Abu HayyanYunus · 10:4–11

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:4–11

10:4–5Page 208

إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤

To Him is your return all together. [It is] the promise of Allāh [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.

هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥

It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allāh has not created this except in truth. He details the signs for a people who know.

﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾: ذَكَرَ ما يَقْتَضِي التَّذْكِيرَ؛ وهو كَوْنُ مَرْجِعِ الجَمِيعِ إلَيْهِ، وأكَّدَ هَذا الإخْبارَ بِأنَّهُ وعْدُ اللَّهِ الَّذِي لا شَكَّ في صِدْقِهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ، وفِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ بِابْتِداءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ وأنَّ مُقْتَضى الحِكْمَةِ بِذَلِكَ هو جَزاءُ المُكَلَّفِينَ عَلى أعْمالِهِمْ. وانْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ و(حَقًّا) عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والتَّقْدِيرُ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا، فَلَمّا حَذَفَ النّاصِبَ أضافَ المَصْدَرَ إلى الفاعِلِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] والتَّقْدِيرُ: في (حَقًّا) حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وقِيلَ: انْتَصَبَ (حَقًّا) بِـ (وعْدَ)، عَلى تَقْدِيرِ: في أيِّ وعْدِ اللَّهِ في حَقٍّ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: التَّقْدِيرُ: وقْتَ حَقٍّ، وأنْشَدَ:

؎أحَقًّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ خارِجًا ولا والِجًا إلّا عَلَيَّ رَقِيبُ

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ: (أنَّهُ يَبْدَأُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ، أيْ: وعَدَ اللَّهُ تَعالى بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ، والمَعْنى: إعادَةُ الخَلْقِ بَعْدَ بَدْئِهِ. وعَدَ اللَّهُ عَلى لَفْظِ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِما نَصَبَ (حَقًّا)، أيْ: حَقَّ حَقًّا بَدْءُ الخَلْقِ، كَقَوْلِهِ:

؎أحَقًّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ جائِيًا ∗∗∗ ولا ذاهِبًا إلّا عَلَيَّ رَقِيبُ

انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَوْضِعُها النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ أحَقٌّ أنَّهُ. وقالَ الفَرّاءُ: مَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى تَقْدِيرِ: لَحَقٌّ أنَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ”أنَّهُ“ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ . قالَ أبُو الفَتْحِ: إنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ: لِأنَّهُ يَبْدَأُ، فَمَن في قُدْرَتِهِ هَذا فَهو غَنِيٌّ عَنْ إخْلافِ الوَعْدِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ: وعَدَ اللَّهُ حَقًّا أنَّهُ يَبْدَأُ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٥٥]، لِأنَّهُ قَدْ وصَفَ ذَلِكَ بِتَمامِهِ وقَطَعَ عَمَلَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (حَقٌّ) بِالرَّفْعِ، فَهَذا ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ ”أنَّهُ“ . انْتَهى. وكَوْنُ (حَقٌّ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ و”أنَّهُ“ هو المُبْتَدَأُ - هو الوَجْهُ في الإعْرابِ، كَما تَقُولُ: صَحِيحٌ أنَّكَ تَخْرُجُ؛ لِأنَّ اسْمَ ”أنَّ“ مَعْرِفَةٌ، والَّذِي تَقَدَّمَها في نَحْوِ هَذا المِثالِ نَكِرَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ بَدْءَ الخَلْقِ هو النَّشْأةُ الأُولى، وإعادَتُهُ هو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، و(لِيَجْزِيَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُعِيدُهُ)، أيْ: لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. وقِيلَ: البَدْءُ مِنَ التُّرابِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى التُّرابِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى البَعْثِ. وقِيلَ: البَدْءُ نَشْأتُهُ مِنَ الماءِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ. وقِيلَ: يَبْدَؤُهُ مِنَ العَدَمِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يُوجِدُهُ. وقِيلَ: يَبْدَؤُهُ في زُمْرَةِ الأشْقِياءِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ عِنْدَ المَوْتِ إلى زُمْرَةِ الأوْلِياءِ، وبِعَكْسِ ذَلِكَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: (يُبْدِئُ) مِن (أبْدَأ) رُباعِيًّا، وبَدَأ وأبْدَأ بِمَعْنًى، وبِالقِسْطِ مَعْناهُ بِالعَدْلِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (لِيَجْزِيَ)، أيْ: لِيُثِيبَ المُؤْمِنِينَ بِالعَدْلِ والإنْصافِ في جَزائِهِمْ، فَيُوصِّلُ كُلًّا إلى جَزائِهِ وثَوابِهِ عَلى حَسَبِ تَفاضُلِهِمْ في الأعْمالِ، فَيُنْصِفُ بَيْنَهم ويَعْدِلُ، إذْ لَيْسُوا كُلُّهم مُساوِينَ في مَقادِيرِ الثَّوابِ، وعَلى هَذا يَكُونُ: بِالقِسْطِ مِنهُ تَعالى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يُقْسِطُهم بِما أقْسَطُوا وعَدَلُوا ولَمْ يَظْلِمُوا حِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والعُصاةُ ظُلّامٌ لِأنْفُسِهِمْ، وهَذا أوْجَهُ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ . انْتَهى، فَجَعَلَ القِسْطَ مِن فِعْلِ الَّذِينَ آمَنُوا، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، والظّاهِرُ أنَّ (والَّذِينَ كَفَرُوا) مُبْتَدَأٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (الَّذِينَ آمَنُوا)، فَيَكُونُ الجَزاءُ بِالعَدْلِ قَدْ شَمِلَ الفَرِيقَيْنِ. ولَمّا كانَ (p-١٢٥)الحَدِيثُ مَعَ الكَفّارَةِ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ مَعَهم، ذَكَرَ شَيْئًا مِن أنْواعِ عَذابِهِمْ فَقالَ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ وتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ مِن إيجادِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، ذَكَرَ ما أوْدَعَ في العالَمِ العُلْوِيِّ مِن هَذَيْنِ الجَوْهَرَيْنِ النَّيِّرَيْنِ المُشْرِقَيْنِ، فَجَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، أيْ: ذاتَ ضِياءٍ أوْ مُضِيئَةً، أوْ نَفْسَ الضِّياءِ مُبالَغَةً، و(جَعَلَ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى صَيَّرَ، فَيَكُونُ ﴿ضِياءً﴾ مَفْعُولًا ثانِيًا. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ فَيَكُونُ حالًا، ﴿والقَمَرَ نُورًا﴾، أيْ: ذا نُورٍ، أوْ مُنَوَّرًا أوْ نَفْسَ النُّورِ مُبالَغَةً، أوْ هُما مَصْدَرانِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ضِياءً﴾ جَمْعًا، كَحَوْضٍ وحِياضٍ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. ولَمّا كانَتِ الشَّمْسُ أعْظَمَ جِرْمًا خُصَّتْ بِالضِّياءِ لِأنَّهُ هو الَّذِي لَهُ سُطُوعٌ ولَمَعانٌ، وهو أعْظَمُ مِنَ النُّورِ. قالَ أرْبابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ: الشَّمْسُ قَدْرُ الأرْضِ مِائَةُ مَرَّةٍ وأرْبَعًا وسِتِّينَ مَرَّةً، والقَمَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَخُصَّ الأعْظَمُ بِالأعْظَمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الفَرْقُ بَيْنَ الضِّياءِ والنُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] يَقْتَضِي أنَّ النُّورَ أعْظَمُ وأبْلَغُ في الشُّرُوقِ، وإلّا فَلِمَ عَدَلَ إلى الأقَلِّ الَّذِي هو النُّورُ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظَةُ النُّورِ أحْكَمُ وأبْلَغُ، وذَلِكَ أنَّهُ شَبَّهَ هُداهُ ولُطْفَهُ الَّذِي يُصِيبُهُ لِقَوْمٍ يَهْتَدُونَ، وآخَرِينَ يَضِلُّونَ مَعَهُ بِالنُّورِ الَّذِي هو أبَدًا مَوْجُودٌ في اللَّيْلِ وأثْناءِ الظَّلامِ. ولَوْ شَبَّهَهُ بِالضِّياءِ لَوَجَبَ أنْ لا يُضِلَّ أحَدًا، إذْ كانَ الهُدى يَكُونُ كالشَّمْسِ الَّتِي لا تَبْقى مَعَها ظُلْمَةٌ. فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ هُداهُ في الكُفْرِ كالنُّورِ في الظَّلامِ، فَيَهْتَدِي قَوْمٌ ويَضِلُّ قَوْمٌ آخَرُونَ. ولَوْ جَعَلَهُ كالضِّياءِ لَوَجَبَ أنْ لا يَضِلَّ أحَدٌ، وبَقِيَ الضِّياءُ عَلى هَذا أبْلَغَ في الشُّرُوقِ كَما اقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقَرَأ قَنْبُلٌ: (ضِياءً) هُنا، وفي الأنْبِياءِ والقَصَصِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الألِفِ بَدَلَ الياءِ. ووُجِّهَتْ عَلى أنَّهُ مِنَ المَقْلُوبِ جُعِلَتْ لامُهُ عَيْنًا، فَكانَتْ هَمْزَةً. وتَطَرَّفَتِ الواوُ الَّتِي كانَتْ عَيْنًا بَعْدَ ألِفٍ زائِدَةٍ فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً، وضُعِّفَ ذَلِكَ بِأنَّ القِياسَ الفِرارُ مِنِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ إلى تَخْفِيفِ إحْداهُما، فَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ إلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ يُؤَدِّي إلى اجْتِماعِهِما ولَمْ يَكُونا في الأصْلِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى القَمَرِ، أيْ: مَسِيرُهُ مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَ لَهُ مَنازِلَ، فَحَذَفَ وأوْصَلَ الفِعْلَ، فانْتَصَبَ بِحَسَبِ هَذِهِ التَّقادِيرِ عَلى الظَّرْفِ أوِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ هو المُراعى في مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ عِنْدَ العَرَبِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَهُما مَعًا بِحَسَبِ أنَّهُما مُصَرَّفانِ في مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، لَكِنَّهُ اجْتُزِئَ بِذِكْرِ أحَدِهِما كَما قالَ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وكَما قالَ الشّاعِرُ:

؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي

والمَنازِلُ: هي البُرُوجُ، وكانَتِ العَرَبُ تَنْسِبُ إلَيْها الأنْواءَ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً: الشُّرَطَيْنُ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهَةُ، والدَّبْرَةُ، والصِّرْفَةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزِّبانانِ، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعائِمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بَلْعٍ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيَةِ، والفَرْعُ المُؤَخَّرُ، والرِّشاءُ وهو الحُوتُ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ . قالَ الأصْمَعِيُّ: سُئِلَ أبُو عَمْرٍو عَنِ الحِسابِ، أفَبِنَصْبِهِ أوْ بِجَرِّهِ ؟ فَقالَ: ومَن يَدْرِي ما عَدَدُ الحِسابِ ؟ انْتَهى. يُرِيدُ أنَّ الجَرَّ إنَّما يَكُونُ مُقْتَضِيًا أنَّ الحِسابَ يَكُونُ يُعْلَمُ عَدَدُهُ، والحِسابُ لا يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ مُنْتَهى عَدَدِهِ، (p-١٢٦)والحِسابُ حِسابُ الأوْقاتِ مِنَ الأشْهُرِ والأيّامِ واللَّيالِي مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ في المَعاشِ والإجاراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُضْطَرُّ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ التَّوارِيخِ. وقِيلَ: اكْتَفى بِذِكْرِ عَدَدِ السِّنِينَ مِن عَدَدِ الشُّهُورِ، وكَنّى بِالحِسابِ عَنِ المُعامَلاتِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى مَخْلُوقِهِ. وذَلِكَ يُشارُ بِها إلى الواحِدِ، وقَدْ يُشارُ بِها إلى الجَمْعِ. ومَعْنى (بِالحَقِّ) مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي هو الحِكْمَةُ البالِغَةُ، ولَمْ يَخْلُقْهُ عَبَثًا كَما جاءَ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨] وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الحَقُّ هُنا هو اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِاللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ مَعَهُ. انْتَهى. وما قالَهُ تَرْكِيبٌ قَلِقٌ، إذْ يَصِيرُ ما ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا إلّا بِزَيْدٍ. وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، أيْ لِلْحَقِّ، وهو إظْهارُ صَنْعَتِهِ وبَيانُ قُدْرَتِهِ ودَلالَةٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: (والحَسابِ) بِفَتْحِ الحاءِ، ورَواهُ أبُو تَوْبَةٍ عَنِ العَرَبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (يُفَصِّلُ) بِالياءِ جَرْيًا عَلى لَفْظَةِ اللَّهِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والإخْبارِ بِنُونِ العَظَمَةِ، وخُصَّ مَن يَعْلَمُ بِتَفْصِيلِ الآياتِ لَهم، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِتَفْصِيلِ الآياتِ، ويَتَدَبَّرُونَ بِها في الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ الصَّحِيحِ. والآياتُ العَلاماتُ الدّالَّةُ أوْ آياتُ القُرْآنِ.

10:6–8Page 208

إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦

Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allāh has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allāh.

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ والِاخْتِلافُ تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكَوْنُ أحَدِهِما يَخْلُفُ الآخَرَ. وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ مِنَ الأجْرامِ النَّيِّرَةِ الَّتِي فِيها، والمَلائِكَةِ المُقِيمِينَ بِها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، والأرْضِ مِنَ الجَوامِدِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ. وخَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ العَواقِبَ فَيَحْمِلُهُمُ الخَوْفُ عَلى تَدَبُّرِهِمْ ونَظَرِهِمْ.

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: الظّاهِرُ أنَّ الرَّجاءَ هو التَّأْمِيلُ والطَّمَعُ، أيْ: لا يُؤَمِّلُونَ لِقاءَ ثَوابِنا وعِقابِنا. وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَخافُونَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ المُكَذِّبَ بِالبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةً في الآخِرَةِ، ولا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأنَّهُ يَلْقى اللَّهَ. وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] والمَعْنى أنَّ مُنْتَهى غَرَضِهِمْ وقُصارى آمالِهِمْ إنَّما هو مَقْصُورٌ عَلى ما يَصِلُونَ إلَيْهِ في الدُّنْيا. واطْمَأنُّوا أيْ سَكَنُوا إلَيْها، وقَنِعُوا بِها، ورَفَضُوا ما سِواها. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (والَّذِينَ هم) هو قِسْمٌ مِنَ الكُفّارِ غَيْرُ القِسْمِ الأوَّلِ، وذَلِكَ التَّكْرِيرُ المَوْصُولُ، فَيَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ، ويَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ ”إنَّ“ ويَكُونُ ”أُولَئِكَ“ إشارَةً إلى صِنْفَيِ الكُفّارِ ذِي الدُّنْيا المُتَوَسِّعِ فِيها النّاظِرِ في الآياتِ، فَلَمْ يُؤْثِرْ عِنْدَهُ رَجاءَ لِقاءِ اللَّهِ، بَلْ رَضِيَ بِالحَياةِ الدُّنْيا لِتَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، والعادِمِ التَّوَسُّعَ الغافِلِ عَنْ آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى الهِدايَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، فَيَكُونُ ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واوَ الحالِ، أيْ: وقَدِ اطْمَأنُّوا بِها. والآياتُ قِيلَ: آياتُ القُرْآنِ. وقِيلَ: العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما أنْزَلْناهُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ وفَرْضٍ مِن حُدُودٍ وشَرائِعِ أحْكامٍ، و(بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) إشْعارٌ بِأنَّ الأعْمالَ السّابِقَةَ يَكُونُ عَنْها العَذابُ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ، ونَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ العِقابِ بِالكَسْبِ. ومَجِيئُهُ بِالمُضارِعِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ ماضِيَ زَمانِهِمْ ومُسْتَقْبَلَهُ.

10:9–10Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure.

دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

Their call therein will be, "Exalted are You, O Allāh," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allāh, Lord of the worlds!"

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (p-١٢٧)أيْ يَزِيدُ في هَواهم بِسَبَبِ إيمانِهِمُ السّابِقِ وتَثَبُّتِهِمْ، فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم أوْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ كَما قالَ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] قالَ مُجاهِدٌ: يَكُونُ لَهم إيمانُهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ. وفي الحَدِيثِ: «إذا قامَ مِن قَبْرِهِ يَمْثُلُ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرّائِحَةِ فَيَقُولُ: مَن أنْتَ ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ، فَيَقُودُهُ إلى الجَنَّةِ» وبِعَكْسِ هَذا في الكافِرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إيمانُهم يَهْدِيهِمْ إلى خَصائِصِ المَعْرِفَةِ، ومَزايا في الألْطافِ تُسَرُّ بِها قُلُوبُهم وتَزُولُ بِها الشُّكُوكُ والشُّبَهاتُ عَنْهم كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] وهَذِهِ الزَّوائِدُ والفَوائِدُ يَجُوزُ حُصُولُها في الدُّنْيا قَبْلَ المَوْتِ، ويَجُوزُ حُصُولُها بَعْدَ المَوْتِ. قالَ القَفّالُ: وإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا؛ كانَ المَعْنى يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ، وتَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الواوَ. وقِيلَ: مَعْناهُ تَقَدُّمُهم إلى الثَّوابِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: القَدَمُ تَهْدِي السّاقَ. وقالَ الحَسَنُ: يَرْحَمُهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَدْعُوهم. والظّاهِرُ أنَّ (تَجْرِي) مُسْتَأْنَفًا، فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِخِبْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أحَدُهُما: هِدايَةُ اللَّهِ لَهم وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخَرُ بِجَرَيانِ الأنْهارِ، وذَلِكَ في الآخِرَةِ. كَما تَضَمَّنَتِ الآيَةُ في الكُفّارِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: اتِّصافُهم بِانْتِفاءِ رَجاءِ لِقاءِ اللَّهِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والثّانِي: مَقَرُّهم ومَأْواهم وذَلِكَ النّارُ، فَصارَ تَقْسِيمًا لِلْفَرِيقَيْنِ في المَعْنى. وتَقَدَّمَ قَوْلُ القَفّالِ أنْ يَكُونَ (تَجْرِي) مَعْطُوفًا حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ، وأنْ يَكُونَ حالًا. ومَعْنى (مِن تَحْتِهِمْ)، أيْ: مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ. وقِيلَ: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ، ولَيْسَ التَّحْتُ الَّذِي هو بِالمَسافَةِ، بَلْ يَكُونُ إلى ناحِيَةٍ مِنَ الإنْسانِ. ومِنهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] وقالَ: ﴿وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإيمانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ العَبْدُ الهِدايَةَ والتَّوْفِيقَ والنُّورَ يَوْمَ القِيامَةِ هو الإيمانُ المُقَيَّدُ، وهو الإيمانُ المَقْرُونُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، والإيمانُ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ فَصاحِبُهُ لا تَوْفِيقَ لَهُ ولا نُورَ. قُلْتُ: الأمْرُ كَذَلِكَ، ألا تَرى كَيْفَ أوْقَعَ الصِّلَةَ مَجْمُوعًا فِيها بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ثُمَّ قالَ: (بِإيمانِهِمْ)، أيْ بِإيمانِهِمُ المَضْمُومِ إلَيْهِ هَذا العَمَلُ الصّالِحُ، وهو بَيِّنٌ واضِحٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وجَوَّزُوا ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (تَجْرِي)، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الأنْهارِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِإنَّ، ومَعْنى (دَعْواهم): دُعاؤُهم ونِداؤُهم؛ لِأنَّ اللَّهُمَّ نِداءُ اللَّهِ، والمَعْنى: اللَّهُمَّ إنّا نُسَبِّحُكَ كَقَوْلِ القانِتِ في دُعاءِ القُنُوتِ: اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ ولَكَ نُصَلِّي ونَسْجُدُ. وقِيلَ: عِبادَتُهم كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] ولا تَكْلِيفَ في الجَنَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِهاجِ والِالتِذاذِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ العِبادَةَ مَجازًا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: فِعْلُهم وإقْرارُهم. وقالَ القاضِي: طَرِيقُهم في تَقْدِيسِ اللَّهِ وتَحْمِيدِهِ. (وتَحِيَّتُهم) أيْ: ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَكُونُ مَصْدَرًا مُضافًا لِلْمَجْمُوعِ، لا عَلى سَبِيلِ العَمَلِ، بَلْ يَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وقِيلَ: يَكُونُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ اللَّهُ تَعالى أوِ المَلائِكَةُ، أيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ إيّاهم، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهم.

﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾، أيْ: خاتِمَةُ دُعائِهِمْ وذِكْرِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ تَعالى أنَّهم يَبْتَدِئُونَ بِتَنْزِيهِهِ وتَعْظِيمِهِ، ويَخْتِمُونَ بِشُكْرِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَفْتَتِحُونَ بِالتَّوْحِيدِ، ويَخْتِمُونَ بِالتَّحْمِيدِ. وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، يَعْزُوهُ إلى الرَّسُولِ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُلْهَمُونَ التَّحْمِيدَ والتَّسْبِيحَ. و”أنْ“ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ لازِمُ الحَذْفِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُ ”أنْ“، و”أنْ“ وصِلَتُها خَبَرُ قَوْلِهِ: (وآخِرُ) . وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ويَعْقُوبُ: (أنِ الحَمْدُ) زبِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ (الحَمْدَ) . قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ودَلَّتْ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ (الحَمْدُ) هي عَلى أنَّ ”أنْ“ هي المُخَفَّفَةُ كَقَوْلِ الأعْشى:(p-١٢٨)

؎فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ

يُرِيدُ: أنَّهُ هالِكٌ، إذا خُفِّفَتْ لَمْ تَعْمَلْ في غَيْرِ ضَمِيرِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ. وأجازَ المُبَرِّدُ إعْمالَها كَحالِها مُشَدَّدَةً، وزَعَمَ صاحِبُ النَّظْمِ أنَّ ”أنْ“ هُنا زائِدَةٌ، و(الحَمْدُ لِلَّهِ) خَبَرُ ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾، وهو مُخالِفٌ لِنَصِّ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ، ولَيْسَ هَذا مِن مَحالِّ زِيادَتِها.

10:11Page 209

۞ وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١

And if Allāh was to hasten for the people the evil [they invoke]1 as He hastens for them the good, their term would have been ended for them.2 But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly.

﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في دُعاءِ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ أوْ ولَدِهِ ونَحْوِ هَذا. فَأخْبَرَ تَعالى لَوْ فَعَلَ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مِنهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، ثُمَّ حَذَفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ جُمْلَةً يَتَضَمَّنُها الظّاهِرُ، تَقْدِيرُها: فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ، ولَكِنْ نَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ فاقْتَضَبَ القَوْلَ، ووَصَلَ إلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾، فَتَأمَّلْ هَذا التَّقْدِيرَ تَجِدْهُ صَحِيحًا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧]، وما جَرى مَجْراهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ. وقَوْلُهم: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْنِي: ولَوْ عَجَّلْنا لَهُمُ الشَّرَّ الَّذِي دَعَوْا بِهِ كَما نُعَجِّلُ لَهُمُ الخَيْرَ لَأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ اتَّصَلَ بِهِ ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾، وما مَعْناهُ ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى نَفْيِ التَّعْجِيلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: ولا نُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا نَقْضِي إلَيْهِمْ أجَلَهم، فَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ، أوْ فَنُمْهِلُهم، ونُقَيِّضُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ مَعَ طُغْيانِهِمْ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَجَبَ النّاسِ مِن إيحاءِ اللَّهِ إلى رَجُلٍ مِنهم، وكانَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ، وكانُوا يَسْتَهِزِئُونَ بِذَلِكَ ولا يَعْتَقِدُونَ حُلُولَ ما أنْذَرُوهُ بِهِمْ فَقالُوا: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقالَ إخْبارًا عَنْهم: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى، وذَكَرَ إيجادَهُ العالَمَ، ثُمَّ إلى تَقْسِيمِ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وذَكَرَ مَنازِلَ الفَرِيقَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إلى أنَّ ذَلِكَ المُنْذَرَ بِهِ الَّذِي طَلَبُوا وُقُوعَهُ عَجَلًا لَوْ وقَعَ لَهَلَكُوا، فَلَمْ يَكُنْ في إهْلاكِهِمْ رَجاءُ إيمانِ بَعْضِهِمْ، وإخْراجُ مُؤْمِنٍ مِن صُلْبِهِمْ بَلِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ لا يُعَجِّلَ لَهم ما طَلَبُوهُ، لِما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ. وانْتَصَبَ (اسْتِعْجالَهم) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ بِهِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ لَهُمُ الخَيْرَ، فَوَضَعَ اسْتِعْجالَهُ لَهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ لَهم وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهم. وقالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: التَّقْدِيرُ مِثْلُ اسْتِعْجالِهِمْ، وكَذا قَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ. ومَدْلُولُ عَجَّلَ غَيْرُ مَدْلُولِ اسْتَعْجَلَ، لِأنَّ عَجَّلَ يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ، واسْتَعْجَلَ يَدُلُّ عَلى (p-١٢٩)طَلَبِ التَّعْجِيلِ، وذاكَ واقِعٌ مِنَ اللَّهِ، وهَذا مُضافٌ إلَيْهِمْ فَلا يَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ بِالخَيْرِ، فَشَبَّهَ التَّعْجِيلَ بِالِاسْتِعْجالِ؛ لِأنَّ طَلَبَهم لِلْخَيْرِ، ووُقُوعُ تَعْجِيلِهِ مُقَدَّمٌ عِنْدَهم عَلى كُلِّ شَيْءٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ إذا اسْتَعْجَلُوا بِهِ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالشَّرِّ ووُقُوعِهِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَما كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالخَيْرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (لَقَضى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (أجَلَهم) بِالنَّصْبِ، والأعْمَشُ: (لَقَضَيْنا)، وباقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(أجَلُهم) بِالرَّفْعِ. وقَضى أكْمَلُ، والفاءُ في (فَنَذَرُ) جَوابُ ما أخْبَرَ بِهِ عَنْهم عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، تَقْدِيرُهُ: فَنَحْنُ نَذَرُ، قالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (فَنَذَرُ) مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ نُمْهِلُهم فَنَذَرُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском