Abu HayyanYunus · 10:12–16

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:12–16

10:12Page 209

وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢

And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing.

﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا اسْتَدْعَوْا حُلُولَ الشَّرِّ بِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِطَلَبِهِمْ بَلْ يَتْرُكُ مَن يَرْجُو لِقاءَهُ يَعُمُّ في طُغْيانِهِ - بَيَّنَ شِدَّةَ افْتِقارِ النّاسِ إلَيْهِ واضْطِرارِهِمْ إلى اسْتِمْطارِ إحْسانِهِ مُسِيئَهم ومُحْسِنَهم، وأنَّ مَن لا يَرْجُو لِقاءَهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ حالَةَ مَسِّ الضُّرِّ لَهُ، فَكَلٌّ يَلْجَأُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ ويُفْرِدُهُ بِأنَّهُ القادِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُرادُ بِالإنْسانِ هُنا شَخْصٌ مُعَيَّنٌ؛ كَما قِيلَ: إنَّهُ أبُو حُذَيْفَةَ هاشِمُ بْنُ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيُّ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: عُقْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. وقِيلَ: هُما، قالَهُ عَطاءٌ. وقِيلَ: النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ لا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، بَلِ المُرادُ الإنْسانُ مِن حَيْثُ هو، سَواءٌ كانَ كافِرًا أمْ عاصِيًا بِغَيْرِ الكُفْرِ. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ أنْ تَكُونَ لِشَخْصٍ واحِدٍ، واحْتَمَلَتْ أنْ تَكُونَ لِأشْخاصٍ، إذِ الإنْسانُ جِنْسٌ. والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أصابَهُ الضُّرُّ لا يَزالُ داعِيًا مُلْتَجِئًا راغِبًا إلى اللَّهِ في جَمِيعِ حالاتِهِ كُلِّها. وابْتَدَأ بِالحالَةِ الشّاقَّةِ وهي اضْطِجاعُهُ وعَجْزُهُ عَنِ النُّهُوضِ، وهي أعْظَمُ في الدُّعاءِ وآكَدُ، ثُمَّ بِما يَلِيها، وهي حالَةُ القُعُودِ، وهي حالَةُ العَجْزِ عَنِ القِيامِ، ثُمَّ بِما يَلِيها وهي حالَةُ القِيامِ وهي حالَةُ العَجْزِ عَنِ المَشْيِ، فَتَراهُ يَضْطَرِبُ ولا يَنْهَضُ لِلْمَشْيِ كَحالَةِ الشَّيْخِ الهَرِمِ. و(لِجَنْبِهِ) حالٌ، أيْ: مُضْطَجِعًا، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ الحالانِ، واللّامُ عَلى بابِها عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والتَّقْدِيرُ: مَلْقِيًّا لِجَنْبِهِ، لا بِمَعْنى عَلى؛ خِلافًا لِزاعِمِهِ. وذُو الحالِ الضَّمِيرُ في (دَعانا)، والعامِلُ فِيهِ (دَعانا)، أيْ: دَعانا مُلْتَبِسًا بِأحَدِ هَذِهِ الأحْوالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والعامِلُ فِيهِ (مَسَّ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في (دَعانا)، والعامِلُ فِيهِ (دَعا)، وهُما مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ. والضُّرُّ: لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الأمْراضِ والرَّزايا في النَّفْسِ والمالِ والأحِبَّةِ، هَذا قَوْلُ اللُّغَوِيِّينَ. وقِيلَ: هو مُخْتَصٌّ بِرَزايا البَدَنِ الهُزالِ والمَرَضِ. انْتَهى. والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ الزَّجّاجِ. وضَعَّفَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (لِجَنْبِهِ) فَما بَعْدَهُ أحْوالًا مِنَ الإنْسانِ والعامِلُ فِيها مَسَّ، قالَ: لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الحالَ عَلى هَذا واقِعٌ بَعْدِ جَوابِ ”إذا“، ولَيْسَ بِالوَجْهِ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى كَثْرَةُ دُعائِهِ في كُلِّ أحْوالِهِ، لا عَلى الضُّرِّ يُصِيبُهُ في كُلِّ أحْوالِهِ، وعَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. انْتَهى. وهَذا الثّانِي يَلْزَمُ فِيهِ مَن مَسَّهُ الضُّرُّ في هَذِهِ الأحْوالِ دُعاؤُهُ في هَذِهِ الأحْوالِ، لِأنَّهُ جَوابُ ما ذُكِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الأحْوالُ، فالقَيْدُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ قَيْدٌ في الجَوابِ كَما تَقُولُ: (p-١٣٠)إذا جاءَنا زَيْدٌ فَقِيرًا أحْسَنّا إلَيْهِ، فالمَعْنى: أحْسَنّا إلَيْهِ في حالِ فَقْرِهِ، فالقَيْدُ في الشَّرْطِ قَيْدٌ في الجَزاءِ. ومَعْنى كَشْفِ الضُّرِّ: رَفْعُهُ وإزالَتُهُ، كَأنَّهُ كانَ غِطاءً عَلى الإنْسانِ ساتِرًا لَهُ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ وصَفَهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، و(فَلَمّا كَشَفْنا) لِلْماضِي، فَهَذا النَّظْمُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ هَكَذا كانَ فِيما مَضى وهَكَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ، فَدَلَّ ما في الآيَةِ مِنَ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ المَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وما فِيهِ مِنَ الفِعْلِ الماضِي عَلى ما فِيهِ مِنَ المَعْنى الماضِي. انْتَهى. والمُرُورُ هُنا مَجازٌ عَنِ المُضِيِّ عَلى طَرِيقَتِهِ الأُولى مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِما كانَ عَلَيْهِ مِنَ البَلاءِ والضُّرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أعْرَضَ عَنِ الدُّعاءِ. وقِيلَ: مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، لا يَرْجِعُ إلَيْهِ، كَأنَّهُ لا عَهْدَ لَهُ بِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: إلى كَشْفِ ضُرٍّ مَسَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ (مَرَّ) يَقْتَضِي أنَّ نُزُولَها في الكُفّارِ، ثُمَّ هي بَعْدَ تَناوُلِ كُلِّ مَن دَخَلَ تَحْتَ مَعْناها مِن كافِرٍ وعاصٍ، يَعْنِي الآيَةَ: مَرَّ في إشْراكِهِ بِاللَّهِ وقِلَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ. انْتَهى. والكافُ مِن (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَزْيِينِ الإعْراضِ عَنِ الِابْتِهالِ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ كَشْفِ الضُّرِّ وعَدَمِ شُكْرِهِ وذِكْرِهِ عَلى ذَلِكَ، و(زُيِّنَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ اللَّهَ، إمّا عَلى سَبِيلِ خَلْقِ ذَلِكَ واخْتِراعِهِ في قُلُوبِهِمْ؛ كَما يَقُولُ أهْلُ السُّنَّةِ، وإمّا بِتَخْلِيَتِهِ وخِذْلانِهِ كَما تَقُولُ المُعْتَزِلَةُ، أوِ الشَّيْطانَ بِوَسْوَسَتِهِ ومُخادَعَتِهِ. قِيلَ: أوِ النَّفْسَ. وفَسَّرَ (المُسْرِفُونَ) بِالكافِرِينَ، والكافِرُ مُسْرِفٌ لِتَضْيِيعِهِ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِالشَّهْوَةِ الخَسِيسَةِ المُنْقَضِيَةِ، كَما يُضَيِّعُ المُنْفِقُ مالَهُ مُتَجاوِزًا فِيهِ الحَدَّ.

﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإعْراضِ عَنْ جَنابِ اللَّهِ وعَنِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ.

10:13–14Page 209

وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٣

And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people.

ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٤

Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.

﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: هَذا إخْبارٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ وخِطابٌ لَهم بِإهْلاكِ مَن سَلَفَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو الكُفْرُ، عَلى سَبِيلِ الرَّدْعِ لَهم والتَّذْكِيرِ بِحالِ مَن سَبَقَ مِنَ الكُفّارِ، والوَعِيدِ لَهم، وضَرْبِ الأمْثالِ، فَكَما فَعَلَ بِهَؤُلاءِ، يَفْعَلُ بِكم. ولَفْظَةُ ”لَمّا“ مُشْعِرَةٌ بِالعِلِّيَّةِ، وهي حَرْفُ تَعْلِيقٍ في الماضِي. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِـ (أهْلَكْنا) كالزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّبِعًا لِغَيْرِهِ، فَإنَّما يَدُلُّ إذْ ذاكَ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ في حِينِ الظُّلْمِ، فَلا يَكُونُ لَها إشْعارٌ إذْ ذاكَ بِالعِلِّيَّةِ. لَوْ قُلْتَ: جِئْتُ حِينَ قامَ زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ مَجِيئُكَ مُتَسَبِّبًا عَنْ قِيامِ زَيْدٍ، وأنْتَ تَرى حَيْثُما جاءَتْ ”لَمّا“ كانَ جَوابُها أوْ ما قامَ مَقامَهُ مُتَسَبِّبًا عَمّا بَعْدَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. (وجاءَتْهم) ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (ظَلَمُوا)، أيْ: لَمّا حَصَلَ هَذانِ الأمْرانِ: مَجِيءُ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، وظُلْمُهم؛ أُهْلِكُوا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في (وجاءَتْهم) لِلْحالِ، أيْ: ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ، وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالحُجَجِ والشَّواهِدِ عَلى صِدْقِهِمْ، وهي المُعْجِزاتُ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: البَيِّناتُ مُخَوِّفاتُ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ (وما كانُوا) عائِدًا عَلى (القُرُونَ)، وأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ (ظَلَمُوا) . وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا لا مَعْطُوفًا، قالَ: واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، بِمَعْنى: وما كانُوا يُؤْمِنُونَ حَقًّا، تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ إيمانِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّهم مُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ، وأنَّ الإيمانَ مُسْتَبْعَدٌ مِنهم، والمَعْنى: أنَّ السَّبَبَ في إهْلاكِهِمْ تَعْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ، وعَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ بَعْدَ أنْ أُلْزِمُوا الحُجَّةَ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ التِفاتًا؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ويَكُونُ مُتَّسِقًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ١٥] . والكافُ في (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ، وهو الإهْلاكُ.

﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ فَهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن أجْرَمَ، يَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ وغَيْرُهم. (p-١٣١)وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَجْزِي) بِالياءِ، أيْ يَجْزِي اللَّهُ، وهو التِفاتٌ. والخِطابُ في (جَعَلْناكم) لِمَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، والمَعْنى: اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ القُرُونِ المُهْلَكَةِ لِلنَّظَرِ أتَعْمَلُونَ خَيْرًا أمْ شَرًّا فَنُعامِلُكم عَلى حَسَبِ عَمَلِكم. ومَعْنى (لِنَنْظُرَ): لِنَتَبَيَّنَ في الوُجُودِ ما عَمِلْناهُ أوَّلًا، فالنَّظَرُ مَجازٌ عَنْ هَذا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ النَّظَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مَعْنى المُقابَلَةِ ؟ قُلْتُ: هو مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ المُحَقَّقِ الَّذِي هو عِلْمٌ بِالشَّيْءِ مَوْجُودٌ، أشْبَهَ بِنَظَرِ النّاظِرِ وعِيانِ المُعايِنِ في حَقِيقَتِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ النَّظَرِ المُقابَلَةُ، وفِيهِ إنْكارُ وصْفِهِ تَعالى بِالبَصِيرِ ورَدُّهُ إلى مَعْنى العِلْمِ. وقِيلَ: ﴿لِنَنْظُرَ﴾، هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِيَنْظُرَ رُسُلُنا وأوْلِياؤُنا. وأُسْنِدَ النَّظَرُ إلى اللَّهِ مَجازًا، وهو لِغَيْرِهِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ الزَّمّارِيُّ: (لِنَظَّرَ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الظّاءِ، وقالَ: هَكَذا رَأيْتُهُ في مُصْحَفِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَعْنِي: أنَّهُ رَآها بِنُونٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ النَّقْطَ والشَّكْلَ بِالحَرَكاتِ والتَّشْدِيداتِ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ عُثْمانَ، ولا يَدُلُّ كَتْبُهُ بِنُونٍ واحِدَةٍ عَلى حَذْفِ النُّونِ مِنَ اللَّفْظِ، ولا عَلى إدْغامِها في الظّاءِ؛ لِأنَّ إدْغامَ النُّونِ في الظّاءِ لا يَجُوزُ، ومُسَوِّغُ حَذْفِها أنَّهُ لا أثَرَ لَها في الأنْفِ، فَيَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ قِراءَةُ يَحْيى عَلى أنَّهُ بالَغَ في إخْفاءِ الغُنَّةِ، فَتَوَهَّمُ السّامِعُ أنَّهُ إدْغامٌ، فَنُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ. و”كَيْفَ“ مَعْمُولَةٌ لِـ (تَعْمَلُونَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (لِنَنْظُرَ)، لِأنَّها مُعَلَّقَةٌ. وجازَ التَّعْلِيقُ في (نَظَرَ)، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ؛ لِأنَّها وصْلَةُ فِعْلِ القَلْبِ الَّذِي هو العِلْمُ.

10:15Page 210

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur’ān other than this or change it." Say, [O Muḥammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا، فِيهِ ما نَسْألُكَ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: في خَمْسَةِ نَفَرٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، ومِكْرَزِ بْنِ حَفْصٍ، وعَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَيْسٍ العامِرِيِّ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ. وقِيلَ: الخَمْسَةُ: الوَلِيدُ، والعاصِي، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والحارِثُ بْنُ حَنْظَلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غاظَهم ما في القُرْآنِ مِن ذَمِّ عِبادَةِ الأوْثانِ والوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ، فَقالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ ما يَغِيظُنا مِن ذَلِكَ نَتَّبِعْكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّ بَعْضَ كُفّارِ قُرَيْشٍ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى مَعْنى: ساهِلْنا يا مُحَمَّدُ، واجْعَلْ هَذا الكَلامَ الَّذِي مِن قِبَلِكَ هو بِاخْتِيارِنا، وأحِلَّ ما حَرَّمَتْهُ، وحَرِّمْ ما أحْلَلْتَهُ، لِيَكُونَ أمْرُنا حِينَئِذٍ واحِدًا وكَلِمَتُنا مُتَّصِلَةً. انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى الوَصْفِ الحامِلِ لَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، وهو كَوْنُهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ عَلى ما اقْتَرَفُوهُ، والمَعْنى: وإذا تَسْرِدُ عَلَيْهِمْ آياتِ القُرْآنِ واضِحاتٍ نَيِّراتٍ لا لَبْسَ فِيها قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ، وأُضِيفَتِ الآياتُ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّها كَلامُهُ جَلَّ وعَزَّ، والتَّبْدِيلُ يَكُونُ في الذّاتِ بِأنْ يُجْعَلَ بَدَلُ ذاتٍ ذاتًا أُخْرى، ويَكُونُ في الصِّفَةِ. والتَّبْدِيلُ هُنا هو في الصِّفَةِ، وهو أنْ يُزالَ بَعْضُ نَظْمِهِ بِأنْ يُجْعَلَ مَكانَ آيَةِ العَذابِ آيَةَ الرَّحْمَةِ، ولا يُرادُ بِالتَّبْدِيلِ هُنا أنْ يَكُونَ في الذّاتِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ جَعْلُ الشَّيْءِ المُقْتَضِي لِلتَّغايُرِ هو الشَّيْءُ (p-١٣٢)بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّ التَّبْدِيلَ في الذّاتِ هو الإتْيانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا. ولَمّا كانَ الإتْيانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا غَيْرَ مَقْدُورٍ لِلْإنْسانِ لَمْ يَحْتَجْ إلى نَفْيِهِ، ونَفْيِ ما هو مَقْدُورٌ لِلْإنْسانِ، وإنْ كانَ مُسْتَحِيلًا ذَلِكَ في حَقِّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ . وانْتِفاءُ الكَوْنِ هُنا هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] أيْ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّبْدِيلُ في الذّاتِ عَلى أنْ يُلْحَظَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ بَقاءُ هَذا القُرْآنِ ويُؤْتى بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ (أوْ بَدِّلْهُ) بِمَعْنى أزِلْهُ بِالكُلِّيَّةِ وائْتِ بِبَدَلِهِ، فَيَكُونُ المَطْلُوبُ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا إزالَتُهُ بِالكُلِّيَّةِ وهو التَّبْدِيلُ في الذّاتِ، أوِ الإتْيانُ بِغَيْرِهِ مَعَ بَقائِهِ فَيَحْصُلُ التَّغايُرُ بَيْنَ المَطْلُوبَيْنِ. و(تِلْقاءِ) مَصْدَرٌ كالتِّبْيانِ، ولِمَ يَجِئْ مَصْدَرٌ عَلى تِفْعالٍ غَيْرُهُما، ويُسْتَعْمَلُ ظَرْفًا لِلْمُقابَلَةِ، تَقُولُ: زَيْدٌ تِلْقاءَكَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ، وهو قِياسُ المَصادِرِ الَّتِي لِلْمُبالَغَةِ كالتَّطْوافِ والتَّجْوالِ والتَّرْدادِ، والمَعْنى: مِن قِبَلِ نَفْسِي أنْ أتَّبِعَ فِيما آمُرُكم بِهِ وما أنْهاكم عَنْهُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ ولا تَبْدِيلٍ إلّا ما يَجِيئُنِي خَبَرُهُ مِنَ السَّماءِ. واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ بِالِاجْتِهادِ، وعَلى نَفْيِ القِياسِ، وإنَّما قالُوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾؛ لِأنَّهم كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ، أوْ أنْ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] وقَوْلِهِمْ: ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [يونس: ١٧] ولا يُمْكِنُ أنْ يُرِيدُوا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ: (إنِّي أخافُ) .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما كانَ غَرَضُهم وهم أدْهى النّاسِ وأنْكَرُهم في هَذا الِاقْتِراحِ ؟ قُلْتُ: المَكْرُ والكَيْدُ. أمّا اقْتِراحُ إبْدالِ قُرْآنٍ بِقُرْآنٍ فَفِيهِ أنَّهُ مِن عِنْدِكَ، وأنَّكَ لَقادِرٌ عَلى مِثْلِهِ، فَأبْدِلْ مَكانَهُ آخَرَ. وأمّا اقْتِراحُ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ فَلِلطَّمَعِ ولِاخْتِبارِ الحالِ، وأنَّهُ إنْ وُجِدَ مِنهُ تَبْدِيلٌ، فَإمّا أنْ يُهْلِكَهُ اللَّهُ فَنَنْجُوَ مِنهُ، أوْ لا يُهْلِكَهُ فَيَسْخَرُوا مِنهُ، ويَجْعَلُوا التَّبْدِيلَ حُجَّةً عَلَيْهِ وتَصْحِيحًا لِافْتِرائِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وإنْ عَصَيْتُ بِالتَّبْدِيلِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، وتَقَدَّمَ اتِّباعُ الوَحْيِ، وتَرْكِي العَمَلَ بِهِ، وهو شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ. واليَوْمُ العَظِيمُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، ووُصِفَ بِالعِظَمِ لِطُولِهِ، أوْ لِكَثْرَةِ شَدائِدِهِ، أوْ لِلْمَجْمُوعِ. وانْظُرْ إلى حُسْنِ هَذا الجَوابِ، لَمّا كانَ أحَدُ المَطْلُوبَيْنِ التَّبْدِيلَ بَدَأ بِهِ في الجَوابِ، ثُمَّ أتْبَعَ بِأمْرٍ عامٍّ يَشْمَلُ انْتِفاءَ التَّبْدِيلِ وغَيْرَهُ، ثُمَّ أتى بِالسَّبَبِ الحامِلِ عَلى ذَلِكَ وهو الخَوْفُ، وعَلَّقَهُ بِمُطْلَقِ العِصْيانِ، فَبِأدْنى عِصْيانٍ تَرَتَّبَ الخَوْفُ.

10:16Page 210

قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦

Say, "If Allāh had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it.1 Then will you not reason?"

﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾: هَذِهِ مُبالَغَةٌ في التَّبْرِئَةِ مِمّا طَلَبُوا مِنهُ، أيْ: إنَّ تِلاوَتَهُ عَلَيْهِمْ هَذا القُرْآنَ إنَّما هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وإحْداثِهِ أمْرًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العاداتِ، وهو أنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يَسْتَمِعْ ولَمْ يُشاهِدِ العُلَماءَ ساعَةً مِن عُمُرِهِ، ولا نَشَأ في بَلْدَةٍ فِيها عُلَماءُ فَيَقْرَأُ عَلَيْكم كِتابًا فَصِيحًا يُبْهِرُ كَلامُهُ كُلَّ فَصِيحٍ، ويَعْلُو عَلى كُلِّ مَنثُورٍ ومَنظُومٍ، مَشْحُونًا بِعُلُومٍ مِن عُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ وأخْبارِ ما كانَ وما يَكُونُ، ناطِقًا بِالغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وقَدْ بَلَغَ بَيْنَ ظَهْرانِيكم أرْبَعِينَ سَنَةً تَطَّلِعُونَ عَلى أحْوالِهِ ولا يَخْفى عَلَيْكم شَيْءٌ مِن أسْرارِهِ، وما سَمِعْتُمْ مِنهُ حَرْفًا مِن ذَلِكَ، ولا عَرَّفَهُ بِهِ أحَدٌ مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وألْصَقِهِمْ بِهِ. ومَفْعُولُ (شاءَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوَهُ، وجاءَ جَوابُ (لَوْ) عَلى الفَصِيحِ مِن عَدَمِ إتْيانِ اللّامِ؛ لِكَوْنِهِ مَنفِيًّا بِـ (ما)، ويُقالُ: دَرَيْتُ بِهِ، وأدْرَيْتُ زَيْدًا بِهِ، والمَعْنى: ولا أُعْلِمُكم بِهِ عَلى لِسانِي. وقَرَأ قُنْبُلُ والبَزِّيُّ مِن طَرِيقِ النَّقّاشِ عَنْ أبِي رَبِيعَةَ عَنْهُ: (ولَأدْراكم) بِلامٍ دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ مُثْبَتٍ مَعْطُوفٍ عَلى مَنفِيٍّ، والمَعْنى: ولَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ طَرِيقِي وعَلى لِسانِ غَيْرِي، ولَكِنَّهُ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّنِي بِهَذِهِ الكَرامَةِ ورَآنِي لَها أهْلًا دُونَ النّاسِ.

وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ فَـ ”لا“ مُؤَكِّدَةٌ ومُوَضِّحَةً أنَّ الفِعْلَ مَنفِيٌّ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا (p-١٣٣)عَلى مَنفِيٍّ، ولَيْسَتْ ”لا“ هي الَّتِي نُفِيَ الفِعْلُ بِها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ نَفْيُ الفِعْلِ بِـ ”لا“ إذا وقَعَ جَوابًا، والمَعْطُوفُ عَلى الجَوابِ جَوابٌ. وأنْتَ لا تَقُولُ: لَوْ كانَ كَذا لا كانَ كَذا، إنَّما يَكُونُ ما كانَ كَذا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: (ولا أدْرَأْتُكم بِهِ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وخَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأصْلَ أدْرَيْتُكم بِالياءِ، فَقَلَبَها هَمْزَةً، عَلى لُغَةِ مَن قالَ: لَبَّأْتُ بِالحَجِّ، ورَثَأْتُ زَوْجِي بِأبْياتٍ، يُرِيدُ: لَبَّيْتُ ورَثَيْتُ. وجازَ هَذا البَدَلُ لِأنَّ الألِفَ والهَمْزَةَ مِن وادٍ واحِدٍ، ولِذَلِكَ إذا حُرِّكَتِ الألِفُ انْقَلَبَتْ هَمْزَةً كَما قالُوا في العالِمِ العَأْلِمُ، وفي المُشْتاقِ المُشْتَأْقُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الهَمْزَةَ أصْلٌ وهو مِنَ الدَّرْءِ، وهو الدَّفْعُ، يُقالُ: دَرَأْتُهُ دَفَعْتُهُ، كَما قالَ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ [النور: ٨] ودَرَأْتُهُ جَعَلْتُهُ دارِئًا، والمَعْنى: ولَأجْعَلَنَّكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وتُكَذِّبُونَنِي. وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ إنَّما هي أدْرَيْتُكم، فَقَلَبَ الياءَ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ لِعَقِيلٍ حَكاها قُطْرُبٌ، يَقُولُونَ في أعْطَيْتُكَ: أعْطَأْتُكَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَلَبَ الحَسَنُ الياءَ ألِفًا كَما في لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: السَّلامُ عَلاكَ، قِيلَ: ثَمَّ هَمْزٌ عَلى لُغَةِ مَن قالَ في العالِمِ: العَأْلِمُ. وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ والأعْمَشُ: (ولا أنْذَرْتُكم بِهِ) بِالنُّونِ والذّالِ، مِنَ الإنْذارِ، وكَذا هي في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإقامَتِهِ فِيهِمْ عُمُرًا وهو أرْبَعُونَ سَنَةً مِن قَبْلِ ظُهُورِ القُرْآنِ عَلى لِسانِي يافِعًا وكَهْلًا، لَمْ تُجَرِّبُونِي في كَذِبٍ، ولا تَعاطَيْتُ شَيْئًا مِن هَذا، ولا عانَيْتُ اشْتِغالًا، فَكَيْفَ أُتَّهَمُ بِاخْتِلاقِهِ ؟ أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِن مُكْثِهِ الأزْمانَ الطَّوِيلَةَ مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ، ولا تَلَمُّذٍ، ولا مُطالَعَةِ كِتابٍ، ولا مِراسِ جِدالٍ، ثُمَّ أتى بِما لَيْسَ يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ أحَدٌ، ولا يَكُونُ إلّا مُحِقًّا فِيما أتى بِهِ، مُبَلِّغًا عَنْ رَبِّهِ ما أوْحى إلَيْهِ وما اخْتَصَّهُ بِهِ ؟ كَما جاءَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ: هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ كَذِبًا ؟ قالَ: لا، فَقالَ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى الخَلْقِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ. وأدْغَمَ ثاءَ (لَبِثْتُ) أبُو عَمْرٍو، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (عُمُرًا) بِإسْكانِ المِيمِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن قَبْلِهِ) عَلى القُرْآنِ. وأجازَ الكَرْمانِيُّ أنْ يَعُودَ عَلى التِّلاوَةِ، وعَلى النُّزُولِ، وعَلى الوَقْتِ، يَعْنِي: وقْتَ نُزُولِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском