Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:121–123
2:121Page 19
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١
Those to whom We have given the Book recite it with its true recital.1 They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في أهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكانُوا اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِن أهْلِ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً مِن رُهْبانِ الشّامِ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم مِن أهْلِ نَجْرانَ، وبَعْضُهم مِن أهْلِ الحَبَشَةِ، ومِنَ الرُّومِ، وثَمانِيَةٌ مَلّاحُونَ أصْحابُ السَّفِينَةِ أقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ، كابْنِ سَلامٍ، وابْنِ صُورِيا، وابْنِ يامِينَ، وغَيْرِهِمْ. وقِيلَ: في عُلَماءِ اليَهُودِ وأحْبارِ النَّصارى. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ. وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ: الصَّحابَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ، يَتَنَزَّلُ الِاخْتِلافُ في الكِتابِ، أهُوَ التَّوْراةُ أوِ الإنْجِيلُ ؟ أوْ هُما والقُرْآنُ ؟ أوِ الجِنْسُ ؟ فَيَكُونُ يَعْنِي بِهِ المَكْتُوبَ، فَيَشْمَلُ الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ.
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾: أيْ يَقْرَءُونَهُ ويُرَتِّلُونَهُ بِإعْرابِهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَتَّبِعُونَ أحْكامَهُ. وقالَ الحَسَنُ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ ويَكِلُونَ مُتَشابِهَهُ إلى اللَّهِ. وقالَ عُمَرُ: يَسْألُونَ مِن رَحْمَتِهِ ويَسْتَعِيذُونَ مِن عَذابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يُحَرِّفُونَهُ ولا يُغَيِّرُونَ ما فِيهِ مِن نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والَّذِينَ: مُبْتَدَأٌ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ في مَنِ اهْتَدى، صَحَّ أنْ يَكُونَ يَتْلُونَهُ خَبَرًا عَنْهُ، وصَحَّ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً إمّا مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، وإمّا مِنَ الكِتابِ، لِأنَّهم وقْتَ الإيتاءِ لَمْ يَكُونُوا تالِينَ لَهُ، ولا كانَ هو مَتْلُوًّا لَهم، ويَكُونَ الخَبَرُ إذْ ذاكَ في الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ . وجُوَّزَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ يَتْلُونَهُ خَبَرًا، وأُولَئِكَ وما بَعْدَهُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. قالَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ هَلْ يَقْتَضِي المُبْتَدَأُ الواحِدُ خَبَرَيْنِ ؟ أمْ لا يَقْتَضِي إلّا إذا كانَ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، أيْ مَزٌّ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. وإنْ أُرِيدَ بِـ ”﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾“ العُمُومُ، كانَ الخَبَرُ ”﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾“ قالُوا - ومِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ -: ويَتْلُونَهُ حالٌ لا يُسْتَغْنى عَنْها، وفِيها الفائِدَةُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَتْلُو الكِتابَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فَسَّرْتَ التِّلاوَةَ. ونَقُولُ: ما لَزِمَ في الِامْتِناعِ مِن جَعْلِها خَبَرًا، يَلْزَمُ في الحالِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَكُونُ عَلى حالَةِ التِّلاوَةِ بِأيِّ تَفْسِيرٍ فَسَّرْتَها. وانْتَصَبَ ﴿حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ عَلى المَصْدَرِ كَما (p-٣٧٠)تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا حَقَّ ضَرْبِهِ، وأصْلُهُ تِلاوَةً حَقًّا. ثُمَّ قُدِّمَ الوَصْفُ، وأُضِيفَ إلى المَصْدَرِ، وصارَ نَظِيرَ: ضَرَبْتُ شَدِيدَ الضَّرْبِ، إذْ أصْلُهُ: ضَرْبًا شَدِيدًا. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، أيْ يَتْلُونَهُ مُحِقِّينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و”حَقَّ“ مَصْدَرٌ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، وهو بِمَعْنًى، ولا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى واحِدٍ مُعَرَّفٍ، وإنَّما جازَتْ هُنا لِأنَّ تَعَرُّفَ التِّلاوَةِ بِإضافَتِها إلى الضَّمِيرِ لَيْسَ بِتَعَرُّفٍ مَحْضٍ، وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ واحِدُ أُمِّهِ، ونَسِيجُ وحْدِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وأُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ: ظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ في بِهِ يَعُودُ إلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في يَتْلُونَهُ، وهو الكِتابُ، عَلى اخْتِلافِ النّاسِ في الكِتابِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنْ دَلَّتْ قُوَّةُ الكَلامِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩]، لَكِنْ صارَ ذَلِكَ التِفاتًا وخُرُوجًا مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ التِفاتًا أيْضًا وخُرُوجًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ المُفْرَدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الهُدى الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ كُفّارَ اليَهُودِ والنَّصارى في الآيَةِ، وحَذَّرَ رَسُولَهُ مِنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، وأعْلَمَهُ بِأنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى الَّذِي أعْطاهُ وبَعَثَهُ بِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ التّالِينَ لِكِتابِ اللَّهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ الهُدى المُقْتَدُونَ بِأنْوارِهِ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو مُحْتَمِلٌ لِما ذُكِرَ. لَكِنَّ الظّاهِرَ أنْ يَعُودَ عَلى الكِتابِ لِتَتَناسَبَ الضَّمائِرُ ولا تَخْتَلِفَ، فَيَحْصُلَ التَّعْقِيدُ في اللَّفْظِ، والإلْباسُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جَعْلُ الضَّمائِرِ المُتَناسِبَةِ عائِدَةً عَلى واحِدٍ، والمَعْنى فِيها جَيِّدٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، كانَ أوْلى مِن جَعْلِها مُتَنافِرَةً، ولا نَعْدِلُ إلى ذَلِكَ إلّا بِصارِفٍ عَنِ الوَجْهِ الأوَّلِ، إمّا لَفْظِيٍّ، وإمّا مَعْنَوِيٍّ، وإلى عَوْدِهِ عَلى الكِتابِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾: الضَّمِيرُ في بِهِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيهِ مِنَ الخِلافِ ما فِيهِ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والظّاهِرُ كَما قُلْناهُ، أنَّهُ عائِدٌ عَلى الكِتابِ، ولَمْ يُعادِلْ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ في التَّرْكِيبِ الخَبَرِيِّ غَيْرِ الشَّرْطِيِّ أوِ الشَّرْطِيِّ. بَلْ قَصَدَ في الأُولى إلى ذِكْرِ الحُكْمِ مِن غَيْرِ تَعْلِيقٍ عَلَيْهِ، ودَلَّ مُقابَلَةُ الخُسْرانِ عَلى رِبْحِ مَن آمَنَ بِهِ وفَوْزِهِ ووُفُورِ حَظِّهِ عِنْدَ اللَّهِ، فاكْتَفى بِثُبُوتِ السَّبَبِ عَنْ ذِكْرِ المُسَبَّبِ عَنْهُ. وقَصَدَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ إلى ذِكْرِ المُسَبَّبِ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ السَّبَبِ، فَكانَ في ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْ تَعاطِي السَّبَبِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المُسَبَّبِ الَّذِي هو الخُسْرانُ ونَقْصُ الحَظِّ، وأخْرَجَ ذَلِكَ في جُمْلَةٍ شَرْطِيَّةٍ حُمِلَ فِيها الشَّرْطُ عَلى لَفْظِ مَن، والجَزاءُ عَلى مَعْناها. و”هم“ مُحْتَمَلٌ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وأنْ يَكُونَ فَصْلًا. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ في ذَلِكَ تَوْكِيدٌ. وفي المُنْتَخَبِ: الَّذِي يَلِيقُ بِهِ هَذا الوَصْفُ هو القُرْآنُ. وأُولَئِكَ الأوْلى عائِدَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، والثّانِيَةُ عائِدَةٌ عَلى الكُفّارِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ، أنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم هم أهْلُ الكِتابِ، فَلَمّا ذَمَّ طَرِيقَتَهم وحَكى سُوءَ أفْعالِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِمَدْحِ مَن تَرَكَ طَرِيقَتَهم، بِأنْ تَأمَّلَ التَّوْراةَ وتَرَكَ تَحْرِيفَها، وعَرَفَ مِنها صِحَّةَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ . انْتَهى.
والتِّلاوَةُ لَها مَعْنَيانِ: القِراءَةُ لَفْظًا، والِاتِّباعُ فِعْلًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ما نُقِلَ في تَفْسِيرِ التِّلاوَةِ هُنا، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى كُلِّ تِلْكَ الوُجُوهِ لِأنَّها مُشْتَرَكَةٌ في المَفْهُومِ، وهو أنَّ بَيْنَها كُلِّها قَدْرًا مُشْتَرَكًا، فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ الفَوائِدِ.
2:122–123Page 19
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٢
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ١٢٣
And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: كَرَّرَ نِداءَ بَنِي إسْرائِيلَ هُنا، وذَكَّرَهم بِنِعَمِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ أعْقَبَ ذَلِكَ النِّداءَ ذِكْرَ نِداءٍ ثانٍ يَلِي ذِكْرَ الطّائِفَتَيْنِ مُتَّبِعِي الهُدى والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ. وهَذا النِّداءُ أعْقَبَ ذِكْرَ تِلْكَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. (p-٣٧١)وكانَ ما بَيْنَ النِّداءَيْنِ - قَصَصُ بَنِي إسْرائِيلَ، وما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وما صَدَرَ مِنهم، مِن أفْعالِهِمُ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مِنَ المُخالَفاتِ والكَذِبِ والتَّعَنُّتاتِ، وما جُوزُوا بِهِ في الدُّنْيا عَلى ذَلِكَ، وما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ - مَحْشُوًّا بَيْنَ التَّذْكِيرَيْنِ ومَجْعُولًا بَيْنَ الوَعْظَيْنِ والتَّخْوِيفَيْنِ لِيَوْمِ القِيامَةِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ في الكَلامِ أنْ تَأْمُرَ شَخْصًا بِشَيْءٍ عَلى جِهَةِ الإجْمالِ، ثُمَّ تُفَصِّلَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ إلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ عَدِيدَةٍ، وأنْتَ تَسْرُدُها لَهُ سَرْدًا، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنها هي مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ذَلِكَ الأمْرِ السّابِقِ. ويَطُولُ بِكَ الكَلامُ حَتّى تَكادَ تَتَناسى ما سَبَقَ مِن ذَلِكَ الأمْرِ، فَتُعِيدَهُ ثانِيَةً، لِتَتَذَكَّرَ ذَلِكَ الأمْرَ، وتَصِيرَ تِلْكَ التَّفْصِيلاتُ مَحْفُوفَةً بِالأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِهِما.
ولَمْ تَخْتَلِفْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ تِلْكَ السّابِقَةِ إلّا في قَوْلِهِ هُناكَ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] وقالَ هُنا: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ . وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ ما ناسَبَ تَقْدِيمَ الشَّفاعَةِ هُناكَ عَلى العَدْلِ، وتَأْخِيرَها هُنا عَنْهُ، ونِسْبَةَ القَبُولِ هُناكَ لِلشَّفاعَةِ، والنَّفْعَ هُنا لَها، فَيُطالَعُ هُناكَ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ الإخْبارَ عَنْ مُجاوَزَةِ الحَدِّ في الظُّلْمِ مِمَّنْ عَطَّلَ بُيُوتَ اللَّهِ مِنَ الذِّكْرِ وسَعى في خَرابِها، مَعَ أنَّها مِن حَيْثُ هي مَنسُوبَةٌ إلى اللَّهِ، وهي مَحالُّ ذِكْرِهِ وإيواءِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَدْخُلُوها إلّا وهم وجِلُونَ خائِفُونَ، مُتَذَكِّرُونَ لِمَن بُنِيَتْ، ولِما يُذْكَرُ فِيها. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ لِأُولَئِكَ الخِزْيَ في الدُّنْيا والعَذابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ لَهُ تَعالى المَشْرِقَ والمَغْرِبَ، فَيَنْدَرِجُ في ذَلِكَ المَساجِدُ، وأيُّ جِهَةٍ قَصَدْتُمُوها فاللَّهُ تَعالى حاوِيها ومالِكُها، فَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ ولا مَكانٍ. وخَتَمَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالوُسْعِ المُنافِي لِوُسْعِ المَقادِيرِ، وبِالعِلْمِ الَّذِي هو دَلِيلُ الإحاطَةِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأفْظَعِ مَقالَةٍ، وهي نِسْبَةُ الوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى، ونَزَّهَ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ عَنْ ذَلِكَ، وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، خاضِعُونَ طائِعُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ بَداعَةَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّها مَخْلُوقَةٌ عَلى غَيْرِ مِثالٍ، فَكَما أنَّهُ لا مِثالَ لَهُما، فَكَذَلِكَ الفاعِلُ لَهُما لا مِثالَ لَهُ. فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ الوَلَدَ، إذْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ مِن جِنْسِهِ، والبارِئُ لا شَيْءَ يُشْبِهُهُ، فَلا ولَدَ لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِما يُرِيدُ أنْ يُحْدِثَهُ، فَلا تَأخُّرَ لَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ أيْضًا إلى نَفْيِ الوَلَدِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ تَوالُدٍ، ويَقْتَضِي إلى تَعاقُبِ أزْمانٍ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ نَوْعًا مِن مَقالاتِهِمُ الَّتِي تَعَنَّتُوا بِها أنْبِياءَ اللَّهِ، مِن طَلَبِ كَلامِهِ ومُشافَهَتِهِ إيّاهم، أوْ نُزُولِ آيَةٍ. وقَدْ نَزَلَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمْ يُصْغُوا إلَيْها، وأنَّ هَذِهِ المَقالَةَ اقْتَفَوْا بِها آثارَ مَن تَقَدَّمَهم، وأنَّ أهْواءَهم مُتَماثِلَةٌ في تَعَنُّتِ الأنْبِياءِ، وأنَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ الآياتِ وأوْضَحَها، لَكِنْ لِمَن لَهُ فِكْرٌ فَهو يُوقِنُ بِصِحَّتِها ويُؤْمِنُ بِها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَهُ بَشِيرًا لِمَن آمَنَ بِالنَّعِيمِ في الآخِرَةِ والظَّفَرِ في الدُّنْيا، ونَذِيرًا لِمَن كَفَرَ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وأنْ لا تَهْتَمَّ بِمَن خُتِمَ لَهُ بِالشَّقاوَةِ، فَكانَ مِن أهْلِ النّارِ، ولا تَغْتَمَّ بِعَدَمِ إيمانِهِ، فَقَدْ أبْلَغْتَ وأعْذَرْتَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما عَلَيْهِ اليَهُودُ والنَّصارى مِن شِدَّةِ تَعامِيهِمْ عَنِ الحَقِّ، بِأنَّهم لا يَرْضَوْنَ عَنْكَ حَتّى تُخالِفَ ما جاءَكَ مِنَ الهُدى الَّذِي هو هُدى اللَّهِ، إلى ما هم عَلَيْهِ مِن مِلَّةِ الكُفْرِ واتِّباعِ الأهْواءِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مُتَّبِعَ أهْوائِهِمْ بَعْدَ وُضُوحِ ما وافاهُ مِنَ الدِّينِ والإسْلامِ لا أحَدَ يَنْصُرُهُ ولا يَمْنَعُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ. وأنَّ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ واصْطَفاهم لَهُ يَتَّبِعُونَ الكِتابَ، ويَتَتَبَّعُونَ مَعانِيَهُ، فَهم مُصَدِّقُونَ بِما تَضَمَّنَهُ مِمّا غابَ عَنْهم عِلْمُهُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ اسْتِفادَتُهُ إلّا مِنهُ، مِن خَبَرٍ ماضٍ أوْ آتٍ، ووَعْدٍ ووَعِيدٍ، وثَوابٍ وعِقابٍ، وأنَّ مَن كَفَرَ بِهِ حَقَّ عَلَيْهِ الخُسْرانُ.
ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الآياتِ بِأمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِذِكْرِ نِعَمِهِ السّابِقَةِ، وتَفْضِيلِهِمْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، وكانَ ثالِثَ نِداءٍ نُودِيَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، بِالإضافَةِ إلى أبِيهِمُ الأعْلى، وتَشْرِيفِهِمْ بِوِلادَتِهِمْ مِنهُ. ثُمَّ أعْرَضَ في مُعْظَمِ القُرْآنِ عَنْ نِدائِهِمْ بِهَذا الِاسْمِ، وطَمَسَ (p-٣٧٢)ما كانَ لَهم مِن نُورِ هَذا الوَسْمِ، والثَّلاثُ هي مَبْدَأُ الكَثْرَةِ، وقَدِ اهْتَمَّ بِكَ مَن نَبَّهَكَ وناداكَ مَرَّةً ومَرَّةً ومَرَّةً:
؎لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences