Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:117–120

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:117–120

2:117Page 18

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧

Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.

﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مالِكٌ لِجَمِيعِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهم كُلٌّ قانِتُونَ لَهُ، وهُمُ المَظْرُوفُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ الظَّرْفَيْنِ وخَصَّهُما بِالبَداعَةِ، لِأنَّهُما أعْظَمُ ما نُشاهِدُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ. وارْتِفاعُ ”بَدِيعُ“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ. فالمَجْرُورُ مُشَبَّهٌ بِالمَفْعُولِ، وأصْلُهُ الأوَّلُ بَدِيعُ سَماواتِهِ، ثُمَّ شَبَّهَ الوَصْفَ فَأضْمَرَ فِيهِ، فَنَصَبَ السَّماواتِ، ثُمَّ جَرَّ مَن نَصَبَ. وفِيهِ أيْضًا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المَعْنى في الأصْلِ أنَّهُ تَعالى بُدِعَتْ سَماواتُهُ، أيْ جاءَتْ في الخَلْقِ عَلى شَكْلٍ مُبْتَدَعٍ لَمْ يَسْبِقْ نَظِيرُهُ. وهَذا الوَجْهُ ابْتَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، إلّا أنَّهُ قالَ: وبَدِيعُ السَّماواتِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها، وهَذا لَيْسَ عِنْدَنا. كَذَلِكَ بَلْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى مَنصُوبِها. والصِّفَةُ عِنْدَنا لا تَكُونُ مُشَبَّهَةً حَتّى تَنْصِبَ أوْ تَخْفِضَ، وأمّا إذا رَفَعَتْ ما بَعْدَها فَلَيْسَ - عِنْدَنا - صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ؛ لِأنَّ عَمَلَ الرَّفْعِ في الفاعِلِ يَسْتَوِي فِيهِ الصِّفاتُ المُتَعَدِّيَةُ وغَيْرُ المُتَعَدِّيَةِ. فَإذا قُلْنا: زَيْدٌ قائِمٌ أبُوهُ، فَقائِمٌ رافِعٌ لِلْأبِ عَلى حَدِّ رَفْعِ ضارِبٍ لَهُ. إذا قُلْتَ: زَيْدٌ ضارِبٌ أبُوهُ عَمْرًا، لا تَقُولُ: إنَّ قائِمًا هُنا مِن حَيْثُ عَمِلَ الرَّفْعَ شُبِّهَ بِضارِبٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَإضافَةُ اسْمِ الفاعِلِ إلى مَرْفُوعِهِ لا يَجُوزُ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، إلّا إنْ أخَذْنا كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى التَّجَوُّزِ فَيُمْكِنُ، ويَكُونُ المَعْنى مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى ما كانَ فاعِلًا بِها قَبْلَ أنْ يُشَبَّهَ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهًا ثانِيًا قالَ: وقِيلَ البَدِيعُ بِمَعْنى المُبْدِعِ، كَما أنَّ السَّمِيعَ في قَوْلِ عَمْرٍو:

؎أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ

بِمَعْنى المُسْمِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الوَجْهُ لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَهُ، قالَ: وبَدِيعٌ مَصْرُوفٌ مِن مُبْدِعٍ، كَبَصِيرٍ مِن مُبْصِرٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:

؎أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ

يُرِيدُ: المُسْمِعُ والمُبْدِعُ والمُنْشِئُ، ومِنهُ أصْحابُ البِدَعِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في صَلاةِ رَمَضانَ: نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ، انْتَهى. والنَّظَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ لا يَنْقاسُ مَعَ أنَّ بَيْتَ عَمْرٍو مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِمَفْعُولِهِ. وقَرَأ المَنصُورُ: بَدِيعًا بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهُ.

* *

﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى الِاخْتِراعِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى طَواعِيَةِ المُخْتَرِعِ وسُرْعَةِ تَكْوِينِهِ. ومَعْنى قَضى هُنا: أرادَ، أيْ إذا أرادَ إنْشاءَ أمْرٍ واخْتِراعَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَضى: مَعْناهُ قَدَّرَ، وقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى: أمْضى. ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَعْنَيانِ. فَعَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ: قَدَّرَ في الأزَلِ وأمْضى فِيهِ، وعَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ: أمْضى عِنْدَ الخَلْقِ والإيجادِ. والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، ولَيْسَ هُنا مَصْدَرَ أمَرَ يَأْمُرُ. والمُعْتَقَدُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ آمِرًا لِلْمَعْدُوماتِ بِشَرْطِ وُجُودِها، قادِرًا مَعَ تَأخُّرِ المَقْدُوراتِ، عالِمًا مَعَ تَأخُّرِ وُقُوعِ المَعْلُوماتِ. وكُلُّ ما في الآيَةِ مِمّا يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ فَهو بِحَسَبِ المَأْمُوراتِ، إذِ المُحْدَثاتُ تَجِيءُ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، وكُلُّ ما اسْتَنَدَ إلى اللَّهِ مِن قُدْرَةٍ وعِلْمٍ فَهو قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ. انْتَهى ما نَقَلْناهُ هُنا مِن كَلامِهِ. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: ﴿وإذا قَضى أمْرًا﴾، أيْ أتْقَنَهُ وأحْكَمَهُ وفَرَغَ مِنهُ. ومَعْنى: ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَقُولُ مِن أجْلِهِ. وقِيلَ: قالَ لَهُ كُنْ، وهو مَعْدُومٌ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَوْجُودِ، إذْ هو عِنْدَهُ مَعْلُومٌ. قالَ الطَّبَرِيُّ: أمْرُهُ لِلشَّيْءِ بِكُنْ لا يَتَقَدَّمُ الوُجُودَ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ، فَلا يَكُونُ الشَّيْءُ مَأْمُورًا بِالوُجُودِ إلّا وهو مَوْجُودٌ بِالأمْرِ، ولا مَوْجُودًا (p-٣٦٥)بِالأمْرِ إلّا وهو مَأْمُورٌ بِالوُجُودِ. قالَ: ونَظِيرُهُ قِيامُ الأمْواتِ مِن قُبُورِهِمْ لا يَتَقَدَّمُ دُعاءَ اللَّهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] . فالهاءُ في لَهُ تَعُودُ عَلى الأمْرِ، أوْ عَلى القَضاءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَضى، أوْ عَلى المُرادِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ. انْتَهى ما نَقَلْناهُ مِن كِتابِهِ. وقالَ مَكِّيٌّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما سَيَكُونُ وما هو كائِنٌ، فَقَوْلُهُ: كُنْ، إنَّما هو لِلْمَوْجُودِ في عِلْمِهِ لِيُخْرِجَهُ إلى العِيانِ لَنا. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُنْ فَيَكُونُ، مِن كانَ التّامَّةِ، أيِ احْدُثْ فَيَحْدُثُ، وهَذا مَجازٌ مِنَ الكَلامِ وتَمْثِيلٌ ولا قَوْلٌ، ثُمَّ كَما لا قَوْلَ في قَوْلِهِ:

؎إذْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِ

وإنَّما المَعْنى: ما قَضاهُ مِنَ الأُمُورِ وأرادَ كَوْنَهُ، فَإنَّما يَتَكَوَّنُ ويَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ ولا تَوَقُّفٍ. كَما أنَّ المَأْمُورَ المُطِيعَ الَّذِي يُؤْمَرُ فَيَمْتَثِلُ، لا يَتَوَقَّفُ ولا يَمْتَنِعُ، ولا يَكُونُ مِنهُ الإباءُ. أكَّدَ بِهَذا اسْتِبْعادَ الوِلادَةِ؛ لِأنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ القُدْرَةِ، كانَتْ حالُهُ مُبايِنَةً لِأحْوالِ الأجْسامِ في تَوالُدِها. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: كُنْ عَلى التَّمْثِيلِ لِنَفاذِ الأمْرِ، قالَ:

؎فَقالَتْ لَهُ العَيْنانُ سَمْعًا وطاعَةً ∗∗∗ وإلّا فالمَعْدُومُ كَيْفَ يُخاطَبُ

أوْ عَلامَةٌ لِلْمَلائِكَةِ بِحُدُوثِ المَوْجُودِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ ما تُصُوِّرَ كَوْنُهُ في عِلْمِهِ، أوْ مَخْصُوصٍ في تَحْوِيلِ المَوْجُودِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ولَوْ كانَ كُنْ مَخْلُوقًا، لاحْتاجَ إلى أُخْرى ولا يَتَناهى، فَدَلَّ عَلى أنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَخْلُوقًا لَكانَ قائِلًا لَهُ: كُنْ، ولَكانَ قائِلًا: لِكُنْ كُنْ، حَتّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إلى ما لا يَتَناهى، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ مَعَ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ذَلِكَ مِن أنَّهُ لا يُوجَدُ مِنَ اللَّهِ فِعْلٌ ألْبَتَّةَ، إذْ لا بُدَّ أنْ يُوجَدَ قَبْلَهُ أفْعالٌ، هي أقاوِيلُ لا غايَةَ لَها، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ. ولا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَجازِ، إذْ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الجَماداتِ، ولا يَكُونُ فِيمَن يَصِحُّ مِنهُ القَوْلُ إلّا بِدَلِيلٍ. ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ فِيهِ الَّذِي هو ”قَوْلُنا“ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وُكِّدَ بِمَصْدَرٍ آخَرَ، وهو أنْ نَقُولَ، وأهْلُ العَرَبِيَّةِ مُجْمِعُونَ، عَلى أنَّهم إذا أكَّدُوا الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ كانَ حَقِيقَةً، ولِذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] إذْ كانَ اللَّهُ تَعالى مُتَوَلِّيَ تَكْلِيمِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِكَوْنِهِ. انْتَهى كَلامُ الَمَهْدَوِيِّ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: كُنْ فَيَكُونُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ كُنْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ، فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: - وهو الأقْوى - أنَّ المُرادَ نَفاذُ سُرْعَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الأشْياءِ، وإنَّما يَخْلُقُها لا لِفِكْرَةٍ، ونَظِيرُهُ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . الثّانِي: أنَّها عَلامَةٌ يَعْقِلُها المَلائِكَةُ، إذا سَمِعُوها عَلِمُوا أنَّهُ أحْدَثَ أمْرًا، قالَهُ أبُو الهُذَيْلِ. الثّالِثُ: أنَّهُ جاءَ لِلْمَوْجُودِينَ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، ومَن جَرى مَجْراهم، وهو قَوْلُ الأصَمِّ. الرّابِعُ: أنَّهُ أمْرٌ لِلْأحْياءِ بِالمَوْتِ، ولِلْمَوْتى بِالحَياةِ، والكُلُّ ضَعِيفٌ، والقَوِيُّ هو الأوَّلُ. انْتَهى كَلامُهُ.

هَذا ما نَقَلْناهُ مِن كَلامِ أهْلِ التَّفْسِيرِ في الآيَةِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أرادَ إحْداثَ شَيْءٍ قالَ لَهُ: كُنْ، تُبَيِّنُهُ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] . لَكِنَّ دَلِيلَ العَقْلِ صَدَّ عَنِ اعْتِقادِ مُخاطَبَةِ المَعْدُومِ، وصَدَّ عَنْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى مَحَلًّا لِلْحَوادِثِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ كُنْ مُحْدَثَةٌ، ومَن يَعْقِلْ مَدْلُولَ اللَّفْظِ وكَوْنَهُ يَسْبِقُ بَعْضُ حُرُوفِهِ بَعْضًا لَمْ يَدْخُلْهُ شَكٌّ في حُدُوثِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلا خِطابَ ولا قَوْلَ لَفْظِيًّا، وإنَّما ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ سُرْعَةِ الإيجادِ وعَدَمِ اعْتِياصِهِ، فَهو مِن مَجازِ التَّمْثِيلِ، وكَأنَّهُ قَدَّرَ أنَّ المَعْدُومَ مَوْجُودٌ يَقْبَلُ الأمْرَ ويَمْتَثِلُهُ بِسُرْعَةٍ، بِحَيْثُ لا يَتَأخَّرُ عَنِ امْتِثالِ ما أُمِرَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَيَكُونُ بِالرَّفْعِ، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ فَهو يَكُونُ، وعُزِيَ إلى سِيبَوَيْهِ. (p-٣٦٦)وقالَ غَيْرُهُ: فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى يَقُولُ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ وقَرَّرَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو خَطَأٌ مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القَوْلَ مَعَ التَّكْوِينِ حادِثٌ، وقَدِ انْتَهى ما رَدَّهُ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومَعْنى رَدِّهِ: أنَّ الأمْرَ عِنْدَهُ قَدْ تَمَّ، والتَّكْوِينَ حادِثٌ، وقَدْ نَسَقَ عَلَيْهِ بِالفاءِ، فَهو مَعَهُ، أيْ يَعْتَقِبُهُ، فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ القَدِيمَ لا يَعْتَقِبُهُ الحادِثُ. وتَقْرِيرُ الطَّبَرِيِّ لَهُ هو ما تَقَدَّمَ في أوائِلِ الكَلامِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، مِن أنَّ الأمْرَ لا يَتَقَدَّمُ الوُجُودَ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ. وما رَدَّهُ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ لا يَتِمُّ إلّا بِأنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى أنَّ ثَمَّ قَوْلًا وأمْرًا قَدِيمًا. أمّا إذا كانَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ المَجازِ، ومِن بابِ التَّمْثِيلِ، فَيَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى نَقُولُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”فَيَكُونَ“ بِالنَّصْبِ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ونُعَلِّمُهُ، وفي النَّحْلِ، وفي مَرْيَمَ، وفي يس، وفي المُؤْمِنِ. ووافَقَهُ الكِسائِيُّ في النَّحْلِ ويس، ولَمْ يَخْتَلِفْ في ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ﴿الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٠] في آلِ عِمْرانَ.

﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] في الأنْعامِ أنَّهُ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنَّهُ جَوابٌ عَلى لَفْظِ كُنْ؛ لِأنَّهُ جاءَ بِلَفْظِ الأمْرِ، فَشُبِّهَ بِالأمْرِ الحَقِيقِيِّ. ولا يَصِحُّ نَصْبُهُ عَلى جَوابِ الأمْرِ الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عَلى فِعْلَيْنِ يَنْتَظِمُ مِنهُما شَرْطٌ وجَزاءٌ نَحْوُهُ: ائْتِنِي فَأُكْرِمْكَ، إذِ المَعْنى: إنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْكَ. وهُنا لا يَنْتَظِمُ ذَلِكَ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَكُنْ يَكُنْ، فَلا بُدَّ مِنِ اخْتِلافٍ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، إمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الفاعِلِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ في نَفْسِهِ، أوْ في شَيْءٍ مِن مُتَعَلِّقاتِهِ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى، في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: أنَّها لَحْنٌ، وهَذا قَوْلٌ خَطَأٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ في السَّبْعَةِ، فَهي قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، ثُمَّ هي بَعْدُ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وهو رَجُلٌ عَرَبِيٌّ، لَمْ يَكُنْ لِيَلْحَنَ. وقِراءَةُ الكِسائِيِّ في بَعْضِ المَواضِعِ، وهو إمامُ الكُوفِيِّينَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فالقَوْلُ بِأنَّها لَحْنٌ مِن أقْبَحِ الخَطَأِ المُؤَثِّمِ الَّذِي يَجُرُّ قائِلَهُ إلى الكُفْرِ، إذْ هو طَعَنٌ عَلى ما عُلِمَ نَقْلُهُ بِالتَّواتُرِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

2:118Page 18

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ١١٨

Those who do not know say, "Why does Allāh not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].

﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ العَرَبِ حِينَ طَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ وغَيْرُهُ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: في النَّصارى، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، لِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ رافِعُ بْنُ خُزَيْمَةَ مِنَ اليَهُودِ: إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَقُلْ لِلَّهِ يُكَلِّمُنا حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وقالَ قَتادَةُ: مُشْرِكُو مَكَّةَ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى جَمِيعِ هَذِهِ الطَّوائِفِ، لِأنَّهم كُلَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، واخْتِلافُهم في المَوْصُولِ مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِلافِهِمْ في السَّبَبِ. فَإنْ كانَ المَوْصُولُ الجَهَلَةَ مِنَ العَرَبِ، فَنَفى عَنْهُمُ العِلْمَ، لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ، ولا هم أتْباعُ نُبُوَّةٍ، وإنْ كانَ المَوْصُولُ اليَهُودَ والنَّصارى، فَنَفى عَنْهُمُ العِلْمَ، لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو الِاتِّباعُ لَهُ والعَمَلُ بِمُقْتَضاهُ. وحَذَفَ مَفْعُولَ العِلْمِ هُنا اقْتِصارًا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو نَفْيُ نِسْبَةِ العِلْمِ إلَيْهِمْ، لا نَفْيُ عِلْمِهِمْ بِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وقالَ الَّذِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ لَهُ سَجِيَّةٌ في العِلْمِ لِفَرْطِ غَباوَتِهِ، فَهي مَقالَةٌ صَدَرَتْ مِمَّنْ لا يَتَّصِفُ بِتَمْيِيزٍ ولا إدْراكٍ. ومَعْمُولُ القَوْلِ الجُمْلَةُ التَّخْصِيصِيَّةُ وهي: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ، وكَما كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالُوا ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِكْبارِ والعُتُوِّ، ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾، أيْ هَلّا يَكُونُ أحَدُ هَذَيْنِ، إمّا التَّكَلُّمُ، وإمّا إتْيانُ آيَةٍ ؟ قالُوا ذَلِكَ جُحُودًا لِأنْ يَكُونَ ما أتاهم آيَةً واسْتِهانَةً بِها. ولَمّا حَكى عَنْهم نِسْبَةَ الوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى، أعْقَبَ ذَلِكَ بِمَقالَةٍ أُخْرى لَهم تَدُلُّ عَلى تَعَنُّتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِما يَجِبُ لِلَّهِ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ وعَدَمِ الِاقْتِراحِ عَلى أنْبِيائِهِ.

﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ كَذَلِكَ، وفي تَبْيِينِ وُقُوعِ ”مِن قَبْلِهِمْ“ صِلَةً لِلَّذِينَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. إنْ فُسِّرَ المَوْصُولُ في الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ بِكُفّارِ العَرَبِ، أوْ مُشْرِكِي مَكَّةَ، فالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ هُمُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ مِن أسْلافِهِمْ وغَيْرِهِمْ. وإنْ فُسِّرَ بِاليَهُودِ أوِ النَّصارى، فالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أسْلافُهم، (p-٣٦٧)وانْتِصابُ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ الكافِ. ولا تَدُلُّ المِثْلِيَّةُ عَلى التَّماثُلِ في نَفْسِ المَقُولِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنَّ مَن قَبْلَهُمُ اقْتَرَحُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وأنَّ المِثْلِيَّةَ وقَعَتْ في اقْتِراحِ ما لا يَلِيقُ سُؤالُهُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسَ تِلْكَ المَقالَةِ، إذِ المِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِهَذا المَعْنى.

﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١] . لَمّا ذَكَرَ تَماثُلَ المَقالاتِ، وهي صادِرَةٌ عَنِ الأهْواءِ والقُلُوبِ، ذَكَرَ تَماثُلَ قُلُوبِهِمْ في العَمى والجَهْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣] . قِيلَ: تَشابَهَتْ قُلُوبُهم في الكُفْرِ. وقِيلَ: في القَسْوَةِ. وقِيلَ: في التَّعَنُّتِ والِاقْتِراحِ. وقِيلَ: في المُحالِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ: تَشّابَهَتْ، بِتَشْدِيدِ الشِّينِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، يَعْنِي أنَّ اجْتِماعَ التّاءَيْنِ المَزِيدَتَيْنِ لا يَكُونُ في الماضِي، إنَّما يَكُونُ في المُضارِعِ نَحْوُ: تَتَشابَهُ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ. أمّا الماضِي فَلَيْسَ أصْلُهُ تَتَشابَهُ. وقَدْ مَرَّ نَظِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠]، وخَرَّجْنا ذَلِكَ عَلى تَأْوِيلٍ لا يُمْكِنُ هُنا، فَيُتَطَلَّبُ هُنا تَأْوِيلٌ لِهَذِهِ القِراءَةِ.

﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: أيْ أوْضَحْنا الآياتِ، فاقْتِراحُ آيَةٍ مَعَ تَقَدُّمِ مَجِيءِ آياتٍ وإيضاحِها، إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. هَذا وهي آياتٌ مُبَيَّناتٌ، لا لَبْسَ فِيها، ولا شُبْهَةَ، لِشِدَّةِ إيضاحِها. لَكِنْ لا يَظْهَرُ كَوْنُها آياتٍ إلّا لِمَن كانَ مُوقِنًا، أمّا مَن كانَ في ارْتِيابٍ، أوْ شَكٍّ، أوْ تَغافُلٍ، أوْ جَهْلٍ، فَلا يَنْفَعُ فِيهِ الآياتُ، ولَوْ كانَتْ في غايَةِ الوُضُوحِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] ؟ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ، وقَدْ سَألَ أهْلَ البَوادِي الوافِدِينَ إلى مَكَّةَ عَنِ انْشِقاقِ القَمَرِ، فَأخْبَرُوهُ بِهِ، فَقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّ اقْتِراحَ ما تَقَدَّمَ إنَّما هو مِن أهْواءِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، قالَ في آخِرِها: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . والإيقانُ: وصْفٌ في العِلْمِ يُبْلَغُ بِهِ نِهايَةُ الوِثاقَةِ في العِلْمِ، أيْ مَن كانَ مُوقِنًا، فَقَدْ أوْضَحْنا لَهُ الآياتِ، فَآمَنَ بِها، ووَضَحَتْ عِنْدَهُ، وقامَتْ بِهِ الحُجَّةُ عَلى غَيْرِهِ. وفي جَمِيعِ الآياتِ رَدٌّ عَلى مَنِ اقْتَرَحَ آيَةً، إذِ الآياتُ قَدْ بُيِّنَتْ، فَلَمْ يَكُنْ آيَةً واحِدَةً، فَيُمْكِنَ أنْ يُدَّعى الِالتِباسُ فِيها، بَلْ ذَلِكَ جَمْعُ آياتٍ بَيِّناتٍ، لَكِنْ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّبَصُّرِ واليَقِينِ.

2:119Page 18

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩

Indeed, We have sent you, [O Muḥammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾: بَشِيرًا لِمَن آمَنَ، ونَذِيرًا لِمَن كَفَرَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ لِتَمادِيهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ بَيَّنَ الآياتِ ذَكَرَ مَن بُيِّنَتْ عَلى يَدَيْهِ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِ وخاطَبَهُ ﷺ لِيَعْلَمَ أنَّهُ هو صاحِبُ الآياتِ فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾، أيْ بِالآياتِ الواضِحَةِ، وفُسِّرَ الحَقُّ هُنا بِالصِّدْقِ وبِالقُرْآنِ وبِالإسْلامِ. وبِالحَقِّ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ أرْسَلْناكَ ومَعَكَ الحَقُّ لا يُزايِلُكَ. وانْتِصابُ بَشِيرًا ونَذِيرًا عَلى الحالِ مِنَ الكافِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الحَقِّ؛ لِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ يَتَّصِفُ أيْضًا بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ. والأظْهَرُ الأوَّلُ. وعَدَلَ إلى فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِفاتِ السَّجايا، والعَدْلُ في بَشِيرٍ لِلْمُبالَغَةِ مَقِيسٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، إذا جَعَلْناهُ مِن بَشَّرَ لِأنَّهم قالُوا: بِشْرٌ مُخَفَّفًا، ولَيْسَ مَقِيسًا في نَذِيرٍ لِأنَّهُ مِن أنْذَرَ، ولَعَلَّ مُحَسِّنَ العَدْلِ فِيهِ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى ما يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَسُوغُ في الكَلِمَةِ مَعَ الِاجْتِماعِ مَعَ ما يُقابِلُها ما لا يَسُوغُ فِيها لَوِ انْفَرَدَتْ، كَما قالُوا: أخَذَهُ ما قَدَّمَ وما حَدَثَ وشِبْهُهُ.

﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ: بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وما تُسْألُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَنْ تُسْألَ، وهَذا كُلُّهُ خَبَرٌ. فالقِراءَةُ الأُولى، وقِراءَةُ أُبَيٍّ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وهو الأظْهَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَيَتَعَيَّنُ فِيها الِاسْتِئْنافُ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِئْنافِ أنَّكَ لا تُسْألُ عَنِ الكُفّارِ ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْكَ، ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] . وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ وتَخْفِيفُ ما كانَ يَجِدُهُ مِن عِنادِهِمْ، (p-٣٦٨)فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَسْتَ مَسْئُولًا عَنْهم، فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهم. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحَدًا لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِ أحَدٍ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وأمّا الحالُ فَعَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الحالِ، أيْ وغَيْرُ مَسْئُولٍ عَنِ الكُفّارِ ما لَهم لا يُؤْمِنُونَ، فَيَكُونُ قَيْدًا في الإرْسالِ، بِخِلافِ الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ: ولا تَسْألْ بِفَتْحِ التّاءِ وجَزْمِ اللّامِ، وذَلِكَ عَلى النَّهْيِ، وظاهِرُهُ: أنَّهُ نَهْيٌ حَقِيقَةً، «نُهِيَ ﷺ أنْ يَسْألَ عَنْ أحْوالِ الكُفّارِ» . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ» فَنَزَلَتْ، واسْتُبْعِدَ في المُنْتَخَبِ هَذا؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُما. وقَدْ ذَكَرَ عِياضٌ أنَّهُما أُحْيِيا لَهُ فَأسْلَما. وقَدْ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أذِنَ لَهُ في زِيارَتِهِما، واسْتُبْعِدَ أيْضًا ذَلِكَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وكَفَرُوا عِنادًا، وأصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ. وكَذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ [البقرة: ١٢٠] إلّا إنْ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِانْقِطاعِ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، ويَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ وهو بَعِيدٌ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ نَهْيًا حَقِيقَةً، بَلْ جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ تَعْظِيمِ ما وقَعَ فِيهِ أهْلُ الكُفْرِ مِنَ العَذابِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ حالُ فُلانٍ، إذا كانَ قَدْ وقَعَ في بَلِيَّةٍ، فَيُقالُ لَكَ: لا تَسْألْ عَنْهُ. ووَجْهُ التَّعْظِيمِ: أنَّ المُسْتَخْبِرَ يَجْزَعُ أنْ يَجْرِيَ عَلى لِسانِهِ ما ذَلِكَ الشَّخْصُ فِيهِ لِفَظاعَتِهِ، فَلا تَسْألْهُ ولا تُكَلِّفْهُ ما يُضْجِرُهُ، أوْ أنْتَ يا مُسْتَخْبِرُ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِماعِ خَبَرِهِ لِإيحاشِهِ السّامِعَ وإضْجارِهِ، فَلا تَسْألْ، فَيَكُونُ مَعْنى التَّعْظِيمِ إمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُجِيبِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُجابِ، ولا يُرادُ بِذَلِكَ حَقِيقَةُ النَّهْيِ.

2:120Page 19

وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠

And never will the Jews and the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allāh no protector or helper.

﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الهُدْنَةَ، ووَعَدُوهُ أنْ يَتَّبِعُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ خِداعًا مِنهم، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى سِرِّ خِداعِهِمْ، فَنَزَلَتْ، نَفى اللَّهُ رِضاهم عَنْهُ إلّا بِمُتابَعَةِ دِينِهِمْ، وذَلِكَ بَيانُ أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ الَّذِينَ هم أصْحابُها، لا يُطْمَعُ في إسْلامِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَّقَ رِضاهم عَنْهُ بِأمْرٍ مُسْتَحِيلِ الوُقُوعِ مِنهُ ﷺ وهو اتِّباعُ مِلَّتِهِمْ. والمُعَلَّقُ بِالمُسْتَحِيلِ مُسْتَحِيلٌ، سَواءٌ فَسَّرْنا المِلَّةَ بِالشَّرِيعَةِ، أوْ فَسَّرْناها بِالقِبْلَةِ، أوْ فَسَّرْناها بِالقُرْآنِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ، وهو تَأْدِيبٌ لِأُمَّتِهِ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وإنَّما ذَلِكَ لِيَتَأدَّبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، فَلا يُوالُونَ الكافِرِينَ، فَإنَّهم لا يُرْضِيهِمْ مِنهم إلّا اتِّباعُ دِينِهِمْ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ، والمُرادُ أُمَّتُهُ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ لا يُمْكِنُ ما خُوطِبَ بِهِ أنْ يَقَعَ مِنهُ، فَيُصْرَفُ ذَلِكَ إلى مَن يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ويَكُونُ تَنْبِيهًا مِنَ اللَّهِ عَلى أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يُخادِعُونَكم بِما يُظْهِرُونَ مِنَ المَيْلِ وطَلَبِ المُهادَنَةِ والوَعْدِ بِالمُوافَقَةِ، ولا يَقَعُ رِضاهم إلّا بِاتِّباعِ مِلَّتِهِمْ. ووُحِّدَتِ المِلَّةُ، وإنْ كانَ لَهم مِلَّتانِ، لِأنَّهُما يَجْمَعُهُما الكُفْرُ، فَهي واحِدَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ، أوْ لِلْإيجازِ فَيَكُونُ مِن بابِ الجَمْعِ في الضَّمِيرِ، نَظِيرُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥]؛ لِأنَّ المَعْلُومَ أنَّ النَّصارى لَنْ تَرْضى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم، واليَهُودَ لَنْ تَرْضى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الكُفْرِ، أهُوَ مِلَّةٌ واحِدَةٌ أوْ مِلَلٌ ؟ وثَمَرَةُ الخِلافِ تَظْهَرُ في الِارْتِدادِ مِن مِلَّةٍ إلى مِلَّةٍ، وفي المِيراثِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في الفِقْهِ.

﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾: أمَرَهُ أنْ يُخاطِبَهم بِأنَّ هُدى اللَّهِ، أيِ الَّذِي هو مُضافٌ إلى اللَّهِ، وهو الإسْلامُ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ هو الهُدى أيِ النّافِعُ التّامُّ الَّذِي لا هُدى وراءَهُ، وما أُمِرْتُمْ بِاتِّباعِهِ هو هَوًى لا هُدًى، ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] . وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِأنْ وبِالفَصْلِ الَّذِي قَبْلُ، فَدَلَّ عَلى الِاخْتِصاصِ والحَصْرِ، وجاءَ الهُدى مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ، وهو مِمّا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ، فَإذا قُلْتَ: زَيْدٌ العالِمُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هو المَخْصُوصُ بِالعِلْمِ والمَحْصُورُ فِيهِ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ما هم عَلَيْهِ إنَّما هي أهْواءٌ وضَلالاتٌ ناشِئَةٌ عَنْ شَهَواتِهِمْ ومُيُولِهِمْ (p-٣٦٩)فَقالَ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾: وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى الأقْوالِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ . واللّامُ في لَئِنْ تُسَمّى المُوطِئَةَ والمُؤْذِنَةَ، وهي تُشْعِرُ بِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَها، ولِذَلِكَ يُبْنى ما بَعْدَ الشَّرْطِ عَلى القَسَمِ لا عَلى الشَّرْطِ، إذْ لَوْ بُنِيَ عَلى الشَّرْطِ لَدَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَكَ﴾ . والأهْواءُ: جَمْعُ هَوًى، وكانَ الجَمْعُ دَلِيلًا عَلى كَثْرَةِ اخْتِلافِهِمْ، إذْ لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ لَكانَ طَرِيقًا واحِدًا، ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . وأضافَ الأهْواءَ إلَيْهِمْ لِأنَّها بِدَعُهم وضَلالاتُهم، ولِذَلِكَ سُمِّيَ أصْحابُ البِدَعِ أرْبابَ الأهْواءِ.

﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾: أيْ مِنَ الدِّينِ، وجَعَلَهُ عِلْمًا؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ بِالبَراهِينِ الصَّحِيحَةِ، وتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أُمُورٍ مِنها: أنَّ مَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يَفْعَلُ الشَّيْءَ، يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ بِالوَعِيدِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ الصّارِفُ لَهُ ذَلِكَ الوَعِيدَ، أوْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَعِيدُ أحَدَ الصَّوارِفِ، ونَظِيرُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . ومِنها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَعِيدُ إلّا بَعْدَ المَعْذِرَةِ أوَّلًا، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. ومِنها: أنَّ اتِّباعَ الهَوى باطِلٌ، فَيَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ. وقَدْ فُسِّرَ العِلْمُ هُنا بِالقُرْآنِ، وبِالعِلْمِ بِضَلالِ القَوْمِ، وبِالبَيانِ بِأنَّ دِينَ اللَّهِ هو الإسْلامُ، وبِالتَّحَوُّلِ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ قَطْعٌ لِأطْماعِهِمْ أنْ تَتِّبَعَ أهْواءَهم؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا ولِيَّ لَهُ ولا نَصِيرَ يَنْفَعُهُ إذا ارْتَكَبَ شَيْئًا كانَ أبْعَدَ في أنْ لا يَرْتَكِبَهُ، وذَلِكَ إياسٌ لَهم في أنْ يَتَّبِعَ أهْواءَهم أحَدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الوَلِيِّ والنَّصِيرِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском