Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:84–89
12:84–87Page 245
وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤
And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2
قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥
They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."
قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦
He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allāh, and I know from Allāh that which you do not know.
يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧
O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allāh. Indeed, no one despairs of relief from Allāh except the disbelieving people."
﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾
وتَوَلّى عَنْهم؛ أيْ: أعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما جاءُوا بِهِ، وأنَّهُ ساءَ ظَنُّهُ بِهِمْ، ولَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهم، وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَتَأسَّفُ، قالَ الحَسَنُ: خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالِاسْتِرْجاعِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿ياأسَفى﴾ ونادى الأسَفَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَلى مَعْنى: هَذا زَمانُكَ فاحْضُرْ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُضافُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ قُلِبَتْ ألِفًا، كَما قالُوا: في يا غُلامِي يا غُلامًا، وقِيلَ: هو عَلى النُّدْبَةِ، وحَذَفَ الهاءَ الَّتِي لِلسَّكْتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّجانُسُ بَيْنَ لَفْظَتِي ”الأسَفَ، ويُوسُفَ“ مِمّا يَقَعُ مَطْبُوعًا غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ فَيُمْلِحُ ويُبْدِعُ، ونَحْوُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]، ﴿يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، (مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ) انْتَهى. ويُسَمّى هَذا تَجْنِيسُ التَّصْرِيفِ، وهو أنْ تَنْفَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ الكَلِمَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى بِحَرْفٍ.
وذَكَرَ يَعْقُوبُ ما دَهاهُ مِن أمْرِ بِنْيامِينَ والقائِلِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] وفِقْدانِهِ يُوسُفَ، فَتَأسَّفَ عَلَيْهِ وحْدَهُ، ولَمْ يَتَأسَّفْ عَلَيْهِما؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لا يَعْلَمُ أحَيٌّ هو أمْ مَيِّتٌ ؟ بِخِلافِ إخْوَتِهِ، ولِأنَّهُ كانَ أصْلُ الرَّزايا عِنْدَهُ، إذْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ، وكانَ أحَبَّ أوْلادِهِ إلَيْهِ، وكانَ دائِمًا يَذْكُرُهُ ولا يَنْساهُ، وابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ مِن تَوالِي العَبْرَةِ، فَيَنْقَلِبُ سَوادُ العَيْنِ إلى بَياضٍ كَدِرٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ عَمِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦]، وقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] فَقابَلَ البَصِيرَ بِالأعْمى، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا، وعَلَّلَ الِابْيِضاضَ بِالحُزْنِ، وإنَّما هو مِنَ البُكاءِ المُتَوالِي، وهو ثَمَرَةُ الحُزْنِ، فَعَلَّلَ بِالأصْلِ الَّذِي نَشَأ مِنهُ البُكاءُ وهو الحُزْنُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: (مِنَ الحَزَنِ) بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ، وقَتادَةُ: بِضَمِّها، والجُمْهُورُ: بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ الزّايِ. والكَظِيمُ إمّا لِلْمُبالَغَةِ وهو الظّاهِرُ اللّائِقُ بِحالِ يَعْقُوبَ؛ أيْ: شَدِيدُ الكَظْمِ كَما قالَ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ولَمْ يَشْكُ يَعْقُوبُ إلى أحَدٍ، وإنَّما كانَ يَكْتُمُهُ في نَفْسِهِ، ويُمْسِكُ هَمَّهُ في صَدْرِهِ، فَكانَ يَكْظِمُهُ أيْ: يَرُدُّهُ إلى قَلْبِهِ ولا يُرْسِلُهُ بِالشَّكْوى والغَضَبِ والضَّجَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو لا يَنْقاسُ، وقالَهُ قَوْمٌ كَما قالَ في يُونُسَ: ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما يَتَّجِهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مَلِيءٌ بِحُزْنِهِ، فَكَأنَّهُ كَظَمَ حُزْنَهُ في صَدْرِهِ، وفَسَّرَ ناسٌ الكَظِيمَ بِالمَكْرُوبِ وبِالمَكْمُودِ، ورُوِيَ: أنَّهُ ما جَفَّتْ عَيْناهُ مِن فِراقِ يُوسُفَ إلى لِقائِهِ ثَمانِينَ عامًا، وأنَّ وجْدَهُ عَلَيْهِ وجْدُ سَبْعِينَ ثَكْلى، وأجْرَهُ (p-٣٣٩)أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فَهو مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ، ولا يُظْهِرُ ما يَسُوءُهم، انْتَهى.
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ لا يَنْقاسُ، وجَوابُ القَسَمِ (تَفْتَأُ) حُذِفَتْ مِنهُ، لا لِأنَّ حَذْفَها جائِزٌ، والمَعْنى: لا تَزالُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَفْتُرُ مِن حُبِّهِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الفُتُوءَ والفُتُورَ أخَوَيْنِ، والحَرَضُ الَّذِي قَدَّرْنا مَوْتُهُ، قالَ مُجاهِدٌ: ما دُونَ المَوْتِ. وقالَ قَتادَةُ: البالِي الهَرِمُ، وقالَ نَحْوَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفاسِدُ الَّذِي لا عَقْلَ لَهُ. وكَأنَّهم قالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ تَفْنِيدِ الرَّأْيِ أيْ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلى حالِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ، أوْ إلى أنْ تَهْلَكَ فَقالَ هو: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أشْكُو إلى أحَدٍ مِنكم ولا غَيْرِكم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: البَثُّ أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن صُعُوبَتِهِ لا يَطِيقُ حَمْلَهُ، فَيَبُثُّهُ أيْ يَنْشُرُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى: (وحَزَنِي) بِفَتْحَتَيْنِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِضَمَّتَيْنِ.
﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أعْلَمُ مِن صُنْعِهِ ورَحْمَتِهِ وحُسْنِ ظَنِّي بِهِ أنَّهُ يَأْتِي بِالفَرَجِ مِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أشارَ إلى الرُّؤْيا المُنْتَظَرَةِ، أوْ إلى ما وقَعَ في نَفْسِهِ مِن قَوْلِ مَلِكِ مِصْرَ إنِّي أدْعُو لَهُ بِرُؤْيَتِهِ ابْنَهُ قَبْلَ المَوْتِ، وقِيلَ: رَأى مَلَكَ المَوْتِ في مَنامِهِ فَسَألَهُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ ؟ فَقالَ: لا، هو حَيٌّ فاطْلُبْهُ.
(اذْهَبُوا) أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى الأرْضِ الَّتِي جاءُوا مِنها وتَرَكُوا بِها أخَوَيْهِمْ بِنْيامِينَ والمُقِيمَ بِها، وأمَرَهم بِالتَّحَسُّسِ؛ وهو الِاسْتِقْصاءُ والطَّلَبُ بِالحَواسِّ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وقُرِئَ بِالجِيمِ، كالَّذِي في الحُجُراتِ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] والمَعْنى: فَتَحَسَّسُوا نَبَأً مِن أمْرِ يُوسُفَ وأخِيهِ، وإنَّما خَصَّهُما لِأنَّ الَّذِي أقامَ وقالَ: فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ، إنَّما أقامَ مُخْتارًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَيْأسُوا)، وفِرْقَةٌ: (تَأيْسُوا)، وقَرَأ الأعْرَجُ: (تِئْسُوا) بِكَسْرِ التّاءِ. و﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾ رَحْمَتُهُ وفَرَجُهُ وتَنْفِيسُهُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وقَتادَةُ: ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللَّهِ الَّذِي وهَبَهُ، فَإنَّ مَن بَقِيَ رُوحُهُ يُرْجى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وفِي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعِ
ومِن هَذا قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ بِالضَّمِّ؛ أيْ: مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي تَحْيا بِها العِبادُ، انْتَهى. وقَرَأ أُبَيٌّ: (مِن رَحْمَةِ اللَّهِ) مِن صِفاتِ الكافِرِ إذْ فِيهِ التَّكْذِيبُ بِالرُّبُوبِيَّةِ أوِ الجَهْلُ بِصِفاتِ اللَّهِ.
12:88–89Page 246
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨
So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."
قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩
He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٨] ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠]
المُزْجاةُ: المَدْفُوعَةُ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا (p-٣٤٠)مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتَهُ وطَرَدْتَهُ، والرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ، وقالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎لَبَّيْكَ عَلى مِلْحانِ ضَيْفٍ مُدْفَعٍ وأرْمَلَةٍ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا
الإيثارُ: لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ التَّفَضُّلِ وأنْواعَ العَطايا. التَّثْرِيبُ: التَّأْنِيبُ والعَتْبُ، وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنْهُ بِالتَّعْبِيرِ، ومِنهُ (إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يَثْرِبْ) أيْ لا يُعَيِّرْ، وأصْلُهُ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشَّةُ الكِرْشِ، ومَعْناهُ: إزالَةُ الثَّرْبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ، لِأنَّهُ إذا ذَهَبَ كانَ ذَلِكَ غايَةَ الهُزالِ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلتَّقْرِيعِ الَّذِي يُمَزِّقُ الأعْراضَ، ويُذْهِبُ بَهاءَ الوَجْهِ. الفَنَدُ: الفَسادُ، قالَ:
؎ألا سُلَيْمانُ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ
وفَنَّدْتُ الرَّجُلَ أفْسَدْتُ رَأْيَهُ ورَدَدْتُهُ قالَ:
؎يا عاذِلَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ∗∗∗ فَلَيْسَ ما قُلْتُ مِن أمْرٍ بِمَرْدُودِ
وأفْنَدَ الدَّهْرُ فُلانًا أفْسَدَهُ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلُ ما أرادَ فَإنَّهُ ∗∗∗ إذا كَلَّفَ الإفْنادَ بِالنّاسِ أفْنَدا
(القَدِيمُ) الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ أعْصارٌ، وهو أمْرٌ نِسْبِيٌّ.
(البَدْوِ) البادِيَةُ وهي خِلافُ الحاضِرَةِ.
* *
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾
فِي الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبُوا مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ ودَخَلُوها ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وكانَ آكَدُ ما حَدَّثُوهُ فِيهِ شَكْوى ما أصابَهم مِنَ الجَهْدِ قَبْلَ ما وصّاهم بِهِ مِن تَحَسُّسِ نَبَأِ يُوسُفَ وأخِيهِ. والضُّرُّ: الهُزالُ مِنَ الشِّدَّةِ والجُوعِ، والبِضاعَةُ كانَتْ زُيُوفًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الحَسَنُ: قَلِيلَةٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ناقِصَةٌ. وقِيلَ: كانَتْ عَرُوضًا. قِيلَ: كانَتْ صُوفًا وسَمْنًا. وقِيلَ: صَنَوْبَرًا وحَبَّةَ الخَضْراءِ وهي الفُسْتُقُ قالَهُ: أبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. وقِيلَ: سَوِيقُ المُقْلِ والأقِطِ، وقِيلَ: قَدِيدُ وحْشٍ، وقِيلَ: حِبالًا وأعْدالًا وأقْتابًا، ثُمَّ التَمَسُوا مِنهُ إيفاءَ الكَيْلِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ ولا دَلِيلَ فِيهِ.
﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أيْ: بِالمُسامَحَةِ والإغْماضِ عَنْ رَداءَةِ البِضاعَةِ، أوْ زِدْنا عَلى حَقِّنا، فَسَمُّوا ما هو فَضْلٌ وزِيادَةٌ لا تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ، قِيلَ: لِأنَّ الصَّدَقاتِ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: كانَتْ تَحِلُّ لِغَيْرِ نَبِيِّنا، وسُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أرادَ أنَّها كانَتْ حَلالًا لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّهم تَمَسْكَنُوا لَهُ وطَلَبُوا أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، ومِن ثَمَّ رَقَّ لَهم ومَلَكَتْهُ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَتَمالَكْ أنْ عَرَّفَهم نَفْسَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ شاهِدٌ لِذَلِكَ لِذِكْرِ اللَّهِ وجَزائِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: كانَتِ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً، ولَكِنْ قالُوها تَجَوُّزًا اسْتِعْطافًا مِنهم لَهُ في المُبايَعَةِ كَما تَقُولُ لِمَن ساوَمْتَهُ في سِلْعَةٍ: هَبْنِي مِن ثَمَنِها كَذا، فَلَمْ يَقْصِدْ أنْ يَهَبَكَ، وإنَّما حَسُنَتْ مَعَهُ الأفْعالُ حَتّى يَرْجِعَ مِنكَ إلى سَوْمِكَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أمْرَ أخِيهِمْ بِنْيامِينَ؛ أيْ: أوْفِ لَنا الكَيْلَ في المُبايَعَةِ، وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِرَدِّ أخِينا عَلى أبِيهِ، وقالَ النَّقّاشُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ هي مِنَ المَعارِيضِ الَّتِي هي مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا عَلى غَيْرِ دِينِهِمْ، ولَوْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ في الآخِرَةِ كُذِّبُوا، فَقالُوا لَهُ لَفْظًا يُوهِمُ أنَّهم أرادُوهُ، وهم يَصِحُّ لَهم إخْراجُهُ مِنهُ بِالتَّأْوِيلِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ واسْتَعْطَفُوهُ، رَقَّ لَهم ورَحِمَهم. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا، (p-٣٤١)فَشَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ إلَيْهِمْ، فَيُرْوى أنَّهُ حَسَرَ قِناعَهُ وقالَ لَهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ أيْ: مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُما في الصِّغَرِ، وإذايَةِ بِنْيامِينَ بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ ؟ وكانُوا يُذِلُّونَهُ ويَشْتُمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَسَبَهم إمّا إلى جَهْلِ المَعْصِيَةِ، وإمّا إلى جَهْلِ السَّيَّآتِ وقِلَّةِ الحُنْكَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أتاهم مِن جِهَةِ الدِّينِ وكانَ حَلِيمًا مُوَفَّقًا، فَكَلَّمَهم مُسْتَفْهِمًا عَنْ مَعْرِفَةِ وجْهِ القُبْحِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُراعِيَهُ التّائِبُ فَقالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ لا تَعْلَمُونَ قُبْحَهُ، فَلِذَلِكَ أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ؛ يَعْنِي: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَهُ فَتُبْتُمْ إلى اللَّهِ مِنهُ ؟ لِأنَّ عِلْمَ القُبْحِ يَدْعُو إلى الِاسْتِقْباحِ، والِاسْتِقْباحُ يَجُرُّ التَّوْبَةَ، فَكانَ كَلامُهُ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وتَنَصُّحًا لَهم في الدِّينِ، وإيثارًا لِحَقِّ اللَّهِ عَلى حَقِّ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ فِيهِ المَكْرُوبُ ويَنْفُثُ المَصْدُورُ ويَشْتَفِي المَغِيظُ المُحْنَقُ ويُدْرِكُ ثَأْرَهُ المُوتُورَ، فَلِلَّهِ أخْلاقُ الأنْبِياءِ ما أوْطاها وأسْمَحَها، ولِلَّهِ حَصى عُقُولِهِمْ ما أرْزَنَها وأرْجَحَها، انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ نَفْيَ العِلْمِ عَنْهم؛ لِأنَّهم كانُوا عُلَماءَ، ولَكِنَّهم لَمّا فَعَلُوا ما لا يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وتَقَدَّمَ عَلَيْهِ إلّا جاهِلٌ سَمّاهم جاهِلِينَ، وفي التَّحْرِيرِ؛ ما لُخِّصَ مِنهُ وهو أنَّ قَوْلَ الجُمْهُورِ: هَلْ عَلِمْتُمْ: اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، ومُرادُهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ؛ أيْ: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ، كَما يُقالُ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ وقِيلَ: ”هَلْ“ بِمَعْنى قَدْ؛ لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ، و﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ إفْرادُهُ مِن أبِيهِمْ، وقَوْلُهم: بِأنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وإلْقاؤُهُ في الجُبِّ، وبَيْعُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ إنْ كانُوا هُمُ الَّذِينَ باعُوهُ، وقَوْلُهم: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] والَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ أذاهم لَهُ وجَفاؤُهم لَهُ، واتِّهامُهُ بِسَرِقَةِ الصّاعِ، وتَصْرِيحِهِمْ بِأنَّهُ سَرَقَ، ولَمْ يَذْكُرْ لَهم ما إذْ واجَهَ أباهم تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ أنْ يَذْكُرَهُ مَعَ نَفْسِهِ وأخِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: جاهِلُونَ صِبْيانٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: مُذْنِبُونَ. وقِيلَ: جاهِلُونَ بِما يَجِبُ مِن بَرِّ الأبِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، وتَرْكِ الهَوى. وقِيلَ: جاهِلُونَ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ. وقِيلَ: جاهِلُونَ بِالفِكْرِ في العاقِبَةِ، وعَدَمِ النَّظَرِ إلى المَصْلَحَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: وغَرَضُ يُوسُفَ تَوْبِيخُ إخْوَتِهِ وتَأْنِيبِهِمْ عَلى ما فَعَلُوا في حَقِّ أبِيهِمْ وفي حَقِّ أخَوَيْهِمْ، قالَ: والصَّحِيحُ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِقُلُوبِهِمْ، وبَسْطِ عُذْرٍ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما أُقَدِّمُكم عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ جَهالَةَ الصِّبا أوِ الغُرُورِ، وكَأنَّهُ لَقَّنَهُمُ الحُجَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] وما حَكاهُ ابْنُ الهَيْصَمِ في قِصَّةٍ مِن أنَّهُ صَلَبَهم، والثَّعْلَبِيُّ في حِكايَتِهِ أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَأمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَبَكَوْا وجَزِعُوا، فَرَقَّ لَهم وقالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآيَةَ، لا يَصِحُّ البَتَّةَ، وكانَ يُوسُفُ مِن أرَقِّ خَلْقِ اللَّهِ وأشْفَقَهم عَلى الأجانِبِ، فَكَيْفَ مَعَ إخْوَتِهِ ولَمّا اعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف: ٩٢] الآيَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences