Abu HayyanYunus · 10:22–25

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:22–25

10:22Page 211

هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

﴿هو الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ النّاسَ إذا أصابَهُمُ الضُّرُّ لَجَئُوا إلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا أذاقَهُمُ الرَّحْمَةَ عادُوا إلى عادَتِهِمْ مِن إهْمالِ جانِبِ اللَّهِ والمَكْرِ في آياتِهِ. وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ ذَكَرَ نَحْوًا مِن هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ [يونس: ١٢] الآيَةَ. وكانَ المَذْكُورُ في الآيَتَيْنِ أمْرًا كُلِّيًّا، أوْضَحَ تَعالى ذَلِكَ الأمْرَ الكُلِّيَّ بِمِثالٍ جَلِيٍّ كاشِفٍ عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ المَعْنى الكُلِّيِّ يَنْقَطِعُ فِيهِ رَجاءُ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ مُتَعَلَّقٍ بِهِ إلّا اللَّهَ تَعالى، فَيُخْلِصُ لَهُ الدُّعاءَ وحْدَهُ في كَشْفِ هَذِهِ النّازِلَةِ الَّتِي لا يَكْشِفُها إلّا هو تَعالى، ويَتَبَيَّنُ بُطْلانُ عِبادَتِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ودَعْواهُ أنَّهُ شَفِيعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ بَعْدَ كَشْفِ هَذِهِ النّازِلَةِ عادَ إلى عادَتِهِ مِن بَغْيِهِ في الأرْضِ، فَإنْجاؤُهُ تَعالى إيّاهم هو مِثالُ مَن أذاقَهُ الرَّحْمَةَ، وما كانُوا فِيهِ قَبْلُ مِن إشْرافِهِمْ عَلى الهَلاكِ هو مِثالٌ مِنَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهم. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ: (يَنْشُرُكم) مِنَ النَّشْرِ والبَثِّ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: (يَنْشُرُكم) مِنَ الإنْشارِ وهو الإحْياءُ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ. وقَرَأ بَعْضُ الشّامِيِّينَ: (يُنَشِّرُكم) بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلتَّكْثِيرِ مِنَ النَّشْرِ الَّذِي هو مُطاوَعَةُ الِانْتِشارِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ: (يُسَيِّرُكم) مِنَ التَّيْسِيرِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ، لا تَضْعِيفُ تَعْدِيَةٍ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سِرْتُ الرَّجُلَ وسَيَّرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:(p-١٣٨)

؎فَلا تَجْزَعْنَ مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا البَيْتِ اعْتِراضٌ حَتّى لا يَكُونَ شاهِدًا في هَذا، وهو أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ كالظَّرْفِ؛ كَما تَقُولُ: سِرْتُ الطَّرِيقَ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ لا يَتَعَيَّنُ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ التَّضْعِيفَ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، لِأنَّ (سارَ الرَّجُلُ) لازِمًا أكْثَرُ مِن (سِرْتُ الرَّجُلَ) مُتَعَدِّيًا، فَجَعْلُهُ ناشِئًا عَنِ الأكْثَرِ أحْسَنُ مِن جَعْلِهِ ناشِئًا عَنِ الأقَلِّ. وأمّا جَعْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ كالظَّرْفِ، قالَ كَما تَقُولُ: سِرْتُ الطَّرِيقَ، فَهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، لِأنَّ الطَّرِيقَ عِنْدَهم ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ كالدّارِ والمَسْجِدِ، فَلا يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ، غَيْرُهُ (دَخَلْتُ) عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، و(انْطَلَقْتُ) و(ذَهَبَتْ) عِنْدَ الفَرّاءِ إلّا بِوَساطَةِ ”في“ إلّا في ضَرُورَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَضَمِيرُهُ أحْرى أنْ لا يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ. وإذا كانَ ضَمِيرُ الظَّرْفِ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ يَصِلُ إلَيْهِ بِوَساطَةِ ”في“، إلّا إنِ اتَّسَعَ فِيهِ؛ فَلَأنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الَّذِي يَصِلُ الفِعْلُ إلى ظاهِرِهِ بِـ ”في“ أوْلى أنْ يَصِلَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِوَساطَةِ ”في“ . وزَعَمَ ابْنُ الطَّراوَةِ أنَّ (الطَّرِيقَ) ظَرْفٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ، فَيَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ وساطَةِ ”في“، وهو زَعْمٌ مَرْدُودٌ في النَّحْوِ.

ومَعْنى (يُسَيِّرُكم): يَجْعَلُكم تَسِيرُونَ، والسَّيْرُ مَعْرُوفٌ، وفي قَوْلِهِ: (والبَحْرِ) دَلالَةٌ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ. ولَمّا كانَ الخَوْفُ في البَحْرِ أغْلَبَ عَلى الإنْسانِ مِنهُ في البَرِّ وقَعَ المِثالُ بِهِ لِذَلِكَ المَعْنى الكُلِّيِّ بِهِ مِنَ التِجاءِ العَبْدِ لِرَبِّهِ تَعالى حالَةَ الشِّدَّةِ والإهْمالِ لِجانِبِهِ حالَةَ الرَّخاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَعَلَ الكَوْنَ في الفُلْكِ غايَةَ التَّسْيِيرِ في البَحْرِ، والتَّسْيِيرُ في البَحْرِ إنَّما هو بِالكَوْنِ في الفُلْكِ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَجْعَلِ الكَوْنَ في الفُلْكِ غايَةَ التَّسْيِيرِ، ولَكِنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الواقِعَةِ بَعْدَ ”حَتّى“ بِما في خَبَرِها؛ كَأنَّهُ قالَ: يُسَيِّرُكم حَتّى إذا وقَعَتْ هَذِهِ الحادِثَةُ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ مِن مَجِيءِ الرِّيحِ العاصِفِ، وتَراكُمِ الأمْواجِ، والظَّنِّ لِلْهَلاكِ، والدُّعاءِ لِلْإنْجاءِ. انْتَهى. وهو حَسَنٌ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وأُمُّ الدَّرْداءِ: (في الفُلْكِيِّ) بِزِيادَةِ ياءِ النَّسَبِ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى زِيادَتِها، كَما زادُوها في الصِّفَةِ في نَحْوِ: أحْمَرِيٍّ وزَوارِيٍّ، وفي العَلَمِ كَقَوْلِ الصَّلْتانِ:

؎أنا الصَّلْتانِيُّ الَّذِي قَدْ عَلِمْتُمْ

وعَلى إرادَةِ النَّسَبِ مُرادًا بِهِ اللُّجُّ كَأنَّهُ قِيلَ في اللُّجِّ الفُلْكِيِّ وهو الماءُ الغَمْرُ الَّذِي لا تَجْرِي الفُلْكُ إلّا فِيهِ، والضَّمِيرُ في (وجَرَيْنَ) عائِدٌ عَلى (الفُلْكِ)، عَلى مَعْنى الجَمْعِ، إذِ الفُلْكُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ يَكُونُ مُفْرَدًا وجَمْعًا، والضَّمِيرُ في ”بِهِمْ“ عائِدٌ عَلى الكائِنِينَ في الفُلْكِ. وهو التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ. وفائِدَةُ صَرْفِ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُبالَغَةُ، كَأنَّهُ يَذْكُرُ لِغَيْرِهِمْ حالَهم لِيُعَجِّبَهم مِنها، ويَسْتَدْعِيَ مِنهُمُ الإنْكارَ والتَّقْبِيحَ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ حِكْمَةَ الِالتِفاتِ هُنا هي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ خِطابٌ فِيهِ امْتِنانٌ وإظْهارُ نِعْمَةٍ لِلْمُخاطَبِينَ، (p-١٣٩)والمُسَيَّرُونَ في البَرِّ والبَحْرِ مُؤْمِنُونَ وكُفّارٌ، والخِطابُ شامِلٌ، فَحَسُنَ خِطابُهم بِذَلِكَ لِيَسْتَدِيمَ الصّالِحُ عَلى الشُّكْرِ، ولَعَلَّ الطّالِحَ يَتَذَكَّرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ فَيَرْجِعُ، فَلَمّا ذُكِرَتْ حالَةٌ آلَ الأمْرُ في آخِرِها إلى أنَّ المُلْتَبِسَ بِها هو باغٍ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ؛ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ حَتّى لا يَكُونَ المُؤْمِنُونَ يُخاطَبُونَ بِصُدُورِ مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي آخِرُها البَغْيُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”بِهِمْ“ خُرُوجٌ مِنَ الحُضُورِ إلى الغَيْبَةِ، وحَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ هو بِالمَعْنى المَعْقُولِ، حَتّى إذا حَصَلَ بَعْضُكم في السُّفُنِ انْتَهى، فَكَأنَّهُ قَدَّرَ مُفْرَدًا غائِبًا يُعادُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ﴾ [النور: ٤٠] أيْ: أوْ كَذِي ظُلُماتٍ، فَعادَ الضَّمِيرُ غائِبًا عَلى اسْمٍ غائِبٍ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ. والباءُ في ”بِهِمْ“ و(بِرِيحٍ) . قالَ العُكْبُرِيُّ: تَتَعَلَّقُ الباءانِ بِـ (جَرَيْنَ) . انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الباءَ في (بِهِمْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (جَرَيْنَ) تَعَلُّقَها بِالمَفْعُولِ نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ، وأنَّ الباءَ في (بِرِيحٍ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمُسَبِّبِ، فاخْتَلَفَ المَدْلُولُ في الباءَيْنِ، فَجازَ أنْ يَتَعَلَّقا بِفِعْلٍ واحِدٍ، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: وجَرَيْنَ بِهِمْ مُلْتَبِسَةً بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ أيْ مُلْتَبِسًا بِها. و﴿فَرِحُوا بِها﴾ [الروم: ٣٦] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ: وقَدْ فَرِحُوا بِها. كَما احْتَمَلَ قَوْلُهُ: (وجَرَيْنَ) أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (كُنْتُمْ)، وأنْ يَكُونَ حالًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾، هو جَوابُ ”إذا“ . والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (جاءَتْها) عَلى الفُلْكِ؛ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾، وقالَهُ مُقاتِلٌ: وجَوَّزُوا أنْ يَعُودَ عَلى الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ، وقالَهُ الفَرّاءُ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. ومَعْنى طِيبِ الرِّيحِ لِينُ هُبُوبِها وكَوْنِها مُوافِقَةً. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (جاءَتْهم)، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن أمْكِنَةِ المَوْجِ. والظَّنُّ هُنا عَلى بابِهِ الأصْلِيِّ مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وقِيلَ: مَعْناها التَّيَقُّنُ، ومَعْنى ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ: لِلْهَلاكِ، كَما يُحِيطُ العَدُوُّ بِمَن يُرِيدُ إهْلاكَهُ، وهي كِنايَةٌ عَنِ اسْتِيلاءِ أسْبابِ الهَلاكِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (حِيطَ بِهِمْ) ثُلاثِيًّا، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (دَعَوُا اللَّهَ) قالَ أبُو البَقاءِ: هي جَوابُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَعْنى مِن مَعْنى الشَّرْطِ، تَقْدِيرُهُ: لَمّا ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ. انْتَهى، وهو كَلامٌ لا يَتَحَصَّلُ مِنهُ شَيْءٌ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: جَوابُ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾، وجَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ (دَعَوُا اللَّهَ) انْتَهى. وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (وظَنُّوا) ظاهِرُهُ العَطْفُ عَلى جَوابِ ”إذا“؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (كُنْتُمْ)، لَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ. كَما تَقُولُ: إذا زارَكَ فُلانٌ فَأكْرِمْهُ، وجاءَكَ خالِدٌ فَأحْسِنْ إلَيْهِ، وكَأنَّ أداةَ الشَّرْطِ مَذْكُورَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي بَدَلٌ مِن ظَنُّوا لِادِّعائِهِمْ مِن لَوازِمِ ظَنِّهِمُ الهَلاكَ، فَهو مُلْتَبِسٌ بِهِ. انْتَهى. وكانَ أُسْتاذُنا أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُخَرِّجُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما ذَكَرُوا ويَقُولُ: هو جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُهم إذْ ذاكَ ؟ فَقِيلَ: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. انْتَهى. ومَعْنى الإخْلاصِ إفْرادُهُ بِالدُّعاءِ مِن غَيْرِ إشْراكِ أصْنامٍ ولا غَيْرِها، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الحَسَنُ: (مُخْلِصِينَ) لا إخْلاصَ إيمانٍ، لَكِنْ لِأجْلِ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ مِن ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الإيمانِ الِاضْطِرارِيِّ. انْتَهى. والِاعْتِرافُ بِاللَّهِ مَرْكُوزٌ في طَبائِعِ العالَمِ، وهم مَجْبُولُونَ عَلى أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في الأشْياءِ، ولِذَلِكَ إذا حَقَّتِ الحَقائِقُ رَجَعُوا إلَيْهِ كُلُّهم مُؤْمِنُهم وكافِرُهم.

﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ ثَمَّ قَسَمٌ مَحْذُوفٌ، وذَلِكَ القَسَمُ وما بَعْدَهُ مَحْكِيٌّ بِقَوْلٍ أيْ قائِلِينَ. أوْ أُجْرِيَ (دَعَوْا) مَجْرى قالُوا؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى الشَّدائِدِ الَّتِي هم فِيها. وقالَ الكَلْبِيُّ: إلى الرِّيحِ العاصِفِ.

10:23Page 211

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣

But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

(p-١٤٠)﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَبْغُونَ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والعَمَلِ بِالمَعاصِي والفَسادِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾، والبَغْيُ لا يَكُونُ بِحَقٍّ ؟ قُلْتُ: بَلى وهو اسْتِيلاءُ المُسْلِمِينَ عَلى أرْضِ الكَفَرَةِ، وهَدْمُ دُورِهِمْ، وإحْراقُ زُرُوعِهِمْ، وقَطْعُ أشْجارِهِمْ كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَنِي قُرَيْظَةَ. انْتَهى. وكَأنَّهُ قَدْ شَرَحَ قَوْلَهُ: (يَبْغُونَ) بِأنَّهم يُفْسِدُونَ، ويُبْعَثُونَ مُتَرَقِّينَ في ذَلِكَ مُمْعِنِينَ فِيهِ، مِن بَغى الجُرْحُ إذا تَرَقّى لِلْفَسادِ. انْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ: البَغْيُ التَّرَقِّي في الفَسادِ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: بَغى الجُرْحُ تَرَقّى إلى الفَسادِ، وبَغَتِ المَرْأةُ فَجَرَتْ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ في المُسْلِمِينَ إنَّهم باغُونَ عَلى الكَفَرَةِ، إلّا إنْ ذُكِرَ أنَّ أصْلَ البَغْيِ هو الطَّلَبُ مُطْلَقًا ولا يَتَضَمَّنُ الفَسادَ، فَحِينَئِذٍ يَنْقَسِمُ إلى طَلَبٍ بِحَقٍّ، وطَلَبٍ بِغَيْرِ حَقٍّ. ولَمّا حَمَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ البَغْيَ هُنا عَلى الفَسادِ قالَ: أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ . وجَوابُ ”لَمّا“ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ وما بَعْدَها، ومَجِيءُ ”إذا“ وما بَعْدَها جَوابًا لَها دَلِيلٌ عَلى أنَّها حَرْفٌ يَتَرَتَّبُ ما بَعْدَها مِنَ الجَوابِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ ”لَمّا“، وأنَّها تُفِيدُ التَّرَتُّبَ والتَّعْلِيقَ في المُضِيِّ، وأنَّها كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: حَرْفٌ. ومَذْهَبُ غَيْرِهِ أنَّها ظَرْفٌ، وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ فِيما كَتَبْناهُ في عِلْمِ النَّحْوِ. والجَوابُ بِـ ”إذا“ الفُجائِيَّةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَأخَّرْ بَغْيُهم عَنْ إنْجائِهِمْ، بَلْ بِنَفْسِ ما وقَعَ الإنْجاءُ وقَعَ البَغْيُ، والخِطابُ بِـ ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ - قالَ الجُمْهُورُ: لِأهْلِ مَكَّةَ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أنْجاهُمُ اللَّهُ وبَغَوْا، ويَحْتَمِلُ - كَما قالُوا - العُمُومَ، فَيَنْدَرِجُ أُولَئِكَ فِيهِمْ، وهَذا ذَمٌّ لِلْبَغْيِ في أوْجَزِ لَفْظٍ. ومَعْنى (عَلى أنْفُسِكم): وبالُ البَغْيِ عَلَيْكم، ولا يَجْنِي ثَمَرَتَهُ إلّا أنْتُمْ. فَقَوْلُهُ: (عَلى أنْفُسِكم) خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو (بَغْيُكم)، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وعَلى هَذا التَّوْجِيهِ انْتَصَبَ (مَتاعَ) في قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وحَفْصٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وهارُونَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُتَمَتِّعِينَ، أوْ باقِيًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مَتاعَ، أوْ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِ نَحْوُ: مَقْدِمَ الحاجِّ، أيْ: وقْتَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا. وكُلُّ هَذِهِ التَّوْجِيهاتِ مَنقُولَةٌ. والعامِلُ في (مَتاعَ) إذا كانَ حالًا أوْ ظَرْفًا ما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ (بَغْيُكم)، أيْ: كائِنٌ عَلى أنْفُسِكم، ولا يَنْتَصِبانِ بِـ (بَغْيُكم)، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ. وارْتَفَعَ (مَتاعُ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وأجازَ النَّحّاسُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (بَغْيُكم)، كَما تَعَلَّقَ في قَوْلِهِ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦]، ويَكُونُ الخَبَرُ (مَتاعُ) إذا رَفَعْتُهُ. ومَعْنى ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾: عَلى أمْثالِكم والَّذِينَ جِنْسُكم جِنْسُهم، يَعْنِي: بَغْيُ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ مَنفَعَةُ الحَياةِ الدُّنْيا. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: (مَتاعًا الحَياةَ الدُّنْيا) بِنَصْبِ مَتاعٍ وتَنْوِينِهِ، ونَصْبِ الحَياةِ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ: تُعَجَّلُ لَكم عُقُوبَتُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (فَيُنَبِّئُكم) بِالياءِ عَلى الغِيبَةِ، والمُرادُ لِلَّهِ تَعالى.

10:24Page 211

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤

The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest,1 as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.

﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها﴾

(p-١٤١)أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٢٣] ضَرَبَ مَثَلًا عَجِيبًا غَرِيبًا لِلْحَياةِ الدُّنْيا تَذْكُرُ مَن يَبْغِي فِيها عَلى سُرْعَةِ زَوالِها وانْقِضائِها، وأنَّها بِحالِ ما تُعِزُّ وتَسُرُّ، تَضْمَحِلُّ ويَئُولُ أمْرُها إلى الفَناءِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، شُبِّهْتُ حالُ الدُّنْيا في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وانْقِراضِ نَعِيمِها بَعْدَ الإقْبالِ بِحالِ نَباتِ الأرْضِ (p-١٤٢)فِي جَفافِهِ وذَهابِهِ حُطامًا بَعْدَما التَفَّ وتَكاثَفَ وزَيَّنَ الأرْضَ بِخُضْرَتِهِ ورَفِيفِهِ، انْتَهى.

وإنَّما هُنا لَيْسَتْ لِلْحَصْرِ لا وضْعًا ولا اسْتِعْمالًا، لِأنَّهُ تَعالى ضَرَبَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا أمْثالًا غَيْرَ هَذا، والمَثَلُ هُنا يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الصِّفَةُ، وأنْ يُرادَ بِهِ القَوْلُ السّائِرُ المُشَبَّهُ بِهِ حالُ الثّانِي بِالأوَّلِ.

والظّاهِرُ تَشْبِيهُ صِفَةِ الحَياةِ الدُّنْيا بِماءٍ فِيما يَكُونُ بِهِ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفاعِ ثُمَّ الِانْقِطاعِ. وقِيلَ: شُبِّهَتِ الحَياةُ الدُّنْيا بِالنَّباتِ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَنَباتِ ماءٍ، فَحُذِفَ المُضافُ.

وقِيلَ: شُبِّهَتِ الحَياةُ بِحَياةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى (p-١٤٣)هَذِهِ الأوْصافِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَحَياةِ قَوْمٍ بِماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ. قِيلَ: ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ: وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها.

والسَّماءُ إمّا أنْ يُرادَ مِنَ السَّحابِ، وإمّا أنْ يُرادَ مِن جِهَةِ السَّماءِ، والظّاهِرُ أنَّ النَّباتَ اخْتَلَطَ بِالماءِ. ومَعْنى الِاخْتِلاطِ: تَشَبُّثُهُ بِهِ، وتَلَقُّفُهُ إيّاهُ، وقَبُولُهُ لَهُ، لِأنَّهُ يَجْرِي لَهُ مَجْرى الغِذاءِ، فَتَكُونُ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ.

وكُلُّ مُخْتَلِطَيْنِ يَصِحُّ في كُلٍّ مِنهُما أنْ يُقالَ: اخْتَلَطَ بِصاحِبِهِ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ: خالَطَهُ الماءُ وداخَلَهُ، فَغَذّى كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: فاخْتَلَطَ بِهِ اخْتِلاطَ مُجاوَرَةٍ، لِأنَّ الِاخْتِلاطَ تَداخُلُ الأشْياءِ بَعْضُها في بَعْضٍ، انْتَهى.

ولا يَمْتَنِعُ اخْتِلاطُ النَّباتِ بِالماءِ عَلى سَبِيلِ التَّداخُلِ، فَلا تَقُولُ: إنَّهُ اخْتِلاطُ مُجاوَرَةٍ.

وقِيلَ: اخْتَلَطَ اخْتَلَفَ وتَنَوَّعَ بِالماءِ، ويَنْبُو لَفْظُ اخْتَلَطَ عَنْ هَذا التَّفْسِيرِ. وقِيلَ: مَعْنى اخْتَلَطَ تَرَكَّبَ، وقِيلَ: امْتَدَّ وطالَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاشْتَبَكَ بِسَبَبِهِ حَتّى خالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وصَلَتْ فُرْقَةُ النَّباتَ بِقَوْلِهِ فاخْتَلَطَ أيِ: اخْتَلَطَ النَّباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، انْتَهى.

وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الباءُ في بِماءٍ لِلسَّبَبِيَّةِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الفاعِلَ في قَوْلِهِ: فاخْتَلَطَ هو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الماءِ أيْ: فاخْتَلَطَ الماءُ بِالأرْضِ. ويَقِفُ هَذا الذّاهِبُ عَلى قَوْلِهِ: فاخْتَلَطَ، ويَسْتَأْنِفُ (بِهِ نَباتُ) عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ المُقَدَّمُ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في بِهِ عَلى الماءِ وعَلى الِاخْتِلاطِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ، انْتَهى.

والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: فاخْتَلَطَ، لا يَجُوزُ وخاصَّةً في القُرْآنِ لِأنَّهُ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ المُتَّصِلِ الصَّحِيحِ المَعْنى، الفَصِيحِ اللَّفْظِ، وذَهابٌ إلى اللُّغْزِ والتَّعْقِيدِ، والمَعْنى الضَّعِيفِ. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِإظْهارِ الِاسْمِ الَّذِي الضَّمِيرُ في كِنايَةٍ عَنْهُ فَقِيلَ بِالِاخْتِلاطِ نَباتُ الأرْضِ، أوْ بِالماءِ نَباتُ الأرْضِ، لَمْ يَكَدْ يَنْعَقِدُ كَلامًا مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ لِضَعْفِ هَذا الإسْنادِ وقُرْبِهِ مِن عَدَمِ الإفادَةِ، ولَوْلا أنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ ذَكَرَهُ وخَرَّجَهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ عَنْهُ لَمْ نَذْكُرْهُ في كِتابِنا.

ولَمّا كانَ النَّباتُ يَنْقَسِمُ إلى مَأْكُولٍ وغَيْرِهِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أحَدُ القِسْمَيْنِ بِمِن فَقالَ: مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ، كالحُبُوبِ، والثِّمارِ، والبُقُولِ، والأنْعامُ كالحَشِيشِ وسائِرِ ما يُرْعى.

قالَ الحَوْفِيُّ: مِن مُتَعَلِّقَةٌ بِاخْتَلَطَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: مِمّا يَأْكُلُ حالٌ مِنَ النَّباتِ، فاقْتَضى قَوْلُ أبِي البَقاءِ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ مَحْذُوفًا لِأنَّ المَجْرُورَ والظَّرْفَ إذا وقَعا حالَيْنِ كانَ العامِلُ مَحْذُوفًا.

وقَوْلُ أبِي البَقاءِ هو الظّاهِرُ، وتَقْدِيرُهُ: كائِنًا مِمّا يَأْكُلُ، وحَتّى غايَةٌ، فَتَحْتاجُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَها مُتَطاوِلًا حَتّى تَصِحَّ الغايَةُ. فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ أيْ: فَما زالَ يَنْمُو حَتّى إذا، أوْ يَتَجَوَّزَ في فاخْتَلَطَ، ويَكُونُ مَعْناهُ فَدامَ اخْتِلاطُ النَّباتِ بِالماءِ حَتّى إذا.

وقَوْلُهُ: أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ، جُمْلَةٌ بَدِيعَةُ اللَّفْظِ جُعِلَتِ الأرْضُ آخِذَةً زُخْرُفَها مُتَزَيِّنَةً، وذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ بِالعَرُوسِ إذا أخَذَتِ الثِّيابَ الفاخِرَةَ مِن كُلِّ لَوْنٍ، فاكْتَسَتْ وتَزَيَّنَتْ بِأنْواعِ الحُلِيِّ، فاسْتُعِيرَ الأخْذُ وهو التَّناوُلُ بِاليَدِ لِاشْتِمالِ نَباتِ الأرْضِ عَلى بَهْجَةٍ ونَضارَةٍ وأثْوابٍ مُخْتَلِفَةٍ، واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ البَهْجَةِ والنَّضارَةِ والألْوانِ المُخْتَلِفَةِ لَفْظَةُ الزُّخْرُفِ وهو الذَّهَبُ، لَمّا كانَ مِنَ الأشْياءِ البَهِجَةِ المَنظَرَ السّارَّةِ لِلنُّفُوسِ.

وازَّيَّنَتْ: أيْ بِنَباتِها وما أُودِعَ فِيهِ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والأزْهارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وازَّيَّنَتْ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها.

واحْتَمَلَ أنْ لا يَكُونَ تَأْكِيدًا، إذْ قَدْ يَكُونُ أخْذُ الزُّخْرُفِ لا لِقَصْدِ التَّزْيِينِ، فَقِيلَ: وازَّيَّنَتْ لِيُفِيدَ أنَّها قَصَدَتِ التَّزْيِينَ.

ونِسْبَةُ الأخْذِ إلى الأرْضِ والتَّزْيِينِ مِن بَدِيعِ الِاسْتِعارَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وازَّيَّنَتْ وأصْلُهُ وتَزَيَّنَتْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِضَرُورَةِ تَسْكِينِ الزّايِ عِنْدَ الإدْغامِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ: وتَزَيَّنَتْ عَلى وزْنِ تَفَعَّلَتْ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، و عِيسى الثَّقَفِيُّ: وأزْيَنَتْ عَلى وزْنِ: (p-١٤٤)أفْعَلَتْ، كَأحْصَدَ الزَّرْعُ أيْ حَضَرَتْ زِينَتُها وحانَتْ.

وصَحَّتِ الياءُ فِيهِ عَلى جِهَةِ النُّدُورِ، كَأعْبَلَتِ المَرْأةُ. والقِياسُ: وأزانَتْ، كَقَوْلِكَ: وأبانَتْ. وقَرَأ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بِوَزْنِ افْعَألَّتْ، قالَهُ عَنْهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ قالَ: كَأنَّهُ كانَتْ في الوَزْنِ بِوَزْنِ احْمارَّتْ، لَكِنَّهم كَرِهُوا الجَمْعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، فَحُرِّكَتِ الألِفُ فانْقَلَبَتْ هَمْزَةً مَفْتُوحَةً. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِفِرْقَةٍ فَقالَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ وازْيَأنَّتْ وهي لُغَةٌ مِنها قالَ الشّاعِرُ:

؎إذا ما الهَوادِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَّتِ

وقَرَأ أشْياخُ عَوْفِ بْنِ أبِي جَمِيلَةَ: وازْيانَّتْ بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وألِفٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: وازّايَنَتْ، والأصْلُ: وتَزايَنَتْ فَأُدْغِمَ، والظَّنُّ هُنا عَلى بابِهِ مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وقِيلَ: بِمَعْنى: أيْقَنُوا ولَيْسَ بِسَدِيدٍ، ومَعْنى القُدْرَةِ عَلَيْها: التَّمَكُّنُ مِن تَحْصِيلِها ومَنفَعَتِها ورَفْعِ غَلَّتِها، وذَلِكَ لِحُسْنِ نُمُوِّها وسَلامَتِها مِنَ العاهاتِ.

والضَّمِيرُ في أهْلِها عائِدٌ عَلى الأرْضِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: أهْلُ نَباتِها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الغَلَّةِ. وقِيلَ: عَلى الزِّينَةِ، وهو ضَعِيفٌ.

وجَوابُ إذا قَوْلُهُ: ﴿أتاها أمْرُنا﴾، كالرِّيحِ والصِّرُّ والسَّمُومِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآفاتِ كالفَأْرِ والجَرادِ. وقِيلَ: أتاها أمْرُنا بِإهْلاكِها، وأُبْهِمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾، وقَدْ عَلِمَ تَعالى مَتى يَأْتِيها أمْرُهُ، (أوْ): تَكُونُ أوْ لِلتَّنْوِيعِ، لِأنَّ بَعْضَ الأرْضِ يَأْتِيها أمْرُهُ تَعالى لَيْلًا وبَعْضَها نَهارًا، ولا يَخْرُجُ كائِنٌ عَنْ وُقُوعِهِ فِيهِما.

والحَصِيدُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ أيِ: المَحْصُودُ، ولَمْ يُؤَنَّثْ كَما لَمْ تُؤَنَّثِ امْرَأةٌ جَرِيحٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَصِيدُ: المُسْتَأْصَلُ انْتَهى.

وعَبَّرَ بِحَصِيدٍ عَنِ التَّألُّفِ اسْتِعارَةً، جَعَلَ ما هَلَكَ مِنَ الزَّرْعِ بِالآفَةِ قَبْلَ أوانِهِ حَصِيدًا لِعَلاقَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ الطَّرْحِ عَلى الأرْضِ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَشْبِيهًا بِغَيْرِ الأداةِ والتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْناها كالحَصِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾: مُبالَغَةٌ في التَّلَفِ والهَلاكِ حَتّى كَأنَّها لَمْ تُوجَدْ قَبْلُ، ولَمْ يَقُمْ بِالأرْضِ بَهْجَةٌ خَضِرَةٌ نَضِرَةٌ تَسُرُّ أهْلَها.

وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَ بِالياءِ عَلى التَّذْكِيرِ. فَقِيلَ: عائِدٌ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو الزَّرْعُ، حُذِفَ وقامَتْ هاءُ التَّأْنِيثِ مَقامَهُ في قَوْلِهِ: عَلَيْها وفي قَوْلِهِ: (أتاها) (فَجَعَلْناها) . وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الزُّخْرُفِ، والأوْلى عَوْدُهُ عَلى الحَصِيدِ أيْ: كَأنْ لَمْ يَغْنَ الحَصِيدُ.

وكانَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ يَقْرَأُ عَلى المِنبَرِ: كَأنْ لَمْ تَتَغَنَّ بِتائَيْنِ مِثْلَ تَتَفَعَّلِ. وقالَ الأعْشى: طَوِيلُ الثَّواءِ طَوِيلُ التَّغَنِّي، وهو مِن غَنِيَ بِكَذا أقامَ بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأمْسُ مَثَلٌ في الوَقْتِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَأنَّ لَمْ تَغْنَ آنِفًا، انْتَهى.

ولَيْسَ الأمْسُ عِبارَةً عَنْ مُطْلَقِ الوَقْتِ، ولا هو مُرادِفٌ كَقَوْلِهِ: آنِفًا، لِأنَّ آنِفًا مَعْناهُ: السّاعَةُ، والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَكُنْ لَها وُجُودٌ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ.

ولَوْ أنَّ قائِلًا قالَ في غَيْرِ القُرْآنِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ لَها وُجُودٌ السّاعَةَ لَمْ يَصِحَّ هَذا المَعْنى، لِأنَّهُ لا وُجُودَ لَها السّاعَةَ، فَكَيْفَ تُشَبَّهُ وهي لا وُجُودَ لَها حَقِيقَةً بِما لا وُجُودَ لَها حَقِيقَةً ؟ إنَّما يُشَبَّهُ ما انْتَفى وجُودُهُ الآنَ بِما قُدِّرَ انْتِفاءُ وجُودِهِ في الزَّمانِ الماضِي، لِسُرْعَةِ انْتِقالِهِ مِن حالَةِ الوُجُودِ إلى حالَةِ العَدَمِ، فَكَأنَّ حالَةَ الوُجُودِ ما سَبَقَتْ لَهُ.

وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ، وما كُنّا لِنُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها. وفي التَّحْرِيرِ: نُفَصِّلُ الآياتِ، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ في مُصْحَفِهِ: وما كانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها، وفي التَّحْرِيرِ. وكانَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقْرَأُ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ، وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها، ولا يَحْسُنُ أنْ يَقْرَأ أحَدٌ بِهَذِهِ القِراءَةِ لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ انْتَهى. (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، أيْ: مِثْلَ هَذا التَّفْصِيلِ الَّذِي فَصَّلْناهُ في الماضِي نُفَصِّلُ في المُسْتَقْبَلِ.

وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ: لِقَوْمٍ يَتَذَكَّرُونَ بِالذّالِ بَدَلَ الفاءِ.

10:25Page 211

وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٥

And Allāh invites to the Home of Peace [i.e., Paradise] and guides whom He wills to a straight path.

﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: لَمّا ذَكَرَ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا وما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الفَناءِ والِاضْمِحْلالِ، وما (p-١٤٥)تَضَمَّنَهُ مِنَ الآفاتِ والعاهاتِ، ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ داعٍ إلى دارِ السَّلامَةِ والصِّحَّةِ والأمْنِ، وهي: الجَنَّةُ، إذْ أهْلُها سالِمُونَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعالى أضافَها إلى اسْمِهِ الشَّرِيفِ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَها والتَّشْرِيفِ كَما قِيلَ: بَيْتُ اللَّهِ، و(ناقَةَ اللَّهِ) ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضافَةً إلى السَّلامَةِ بِمَعْنى: التَّسْلِيمِ، لِفُشُوِّ ذَلِكَ بَيْنَهم، ولِتَسْلِيمِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] .

قالَ الحَسَنُ: إنَّ السَّلامَ لا يَنْقَطِعُ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ وهو تَحِيَّتُهم كَما قالَ تَعالى: (تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ) وقَدْ ورَدَتْ في دَعْوَةِ اللَّهِ عِبادَهُ أحادِيثُ. وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَّرِّ انْتَهِ.

ولَمّا كانَ الدُّعاءُ عامًّا لَمْ تَتَقَيَّدْ بِالمَشِيئَةِ، ولَمّا كانَتِ الهِدايَةُ خاصَّةً تَقَيَّدَتْ بِالمَشِيئَةِ فَقالَ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ .

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَهْدِي: يُوَفِّقُ مَن يَشاءُ، وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ أنَّ اللُّطْفَ يُجْدِي عَلَيْهِمْ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تابِعَةٌ لِحِكْمَتِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском