Abu HayyanHud · 11:44–49

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Hud 11:44–49

11:44–47Page 226

وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and it [i.e., the ship] came to rest on the [mountain of] Jūdiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

(p-٢٢٨)﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نادى الأرْضَ والسَّماءَ بِما يُنادى بِهِ الإنْسانُ المُمَيِّزُ عَلى لَفْظِ التَّخْصِيصِ والإقْبالِ عَلَيْهِما بِالخِطابِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ﴾ و(يا سَماءُ)، ثُمَّ أمَرَهُما بِما يُؤْمَرُ بِهِ أهْلُ التَّمْيِيزِ والعَقْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ابْلَعِي ماءَكِ﴾ و﴿أقْلِعِي﴾، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاقْتِدارِ العَظِيمِ، وأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وهَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مُنْقادَةٌ لِتَكْوِينِهِ فِيها ما يَشاءُ، غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ كَأنَّهَمْ عُقَلاءُ مُمَيِّزُونَ، قَدْ عَرَفُوا عَظَمَتَهُ وجَلالَهُ وثَوابَهُ وعِقابَهُ وقُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، وتَبَيَّنُوا تَحَتُّمَ طاعَتِهِ عَلَيْهِمْ وانْقِيادِهِمْ لَهُ، وهم يَهابُونَهُ ويَفْزَعُونَ مِنَ التَّوَقُّفِ دُونَ الِامْتِثالِ لَهُ والنُّزُولِ عَنْ مَشِيئَتِهِ عَلى الفَوْرِ مِن غَيْرِ رَيْبٍ.

فَكَما يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مَفْعُولًا لا حَبْسَ ولا بُطْءَ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ وذَيَّلَ في هَذا الكَلامِ الحَسَنِ، قالَ الحَسَنُ: يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ هَذِهِ الأجْسامِ، والحَقُّ تَعالى مُسْتَوْلٍ عَلَيْها مُتَصَرِّفٌ فِيها كَيْفَ يَشاءُ وأرادَ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَمالِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ، انْتَهى.

وبِناءُ الفِعْلِ في (وقِيلَ) وما بَعْدَها لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَّعْظِيمِ والجَبَرُوتِ وأخْصَرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَجِيءُ إخْبارِهِ عَلى الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ العِظامَ لا تَكُونُ إلّا بِفِعْلِ فاعِلٍ قادِرٍ، وتَكْوِينِ مُكَوِّنٍ قاهِرٍ، وأنَّ فاعِلَ هَذِهِ الأفْعالِ فاعِلٌ واحِدٌ لا يُشارَكُ في أفْعالِهِ، فَلا يَذْهَبِ الوَهْمُ إلى أنْ يَقُولَ غَيْرُهُ ﴿ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾، ولا أنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الأمْرَ الهائِلَ غَيْرُهُ، ولا أنْ تَسْتَوِيَ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ وتَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ إلّا بِتَسْوِيَتِهِ وإقْرارِهِ، ولِما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعانِي والنُّكَتِ.

واسْتَفْصَحَ عُلَماءُ البَيانِ هَذِهِ الآيَةَ ورَقَّصُوا لَها رُءُوسَهم، لا لِتَجانُسِ الكَلِمَتَيْنِ وهُما قَوْلُهُ: ﴿ابْلَعِي﴾ و﴿أقْلِعِي﴾، وذَلِكَ وإنْ كانَ الكَلامُ لا يَخْلُو مِن حُسْنٍ، فَهو كَغَيْرِ المُلْتَفَتِ إلَيْهِ بِإزاءِ تِلْكَ المَحاسِنِ الَّتِي هي اللُّبُّ، وما عَداها قُشُورٌ، انْتَهى.

وأكْثَرُهُ خَطابَةً، وهَذا النِّداءُ والخِطابُ بِالأمْرِ هو اسْتِعارَةٌ مَجازِيَّةٌ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ الحُذّاقِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْدَثَ فِيهِما إدْراكًا وفَهْمًا لِمَعانِي الخِطابِ.

ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، وعارَضَ ابْنُ المُقَفَّعِ القُرْآنَ فَلَمّا وصَلَ إلى هَذِهِ الآيَةِ أمْسَكَ عَنِ المُعارَضَةِ وقالَ: هَذا كَلامٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾: غَرِقَ مَن غَرِقَ ونَجا مَن نَجا. وقالَ مُجاهِدٌ: قُضِيَ الأمْرُ بِهَلاكِهِمْ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُضِيَ الأمْرُ: فُرِغَ مِنهُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُحْكِمَتْ هَلَكَةُ قَوْمِ نُوحٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْجَزَ ما وعَدَ اللَّهُ نُوحًا مِن هَلاكِ قَوْمِهِ.

﴿واسْتَوَتْ﴾ أيِ: اسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ، واسْتِقْرارُها يَوْمَ عاشُوراءَ مِنَ المُحَرَّمِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: يَوْمُ (p-٢٢٩)الجُمُعَةِ، وقِيلَ: في ذِي الحِجَّةِ. وأقامَتْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وهَبَطَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ. وذَكَرُوا أنَّ الجِبالَ تَطاوَلَتْ وتَخاشَعَ الجُودِيُّ. وحَدِيثُ بَعْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الغُرابَ والحَمامَةَ لِيَأْتِياهُ بِخَبَرِ كَمالِ الغَرَقِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانَ مِن ذَلِكَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ بِسُكُونِ الياءِ مُخَفَّفَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُما لُغَتانِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو تَخْفِيفُ ياءِ النَّسَبِ، وهَذا التَّخْفِيفُ بابُهُ الشِّعْرُ لِشُذُوذِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقِيلَ بُعْدًا﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى كالأفْعالِ السّابِقَةِ، وبُنِيَ الجَمِيعُ لِلْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.

قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ بُلُوغِ الأمْرِ ذَلِكَ المَبْلَغَ وإنْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قَوْلٌ مَحْسُوسٌ. ومَعْنى بُعْدًا: هَلاكًا يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ، واللّامُ في لِلْقَوْمِ مِن صِلَةِ المَصْدَرِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (وقِيلَ)، والتَّقْدِيرُ: وقِيلَ لِأجْلِ الظّالِمِينَ، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُخاطَبَ الهالِكُ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ.

ومَعْنى ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أيْ: أرادَ أنْ يُنادِيَهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَ الفاءَ، إذْ لَوْ كانَ أرادَ حَقِيقَةَ النِّداءِ والإخْبارَ عَنْ وُقُوعِهِ مِنهُ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في (فَقالَ) ولَسَقَطَتْ كَما لَمْ تَدْخُلْ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ﴾ [مريم: ٣] والواوُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لا تُرَتِّبُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ أوَّلَ ما رَكِبَ نُوحٌ السَّفِينَةَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الطَّبَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ مِن بَعْدِ غَرَقِ الِابْنِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ ظُهُورُ أنَّهُ ولَدُهُ لِصُلْبِهِ. ومَعْنى ﴿مِن أهْلِي﴾ أيِ: الَّذِي أُمِرْتُ أنْ أحْمِلَهم في السَّفِينَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] ولَمْ يَظُنَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيمَنِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم لِظَنِّهِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ وعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠] يَشْمَلُ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ ومِن غَيْرِ أهْلِهِ، وحَسُنَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيِ: الوَعْدُ الثّابِتُ الَّذِي لا شَكَّ في إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ وقَدْ وعَدْتَنِي أنْ تُنَجِّيَ أهْلِي، وأنْتَ أعْلَمُ الحُكّامِ وأعْدَلُهم.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الحِكْمَةِ حاكِمٌ بِمَعْنى النِّسْبَةِ، كَما يُقالُ: دارِعٌ مِنَ الدِّرْعِ، وحائِضٌ وطالِقٌ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ، انْتَهى.

ومَعْنى ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ أيِ: النّاجِينَ، أوِ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الوَعْدُ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ رَبِيبُهُ فَهو لَيْسَ مِن أهْلِهِ حَقِيقَةً، إذْ لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِوِلادَةٍ، فَعَلى هَذا نَفى ما قُدِّرَ أنَّهُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: (وأهْلَكَ)، ثُمَّ عَلَّلَ انْتِفاءَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِن أهْلِهِ بِأنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.

والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في إنَّهُ عائِدٌ عَلى ابْنِ نُوحٍ لا عَلى النِّداءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (ونادى) المُتَضَمِّنِ سُؤالَ رَبِّهِ، وجَعَلَهُ نَفْسَ العَمَلِ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ كَما قالَ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ، هَذا عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَّبْعَةِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ: ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ جَعَلَهُ فِعْلًا ناصِبًا غَيْرَ صالِحٍ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وأنَسٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ، ورَوَتْها عائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى ابْنِ نُوحٍ. قِيلَ: ويُرَجِّحُ كَوْنَ الضَّمِيرِ في (إنَّهُ) عائِدًا عَلى نِداءِ نُوحٍ المُتَضَمِّنِ السُّؤالَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أنْ تَسْألَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى رُكُوبِ ولَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ، الَّذِي تَضَمَّنَهُ سُؤالُ نُوحٍ، المَعْنى: أنَّ كَوْنَهُ مَعَ الكافِرِينَ وتَرْكَهُ الرُّكُوبَ مَعَ المُؤْمِنِينَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ في (إنَّهُ) عائِدًا عَلى غَيْرِ ابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلُّفٌ وتَعَسُّفٌ لا يَلِيقُ بِالقُرْآنِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ إنَّهُ عَمَلٌ فاسِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَمّا نَفاهُ مِن أهْلِهِ نَفى عَنْهُ صِفَتَهم بِكَلِمَةِ النَّفْيِ الَّتِي يُسْتَنْفى مَعَها لَفْظُ المَنفِيِّ، وأذِنَ بِذَلِكَ أنَّهُ إنَّما أنْجى مَن أنْجى مِن أهْلِهِ بِصَلاحِهِمْ، لا لِأنَّهم أهْلُكَ وأقارِبُكَ، وإنَّ هَذا لَمّا انْتَفى عَنْهُ الصَّلاحُ لَمْ تَنْفَعْهُ أُبُوَّتُكَ.

وقَرَأ الصّاحِبانِ: (تَسْألَنِّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الباءَ بَعْدَ النُّونِ، وابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِها مَفْتُوحَةً وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: (تَسالنِي) مِن غَيْرِ هَمْزٍ مِن سالَ يَسالُ وهُما يَتَساوَلانِ، وهي (p-٢٣٠)لُغَةٌ سائِرَةٌ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وإسْكانِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِها، وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَذَفَها الباقُونَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلا تَلْتَمِسْ مُلْتَمَسًا أوِ التِماسًا، لا تَعْلَمُ أصَوابٌ هو أمْ غَيْرُ صَوابٍ حَتّى تَقِفَ عَلى كُنْهِهِ ؟ .

وذِكْرُ المَسْألَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّداءَ كانَ قَبْلَ أنْ يَغْرَقَ حِينَ خافَ عَلَيْهِ. (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ سَمّى نِداءَهُ سُؤالًا ولا سُؤالَ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ تَضَمَّنَ دُعاؤُهُ مَعْنى السُّؤالِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، لِأنَّهُ إذا ذَكَرَ المَوْعِدَ بِنَجاةِ أهْلِهِ في وقْتِ مُشارَفَةِ الغَرَقِ فَقَدِ اسْتَنْجَزَ، وجَعَلَ سُؤالَ ما لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ جَهْلًا وغَباوَةً، ووَعْظَهُ أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ وإلى أمْثالِهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِينَ. (فَإنْ قُلْتَ) قَدْ وعَدَ اللَّهُ أنْ يُنْجِيَ أهْلَهُ، وما كانَ عِنْدَهُ أنَّ ابْنَهُ لَيْسَ مِنهم دِينًا، فَلَمّا أشْفى عَلى الغَرَقِ تَشابَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ، لِأنَّ العِدَةَ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ، وقَدْ عَرَفَ اللَّهَ حَكِيمًا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُ القَبِيحِ وخَلْفُ المِيعادِ فَطَلَبَ إماطَةَ الشُّبْهَةِ، وطَلَبُ إماطَةِ الشُّبْهَةِ واجِبٌ، فَلِمَ زُجِرَ وجُعِلَ سُؤالُهُ جَهْلًا ؟ (قُلْتُ): إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدَّمَ لَهُ الوَعْدَ بِإنْجاءِ أهْلِهِ، مَعَ اسْتِثْناءِ مَن عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم، فَكانَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ في جُمْلَةِ أهْلِهِ مَن هو مُسْتَوْجِبُ العَذابِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صالِحٍ، وأنَّ كُلَّهم لَيْسُوا بِناجِينَ، وأنْ لا تُخالِجَهُ شُبْهَةٌ حِينَ شارَفَ ولَدُهُ عَلى الغَرَقِ في أنَّهُ مِنَ المُسْتَثْنِينَ لا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهم، فَعُوتِبَ عَلى أنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ما يَجِبُ بِما يَجِبُ أنْ لا يَشْتِبَهَ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: إذْ وعَدْتُكَ فاعْلَمْ يَقِينًا أنَّهُ لا خُلْفَ في الوَعْدِ، فَإذا رَأيْتَ ولَدَكَ لَمْ يُحْمَلْ فَكانَ الواجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقِفَ وتَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ لِحَقٍّ واجِبٍ عِنْدَ اللَّهِ، ولَكِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَتْهُ شَفَقَةُ البُنُوَّةِ وسَجِيَّةُ البَشَرِ عَلى التَّعَرُّضِ لِنَفَحاتِ الرَّحْمَةِ والتَّذْكِيرِ، وعَلى هَذا القَدْرِ وقَعَ عِقابُهُ، ولِذَلِكَ جاءَ بِتَلَطُّفٍ وتَرَجٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .

ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَطْلُبْ مِنِّي أمْرًا لا تَعْلَمُ المَصْلَحَةَ فِيهِ عِلْمَ يَقِينٍ، ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وقالَ: إنَّ (بِهِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظٍ عامٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎كَأنَّ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِهِ بِمَنزِلَةِ فِيهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِالمُسْتَقَرِّ. واخْتِلافُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ إنَّما هو لَفْظِيٌّ، والمَعْنى في الآيَةِ واحِدَةٌ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَأْوِيلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لا يُناسِبُ النُّبُوَّةَ تَرْكَناهُ، ويُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: سَألَ نُوحٌ رَبَّهُ حِينَ صارَ عَنْهُ ابْنُهُ بِمَعْزِلٍ، وقِيلَ: قَبْلَ أنْ عَرَفَ هَلاكَهُ، وقِيلَ: بَعْدَ أنْ عَرَفَ هَلاكَهُ سَألَ اللَّهَ لَهُ المَغْفِرَةَ ﴿أنْ أسْألَكَ﴾ مِن أنْ أطْلُبَ في المُسْتَقْبَلِ ما لا عِلْمَ لِي بِصِحَّتِهِ تَأْدِيبًا بِأدَبِكَ، واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ، وهَذِهِ إنابَةٌ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَسْلِيمٌ لِأمْرِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ الَّذِي وقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةٌ وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ.

وأمّا السُّؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَّعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَعُمُّ النَّحْوَيْنِ مِنَ السُّؤالِ، ولِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و(الخاسِرُونَ) هُمُ: المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ، انْتَهى.

ونَسَبَ نُوحٌ النَّقْصَ والذَّنْبَ إلى نَفْسِهِ تَأدُّبًا مَعَ رَبِّهِ فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي﴾ أيْ: ما فَرَطَ مِن سُؤالِي وتَرْحَمْنِي بِفَضْلِكَ، وهَذا كَما قالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

11:48–49Page 227

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٨

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ ٤٩

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: المَلائِكَةُ (p-٢٣١)تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ: (مِنّا) و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أُمِرَ عِنْدَ نُزُولِهِ بِالهُبُوطِ مِنَ السَّفِينَةِ ومِنَ الجَبَلِ مَعَ أصْحابِهِ لِلِانْتِشارِ في الأرْضِ، والباءُ لِلْحالِ، أيْ: مَصْحُوبًا بِسَلامَةٍ وأمْنٍ وبَرَكاتٍ، وهي الخَيْراتُ النّامِيَةُ في كُلِّ الجِهاتِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى: التَّسْلِيمِ، أيِ: اهْبِطْ مُسَلَّمًا عَلَيْكَ مُكَرَّمًا. وقُرِئَ: ﴿اهْبِطْ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وحَكى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى (وبَرَكَةٍ) عَلى التَّوْحِيدِ عَنِ الكِسائِيِّ، وبُشِّرَ بِالسَّلامَةِ إيذانًا لَهُ بِمَغْفِرَةِ رَبِّهِ لَهُ ورَحْمَتِهِ إيّاهُ، وبِإقامَتِهِ في الأرْضِ آمِنًا مِنَ الآفاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، إذْ كانَتِ الأرْضُ قَدْ خَلَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَكانَ ذَلِكَ تَبْشِيرًا لَهُ بِعَوْدِ الأرْضِ إلى أحْسَنِ حالِها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ أيْ: دائِمَةٍ باقِيَةٍ عَلَيْكَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: ناشِئَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ، وهُمُ الأُمَمُ المُؤْمِنُونَ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَيانِ، فَتُرادُ الأُمَمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في السَّفِينَةِ لِأنَّهم كانُوا جَماعاتٍ. وقِيلَ لَهم: أُمَمٌ، لِأنَّ الأُمَمَ تَشَعَّبَتْ مِنهُمُ، انْتَهى.

وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَكَلُّفٌ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وعَلى أُمَمٍ هم مَن مَعَكَ، ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لا غِنى عَنْهُ، وعَلى أُمَمٍ مَعَكَ أوْ عَلى مَن مَعَكَ، فَكانَ يَكُونُ أخْصَرَ وأقْرَبَ إلى الفَهْمِ، وأبْعَدَ عَنِ اللَّبْسِ.

وارْتَفَعَ أُمَمٌ عَلى الِابْتِداءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ومِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم، وإنَّما حُذِفَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾، والمَعْنى: أنَّ السَّلامَ مِنّا والبَرَكاتِ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمِ مُؤْمِنِينَ يَنْشَئُونَ مِمَّنْ مَعَكَ.

وأُمَمٌ مُمَتَّعُونَ بِالدُّنْيا مُنْقَلِبُونَ إلى النّارِ، انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُمَمٌ مُبْتَدَأً، ومَحْذُوفُ الصِّفَةِ وهي المُسَوِّغَةُ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والتَّقْدِيرُ: وأُمَمٌ مِنهم، أيْ: مِمَّنْ مَعَكَ، أيْ: ناشِئَةٌ مِمَّنْ مَعَكَ، و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ هو الخَبَرُ كَما قالُوا: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: مَنَوانِ مِنهُ، فَحُذِفُ مِنهُ وهو صِفَةٌ لَمَنَوانِ، ولِذَلِكَ جازَ الِابْتِداءُ بِمَنَوانِ وهو نَكِرَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُبْتَدَأٌ ولا يُقَدَّرَ صِفَةُ الخَبَرِ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾، ومُسَوِّغُ الِابْتِداءِ كَوْنُ المَكانِ مَكانَ تَفْصِيلٍ، فَكانَ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ

وقالَ القُرْطُبِيُّ: ارْتَفَعَتْ وأُمَمٌ عَلى مَعْنى: ويَكُونُ أُمَمٌ، انْتَهى. فَإنْ كانَ أرادَ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَحَسَنٌ، وإنْ أرادَ الإعْرابَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن مَواضِعِ إضْمارِ يَكُونُ، وقالَ الأخْفَشُ: هَذا كَما تَقُولُ كَلَّمْتُ: زَيْدًا وعَمْرٌو جالِسٌ، انْتَهى. فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، وتَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّهُ وقْتَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأُمَمُ مَوْجُودَةً.

وقالَ أبُو البَقاءِ: وأُمَمٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في اهْبِطْ تَقْدِيرُهُ: اهْبِطْ أنْتَ وأُمَمٌ، وكانَ الفَصْلُ بَيْنَهُما مُغْنِيًا عَنِ التَّأْكِيدِ، و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ نَعْتٌ لِـ (أُمَمٌ)، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ والمَعْنى لا يَصْلُحانِ، لِأنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ إنَّما كانُوا مُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠]، ولَمْ يَكُونُوا قِسْمَيْنِ كُفّارًا ومُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ الكُفّارُ مَأْمُورِينَ بِالهُبُوطِ مَعَ نُوحٍ، إلّا إنْ قَدَّرَ أنَّ مِن أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مَن يَكْفُرُ بَعْدَ الهُبُوطِ، وأخْبَرَ عَنْهم بِالحالَةِ الَّتِي يَئُولُونَ إلَيْها فَيُمْكِنُ عَلى بُعْدٍ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ مِنَ الآيَةِ أنَّ مَن مَعَهُ يَنْشَأُ مِنهم مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ، ونَبَّهَ عَلى الإيمانِ بِأنَّ المُتَّصِفِينَ بِهِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ سَلامٌ وبَرَكَةٌ، وعَلى الكُفْرِ بِأنَّ المُتَّصِفِينَ بِهِ يُمَتَّعُونَ في الدُّنْيا ثُمَّ يُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِن بابِ الكِنايَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ طَوِيلُ النَّجادِ كَثِيرُ الرَّمادِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: مِمَّنْ مَعَكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ نَشَئُوا مِمَّنْ مَعَهُ، والَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في السَّفِينَةِ إنْ كانُوا أوْلادَهُ الثَّلاثَةَ فَقَطْ، أوْ مَعَهم نِساؤُهُمُ، انْتَظَمَ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ هو أبُو الخَلْقِ كُلِّهِمْ، وسُمِّيَ آدَمَ الأصْغَرَ لِذَلِكَ وإنْ كانُوا أوْلادَهُ وغَيْرَهم عَلى الِاخْتِلافِ في العَدَدِ، فَإنْ كانَ غَيْرُ أوْلادِهِ ماتَ ولَمْ يَنْسُلْ صَحَّ أنَّهُ أبُو البَشَرِ بَعْدَ آدَمَ، ولَمْ يَصِحَّ أنَّهُ نَشَأ مِمَّنْ مَعَهُ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، إلّا إنْ أُرِيدَ (p-٢٣٢)بِالَّذِينَ مَعَهُ: أوْلادُهُ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ العامِّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ. وإنْ كانُوا نَسَلُوا كَما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، فَلا يَنْتَظِمُ أنَّهُ أبُو البَشَرِ بَعْدَ آدَمَ، بَلِ الخَلْقُ بَعْدَ الطُّوفانِ مِنهُ ومِمَّنْ كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ.

والأُمَمُ المُمَتَّعَةُ لَيْسُوا مُعَيَّنِينَ بَلْ هم عِبارَةٌ عَنِ الكُفّارِ. وقِيلَ: هم قَوْمُ هُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

تِلْكَ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ، وتَقَدَّمَتْ أعارِيبُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] في آلِ عِمْرانَ، (وتِلْكَ): إشارَةٌ لِلْبَعِيدِ، لِأنَّ بَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ والرَّسُولِ مُدَدًا لا تُحْصى. وقِيلَ: الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى آياتِ القُرْآنِ، و﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ وهو الَّذِي تَقادَمَ عَهْدُهُ ولَمْ يَبْقَ عِلْمُهُ إلّا عِنْدَ اللَّهِ، و﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ لِيَكُونَ لَكَ هِدايَةً وأُسْوَةً فِيما لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمْ يَكُنْ عِلْمُها عِنْدَكَ ولا عِنْدَ قَوْمِكَ، وأعْلَمْناهم بِها لِيَكُونَ مِثالًا لَهم وتَحْذِيرًا أنْ يُصِيبَهم إذا كَذَّبُوكَ ما أصابَ أُولَئِكَ، ولِلَحْظِ هَذا المَعْنى ظَهَرَتْ فَصاحَةُ قَوْلِهِ: فاصْبِرْ عَلى أذاهم مُجْتَهِدًا في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ، فالعاقِبَةُ لَكَ كَما كانَتْ لِـ نُوحٍ في هَذِهِ القِصَّةِ. ومَعْنى ما كُنْتَ تَعْلَمُها أيْ: مُفَصَّلَةً كَما سَرَدْناها عَلَيْكَ، وعِلْمُ الطُّوفانِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَ العالَمِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ.

والمَجُوسُ الآنَ يُنْكِرُونَهُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (ما كُنْتَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ نُوحِيها، أوْ مِن مَجْرُورِ إلَيْكَ، وقَدَّرَها الزَّمَخْشَرِيُّ تَقْدِيرَ مَعْنًى فَقالَ: أيْ مَجْهُولَةً عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ إلى الوَقْتِ أوْ إلى الإيحاءِ أوْ إلى العِلْمِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ بِالوَحْيِ، احْتِمالاتٌ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا قَوْمُكَ﴾ مَعْناهُ: أنَّ قَوْمَكَ الَّذِينَ أنْتَ مِنهم عَلى كَثْرَتِهِمْ ووُفُورِ عَدَدِهِمْ إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَهم ولا سَمِعُوهُ ولا عَرَفُوهُ، فَكَيْفَ بِرَجُلٍ مِنهم ؟ كَما تَقُولُ: لَمْ يَعْرِفُ هَذا عَبْدُ اللَّهِ ولا أهْلُ بَلَدِهِ ؟ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском