Abu HayyanAl‑Hijr · 15:1–25

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

الحجر

Al-Hijr

The Rocky Tract · Meccan · 99 ayahs

15:1–25Page 262

الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ ١

Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the Book and a clear Qur’ān [i.e., recitation].

رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٢

Perhaps those who disbelieve will wish1 that they had been Muslims.

ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٣

Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.

وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ ٤

And We did not destroy any city but that for it was a known decree.

مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٥

No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.

وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ ٦

And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.1

لَّوۡمَا تَأۡتِينَا بِٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧

Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"

مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ ٨

We do not send down the angels except with truth;1 and they [i.e., the disbelievers] would not then be reprieved.

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩

Indeed, it is We who sent down the message [i.e., the Qur’ān], and indeed, We will be its guardian.

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي شِيَعِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٠

And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muḥammad], among the sects of the former peoples.

وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١١

And no messenger would come to them except that they ridiculed him.

كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٢

Thus do We insert it [i.e., denial] into the hearts of the criminals.

لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣

They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.

وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ ١٤

And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,

لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ ١٥

They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."

وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦

And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.

وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ ١٧

And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allāh]

إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ مُّبِينٞ ١٨

Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.

وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ ١٩

And the earth - We have spread it and cast therein firmly set mountains and caused to grow therein [something] of every well-balanced thing.

وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ٢٠

And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.1

وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢١

And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known [i.e., specified] measure.

وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ ٢٢

And We have sent the fertilizing winds1 and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.

وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٢٣

And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.1

وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ ٢٤

And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٢٥

And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.

﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] (p-٤٤٢)رُبَّ: حَرْفُ جَرٍّ لا اسْمٌ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وابْنِ الطَّراوَةِ، ومَعْناها في المَشْهُورِ: التَّقْلِيلُ لا التَّكْثِيرُ، خِلافًا لِزاعِمِهِ وناسِبِهِ إلى سِيبَوَيْهِ، ولِمَن قالَ: لا تُفِيدُ تَقْلِيلًا ولا تَكْثِيرًا، بَلْ هي حَرْفُ إثْباتٍ. ودَعْوى أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ الِاتِّفاقُ عَلى أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ باطِلَةٌ، وقَوْلُ الزُّجاجِ: إنَّ ( رُبَّ لِلْكَثْرَةِ ضِدُّ ما يَعْرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وفِيها لُغاتٌ، وأحْكامُها كَثِيرَةٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، ولَمْ تَقَعْ في القُرْآنِ إلّا في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى كَثْرَةِ وُقُوعِها في لِسانِ العَرَبِ.

ذَرْ: أمْرٌ اسْتَغْنى غالِبًا عَنْ ماضِيهِ بِتَرْكٍ، وفي الحَدِيثِ: «ذَرُوا الحَبَشَةَ ما وذَرَتْكم» لَوْما: حَرْفُ تَحْضِيضٍ، فَيَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا أوْ مُضْمَرًا، وحَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ فِيلَيْها الِاسْمُ مُبْتَدَأً عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ومِنهُ، قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَوْما الحَياءُ ولَوْ ما الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي

وقالَ بَعْضُهم: المِيمُ في لَوْما بَدَلٌ مِنَ اللّامِ في لَوْلا، ومِثْلُهُ: اسْتَوْلى عَلى الشَّيْءِ واسْتَوْما. وخالَلْتُهُ وخالَمْتُهُ فَهو خِلِّي وخِلْمِي أيْ: صَدِيقِي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ رُكِّبَتْ مَعَ لا وما لِمَعْنَيَيْنِ، وأمّا هَلْ فَلَمْ تُرَكَّبْ إلّا مَعَ لا وحْدَها لِلتَّحْضِيضِ؛ انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ البَساطَةَ فِيهِما لا التَّرْكِيبَ، وأنَّ ما لَيْسَتْ بَدَلًا مِن لا. سَلَكَ الخَيْطَ في الإبْرَةِ وأسْلَكَها أدْخَلَهُ فِيها ونَظَمَهُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎حَتّى إذا سَلَكُوهم في قَتائِدَةٍ ∗∗∗ شَلًّا كَما تَطْرُدُ الحَمّالَةُ الشُّرَّدا

وقالَ الآخَرُ:

؎وكُنْتُ لِزازِ خَصْمِكَ لَمْ أُعَوَّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبٍ

الشِّهابُ: شُعْلَةُ النّارِ، ويُطْلَقُ عَلى الكَوْكَبِ لِبَرِيقِهِ شُبِّهَ بِالنّارِ. وقالَ أبُو تَمّامٍ:

؎والعَلَمُ في شُهُبِ الأرْماحِ لامِعَةٌ ∗∗∗ بَيْنَ الخَمِيسَيْنِ لا في السَّبْعَةِ الشُّهُبِ

اللَّواقِحُ: الظّاهِرُ أنَّها جَمْعُ لاقِحٍ أيْ: ذَواتُ لِقاحٍ كَلابِنٍ وتامِرٍ، وذَلِكَ أنَّ الرِّيحَ تَمُرُّ عَلى الماءِ ثُمَّ تَمُرُّ عَلى السَّحابِ والشَّجَرِ فَيَكُونُ فِيها لِقاحٌ قالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: حَوامِلُ تَحْمِلُ السَّحابَ وتُصَرِّفُهُ، وناقَةٌ لاقِحٌ، ونُوقٌ لَواقِحُ إذا حَمَلَتِ الأجِنَّةَ في بُطُونِها. وقالَ زُهَيْرٌ:

؎إذا لُقِّحَتْ حَرْبٌ عَوانٌ مُضِرَّةٌ ∗∗∗ ضَرُوسٌ تَهُرُّ النّاسُ أنْيابَها عَصْلُ

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ مَلاقِحُ جَمْعُ مُلَقِّحَةٍ، لِأنَّها تُلَقِّحُ السَّحابِ بِإلْقاءِ الماءِ. وقالَ:

؎ومُخْتَبَطٍ مِمَّـا تَطِيـحُ الطَّوائِـحُ

أيِ: المَطاوِحُ جَمْعُ مُطِيحَةٍ. الصَّلْصالُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ الطِّينُ إذا خُلِطَ بِالرَّمْلِ وجَفَّ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: الصَّلْصالُ صَوْتُ اللِّجام وما أشْبَهَهُ، وهو مِثْلُ القَعْقَعَةِ في الثَّوْبِ. وقِيلَ: التُّرابُ المُدَقِّقُ، وصَلْصَلَ الرَّمْلُ صَوَّتَ، وصَلْصالٌ بِمَعْنى مُصَلْصِلٍ كالقَضْقاضِ أيِ المُقَضْقِضِ، وهو فِيهِ كَثِيرٌ، ويَكُونُ هَذا النَّوْعُ مِنَ المُضَعَّفِ مَصْدَرًا فَتَقُولُ: زُلْزِلَ زَلْزالًا بِالفَتْحِ، وزِلْزالًا بِالكَسْرِ، ووَزْنُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فِعْلالٌ، وهَكَذا جَمِيعُ المُضاعَفِ حُرُوفُهُ كُلُّها أُصُولٌ لا قَعْقَعٌ، خِلافًا لِلْفَرّاءِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. ولا فَعْفَلَ خِلافًا لِبَعْضِ البَصْرِيِّينَ وبَعْضِ الكُوفِيِّينَ، ولا أنَّ أصْلَهُ فَعَّلَ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ أُبْدِلَ مِنَ (p-٤٤٣)الثّانِي حَرْفٌ مِن جِنْسِ الحَرْفِ الأوَّلِ خِلافًا لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ. ويَنْبَنِي عَلى هَذِهِ الأقْوالِ: ورُبُّ صَلْصالٍ. الحَمَأُ: طِينٌ أسْوَدُ مُنْتِنٌ، واحِدَةٌ حَمَأةٌ بِتَحْرِيكِ المِيمِ قالَهُ اللَّيْثُ ووَهِمَ في ذَلِكَ، وقالُوا: لا نَعْرِفُ في كَلامِ العَرَبِ الحَمَأةُ إلّا ساكِنَةَ المِيمِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والأكْثَرُونَ، كَما قالَ أبُو الأسْوَدِ:

؎يَجِئْكَ بِمَلَئِها طَوْرًا وطَوْرًا ∗∗∗ يَجِيءُ بِحَماةٍ وقَلِيلِ ماءِ

وعَلى هَذا لا يَكُونُ حَمَأٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ لِاخْتِلافِ الوَزْنِ. السَّمُومُ: إفْراطُ الحَرِّ، يَدْخُلُ في المَسامِّ حَتّى يَقْتُلَ مِن نارٍ أوْ شَمْسٍ أوْ رِيحٍ. وقِيلَ: السَّمُومُ بِاللَّيْلِ، والحَرُّ بِالنَّهارِ.

﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في (p-٤٤٤)آخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها أشْياءَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ مِن تَبْدِيلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأحْوالِ الكُفّارِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأنَّ ما أتى بِهِ هو عَلى حَسَبِ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ، ابْتَدَأ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ القُرْآنِ الَّذِي هو بَلاغٌ لِلنّاسِ، وأحْوالُ الكَفَرَةِ، ووِدادَتُهم لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الكِتابُ هُنا ما نَزَلَ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ القُرْآنِ، فَعَلى قَوْلِهِما تَكُونُ تِلْكَ إشارَةً إلى آياتِ الكِتابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ، فَعَلى قَوْلِهِما تَكُونُ تِلْكَ إشارَةً إلى آياتِ الكِتابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ، وعُطِفَتِ الصِّفَةُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا أنَّ تِلْكَ الإشارَةَ لِما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنَ الآياتِ قالَ: والكِتابُ والقُرْآنُ المُبِينُ السُّورَةُ، وتَنْكِيرُ القُرْآنِ لِلتَّفْخِيمِ، والمَعْنى: تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الكامِلِ في كَوْنِهِ كِتابًا، وآيُ قُرْآنٍ مُبِينٍ كَأنَّهُ قِيلَ: والكِتابُ الجامِعُ لِلْكَمالِ والغَرابَةِ في الشَّأْنِ، والظّاهِرُ أنَّ ما في رُبَّما مُهَيِّئَةٌ، وذَلِكَ أنَّها مِن حَيْثُ هي حَرْفُ جَرٍّ لا يَلِيها إلّا الأسْماءُ، فَجِيءَ بِما مُهَيِّئَةٌ لِمَجِيءِ الفِعْلِ بَعْدَها. وجَوَّزُوا في ما أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، ورُبَّ جارَّةٌ لَها، والعائِدُ مِن جُمْلَةِ الصِّفَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رُبَّ شَيْءٍ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا. و﴿لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ بَدَلٌ مِن ما عَلى أنَّ لَوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ لِيَوَدُّ، ومَن لا يَرى أنَّ لَوْ تَأْتِي مَصْدَرِيَّةً جَعَلَ مَفْعُولَ يَوَدُّ مَحْذُوفًا. ولَوْ في لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ حَرْفٌ لَما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أيْ: رُبَّما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا الإسْلامَ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ لَسُرُّوا بِذَلِكَ وخَلَصُوا مِنَ العَذابِ، ولَمّا كانَتْ رُبَّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ لا تَدْخُلُ عَلى مُسْتَقْبَلٍ تَأوَّلُوا يَوَدُّ في مَعْنى ودَّ، ولَمّا كانَ المُسْتَقْبَلُ في إخْبارِ اللَّهِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كالماضِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ودَّ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ، بَلْ قَدْ تَدْخُلُ عَلى المُسْتَقْبَلِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى دُخُولِها عَلى الماضِي. ومِمّا ورَدَتْ فِيهِ لِلْمُسْتَقْبَلِ قَوْلُ سُلَيْمٍ القُشَيْرِيِّ:

؎ومُعْتَصِمٍ بِالجُبْنِ مِن خَشْيَةِ الرَّدى ∗∗∗ سَيَرْدى وغازٍ مُشْفِقٍ سَيَؤُبُ

وقَوْلُ هِنْدٍ أُمِّ مُعاوِيَةَ:

؎يا رُبَّ قائِلَةٍ غَدًا ∗∗∗ يا لَهْفَ أُمِّ مُعاوِيَةَ

وقَوْلُ جَحْدَرٍ:

؎فَإنْ أهْلِكْ فَرُبَّ فَتًى سَيَبْكِي ∗∗∗ عَلَيَّ مُهَذَّبٌ رَخْصُ البَنانِ

فِي عِدَّةِ أبْياتٍ. وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: إنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ كَلِمَةَ (رُبَّ) مُخْتَصَّةٌ بِالدُّخُولِ عَلى الماضِي لا يَصِحُّ، فَعَلى هَذا لا يَكُونُ يَوَدُّ مُحْتاجًا إلى تَأْوِيلٍ. وأمّا مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى إضْمارِ كانَ، أيْ: رُبَّما كانَ يَوَدُّ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، ولَيْسَ هَذا مِن مَواضِعِ إضْمارِ كانَ. ولَمّا كانَ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ (رُبَّ) لِلتَّقْلِيلِ احْتاجُوا إلى تَأْوِيلِ مَجِيءِ (رُبَّ) هُنا، وطَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ. ومَن قالَ: إنَّها لِلتَّكْثِيرِ، فالتَّكْثِيرُ فِيها هَنا ظاهِرٌ، لِأنَّ وِدادَتَهم ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. ومَن قالَ: إنَّ التَّقْلِيلَ والتَّكْثِيرَ إنَّما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ لا مِن مَوْضُوعِ رُبَّ، قالَ: دَلَّ سِياقُ الكَلامِ عَلى الكَثْرَةِ. وقِيلَ: تُدْهِشُهم أهْوالُ ذَلِكَ اليَوْمِ فَيَبْقُونَ مَبْهُوتِينَ، فَإنْ كانَتْ مِنهم إفاقَةً في بَعْضِ الأوْقاتِ مِن سَكْرَتِهِمْ تَمَنَّوْا، فَلِذَلِكَ قَلَّلَ. وقَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ: رُبَّما، بِتَخْفِيفِ الباءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتَشْدِيدِها. وعَنْ أبِي عَمْرٍو: الوَجْهانِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، رُبَّتَما، بِزِيادَةِ تاءٍ. ومَتى يَوَدُّونَ ذَلِكَ ؟ قِيلَ: في الدُّنْيا. فَقالَ الضَّحّاكُ: عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هم كُفّارُ قُرَيْشٍ، ودُّوا ذَلِكَ في يَوْمِ بَدْرٍ حِينَ رَأوُا الغَلَبَة لِلْمُسْلِمِينَ. وقِيلَ: حِينَ حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ مِن تَمَلُّكِ المُسْلِمِينَ أرْضَهم وأمْوالَهم ونِساءَهم، ودُّوا ذَلِكَ قَبْل أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ. وقِيلَ: ودُّوا ذَلِكَ في الآخِرَةِ إذا أُخْرِجَ عُصاةُ المُسْلِمِينَ مِنَ النّارِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ (p-٤٤٥)ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وإبْراهِيمُ، ورَواهُ أبُو مُوسى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَرَأ الرَّسُولُ هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ: حِينَ يَشْفَعُ الرَّسُولُ، ويُشَفَّعُ حَتّى يَقُولَ: مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، ورَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إذا عايَنُوا القِيامَةَ؛ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: عِنْدَ كُلِّ حالَةٍ يُعَذَّبُ فِيها الكافِرُ ويَسْلَمُ المُؤْمِنُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنْ يُنْذِرَهم، وهو أمْرُ وعِيدٍ لَهم وتَهْدِيدٍ؛ أيْ: لَيْسُوا مِمَّنْ يَرْعَوِي عَنْ ما هو فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، ولا مِمَّنْ تَنْفَعُهُ النَّصِيحَةُ والتَّذْكِيرُ، فَهم إنَّما حَظُّهم حَظُّ البَهائِمِ مِنَ الأكْلِ والتَّمَتُّعِ بِالحَياةِ الدُّنْيا والأمَلِ في تَحْصِيلِها، هو الَّذِي يُلْهِيهِمْ ويَشْغَلُهم عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ. وفي قَوْلِهِ: يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا، إشارَةٌ إلى أنَّ التَّلَذُّذَ والتَّنَعُّمَ وعَدَمَ الِاسْتِعْدادِ لِلْمَوْتِ والتَّأهُّبِ لَهُ لَيْسَ مِن أخْلاقِ مَن يَطْلُبُ النَّجاةَ مِن عَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: التَّمَتُّعُ في الدُّنْيا مِن أخْلاقِ الهالِكِينَ. وقالَ الحَسَنُ: ما أطالَ عَبْدٌ الأمَلَ إلّا أساءَ العَمَلَ. وانْجَزَمَ يَأْكُلُوا، وما عُطِفَ عَلَيْهِ جَوابًا لِلْأمْرِ. ويَظْهَرُ أنَّهُ أمَرَ بِتَرْكِ قِتالِهِمْ وتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ وبِمُهادَنَتِهِمْ ومُوادَعَتِهِمْ، ولِذَلِكَ تَرَتَّبَ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّهُ لَوْ شَغَلَهم بِالقِتالِ ومُصالَتَةِ السُّيُوفِ، وإيقاعِ الحَرْبِ ما هَنّاهم أكْلٌ ولا تَمَتُّعٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وإذا جَعَلْتَ (ذَرْهم) أمْرًا بِتَرْكِ نَصِيحَتِهِمْ وشَغْلِ بالِهِ بِهِمْ، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَوابُ، لِأنَّهم يَأْكُلُونَ ويَتَمَتَّعُونَ سَواءٌ تَرَكَ نَصِيحَتَهم، أمْ لَمْ يَتْرُكْها. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، أيْ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ وما يَئُولُونَ إلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ والسَّبْيِ، وفي الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ. ولَمّا تَوَعَّدَهم بِما يَحِلُّ بِهِمْ أرْدَفَ ذَلِكَ بِما يُشْعِرُ بِهَلاكِهِمْ، وأنَّهُ لا يُسْتَبْطَأُ، فَإنَّ لَهُ أجَلًا لا يَتَعَدّاهُ، والمَعْنى: مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كافِرِينَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالهَلاكِ هَلاكُ الِاسْتِئْصالُ لِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ، وهو أبْلَغُ في الزَّجْرِ. وقِيلَ: المُرادُ: الإهْلاكُ بِالمَوْتِ، والواوُ في قَوْلِهِ: ولَها، واوُ الحالِ. وقالَ بَعْضُهم: مُقْحَمَةٌ، أيْ زائِدَةٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِإسْقاطِها وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الجُمْلَةُ واقِعَةٌ صِفَةً لِقَرْيَةٍ، والقِياسُ أنَّ (لا) تَتَوَسَّطُ الواوَ بَيْنَهُما، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنَّما تَوَسَّطَتْ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ، كَما يُقالُ في الحالِ: جاءَنِي زَيْدٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وجاءَنِي وعَلَيْهِ ثَوْبٌ؛ انْتَهى. ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ أبُو البَقاءِ فَقالَ: الجُمْلَةُ نَعْتٌ لِقَرْيَةٍ، كَقَوْلِكَ: ما لَقِيتُ رَجُلًا إلّا عالِمًا؛ قالَ: وقَدْ ذَكَرْنا حالَ الواوِ في مِثْلِ هَذا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ فِيهِ أبُو البَقاءِ لا نَعْلَمُ أحَدًا قالَهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما بَعْدَ (إلّا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً، وقَدْ مَنَعُوا ذَلِكَ. قالَ:الأخْفَشُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالإثْمِ، قالَ: ونَحْوُ ما جاءَنِي رَجُلٌ إلّا راكِبٌ، تَقْدِيرُهُ: إلّا رَجُلٌ راكِبٌ، وفِيهِ قُبْحٌ بِجَعْلِكَ الصِّفَةَ كالِاسْمِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقُولُ ما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا قائِمًا، فَقائِمًا حالٌ مِن أحَدٍ، ولا يَجُوزُ إلّا قائِمٌ، لِأنَّ (إلّا) لا تَعْتَرِضُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ. وقالَ ابْنُ مالِكٍ: وقَدْ ذَكَرَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: في نَحْوِ: ما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا زَيْدٌ خَيْرٌ مِنهُ، أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَ (إلّا) صِفَةٌ لِأحَدٍ، أنَّهُ مَذْهَبُ لَمْ يُعْرَفْ لِبَصْرِيٍّ ولا كُوفِيٍّ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وأبْطَلَ ابْنُ مالِكٍ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ الواوَ تَوَسَّطَتْ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ. وقالَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هَذِهِ الواوُ هي الَّتِي تُعْطِي (أنَّ) الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها في اللَّفْظِ هي في الزَّمَنِ قَبْلَ الحالَةِ الَّتِي قَبْلَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]؛ انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ المَعْلُومَ هو الأجَلُ الَّذِي كُتِبَ في اللَّوْحِ وبُيِّنَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: مَكْتُوبٌ فِيهِ أعْمالُهم وأعْمارُهم وآجالُ هَلاكِهِمْ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: ﴿كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ: (p-٤٤٦)فَرْضٌ مَحْتُومٌ، و(مِن) زائِدَةٌ تُفِيدُ اسْتِغْراقَ الجِنْسِ، أيْ: ما تَسْبِقُ أُمَّةٌ، وأنَّثَ (أجَلَها) عَلى لَفْظِ (أُمَّةٍ)، وجَمَعَ وذَكَرَ في ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ حَمْلًا عَلى المَعْنى، وحَذَفَ عَنْهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، والنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: نَزَلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ماضِيًا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ: (يا أيُّها الَّذِي أُلْقِيَ إلَيْهِ الذِّكْرُ)، ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ القِراءَةُ تَفْسِيرًا، لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ. وهَذا الوَصْفُ بِأنَّهُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، قالُوهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِخْفافِ، لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِتَنْزِيلِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ، ويَنْسُبُونَهُ إلى الجُنُونِ، إذْ لَوْ كانَ مُؤْمِنًا بِرِسالَةِ مُوسى وما أخْبَرَ عَنْهُ بِالجُنُونِ. ثُمَّ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ أنْ يَأْتِيَهم بِالمَلائِكَةِ شاهِدِينَ لِصِدْقِكَ وبِصِحَّةِ دَعْواكَ وإنْذارِكَ، كَما قالَ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] أوْ مُعاقِبِينَ عَلى تَكْذِيبِكَ، كَما كانَتْ تَأْتِي الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ: ما تَنَزَّلُ: مُضارِعُ تَنَزَّلَ، أيْ: ما تَتَنَزَّلُ المَلائِكَةُ، بِالرَّفْعِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، ويَحْيَـى بْنُ وثّابٍ: ما تُنَزَّلُ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ النُّونِ والزّايِ المَلائِكَةُ بِالرَّفْعِ. وقَرَأ الأخَوانِ، وحَفْصٌ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: ما نُنَزِّلُ بِضَمِّ النُّونِ الأوْلى، وفَتْحِ الثّانِيَةِ، وكَسْرِ الزّايِ المَلائِكَةَ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ما نَزَلَ، ماضِيًا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ المَلائِكَةُ بِالرَّفْعِ. والحَقُّ هُنا العَذابُ؛ قالَهُ الحَسَنُ، أوِ الرِّسالَةُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ قَبْضُ الأرْواحِ عِنْدَ المَوْتِ؛ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، أوِ القُرْآنُ؛ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألّا تَنْزِلا مُلْتَبِسًا بِالحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ولا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكم عِيانًا تُشاهِدُونَهم ويَشْهَدُونَ لَكم بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّكم حِينَئِذٍ مُصَدِّقُونَ عَنِ اضْطِرارٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ مَعْناها: كَما يَجِبُ ويَحِقُّ مِنَ الوَحْيِ والمَنافِعِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، لا عَلى اقْتِراحِ كافِرٍ، ولا بِاخْتِيارِ مُعْتَرِضٍ. ثُمَّ ذَكَرَ عادَةَ اللَّهِ في الأُمَمِ مِن أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ بِآيَةِ اقْتِراحٍ إلّا ومَعَها العَذابُ في إثْرِها ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الكهف: ٦]، فَكانَ الكَلامُ ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِحَقٍّ واجِبٍ لا بِاقْتِراحِكم. وأيْضًا فَلَوْ نَزَلَتْ لَمْ تَنْظُرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالعَذابِ؛ أيْ: تُؤَخِّرُوا، والمَعْنى، وهَذا لا يَكُونُ إذْ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، أوْ يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذَنْ: جَوابٌ وجَزاءٌ، لِأنَّهُ جَوابٌ لَهم، وجَزاءٌ بِالشَّرْطِ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ نَزَّلْنا المَلائِكَةَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ، وما أخَّرَ عَذابَهم. ولَمّا قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ هو المُنَزِّلُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ مِن قِبَلِهِ ولا قِبَلِ أحَدٍ، بَلْ هو اللَّهُ تَعالى الَّذِي بَعَثَ بِهِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى رَسُولِهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ﴾، بِدُخُولِ (إنَّ) وبِلَفْظِ (نَحْنُ) . ونَحْنُ: مُبْتَدَأٌ، أوْ تَأْكِيدٌ لِاسْمٍ إنَّ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أيْ: حافِظُونَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ. وفي كُلِّ وقْتٍ تَكَفَّلَ تَعالى بِحِفْظِهِ، فَلا يَعْتَرِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ، ولا تَحْرِيفٌ ولا تَبْدِيلٌ، بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَتَكَفَّلْ حِفْظَها بَلْ قالَ تَعالى: إنَّ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارَ اسْتَحْفَظُوها، ولِذَلِكَ وقَعَ فِيها الِاخْتِلافُ. وحِفْظُهُ إيّاهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ مِن قَوْلِ البَشَرِ لَتَطَرَّقَ (p-٤٤٧)إلَيْهِ ما تَطَرَّقَ لِكَلامِ البَشَرِ. وقالَ الحَسَنُ: حَفِظَهُ بِإبْقاءِ شَرِيعَتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَحْفَظُهُ في قُلُوبِ مَن أرادَ بِهِمْ خَيْرًا حَتّى لَوْ غَيَّرَ أحَدٌ نُقْطَةً لَقالَ لَهُ الصِّبْيانُ: كَذَبْتَ، وصَوابُهُ كَذا، ولَمْ يَتَّفِقْ هَذا لِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ سِواهُ. وعَلى هَذا فالظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى الذِّكْرِ، لِأنَّهُ المُصَرَّحُ بِهِ في الآيَةِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِ: مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وغَيْرِهِما. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: يَحْفَظُهُ مِن أذاكم، ويَحُوطُهُ مِن مَكْرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وفي ضِمْنِ هَذِهِ الآيَةِ التَّبْشِيرُ بِحَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى يُظْهِرَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى اسْتِهْزاءَ الكُفّارِ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ونِسْبَتَهُ إلى الجُنُونِ، واقْتِراحَ نُزُولِ المَلائِكَةِ، سَلّاهُ تَعالى بِأنَّ مَن أُرْسِلَ مِن قَبْلِكَ كانَ دَيْدَنَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ مِثْلَ دَيْدَنِ هَؤُلاءِ مَعَكَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الشِّيَعِ في أواخِرِ الأنْعامِ. ومَفْعُولُ أرْسَلْنا مَحْذُوفٌ، أيْ: رَسُلًا مِن قَبْلِكَ. وقالَ الفَرّاءُ: في شِيَعِ الأوَّلِينَ: هو مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى صِفَتِهِ، كَقَوْلِهِ: حَقُّ اليَقِينِ، وبِجانِبِ الغَرْبِيِّ، أيِ الشِّيَعُ المَوْصُوفُ، أيْ: في شِيَعِ الأُمَمِ الأوَّلِينَ، والأوَّلُونَ هُمُ الأقْدَمُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما يَأْتِيهِمْ﴾ حِكايَةٌ ماضِيَةٌ، لِأنَّ (ما) لا تَدْخُلُ عَلى مُضارِعٍ، إلّا وهو في مَوْضِعِ الحالِ، ولا عَلى ماضٍ إلّا وهو قَرِيبٌ مِنَ الحالِ؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هو قَوْلُ الأكْثَرِ مِن (أنَّ) ما تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلْحالِ وتُعَيِّنُهُ لَهُ، وذَهَبَ غَيْرُهُ إلى أنَّ (ما) يَكْثُرُ دُخُولُها عَلى المُضارِعِ مُرادًا بِهِ الحالُ، وتَدْخُلُ عَلَيْهِ مُرادًا بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎أوْدى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةً ∗∗∗ عِنْدَ الرُّقادِ وعَبْرَةً ما تُقْلِعُ

وقَوْلَ الأعْشى يَمْدَحُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ:

؎لَهُ نافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالَها ∗∗∗ ولَيْسَ عَطاءُ اليَوْمِ مانِعَهُ غَدًا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском