِ لِما خَلَقَها اللَّهُ لِأجْلِهِ، ولِأنَّها لا تَتَلَكَّأُ ولا تَتَعَلَّلُ في أدائِهِ عَلى أكْمَلِ حالٍ في بابِهِ.
والمَزِيدُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وهو الزِّيادَةُ مِثْلَ المَجِيدِ والحَمِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ مِن زادَ، أيْ هَلْ مِن جَماعَةٍ آخَرِينَ يُلْقَوْنَ فِيَّ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии