Abu HayyanHud · 11:13–16

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Hud 11:13–16

11:13–14Page 223

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٣

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten sūrahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."

فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٤

And if they do not respond to you - then know that it [i.e., the Qur’ān] was revealed with the knowledge of Allāh1 and that there is no deity except Him. Then,2 would you [not] be Muslims?

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: (p-٢٠٨)الظّاهِرُ أنَّ أمْ مُنْقَطِعَةٌ تَتَقَدَّرُ: بِبَلْ والهَمْزَةِ، أيْ: أيَقُولُونَ افْتَراهُ. وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: أمِ اسْتِفْهامٌ تَوَسَّطَ الكَلامَ عَلى مَعْنى: أيَكْتَفُونَ بِما أوْحَيْتُ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، أمْ يَقُولُونَ إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ؟ فَإنْ قالُوا: إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِهِ، انْتَهى. فَجَعَلَ أمْ مُتَّصِلَةً، والظّاهِرُ الِانْقِطاعُ كَما قُلْنا، والضَّمِيرُ في (افْتَراهُ) عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، وهو: القُرْآنُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّها لا تَتَعَلَّقُ أطْماعُهم بِأنْ يَتْرُكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْهِ إلّا لِدَعْواهم: أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي افْتَراهُ، وإنَّما تَحَدّاهم أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ مُفْتَرَياتٍ قَبْلَ تَحَدِّيهِمْ بِسُورَةٍ، إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، والبَقَرَةُ مَدَنِيَّةً، وسُورَةُ يُونُسَ أيْضًا مَكِّيَّةً، ومُقْتَضى التَّحَدِّي بِعَشْرٍ أنْ يَكُونَ قَبْلَ طَلَبِ المُعارَضَةِ بِسُورَةٍ، فَلَمّا نَسَبُوهُ إلى الِافْتِراءِ طَلَبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرِياتٍ إرْخاءً لِعِنانِهِمْ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: هَبُوا إنِّي اخْتَلَقْتُهُ ولَمْ يُوحَ إلَيَّ فَأْتُوا أنْتُمْ بِكَلامٍ مِثْلِهِ مُخْتَلَقٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم، فَأنْتُمْ عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي، لا تَعْجِزُونَ عَنْ مِثْلِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ، وإنَّما عُيِّنَ بِقَوْلِهِ: (مِثْلِهِ) في حُسْنِ النَّظْمِ والبَيانِ، وإنْ كانَ مُفْتَرًى، وشَأْنُ مَن يُرِيدُ تَعْجِيزَ شَخْصٍ أنْ يُطالِبَهُ أوَّلًا: بِأنْ يَفْعَلَ أمْثالًا مِمّا فَعَلَ هو، ثُمَّ إذا تَبَيَّنَ عَجْزُهُ قالَ لَهُ: افْعَلْ مِثْلًا واحِدًا، ومِثْلُ: يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وتَجُوزُ المُطابَقَةُ في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] وإذا أُفْرِدَ وهو تابِعٌ لِمُثَنًّى أوْ مَجْمُوعٍ فَهو بِتَقْدِيرِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ، أيْ: مِثْلَيْنِ وأمْثالٍ.

والمَعْنى هُنا: بِعَشْرِ سُوَرٍ أمْثالِهِ ذَهابًا إلى مُماثَلَةِ كُلِّ سُورَةٍ مِنها لَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَعَ التَّحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ بِعَشْرٍ لِأنَّهُ قَيَّدَها بِالِافْتِراءِ، فَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ في القَدْرِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ غايَةَ القِيامِ، إذْ قَدْ عَجَّزَهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ دُونَ تَقْيِيدٍ، فَهي مُماثَلَةٌ تامَّةٌ في غُيُوبِ القُرْآنِ ونَظْمِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعُجِّزُوا في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ قِيلَ لَهم: عارِضُوا القَدْرَ مِنهُ بِعَشْرِ أمْثالِهِ في التَّقْدِيرِ، والغَرَضُ واحِدٌ، واجْعَلُوهُ مُفْتَرًى لا يَبْقى لَكم إلّا نَظْمُهُ، فَهَذِهِ غايَةُ التَّوْسِعَةِ.

ولَيْسَ المَعْنى: عارِضُوا عَشْرَ سُوَرٍ بِعَشْرٍ، لِأنَّ هَذِهِ إنَّما كانَتْ تَجِيءُ مُعارَضَةَ سُورَةٍ بِسُورَةٍ مُفْتَراةٍ، ولا يُبالِي عَنْ تَقْدِيمِ نُزُولِ هَذِهِ عَلى هَذِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ أنَّ التَّكْلِيفَ في آيَةِ البَقَرَةِ إنَّما هو بِسَبَبِ الرَّيْبِ، ولا يُزِيلُ الرَّيْبَ إلّا العِلْمُ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى المُماثَلَةِ التّامَّةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ إنَّما التَّكْلِيفُ بِسَبَبِ قَوْلِهِمُ افْتَراهُ وكُلِّفُوا نَحْوَ ما قالُوا: ولا يَطَّرِدُ هَذا في آيَةِ يُونُسَ.

وقالَ بَعْضُ النّاسِ: هَذِهِ مُقَدَّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى تِلْكَ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ السُّورَةُ الواحِدَةُ إلّا مُفْتَراةً، وآيَةُ سُورَةِ يُونُسَ في تَكْلِيفِ سُورَةٍ مُرَتَّبَةٍ عَلى قَوْلِهِمُ: افْتَراهُ، وكَذَلِكَ آيَةُ البَقَرَةِ إنَّما رَمَتْهم بِأنَّ القُرْآنَ مُفْتَرًى.

وقائِلُ هَذا القَوْلِ لَمْ يَلْحَظِ الفَرْقَ بَيْنَ التَّكْلِيفَيْنِ في كَمالِ المُماثَلَةِ مَرَّةً، ووُقُوفِها عَلى النَّظْمِ مَرَّةً، انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (مِثْلِهِ)، لا يُرادُ بِهِ المِثْلِيَّةُ في كَوْنِ المُعارِضِ عَشْرَ سُورٍ، بَلْ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلى: مُماثَلَةٍ في مِقْدارٍ ما مِنَ القُرْآنِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ السُّوَرَ الَّتِي وقَعَ بِها طَلَبُ المُعارَضَةِ لَها هي مُعَيَّنَةٌ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، والأنْفالُ، والتَّوْبَةُ، ويُونُسُ، وهُودٌ.

فَقَوْلُهُ: (مِثْلِهِ)، أيْ: مِثْلُ هَذِهِ عَشْرُ السُّوَرِ، وهَذِهِ السُّوَرُ أكْثَرُها مَدَنِيٌّ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الحَوالَةُ بِـ مَكَّةَ عَلى ما لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ ؟ ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والضَّمِيرُ في فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم، عائِدٌ عَلى مَن طَلَبَ مِنهُمُ المُعارَضَةَ، ولَكم: الضَّمِيرُ جَمْعٌ يَشْمَلُ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ.

وجازَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، كَما جاءَ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: ضَمِيرُ يَسْتَجِيبُوا عائِدٌ عَلى المَدْعُوِّينَ، ولَكم: خِطابٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِدُعاءِ مَنِ اسْتَطاعُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ مَن تَدْعُونَهُ إلى المُعارَضَةِ فَأذْعَنُوا حِينَئِذٍ، وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ أُنْزِلَ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن نَظْمٍ مُعْجِزٍ لِلْخَلْقِ، وإخْبارٍ بِغُيُوبٍ لا سَبِيلَ لَهم إلَيْهِ، (p-٢٠٩)وأعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، وأنَّ تَوْحِيدَهُ واجِبٌ، ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: تابِعُونَ لِلْإسْلامِ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ ؟ وعَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعْنًى (فاعْلَمُوا): أيْ: دُومُوا عَلى العِلْمِ وازْدادُوا يَقِينًا وثَباتَ قَدَمٍ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. ومَعْنى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أيْ: مُخْلِصُوا الإسْلامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِلْمِ اللَّهِ: بِإذْنِ اللَّهِ.

وقالَ الكَلْبِيُّ: بِأمْرِهِ. وقالَ القُتَبِيُّ: مِن عِنْدِ اللَّهِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ عائِدٌ عَلى ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، وفي لَكم عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ولِكَوْنِ الخِطابِ يَكُونُ لِواحِدٍ، ولِتَرَتُّبِ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ تَرَتُّبًا حَقِيقِيًا مِنَ الأمْرِ بِالعِلْمِ، ولا يَتَحَرَّرُ بِأنَّهُ أرادَ بِهِ: فَدُومُوا عَلى العِلْمِ، ودُومُوا عَلى العِلْمِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، ولِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: تَحْرِيضًا عَلى تَحْصِيلِ الإسْلامِ، لا أنَّهُ يُرادُ بِهِ: الإخْلاصُ.

ولَمّا طُولِبُوا بِالمُعارَضَةِ وأُمِرُوا بِأنْ يَدْعُوا مَن يُساعِدُهم عَلى تَمَكُّنِ المُعارَضَةِ، ولا اسْتَجابَ أصْنامُهم ولا آلِهَتُهم لَهم، أُمِرُوا بِأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَيْسَ مُفْتَرًى فَتُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، وأنَّهُ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِالأُلُوهِيَّةِ لا يَشْرَكُهُ في شَيْءٍ مِنها آلِهَتُهم وأصْنامُهم، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُجِيبُوا لِظُهُورِ عَجْزِهِمْ، وأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (إنَّما نَزَّلَ) بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ: إنَّ التَّنْزِيلَ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: الَّذِي، أيْ: إنَّ الَّذِي نَزَّلَهُ، وحُذِفَ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِوُجُودِ جَوازِ الحَذْفِ.

11:15–16Page 223

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ١٥

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein,1 and they therein will not be deprived.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦

Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein,1 and worthless is what they used to do.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ المُناقِضِينَ في القُرْآنِ، ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وما يَئُولُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ.

وظاهِرٌ مِنَ العُمُومِ في كُلِّ مَن يُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا، والجَزاءُ مَقْرُونٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى كَما بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] الآيَةَ. وقالَ مُجاهِدٌ: في الكَفَرَةِ، وفي أهْلِ الرِّياءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وإلى هَذا ذَهَبَ مَعُونَةُ حِينَ حُدِّثَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المُرائِينَ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ أنَسٌ: هي في اليَهُودِ والنَّصارى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى هَذا: أنَّهم يَدْخُلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ لا أنَّها لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ.

وقِيلَ: في المُنافِقِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا مَعَ الرَّسُولِ فَأسْهَمَ لَهم، ومَعْنى ﴿يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَقْصِدُ بِأعْمالِهِ الَّتِي يَظْهَرُ أنَّها صالِحَةٌ الدُّنْيا فَقَطْ، ولا يَعْتَقِدُ آخِرَةً، فَإنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ عَلى حُسْنِ أعْمالِهِ كَما جاءَ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعِمُهُ في الدُّنْيا بِحَسَناتِهِ، وإنِ انْدَرَجَ في العُمُومِ المُراءُونَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، كَما تَرى أحَدَهم إذا صَلّى إمامًا يَتَنَغَّمُ بِألْفاظِ القُرْآنِ، ويُرَتِّلُهُ أحْسَنَ تَرْتِيلٍ، ويُطِيلُ رُكُوعَهُ وسُجُودَهُ، ويَتَباكى في قِراءَتِهِ، وإذا صَلّى وحْدَهُ اخْتَلَسَها اخْتِلاسًا، وإذا تَصَدَّقَ أظْهَرَ صَدَقَتَهُ أمامَ مَن يُثْنِي عَلَيْهِ، ودَفَعَها لِمَن لا يَسْتَحِقُّها حَتّى يُثْنِيَ عَلَيْهِ النّاسُ، وأهْلُ الرِّباطِ المُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ.

وأيْنَ هَذا مِن رَجُلٍ يَتَصَدَّقُ خُفْيَةً وعَلى مَن لا يَعْرِفُهُ، كَما جاءَ في: السَّبْعَةُ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ورَجُلٍ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما أنْفَقَتْ يَمِينُهُ وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في إخْفاءِ الصَّدَقَةِ جِدًّا، وإذا تَعَلَّمَ عِلْمًا راءى بِهِ وتَبَجَّحَ، وطَلَبَ بِمُعْظَمِهِ يَسِيرَ حُطامٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا.

وقَدْ فَشا الرِّياءُ في هَذِهِ الآيَةِ فُشُوًّا كَثِيرًا، حَتّى لا تَكادَ تَرى مُخْلِصًا لِلَّهِ لا في قَوْلٍ، ولا في فِعْلٍ، فَهَؤُلاءِ مِن أوَّلِ مَن تُسَعَّرُ بِهِمُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُوَفِّ بِنُونِ العَظَمَةِ، وطَلْحَةُ بْنُ مَيْمُونٍ: يُوَفِّ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُوفِ بِالياءِ مُخَفَّفًا مُضارِعُ أوْفى. وقُرِئَ: تُوَفَّ بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(أعْمالُهم) بِالرَّفْعِ، وهو عَلى هَذِهِ القِراءاتِ مَجْزُومٌ جَوابُ الشَّرْطِ، كَما انْجَزَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ (p-٢١٠)كانَ زائِدَةٌ، ولِهَذا جُزِمَ الجَوابُ. ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، إذْ لَوْ كانَتْ زائِدَةً لَكانَ فِعْلُ الشَّرْطِ يُرِيدُ، وكانَ يَكُونُ مَجْزُومًا، وهَذا التَّرْكِيبُ مِن مَجِيءِ فِعْلِ الشَّرْطِ ماضِيًا، والجَوابِ مُضارِعًا لَيْسَ مَخْصُوصًا بِكانَ، بَلْ هو جائِزٌ في غَيْرِها.

كَما رُوِيَ في بَيْتِ زُهَيْرٍ:

؎ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ ولَوْ رامَ أنْ يَرْقى السَّماءَ بِسُلَّمِ

وقَرَأ الحَسَنُ: تُوفى بِالتَّخْفِيفِ وإثْباتِ الياءِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ألَمْ يَأْتِيكَ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا كَما ارْتَفَعَ في قَوْلِ الشّاعِرِ: يَقُولُ وإنْ شُلَّ رَيْعانُ الجَمِيعِ مَخافَةً جِهارًا ويْلَكم لا تُنَفِّرُوا والحَصْرُ في كَيْنُونَةِ النّارِ لَهم ظاهِرٌ في أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ، فَإنِ انْدَرَجَ أهْلُ الرِّياءِ فِيها فَيَكُونُ المَعْنى في حَقِّهِمْ: لَيْسَ يَجِبُ لَهم أوْ لا يَحِقُّ لَهم إلّا النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وجائِزٌ أنْ يَتَغَمَّدَهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ما صَنَعُوا فِيها﴾، الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الآخِرَةِ، والمَحْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِحَبِطَ، والمَعْنى: وظَهَرَ حُبُوطُ ما صَنَعُوا في الآخِرَةِ.

ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: صَنَعُوا، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، كَما عادَ عَلَيْها في فِيها قَبْلُ. وما في (ما صَنَعُوا) بِمَعْنى: الَّذِي. أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وباطِلٌ وما بَعْدَهُ تَوْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿وحَبِطَ ما صَنَعُوا﴾، وباطِلٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ إنْ كانَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، وما كانُوا هو المُبْتَدَأُ، وإنْ كانَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ ارْتَفَعَ ما بِباطِلٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: وبَطَلَ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: وباطِلًا بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَيَعْمَلُونَ، فَهو مَعْمُولُ خَبَرِ كانَ مُتَقَدِّمًا.

وما زائِدَةٌ أيْ: وكانُوا يَعْمَلُونَ باطِلًا، وفي جَوازِ هَذا التَّرْكِيبِ خِلافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. وهو أنْ يَتَقَدَّمَ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها مِن كانَ واسْمِها وخَبَرِها، ويَشْهَدُ لِلْجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ومَن مَنَعَ تَأوَّلَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ باطِلًا عَلى مَعْنى المَصْدَرِ عَلى بَطَلَ بُطْلانًا ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَتَكُونُ ما فاعِلَةً، وتَكُونُ مِن إعْمالِ المَصْدَرِ الَّذِي هو بَدَلٌ مِنَ الفِعْلِ في غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ والأمْرِ، وحَقَّ أنْ يُبْطِلَ أعْمالَهم لِأنَّها لَمْ تُعْمَلْ لِوَجْهٍ صَحِيحٍ، والعَمَلُ الباطِلُ لا ثَوابَ لَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском