Abu HayyanYusuf · 12:90–98

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:90–98

12:90–93Page 246

قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠

They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."

قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١

They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."

قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢

He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.

ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣

Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."

﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾

(p-٣٤٢)لَمّا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٨٩] ؟ أدْرَكُوا أنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ مَلِكٌ لَمْ يَنْشَأْ عِنْدَهم، ولا تَتَبَّعَ أحْوالَهم، ولَيْسَ مِنهم فِيما يَظْهَرُ إلّا وعِنْدَهُ عِلْمٌ بِحالِهِمْ فَيُقالُ: إنَّهُ كانَ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ، فَرَفَعَهُ ووَضَعَ التّاجَ وتَبَسَّمَ، وكانَ يُضِيءُ ما حَوْلَهُ مِن نُورِ تَبَسُّمِهِ أوْ رَأوْا لَمْعَةً بَيْضاءَ كالشّامَةِ في فَرَقِهِ حِينَ وضَعَ التّاجَ وكانَ مِثْلُها لِأبِيهِ وجَدِّهِ وسارَةَ، فَتَوَسَّمُوا أنَّهُ يُوسُفُ، واسْتَفْهَمُوهُ اسْتِفْهامَ اسْتِخْبارٍ. وقِيلَ: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا عَرَفُوهُ بِتِلْكَ العَلاماتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُها.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَرَفُوهُ ؟ قُلْتُ: رَأوْا في رُوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِذَلِكَ ما شَعَرُوا بِهِ أنَّهُ هو، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ما خاطَبَهم بِهِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ حَنِيفٍ مُسْلِمٍ مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لا عَنْ بَعْضِ أعِزّاءِ مِصْرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أئِنَّكَ) عَلى الِاسْتِفْهامِ، والخِلافُ في تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، أوْ تَلْيِينِ الثّانِيَةِ وإدْخالِ ألِفٍ في التَّلْيِينِ أوِ التَّحْقِيقِ مَذْكُورٌ في القِراءاتِ السَّبْعِ. وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: (إنَّكَ) بِغَيْرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، والظّاهِرُ أنَّها مُرادَةٌ، ويَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الخَبَرِ المَحْضِ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُهم لِتَعارُضِ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ إنِ اتَّحَدَ القائِلُونَ في القَوْلِ وهو الظّاهِرُ، فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بَعْضًا اسْتَفْهَمَ وبَعْضًا أخْبَرَ، ونَسَبَ في كُلٍّ مِنَ القِراءَتَيْنِ إلى المَجْمُوعِ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: أمْكَنَ، وهو مَعَ ذَلِكَ بَعِيدٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (أئِنَّكَ) أوْ (أنْتَ يُوسُفُ) . وخَرَّجَهُ ابْنُ جِنِّي عَلى حَذْفِ خَبَرِ ”إنَّ“ وقَدَّرَهُ: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾، أوْ أنْتَ يُوسُفُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أئِنَّكَ يُوسُفُ، أوْ أنْتَ يُوسُفُ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، قالَ: وهَذا كَلامٌ مُسْتَعْجَبٌ مُسْتَغْرَبٌ لِما يُسْمَعُ، فَهو يُكَرِّرُ الِاسْتِثْباتَ، انْتَهى. وحَكى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالُوا: (أوَ أنْتَ يُوسُفُ) ؟ وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ دَخَلَتْ عَلى أنْتَ، وهو فَصْلٌ: وخَبَرُ ”إنَّ“ ”يُوسُفُ“ كَما تَقُولُ: إنْ كانَ زَيْدٌ لَهو الفاضِلُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلى أنْتَ وهو مُبْتَدَأٌ، ويُوسُفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ ”إنَّ“ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتَ تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو اسْمُ إنَّ لِحَيْلُولَةِ اللّامِ بَيْنَهُما، ولَمّا اسْتَفْهَمُوهُ أجابَهم فَقالَ: ﴿أنا يُوسُفُ﴾ كاشِفًا لَهم أمْرَهُ، وزادَهم في الجَوابِ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا أخِي﴾ لِأنَّهُ سَبَقَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] ؟ وكانَ في ذِكْرِ أخِيهِ بَيانٌ لِما سَألُوا عَنْهُ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم وتَوْطِئَةً لِما ذُكِرَ بَعْدَ (مَن) هو بِالتَّقْوى والصَّبْرِ، والأحْسَنُ أنْ لا تُخَصَّ التَّقْوى بِحالَةٍ ولا الصَّبْرُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِهِ المَعْصِيَةَ ويَصْبِرْ في السِّجْنِ.

وقالَ النَّخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِّنا ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ. وقِيلَ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مَن يَتَّقِ﴾ مَن يَخَفِ اللَّهَ وعِقابَهُ ويَصْبِرْ عَنِ المَعاصِي وعَلى الطّاعاتِ. وقِيلَ: مَن يَتَّقِ مَعاصِيَ اللَّهِ، ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ، وهَذِهِ كُلُّها تَخْصِيصاتٌ بِحَسَبِ حالَةِ يُوسُفَ ونَوازِلِهِ.

وقَرَأ قُنْبُلٍ: (مَن يَتَّقِي) فَقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، وهَذِهِ (p-٣٤٣)الياءُ إشْباعٌ، وقِيلَ: جَزَمَهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: لَمْ يَرْمِي زَيْدٌ، وقَدْ حَكَوْا ذَلِكَ لُغَةً. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ، و(مَن) مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي، وعُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزُومٌ وهو: ﴿ويَصْبِرْ﴾ وذَلِكَ عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ تَوَّهَمَ أنَّ ”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، و”يَتَّقِي“ مَجْزُومٌ. وقِيلَ: (ويَصْبِرْ) مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى مَرْفُوعٍ، وسُكِّنَتِ الرّاءُ لا لِلْجَزْمِ، بَلْ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن كَلِمَتَيْنِ، كَما سُكِّنَتْ في (يَأْمُرْكم ويُشْعِرْكم وبُعُولَتْهِنَّ) أوْ مُسَكِّنًا لِلْوَقْفِ، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ ”يَتَّقِي“ مَجْزُومًا عَلى لُغَةٍ، وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً، ولا يَرْجِعُ إلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ قالَ: وهَذا مِمّا لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إنَّما يَجِيءُ في الشِّعْرِ لا في الكَلامِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِن رُؤَساءِ النَّحْوِيِّينَ قَدْ نَقَلُوا أنَّهُ لُغَةٌ.

و(المُحْسِنِينَ) عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَن تَقَدَّمَ، أوْ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَّقِينَ والصّابِرِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُضِيعُ أجْرَهم.

و﴿آثَرَكَ﴾ فَضَّلَكَ بِالمُلْكِ، أوْ بِالصَّبْرِ والعِلْمِ قالَهُما ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ بِالحِلْمِ والصَّفْحِ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، أوْ بِحُسْنِ الخَلْقِ والخُلُقِ والعِلْمِ والحِلْمِ والإحْسانِ والمُلْكِ والسُّلْطانِ وبِصَبْرِكَ عَلى أذانا قالَهُ صاحِبُ الغُنْيانِ، أوْ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ وسِيرَةِ المُحْسِنِينَ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ الآيَةَ، وخِطابُهم إيّاهُ بِذَلِكَ اسْتِنْزالٌ لِإحْسانِهِ واعْتِرافٌ بِما صَدَرَ مِنهم في حَقِّهِ. و(خاطِئِينَ) مِن خَطِئَ إذا تَعَمَّدَ، وأمّا أخْطَأ فَقَصْدُ الصَّوابِ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ، و﴿لا تَثْرِيبَ﴾ لا لَوْمَ ولا عُقُوبَةَ، و﴿تَثْرِيبَ﴾ اسْمُ لا، و(عَلَيْكم) الخَبَرُ، و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في الخَبَرِ؛ أيْ: لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ (اليَوْمَ) ؟ (قُلْتُ): بِالتَّثْرِيبِ، أوْ بِالمُقَدَّرِ في (عَلَيْكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، أوْ بِـ (يَغْفِرُ) والمَعْنى: لا أثْرُبُكُمُ اليَوْمَ، وهَذا اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ فَما ظَنُّكم بِغَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَدْ عالَهم بِمَغْفِرَةِ ما فَرَطَ مِنهم، يُقالُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، ويَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ عَلى لَفْظِ الماضِي والمُضارِعِ جَمِيعًا، ومِنهُ قَوْلُ المُشَمِّتِ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ويُصْلِحُ بالَكم، أوِ اليَوْمُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم بِشارَةً بِعاجِلِ الغُفْرانِ، لِما تَجَدَّدَ يَوْمَئِذٍ مِن تَوْبَتِهِمْ ونَدَمِهِمْ عَلى خَطِيئَتِهِمْ، انْتَهى.

أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اليَوْمَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّثْرِيبِ، فَهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِقَوْلِهِ: (عَلَيْكم) إمّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أوْ صِفَةً لِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾، ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ مِن تَمامِهِ، وأيْضًا لَوْ كانَ اليَوْمُ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ لَمْ يَجُزْ بِناؤُهُ، وكانَ يَكُونُ مِن قَبِيلِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ، وهو الَّذِي يُسَمّى المُطَوَّلَ، ويُسَمّى المَمْطُولَ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا.

وأمّا تَقْدِيرُهُ الثّانِي فَتَقْدِيرٌ حَسَنٌ، ولِذَلِكَ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: (اليَوْمَ) أكْثَرُ القُرّاءِ، وابْتَدَءُوا بِـ ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَّبَرِيِّ.

وأمّا تَقْدِيرُهُ الثّالِثُ وهو أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مُتَعَلِّقًا بِـ (يَغْفِرُ) فَمَقْبُولٌ، وقَدْ وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (عَلَيْكم) وابْتَدَأ ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَقْفُ عَلى (اليَوْمَ) أرْجَحُ في المَعْنى؛ لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ. وأمّا قَوْلُهُ فَبِشارَةٌ إلى آخِرِهِ، فَعَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّ الغُفْرانَ لا يَكُونُ إلّا لِمَن تابَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعَ عُقُوبَةً، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ (عَلَيْكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (تَثْرِيبَ) ويَكُونَ الخَبَرُ (اليَوْمَ)، وهو وجْهٌ حَسَنٌ. وقِيلَ: (عَلَيْكم) بَيانٌ كَـ ”لَكَ“ في قَوْلِهِمْ: (p-٣٤٤)”سُقْيًا لَكَ“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْكم بِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يُعْرَبُ، فَيَكُونُ مُنَوَّنًا لِأنَّهُ يَصِيرُ مِن بابِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ، و(عَلَيْكم) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَثْرِيبَ)، وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (اليَوْمَ) وتَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ، كَما قَدَّرُوا في ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] أيْ: يَعْصِمُ اليَوْمَ، لَكانَ وجْهًا قَوِيًّا؛ لِأنَّ خَبَرَ لا إذا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، ولَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ، ولَمّا دَعا لَهم بِالمَغْفِرَةِ أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الغُفْرانِ، وهو أنَّهُ تَعالى أرْحَمُ الرُّحَماءِ، فَهو يَرْجُو مِنهُ قَبُولَ دُعائِهِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ.

والباءُ في (بِقَمِيصِي) الظّاهِرُ أنَّها لِلْحالِ؛ أيْ: مَصْحُوبِينَ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ. وقِيلَ: لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: اذْهَبُوا قَمِيصِي، أيِ: احْمِلُوا قَمِيصِي. قِيلَ: هو القَمِيصُ الَّذِي تَوارَثَهُ يُوسُفُ وكانَ في عُنُقِهِ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ أمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُرْسِلَهُ إلَيْهِ فَإنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، لا يَقَعُ عَلى مُبْتَلًى ولا سَقِيمٍ إلّا عُوفِيَ. وقِيلَ: كانَ لِإبْراهِيمَ كَساهُ اللَّهُ إيّاهُ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ خَرَجَ مِنَ النّارِ، ثُمَّ لِإسْحاقَ، ثُمَّ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِيُوسُفَ. وقِيلَ: هو القَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِن دُبُرٍ أرْسَلَهُ لِيَعْلَمَ يَعْقُوبُ أنَّهُ عُصِمَ مِنَ الفاحِشَةِ.

والظّاهِرُ أنَّهُ قَمِيصٌ مِن مَلْبُوسِ يُوسُفَ بِمَنزِلَةِ قَمِيصِ كُلِّ واحِدٍ، قالَ ذَلِكَ: ابْنُ عَطِيَّةَ. وهَكَذا تَتَبَيَّنُ الغَرابَةُ في أنْ وجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ مِن بَعْدُ، ولَوْ كانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ ما كانَ في ذَلِكَ غَرابَةً ولَوَجَدَهُ كُلُّ واحَدٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ عَمِيَ مِنَ الحُزْنِ، إمّا بِإعْلامِهِمْ، وإمّا بِوَحْيٍ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ بِوَحْيٍ، وأهْلُوهُ الَّذِينَ أمَرَ بِأنْ يُؤْتى بِهِمْ سَبْعُونَ، أوْ ثَمانُونَ، أوْ ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ، أوْ سِتَّةٌ وتِسْعُونَ، أقْوالٌ أوَّلُها لِلْكَلْبِيِّ وثالِثُها لِمَسْرُوقٍ. وفي واحِدٍ مِن هَذا العَدَدِ خَلَوْا بِمِصْرَ ونَمُوا حَتّى خَرَجَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. ومَعْنى: (يَأْتِ) يَأْتِينِي، وانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ.

12:94–98Page 246

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤

And when the caravan departed [from Egypt], their father said,1 "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."

قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ ٩٥

They said, "By Allāh, indeed you are in your [same] old error."

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٩٦

And when the bearer of good tidings1 arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allāh that which you do not know?"

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧

They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."

قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٩٨

He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ، وهو لازِمٌ، (p-٣٤٥)وفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا فَرَّقَ؛ وهو مُتَعَدٍّ، ومَعْنى ﴿فَصَلَتِ العِيرُ﴾ انْفَصَلَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ قاصِدَةً مَكانَ يَعْقُوبَ، وكانَ قَرِيبًا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: بِالجَزِيرَةِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ آثارَهم وقُبُورَهم هُناكَ إلى الآنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (ولَمّا انْفَصَلَ العِيرُ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عُرْفَهُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا، وكانَ مُدَّةُ فِراقِهِ مِنهُ سَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وعَنْهُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيالٍ. وعَنْ أبِي أيُّوبَ المَهْرَوِيِّ: أنَّ الرِّيحَ اسْتَأْذَنَتْ في إيصالِ عُرْفِ يُوسُفَ إلى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَها في ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: صَفَّقَتِ الرِّيحُ القَمِيصَ فَراحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، ومَعْنى (لَأجِدُ) لَأشُمُّ فَهو وُجُودُ حاسَّةِ الشَّمِّ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎وإنِّي لَأسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمامَةٍ يَهُبُّ بِها مِن نَحْوِ أرْضِكِ رِيحُ

ومَعْنى ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: تُسَفِّهُونِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: تُجَهِّلُونِ. وعَنْهُ أيْضًا: تُضَعِّفُونِ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: تُكَذِّبُونِ. وقالَ الحَسَنُ: تُهْرِمُونِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ وخَرِفْتَ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: تُقَبِّحُونِ. وقالَ الكِسائِيُّ: تُعَجِّزُونِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُضَلِّلُونِ. وقِيلَ: تُخَطِّئُونِ. وهَذِهِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وهي راجِعَةٌ لِاعْتِقادِ فَسادِ رَأْيِ المُفَنِّدِ إمّا لِجَهْلِهِ، أوْ لِهَوًى غالِبٍ عَلَيْهِ، أوْ لِكَذِبِهِ، أوْ لِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ لِذَهابِ عَقْلِهِ بِهَرَمِهِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ: يُقالُ شَيْخٌ مُفْنِدٌ؛ أيْ: قَدْ فَسَّرَ رَأْيَهُ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ؛ لِأنَّ المَرْأةَ لَمْ يَكُنْ لَها رَأْيٌ قَطُّ أصِيلٌ فَيَدْخُلُهُ التَّفْنِيدُ. وقالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: التَّفْنِيدُ النِّسْبَةُ إلى الفَنَدِ وهو الخَوْفُ وإنْكارُ العَقْلِ، مِن هَرَمَ يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، ولا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتُ رَأْيٍ فَتُفَنَّدُ في كِبَرِها، و(لَوْلا) هُنا حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى لَوْلا تَفْنِيدُكم إيّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي، انْتَهى. وقَدْ يُقالُ: تَقْدِيرُهُ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَأخْبَرْتُكم بِكَوْنِهِ حَيًّا لَمْ يَمُتْ؛ لِأنَّ وِجْدانِي رِيحَهُ دالٌّ عَلى حَياتِهِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ الظّاهِرُ مِن تَناسُقِ الضَّمائِرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن كانَ بَقِيَ عِنْدَهُ مِن أوْلادِهِ غَيْرَ الَّذِينَ راحُوا يَمْتارُونَ، إذْ كانَ أوْلادُهُ جَماعَةً، وقِيلَ: المُخاطَبُ ولَدُ ولَدِهِ ومَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مِن قَرابَتِهِ.

والضَّلالُ هُنا لا يُرادُ بِهِ ضِدُّ الهُدى والرَّشادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى إنَّكَ لَفي خَطَئِكَ، وكانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: ذُو الحُزْنَيْنِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الشَّقاءُ والعَناءُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الجُنُونُ؛ ويَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - غَلَبَةَ المَحَبَّةِ. وقِيلَ: الهَلاكُ والذَّهابُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أيْ: ذَهَبَ فِيهِ. وقِيلَ: الحُبُّ، ويُطْلَقُ الضَّلالُ عَلى المَحَبَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ مِنَ الجَفاءِ الَّذِي لا يَسُوغُ لَهم مُواجَهَتُهُ بِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ بَعْضُ النّاسِ عَلى ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ قَتادَةُ: قالُوا لِوالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَقُولُوها لِوالِدِهِمْ، ولا لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا في إفْراطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، ولَهَجِكَ بِذِكْرِهِ، ورَجائِكَ لِقائَهُ، وكانَ عِنْدَهم أنَّهُ قَدْ ماتَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا؛ لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَّمِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الجَوْهَرِيُّ: قالَ يَهُوذا لِإخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ القُرْحَةِ، فَدَعُونِي أذْهَبُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ وقالَ هَذا المَعْنى السُّدِّيُّ.

و(أنْ) تَطَّرِدُ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿ألْقاهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿البَشِيرُ﴾ وهو الظّاهِرُ، هو لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْقُوهُ﴾ [يوسف: ٩٣] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى يَعْقُوبَ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ الوَجْهُ كُلُّهُ كَما جَرَتِ العادَةُ أنَّهُ مَتى وجَدَ الإنْسانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ البَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ العَيْنَيْنِ (p-٣٤٦)لِأنَّهُما فِيهِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ. و(ارْتَدَّ) عَدَّهُ بَعْضُهم في أخَواتِ كانَ، والصَّحِيحُ أنَّها لَيْسَتْ مِن أخَواتِها، فانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهُ رَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن سَلامَةِ البَصَرِ. فَفي الكَلامِ ما يُشْعِرُ أنَّ بَصَرَهُ عادَ أقْوى مِمّا كانَ عَلَيْهِ وأحْسَنَ؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، وما عَدَلَ مِن مُفْعِلٍ إلى فَعِيلٍ إلّا لِهَذا المَعْنى، انْتَهى. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ فَعِيلًا هُنا لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ فَعِيلُ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ هو مَعْدُولٌ عَنْ فاعِلٍ لِهَذا المَعْنى. وأمّا بَصِيرًا هُنا فَهو اسْمُ فاعِلٍ مِن بَصُرَ بِالشَّيْءِ، فَهو جارٍ عَلى قِياسِ فَعُلَ نَحْوَ ظَرُفَ فَهو ظَرِيفٌ، ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ بِمَعْنى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ: ألِيمٌ وسَمِيعٌ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ ومُسْمِعٍ. ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: مَلِكُ مِصْرَ. قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ؟ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَجِدِ البَشِيرُ عِنْدَ يَعْقُوبَ شَيْئًا يُبِيتُهُ بِهِ، وقالَ: ما خَبَزْنا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعَ لَيالٍ، ولَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ العَمى، والقُوَّةُ بَعْدَ الضَّعْفِ، والشَّبابُ بَعْدَ الهَرَمِ، والسُّرُورُ بَعْدَ الكَرْبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ ويُرِيدُ بِهِ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] فَقِيلَ: ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ، وأنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وقِيلَ: مِن صِحَّةِ رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقِيلَ: مِن بَلْوى الأنْبِياءِ بِالحُزْنِ ونُزُولِ الفَرَجِ. وقِيلَ: مِن أخْبارِ مَلَكِ المَوْتِ إيّايَ، وكانَ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَقَطْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألَمْ أقُلْ لَكم: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] . وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ القَوْلُ، انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. ولَمّا رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ وقَرَّتْ عَيْنُهُ بِالمَسِيرِ إلى ابْنِهِ يُوسُفَ، وقَرَّرَهم عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمُ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ السّابِقِ مِنهم، و﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ عِدَةٌ لَهم بِالِاسْتِغْفارِ بِسَوْفَ، وهي أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السَّحَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وعَنْهُ: إلى سَحَرِها، قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ: أخَّرَ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا ضِنَّةً عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَوْفَ: إلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وفِرْقَةٌ: إلى اللَّيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُّعاءَ فِيها يُسْتَجابُ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: أخَّرَهُ حَتّى يَسْألَ يُوسُفَ، فَإنْ عَفا عَنْهُمُ اسْتَغْفَرَ لَهم. وقِيلَ: أخَّرَهم لِيَعْلَمَ حالَهم في صِدْقِ التَّوْبَةِ وإخْلاصِها، وقِيلَ: أرادَ الدَّوامَ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَمّا وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ رَجاهم بِحُصُولِ الغُفْرانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском