Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
Каф 50:6–14
50:6Страница 518
أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦
Неужели они не смотрели на то, как Мы построили и украсили небо над ними? В нем нет расщелин.
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ [ق: ٢] إلى قَوْلِهِ: ”مَرِيجٍ“ لِأنَّ أهَمَّ ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا بِالبَعْثِ، وخَلْقُ السَّماواتِ والنُّجُومِ والأرْضِ دالٌّ عَلى أنَّ إعادَةَ الإنْسانِ بَعْدَ العَدَمِ في حَيِّزِ الإمْكانِ فَتِلْكَ العَوالِمُ وُجِدَتْ عَنْ عَدَمٍ وهَذا أدَلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] .
والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا. والنَّظَرُ نَظَرُ الفِكْرِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] .
ومَحَلُّ الإنْكارِ هو الحالُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها كَيْفَ بَنَيْناها، أيْ ألَمْ يَتَدَبَّرُوا في شَواهِدِ الخَلِيقَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ في مَعْنى ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا، والنَّظَرُ المُشاهَدَةُ، ومَحَلُّ التَّقْرِيرِ هو فِعْلُ ”يَنْظُرُوا“، أوْ يَكُونَ ”كَيْفَ“ مُرادًا بِهِ الحالُ المُشاهَدَةُ.
هَذا وأنَّ التَّقْرِيرَ عَلى نَفْيِ الشَّيْءِ المُرادِ الإقْرارُ بِإثْباتِهِ طَرِيقَةً قُرْآنِيَّةً ذَكَرْناها غَيْرَ
صفحة ٢٨٦
مَرَّةٍ، وبَيَّنّا أنَّ الغَرَضَ مِنهُ إفْساحُ المَجالِ لِلْمُقَرَّرِ إنْ كانَ يَرُومُ إنْكارَ ما قُرِّرَ عَلَيْهِ، ثِقَةً مِنَ المُقَرِّرِ بِكَسْرِ الرّاءِ بِأنَّ المُقَرَّرَ بِالفَتْحِ لا يُقْدِمُ عَلى الجُحُودِ بِما قُرِّرَ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وقَوْلِهِ: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم“ كِلاهُما في سُورَةِ الأعْرافِ.
وهَذا الوَجْهُ أشَدُّ في النَّعْيِ عَلَيْهِمْ لِاقْتِضائِهِ أنَّ دَلالَةَ المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةَ عَلى إمْكانِ البَعْثِ يَكْفِي فِيها مُجَرَّدُ النَّظَرِ بِالعَيْنِ.
و”فَوْقَهم“ حالٌ مِنَ السَّماءِ. والتَّقْيِيدُ بِالحالِ تَنْدِيدٌ عَلَيْهِمْ لِإهْمالِهِمُ التَّأمُّلَ مَعَ المُكْنَةِ مِنهُ إذِ السَّماءُ قَرِيبَةٌ فَوْقَهم لا يُكَلِّفُهُمُ النَّظَرُ فِيها إلّا رَفْعَ رُءُوسِهِمْ.
و(كَيْفَ) اسْمُ جامِدٌ مَبْنِيٌّ مَعْناهُ: حالَةٌ، وأكْثَرُ ما يَرِدُ في الكَلامِ لِلسُّؤالِ عَنِ الحالَةِ فَيَكُونُ خَبَرًا قَبْلَ ما لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ مِثْلَ: كَيْفَ أنْتَ ؟ وحالًا قَبْلَ ما يُسْتَغْنى عَنْهُ نَحْوَ: كَيْفَ جاءَ ؟ ومَفْعُولًا مُطْلَقًا نَحْوَ: ”كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ“، ومَفْعُولًا بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] . وهي هُنا بَدَلٌ مِن ”فَوْقِهِمْ“ فَتَكُونُ حالًا في المَعْنى. والتَّقْدِيرُ: أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم هَيْئَةَ بَنْيِنا إيّاها، وتَكُونُ جُمْلَةُ ”بَنَيْناها“ مُبَيِّنَةً لِـ ”كَيْفَ“ .
وأُطْلِقَ البِناءُ عَلى خَلْقِ العَلَوِيّاتِ بِجامِعِ الِارْتِفاعِ.
والمُرادُ بِـ ”السَّماءِ“ هُنا ما تَراهُ العَيْنُ مِن كُرَةِ الهَواءِ الَّتِي تَبْدُو كالقُبَّةِ وتُسَمّى الجَوَّ.
والتَّزْيِينُ جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنا، أيْ حَسَنًا أيْ تَحْسِينُ مَنظَرِها لِلرّائِي بِما يَبْدُو فِيها مِنَ الشَّمْسِ نَهارًا والقَمَرِ والنُّجُومِ لَيْلًا.
واقْتَصَرَ عَلى آيَةِ تَزْيِينِ السَّماءِ دُونَ تَفْصِيلِ ما في الكَواكِبِ المُزَيَّنَةِ بِها مِنَ الآياتِ لِأنَّ التَّزْيِينَ يَشْتَرِكُ في إدْراكِهِ جَمِيعُ الَّذِينَ يُشاهِدُونَهُ ولِلْجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ التَّمْكِينِ مِن مُشاهَدَةِ المَرائِي الحَسَنَةِ كَما قالَ تَعالى
صفحة ٢٨٧
﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] في شَأْنِ خَلْقِ الأنْعامِ في سُورَةِ النَّحْلِ.
ثُمَّ يَتَفاوَتُ النّاسُ في إدْراكِ ما في خَلْقِ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ ونِظامِها مِن دَلائِلَ عَلى مِقْدارِ تَفاوُتِ عُلُومِهِمْ وعُقُولِهِمْ.
والآيَةُ صالِحَةٌ لِإفْهامِ جَمِيعِ الطَّبَقاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَتَيْ ﴿كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها﴾ فَهي حالٌ ثالِثَةٌ في المَعْنى.
والفُرُوجُ: جَمْعُ فَرْجٍ، وهو الخَرْقُ، أيْ يُشاهِدُونَها كَأنَّها كُرَةٌ مُتَّصِلَةُ الأجْزاءِ لَيْسَ بَيْنَ أجْزائِها تَفاوُتٌ يَبْدُو كالخَرْقِ ولا تَباعُدٌ يَفْصِلُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ فَيَكُونُ خَرْقًا في قُبَّتِها.
وهَذا مِن عَجِيبِ الصُّنْعِ إذْ يَكُونُ جِسْمٌ عَظِيمٌ كَجِسْمِ كُرَةِ الهَواءِ الجَوِّيِّ مَصْنُوعًا كالمَفْرُوغِ في قالَبٍ.
وهَذا مُشاهِدٌ لِجَمِيعِ طَبَقاتِ النّاسِ عَلى تَفاوُتِ مَدارِكِهِمْ ثُمَّ هم يَتَفاوَتُونَ في إدْراكِ ما في هَذا الصُّنْعِ مِن عَجائِبِ التِئامِ كُرَةِ الجَوِّ المُحِيطِ بِالأرْضِ.
ولَوْ كانَ في أدِيمِ ما يُسَمّى بِالسَّماءِ تُخالِفٌ مِن أجْزائِهِ لَظَهَرَتْ فِيهِ فُرُوجٌ وانْخِفاضٌ وارْتِفاعٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ المُلْكِ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] .
50:7Страница 518
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧
Мы простерли землю, установили на ней незыблемые горы и взрастили на ней всякие великолепные пары растений
﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾
عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ”أفَلَمْ يَنْظُرُوا“ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وهو في مَعْنى الإخْبارِ. والتَّقْدِيرُ: ومَدَدْنا الأرْضَ.
ولَمّا كانَتْ أحْوالُ الأرْضِ نُصْبَ أعْيُنِ النّاسِ وهي أقْرَبُ إلَيْهِمْ مِن أحْوالِ السَّماءِ
صفحة ٢٨٨
لِأنَّها تَلُوحُ لِلْأنْظارِ دُونَ تَكَلُّفٍ لَمْ يُؤْتَ في لَفْتِ أنْظارِهِمْ إلى دَلالَتِها بِاسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن نَظَرَ في أحْوالِ الأرْضِ فَلَمْ يَكُونُوا بِحاجَةٍ إلى إعادَةِ الأخْبارِ بِأحْوالِ الأرْضِ تَذْكِيرًا لَهم.
وانْتَصَبَ ”الأرْضَ“ بِـ ”مَدَدْناها“ عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ.
والمَدُّ: البَسْطُ، أيْ بَسَطْنا الأرْضَ فَلَمْ تَكُنْ مَجْمُوعَ نُتُوءاتٍ إذْ لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكانَ المَشْيُ عَلَيْها مُرْهِقًا.
والمُرادُ: بَسْطُ سَطْحِ الأرْضِ ولَيْسَ المُرادُ وصْفَ حَجْمِ الأرْضِ لِأنَّ ذَلِكَ لا تُدْرِكُهُ المُشاهَدَةُ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ المُخاطَبُونَ نَظَرَ التَّأمُّلِ فَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِمْ بِما لا يَعْلَمُونَهُ فَلا يُعْتَبَرُ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى القُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ، ولا في سِياقِ الِامْتِنانِ بِما في ذَلِكَ الدَّلِيلِ مِن نِعْمَةٍ فَلا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِقَضِيَّةِ كُرَوِيَّةِ الأرْضِ.
والإبْقاءُ: تَمْثِيلٌ لِتَكْوِينِ أجْسامٍ بارِزَةٍ عَلى الأرْضِ مُتَباعِدٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإلْقاءِ: رَمْيُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ بِخِلْقَةِ الجِبالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] . و”فِيها“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وصْفٌ لِـ ”رَواسِيَ“ قُدِّمَ عَلى مَوْصُوفِهِ فَصارَ حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ ”ألْقَيْنا“ .
ورَواسِي: جَمْعُ راسٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ مِثْلَ: فَوارِسُ وعَواذِلُ.
والرُّسُوُّ: الثَّباتُ والقَرارُ.
وفائِدَةُ هَذا الوَصْفِ زِيادَةُ التَّنْبِيهِ إلى بَدِيعِ خَلْقِ اللَّهِ إذْ جَعَلَ الجِبالَ مُتَداخِلَةً مَعَ الأرْضِ ولَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً عَلَيْها وضْعًا كَما تُوضَعُ الخَيْمَةُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَتَزَلْزَلَتْ وسَقَطَتْ وأهْلَكَتْ ما حَوالَيْها.
وقَدْ قالَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أيْ دَفْعَ أنْ تَمِيدَ هي، أيِ الجِبالُ بِكم، أيْ مُلْصَقَةٌ بِكم في مَيْدِها، وهُنالِكَ وجْهٌ آخَرُ مَضى في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والزَّوْجُ: النَّوْعُ مِنَ الحَيَوانِ والثِّمارِ والنَّباتِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] في سُورَةِ طه.
صفحة ٢٨٩
والمَعْنى: وأنْبَتْنا في الأرْضِ أصْنافَ النَّباتِ وأنْواعَهُ.
وقَوْلُهُ: ”مِن كُلِّ زَوْجٍ“ يُظْهِرُ أنَّ حَرْفَ (مِن) فِيهِ مَزِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ. وزِيادَةُ (مِن) في غَيْرِ النَّفْيِ نادِرَةٌ، أيْ أقَلُّ مِن زِيادَتِها في النَّفْيِ، ولَكِنَّ زِيادَتَها في الإثْباتِ وارِدَةٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ، فَأجازَ القِياسَ عَلَيْهِ نُحاةُ الكُوفَةِ والأخْفَشُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وابْنُ جِنِّي، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] إنَّ المَعْنى: يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالًا فِيها بَرَدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
فالمَقْصُودُ مِنَ التَّوْكِيدِ بِحَرْفِ (مِن) تَنْزِيلُهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ أنْبَتَ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعٍ حِينَ ادَّعَوُا اسْتِحالَةَ إخْراجِ النّاسِ مِنَ الأرْضِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالتَّوْكِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الكَلامَ فِيها عَلى المُشْرِكِينَ ولَمْ يُؤْتِ بِالتَّوْكِيدِ في آيَةِ سُورَةِ طه.
ولَيْسَتْ (مِن) هُنا لِلتَّبْعِيضِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ.
فَكَلِمَةُ (كُلُّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ فِيها ﴿وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ [الأنعام: ٧٠]، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] في سُورَةِ طه.
وفائِدَةُ التَّكْثِيرِ هُنا التَّعْرِيضُ بِهِمْ لِقِلَّةِ تَدْبِيرِهِمْ إذْ عَمُوا عَنْ دَلائِلَ كَثِيرَةٍ واضِحَةٍ بَيْنَ أيْدِيهِمْ.
والبَهِيجُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مُشَبَّهَةً، يُقالُ: بَهُجَ بِضَمِّ الهاءِ، إذا حَسُنَ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ، فالبَهِيجُ بِمَعْنى الفاعِلِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مُنْبَهَجٌ بِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ يُسَرُّ بِهِ النّاظِرُ، يُقالُ: بَهَجَهُ مِن بابِ مَنَعَ، إذا سَرَّهُ، ومِنهُ الِابْتِهاجُ المَسَرَّةُ.
وهَذا الوَصْفُ يُفِيدُ ذِكْرُهُ تَقْوِيَةَ الِاسْتِدْلالِ عَلى دِقَّةِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، وإدْماجَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لِيَشْكُرُوا النِّعْمَةَ ولا يَكْفُرُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٢٩٠
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] .
50:8Страница 518
تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨
для разъяснения и напоминания каждому рабу, который обращается к Аллаху.
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِلْأفْعالِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: ”بَنَيْناها وزَيَّنّاها“ وقَوْلِهِ مَدَدْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها﴾ [ق: ٧] إلَخْ، عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لَها عَلى نَحْوٍ مِن طَرِيقَةِ التَّنازُعِ، أيْ لِيَكُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ ومَعْمُولاتِها تَبْصِرَةً وذِكْرى، أيْ جَعَلْناهُ لِغَرَضِ أنْ نُبَصِّرَ بِهِ ونَذْكُرَ كُلَّ عَبْدٍ مُنِيبٍ.
وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَصْلُحُ أنْ يُتَبَصَّرَ في شَأْنِهِ بِدَلائِلِ خَلْقِ الأرْضِ وما عَلَيْها، وأهَمُّ ذَلِكَ فِيهِمْ هو التَّوْحِيدُ والبَعْثُ كَما هو السِّياقُ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا.
وإنَّما كانَتِ التَّبْصِرَةُ والذِّكْرى عِلَّةً لِلْأفْعالِ المَذْكُورَةِ لِأنَّ التَّبْصِرَةَ والذِّكْرى مِن جُمْلَةِ الحِكَمِ الَّتِي أوْجَدَ اللَّهُ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ لِأجْلِها. ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ انْحِصارَ حِكْمَةِ خَلْقِها في التَّبْصِرَةِ والذِّكْرى، لِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لَها حِكَمٌ كَثِيرَةٌ عَلِمْنا بَعْضَها وخَفِيَ عَلَيْنا بَعْضٌ.
والتَّبْصِرَةُ: مَصْدَرُ بَصَّرَهُ. وأصْلُ مَصْدَرِهِ التَّبْصِيرُ، فَحَذَفُوا الياءَ التَّحْتِيَّةَ مِن أثْناءِ الكَلِمَةِ وعَوَّضُوا عَنْها التّاءَ الفَوْقِيَّةَ في أوَّلِ الكَلِمَةِ كَما قالُوا: جَرَّبَ تَجْرِبَةً وفَسَّرَ تَفْسِرَةً، وذَلِكَ يَقِلُّ في المُضاعَفِ ويَكْثُرُ في المَهْمُوزِ نَحْوَ: جَزَّأ تَجْزِئَةً، ووَطَّأ تَوْطِئَةً. ويَتَعَيَّنُ في المُعْتَلِّ نَحْوَ: زَكّى تَزْكِيَةً، وغَطّاهُ تَغْطِيَةً.
والتَّبْصِيرُ: جَعْلُ المَرْءِ مُبْصِرًا وهو هُنا مَجازٌ في إدْراكِ النَّفْسِ إدْراكًا ظاهِرًا لِلْأمْرِ الَّذِي كانَ خَفِيًّا عَنْها فَكَأنَّها لَمْ تُبْصِرْهُ ثُمَّ أبْصَرَتْهُ.
والذِّكْرى اسْمُ مَصْدَرِ ذَكَرَ، إذا جَعَلَهُ يَذْكُرُ ما نَسِيَهُ. وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى مُراجَعَةِ النَّفْسِ ما عَلِمَتْهُ ثُمَّ غَفَلَتْ عَنْهُ.
و”عَبْدٍ“ بِمَعْنى عَبْدِ اللَّهِ، أيْ مَخْلُوقٍ، ولا يُطْلَقُ إلّا عَلى الإنْسانِ. وجَمْعُهُ: عِبادٌ دُونَ عَبِيدٍ.
صفحة ٢٩١
والمُنِيبُ: الرّاجِعُ، والمُرادُ هُنا الرّاجِعُ إلى الحَقِّ بِطاعَةِ اللَّهِ فَإذا انْحَرَفَ أوْ شَغَلَهُ شاغِلٌ ابْتَدَرَ الرُّجُوعَ إلى ما كانَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ والِامْتِثالِ فَلا يُفارِقُهُ حالُ الطّاعَةِ وإذا فارَقَهُ قَلِيلًا آبَ إلَيْهِ وأنابَ.
وإطْلاقُ المُنِيبِ عَلى التّائِبِ والإنابَةِ عَلى التَّوْبَةِ مِن تَفارِيعِ هَذا المَعْنى، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] في سُورَةِ ص.
وخُصَّ العَبْدُ المُنِيبُ بِالتَّبْصِرَةِ والذِّكْرى وإنْ كانَ فِيما ذُكِرَ مِن أحْوالِ الأرْضِ إفادَةُ التَّبْصِرَةِ والذِّكْرى لِكُلِّ أحَدٍ لِأنَّ العَبْدَ المُنِيبَ هو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ فَكَأنَّهُ هو المَقْصُودُ مِن حِكْمَةِ تِلْكَ الأفْعالِ. وهَذا تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضٌ بِإهْمالِ الكافِرِينَ التَّبَصُّرَ والتَّذَكُّرَ. ويُحْمَلُ (كُلِّ) عَلى حَقِيقَةِ مَعْناهُ مِنَ الإحاطَةِ والشُّمُولِ. فالمَعْنى: أنَّ تِلْكَ الأفْعالَ قُصِدَ مِنها التَّبْصِرَةُ والذِّكْرى لِجَمِيعِ العِبادِ المُتَّبِعِينَ لِلْحَقِّ إذْ لا يَخْلُونَ مِن تَبَصُّرٍ وتَذَكُّرٍ بِتِلْكَ الأفْعالِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَهِمْ في ذَلِكَ.
50:9–10Страница 518
وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩
Мы ниспослали с неба благословенную воду и взрастили посредством нее сады и зерна собранного урожая,
وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠
и высокие финиковые пальмы с висящими рядами плодами.
﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾
بَعْدَ التَّنَظُّرِ والتَّذْكِيرِ والتَّبْصِيرِ في صُنْعِ السَّماواتِ وصُنْعِ الأرْضِ وما فِيهِما مِن وقْتِ نَشْأتِهِما نَقَلَ الكَلامَ إلى التَّذْكِيرِ بِإيجادِ آثارٍ مِن آثارِ تِلْكَ المَصْنُوعاتِ تَتَجَدَّدُ عَلى مُرُورِ الدَّهْرِ حَيَّةً ثُمَّ تَمُوتُ ثُمَّ تَحْيا دَأْبًا، وقَدْ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ لِهَذا الِانْتِقالِ مِن أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ﴾ [ق: ٦] إلى أُسْلُوبِ الإخْبارِ بِقَوْلِهِ ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ إيذانًا بِتَبْدِيلِ المُرادِ لِيَكُونَ مِنهُ تَخْلُصٌ إلى الدَّلالَةِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ في قَوْلِهِ: ”﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]“ . فَجُمْلَةُ ”ونَزَّلَنا“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ [ق: ٧]“ .
وقَدْ ذُكِرَتْ آثارٌ مِن آثارِ السَّماءِ وآثارِ الأرْضِ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ المُرَتَّبِ عَلى وفْقِ اللَّفِّ.
والمُبارَكُ: اسْمُ مَفْعُولٍ لِلَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ البَرَكَةُ، أيْ جُعِلَ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
صفحة ٢٩٢
وأفْعالُ هَذِهِ المادَّةِ كَثِيرَةُ التَّصَرُّفِ ومُتَنَوِّعَةُ التَّعْلِيقِ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ النّافِعُ لِما يَتَسَبَّبُ عَلَيْهِ مِن إنْباتِ الحُبُوبِ والأعْنابِ والنَّخِيلِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى المُبارَكِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفِي هَذا اسْتِدْلالٌ بِتَفْصِيلِ الإنْباتِ الَّذِي سَبَقَ إجْمالُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] لِما فِيهِ مِن سَوْقِ العُقُولِ إلى التَّأمُّلِ في دَقِيقِ الصُّنْعِ لِذَلِكَ الإنْباتِ وأنَّ حُصُولَهُ بِهَذا السَّبَبِ وعَلى ذَلِكَ التَّطَوُّرِ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى حِكْمَةِ اللَّهِ وسَعَةِ عِلْمِهِ مِمّا لَوْ كانَ إنْباتُ الأزْواجِ بِالطَّفْرَةِ، إذْ تَكُونُ حِينَئِذٍ أسْبابُ تَكْوِينِها خَفِيَّةً فَإذا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ وما فِيها، ومَدُّ الأرْضِ، وإلْقاءُ الجِبالِ فِيها، دَلائِلَ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِخَفاءِ كَيْفِيّاتِ تَكْوِينِها فَإنَّ ظُهُورَ كَيْفِيّاتِ التَّكْوِينِ في إنْزالِ الماءِ وحُصُولِ الإنْباتِ والإثْمارِ دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ، وهي ما شُجِّرَ بِالكَرْمِ وأشْجارِ الفَواكِهِ والنَّخِيلِ.
والحَبُّ: هو ما يَنْبُتُ في الزَّرْعِ الَّذِي يُخْرِجُ سَنابِلَ تَحْوِي حُبُوبًا مِثْلَ البُرِّ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ والسُّلْتِ والقَطانِيِّ مِمّا تُحْصَدُ أُصُولُهُ لِيُدَقَّ فَيَخْرُجُ ما فِيهِ مِنَ الحَبِّ.
و”حَبُّ الحَصِيدِ“ مَفْعُولُ ”أنْبَتْنا“ لِأنَّ الحَبَّ مِمّا نَبَتَ تَبَعًا لِنَباتِ سُنْبُلِهِ المَدْلُولِ عَلى إنْباتِهِ بِقَوْلِهِ: ”الحَصِيدِ“ إذْ لا يُحْصَدُ إلّا بَعْدَ أنْ يَنْبُتَ.
والحَصِيدُ: الزَّرْعُ المَحْصُودُ، أيِ المَقْطُوعُ مِن جُذُورِهِ لِأكْلِ حَبِّهِ، فَإضافَةُ حَبٍّ إلى الحَصِيدِ عَلى أصْلِها، ولَيْسَتْ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ: الإشارَةُ إلى اخْتِلافِ أحْوالِ اسْتِحْصالِ ما يَنْفَعُ النّاسَ مِن أنْواعِ النَّباتِ فَإنَّ الجَنّاتِ تُسْتَثْمَرُ وأُصُولُها باقِيَةٌ والحُبُوبُ تُسْتَثْمَرُ بَعْدَ حَصْدِ أُصُولِها، عَلى أنَّ في ذَلِكَ الحَصِيدِ، مَنافِعَ لِلْأنْعامِ تَأْكُلُهُ بَعْدَ أخْذِ حَبِّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣] .
وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ تَناوُلِ جَنّاتٍ لَهُ لِأنَّهُ أهَمُّ الأشْجارِ عِنْدَهم وثَمَرَهُ أكْثَرُ أقْواتِهِمْ، ولِإتْباعِهِ بِالأوْصافِ لَهُ ولِطَلْعِهِ مِمّا يُثِيرُ تَذَكُّرَ بَدِيعَ قَوامِهِ، وأنِيقَ جَمالِهِ.
صفحة ٢٩٣
والباسِقاتُ: الطَّوِيلاتُ في ارْتِفاعٍ، أيْ عالِياتٌ فَلا يُقالُ: باسِقٌ لِلطَّوِيلِ المُمْتَدِّ عَلى الأرْضِ. وعَنِ ابْنِ شَدّادٍ: الباسِقاتُ الطَّوِيلاتُ مَعَ الِاسْتِقامَةِ. ولَمْ أرَهُ لِأحَدٍ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ. ولَعَلَّ مُرادَهُ مِنَ الِاسْتِقامَةِ الِامْتِدادُ في الِارْتِفاعِ. وهو بِالسِّينِ المُهْمِلَةِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ عَدا بَنِي العَنْبَرِ مِن تَمِيمٍ يُبْدِلُونَ السِّينَ صادًا في هَذِهِ الكَلِمَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: الأصْلُ السِّينُ وإنَّما الصّادُ بَدَلٌ مِنها لِاسْتِعْلاءِ القافِ. ورَوى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيءَ ﷺ في صَلاةِ الصُّبْحِ قَرَأها بِالصّادِّ. ومِثْلُهُ في ابْنِ عَطِيَّةَ وهو حَدِيثٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
والَّذِي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ مَرْوِيَّةٌ بِالسِّينِ. ومِنَ العَجِيبِ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ: وفي قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”باصِقاتٍ“ .
وانْتَصَبَ ”باسِقاتٍ“ عَلى الحالِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الإيماءُ إلى بَدِيعِ خِلْقَتِهِ وجَمالِ طَلْعَتِهِ. اسْتِدْلالًا وامْتِنانًا.
والطَّلْعُ: أوَّلُ ما يَظْهَرُ مِن ثَمَرِ التَّمْرِ، وهو في الكُفُرّى، أيْ غِلافِ العُنْقُودِ.
والنَّضِيدُ: المَنضُودُ، أيِ المُصَفَّفُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ما دامَ في الكُفُرى فَإذا انْشَقَّ عَنْهُ الكُفُرى فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ. فَهو مَعْناهُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ قالَ تَعالى: وطَلْحٍ مَنضُودٍ.
وزِيادَةُ هَذِهِ الحالِ لِلِازْدِيادِ مِنَ الصِّفاتِ النّاشِئَةِ عَنْ بَدِيعِ الصَّنْعَةِ ومِنَ المِنَّةِ بِمَحاسِنِ مَنظَرِ ما أُوتُوهُ.
50:11Страница 518
رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١
Таково пропитание для рабов. Мы оживили ею мертвую землю. Таким же будет выход из могил!
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾
مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِقَوْلِهِ: ”فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ“ إلى آخِرِهِ، فَهو مَصْدَرٌ، أيْ لِنَرْزُقَ العِبادَ، أيْ نُقَوِّتَهم.
والقَوْلُ في التَّعْلِيلِ بِهِ كالقَوْلِ في التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ”﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى﴾ [ق: ٨]“ .
والعِبادُ: النّاسُ وهو جَمْعُ عَبْدٍ بِمَعْنى عَبْدِ اللَّهِ، فَأمّا العَبْدُ المَمْلُوكُ فَجَمْعُهُ العَبِيدُ. وهَذا اسْتِدْلالٌ وامْتِنانٌ.
* * *
صفحة ٢٩٤
﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ عَطْفٌ عَلى ”رِزْقًا لِلْعِبادِ“ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ المُشْتَقِّ مِنَ الفِعْلِ وهو رِزْقُهُ المُشْتَقُّ لِأنَّهُ في مَعْنى: رِزْقُنا العِبادَ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا، أيْ لِرَعْيِ الأنْعامِ والوَحْشِ فَهو اسْتِدْلالٌ وفِيهِ امْتِنانٌ.
والبَلْدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ.
والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ: مُرادِفُ المَيِّتِ بِالتَّشْدِيدِ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣] .
وتَذْكِيرُ المَيْتِ وهو وصْفٌ لِلْبَلْدَةِ، وهي مُؤَنَّثٌ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالبَلَدِ لِأنَّهُ مُرادِفُهُ، وبِالمَكانِ لِأنَّهُ جِنْسُهُ، شَبَّهَ الجَدْبَ بِالمَوْتِ في انْعِدامِ ظُهُورِ الآثارِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ضِدَّهُ وهو إنْباتُ الأرْضِ حَياةً. ويُقالُ لِخِدْمَةِ الأرْضِ اليابِسَةِ وسَقْيِها: إحْياءُ مَواتٍ.
* * *
﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ بِصُنْعِ اللَّهِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ لِأنَّ خَلْقَ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ مِن عَدَمٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ إعادَةَ بَعْضِ المَوْجُوداتِ الضَّعِيفَةِ أمْكَنُ وأهْوَنُ، جِيءَ بِما يُفِيدُ تَقْرِيبَ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ”كَذَلِكَ الخُرُوجُ“ .
فَهَذِهِ الجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ فَوَجَبَ انْفِصالُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا أوِ اعْتِراضًا في آخِرِ الكَلامِ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُهُ وهو الأصَحُّ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ آنِفًا مِن إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، أيْ كَما أحْيَيْنا الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ نُحْيِي النّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وبِلاهم، مَعَ إفادَتِها تَعْظِيمَ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، أيْ مِثْلُ البَعْثِ العَظِيمِ الإبْداعُ.
والتَّعْرِيفُ في الخُرُوجِ لِلْعَهْدِ، أيْ خُرُوجِ النّاسِ مِنَ الأرْضِ كَما قالَ تَعالى
صفحة ٢٩٥
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣] . فَـ ”الخُرُوجُ“ صارَ كالعَلَمِ بِالغَلَبَةِ عَلى البَعْثِ، وسَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى: ”﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]“ .
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِما في الخَبَرِ مِن دَفْعِ الِاسْتِحالَةِ وإظْهارِ التَّقْرِيبِ، وفِيهِ تَشْوِيقٌ لِتَلَقِّي المُسْنَدِ إلَيْهِ.
50:12–14Страница 518
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢
До них сочли лжецами посланников народ Нуха (Ноя), жители Расса и самудяне,
وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣
адиты, народ Фараона и братья Лута (Лота),
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤
жители Айки и народ Тубба (Тобба). Все они сочли лжецами посланников, и сбылась Моя угроза.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَعُقِّبَ بِأنَّهم لَيْسُوا بِبِدْعٍ في الضَّلالِ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم أُمَمٌ. وذَكَرَ مِنهم أشْهَرَهم في العالَمِ وأشْهَرَهم بَيْنَ العَرَبِ، فَقَوْمُ نُوحٍ أوَّلُ قَوْمٍ كَذَبُوا رَسُولَهم، وفِرْعَوْنُ كَذَّبَ مُوسى، وقَوْمُ لُوطٍ كَذَّبُوهُ وهَؤُلاءِ مَعْرُوفُونَ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، وأمّا أصْحابُ الرَّسِّ وعادٌ وثَمُودُ وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ فَهم مِنَ العَرَبِ.
وذُكِرُوا هُنا عَقِبَ قَوْمِ نُوحٍ لِلْجامِعِ الخَيالِيِّ بَيْنَ القَوْمَيْنِ وهو جامِعُ التَّضادِّ لِأنَّ عَذابَهم كانَ ضِدَّ عَذابِ قَوْمِ نُوحٍ إذْ كانَ عَذابُهم بِالخَسْفِ وعَذابُ قَوْمِ نُوحٍ بِالغَرَقِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثَمُودَ لِشَبَهِ عَذابِهِمْ بِعَذابِ أصْحابِ الرَّسِّ إذْ كانَ عَذابُهم بِرَجْفَةِ الأرْضِ وصَواعِقِ السَّماءِ، ولِأنَّ أصْحابَ الرَّسِّ مِن بَقايا ثَمُودَ، ثُمَّ ذُكِرَتْ عادٌ لِأنَّ عَذابَها كانَ بِحادِثٍ في الجَوِّ وهو الرِّيحُ، ثُمَّ ذُكِرَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِأنَّهم كَذَّبُوا أشْهَرَ الرُّسُلِ قَبْلَ الإسْلامِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ وهم مِن خُلَطاءِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وعَبَّرَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ بِـ ”إخْوانُ لُوطٍ“ ولَمْ يَكُونُوا مِن قَبِيلِهِ، فالمُرادُ بِـ ”إخْوانُ“ أنَّهم مُلازِمُونَ. وهم أهْلُ سَدُومَ وعَمُّورَةَ وقُراهُما وكانَ لُوطٌ ساكِنًا في سَدُومَ ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ نَسَبِهِمْ لِأنَّ أهْلَ سَدُومَ كَنْعانِيُّونَ ولُوطًا عِبْرانِيٌّ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ [الشعراء: ١٦١] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وذُكِرَ قَوْمُ تُبَّعٍ وهم أهْلُ اليَمَنِ ولَمْ يَكُنِ العَرَبُ يَعُدُّونَهم عَرَبًا.
صفحة ٢٩٦
وهَذِهِ الأُمَمُ أصابَها عَذابٌ شَدِيدٌ في الدُّنْيا عِقابًا عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ. والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والتَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ لِقَوْمِهِ المُكَذِّبِينَ أنْ يَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
والرَّسُّ: يُطْلَقُ اسْمًا لِلْبِئْرِ غَيْرِ المَطْوِيَّةِ ويُطْلَقُ مَصْدَرًا لِلدَّفْنِ والدَّسِّ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهِ هُنا.
وأصْحابُ الرَّسِّ قَوْمٌ عُرِفُوا بِالإضافَةِ إلى الرَّسِّ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ إضافَتَهم إلى الرَّسِّ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى مَوْطِنِهِ مِثْلَ ”أصْحابِ الأيْكَةِ“، و”أصْحابِ الحِجْرِ“ و”أصْحابِ القَرْيَةِ“ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةً إلى حَدَثٍ حَلَّ بِهِمْ مِثْلَ ”أصْحابِ الأُخْدُودِ“ . وفي تَعْيِينِ أصْحابِ الرَّسِّ أقْوالٌ ثَمانِيَةٌ أوْ تِسْعَةٌ وبَعْضُها مُتَداخِلٌ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ الفُرْقانِ. والأظْهَرُ أنَّ إضافَةَ ”أصْحابٍ“ إلى الرَّسِّ مِن إضافَةِ اسْمٍ إلى حَدَثٍ حَدَثَ فِيهِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ أصْحابَ الرَّسِّ عُوقِبُوا بِخَسْفٍ في الأرْضِ فَوَقَعُوا في مِثْلِ البِئْرِ. وقِيلَ: هو بِئْرٌ ألْقى أصْحابُهُ فِيهِ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِمْ حَيًّا فَهو إذَنْ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ وقِيلَ هو (فَلَجٌ) مِن أرْضِ اليَمامَةِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أصْحابِ الرَّسِّ في سُورَةِ الفُرْقانِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] .
وأصْحابُ الأيْكَةِ هم مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وقَوْمُ تُبَّعٍ هم حِمْيَرُ مِن عَرَبِ اليَمَنِ وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الدُّخانِ.
وجُمْلَةُ ”كُلٌّ كَذِبَ الرُّسُلَ“ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾“ إلى آخِرِها، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ”﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾“ فَيَكُونُ تَهْدِيدًا بِأنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كَما حَقَّ عَلى أُولَئِكَ مُرَتَّبًا بِالفاءِ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلرُّسُلِ السّابِقِينَ.
صفحة ٢٩٧
وتَنْوِينُ (كُلٌّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ أُولَئِكَ.
و”حَقَّ“ صَدَقَ وتَحَقَّقَ.
والوَعِيدُ: الإنْذارُ بِالعُقُوبَةِ واقْتَضى الإخْبارُ عَنْهُ بِـ ”حَقَّ“ أنَّ اللَّهَ تَوَعَدَهم بِهِ فَلَمْ يَعْبَئُوا وكَذَّبُوا وُقُوعَهُ فَحَقَّ وصَدَقَ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها ”وعِيدِ“ لِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ وهو كَثِيرٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии