Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:208–211
2:208Page 32
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨
O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ، كانُوا يَتَّقُونَ السَّبْتَ ولَحْمَ الجَمَلِ، وأشْياءَ تَتَّقِيها أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَهُ الضَّحّاكُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ في المُسْلِمِينَ يَأْمُرُهم بِالدُّخُولِ في شَرائِعِ الإسْلامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. أوْ في المُنافِقِينَ، واحْتُجَّ لِهَذا بِوُرُودِها عُقَيْبَ صِفَةِ المُنافِقِينَ، وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في سَبَبِ النُّزُولِ اخْتَلَفَتْ أقاوِيلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: بِفَتْحِ السِّينِ في ”السِّلْمِ“، وكَذَلِكَ في الأنْفالِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١]، وفي القِتالِ: ﴿وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] . واخْتُلِفَ في السَّلْمِ هُنا، فَقِيلَ: هو الإسْلامُ: لِأنَّ الإسْلامَ قَدْ يُسَمّى سِلْمًا، بِكَسْرِ السِّينِ، وقَدْ يُرْوى فِيهِ الفَتْحُ، كَما رُوِيَ في السَّلْمِ الَّذِي هو الصُّلْحُ الفَتْحُ والكَسْرُ، إلّا أنَّ الفَتْحَ في السَّلْمِ الَّذِي هو الإسْلامُ قَلِيلٌ، وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنْ يَكُونَ السَّلْمُ هُنا هو الَّذِي بِمَعْنى الصُّلْحِ: لِأنَّ الإسْلامَ صُلْحٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ألا تَرى أنَّهُ لا قِتالَ بَيْنَ أهْلِهِ، وأنَّهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن سِواهم ؟ فَإنْ كانَ الخِطابُ لِابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، فَقَدْ أُمِرُوا بِالدُّخُولِ في شَرائِعِ الإسْلامِ، وأنْ لا يَبْقَوْا عَلى شَيْءٍ مِن شَرائِعِ أهْلِ الكِتابِ الَّتِي لا تُوافِقُ شَرائِعَ الإسْلامِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ، فالمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِما سَبَقَ مِن أنْبِيائِهِمُ ادْخُلُوا في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وهي لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن سَبَقَ لَهُ الإيمانُ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهُما دالّانِ عَلى صِدْقِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، ادْخُلُوا في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ فالمَعْنى: يا مَن آمَنَ بِقَلْبِهِ وصَدَّقَ ادْخُلْ في شَرائِعِ الإسْلامِ، واجْمَعْ إلى الإيمانِ الإسْلامَ. وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإيمانَ والإسْلامَ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ حِينَ سَألَهُ عَنْ حَقِيقَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما. وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ، فالمَعْنى: يا مَن آمَنَ بِلِسانِهِ ادْخُلْ في الإسْلامِ بِالقَلْبِ حَتّى يُطابِقَ القَوْلُ الِاعْتِقادَ.
والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أُمِرُوا بِامْتِثالِ شَرائِعِ الإسْلامِ، أوْ بِالِانْقِيادِ والرِّضى وعَدَمِ الِاضْطِرارِ، أوْ بِتَرْكِ الِانْتِقامِ، وأُمِرُوا كُلُّهم بِالِائْتِلافِ وتَرْكِ الِاخْتِلافِ، ولِذَلِكَ جاءَ بِقَوْلِهِ: (كافَّةً)، وانْتِصابُ (كافَّةً) عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ في ”ادْخُلُوا“، والمَعْنى ادْخُلُوا في السِّلْمِ جَمِيعًا، وهي حالٌ تُؤَكِّدُ مَعْنى العُمُومِ، فَتُفِيدُ مَعْنى كُلٍّ، فَإذا قُلْتَ: قامَ النّاسُ كافَّةً، فالمَعْنى قامُوا كُلُّهم، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ ”السِّلْمِ“، أيْ في شَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، أُمِرُوا بِأنْ لا يَدْخُلُوا في طاعَةٍ دُونَ طاعَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”كافَّةً“ حالًا مِن ”السِّلْمِ“: لِأنَّها تُؤَنَّثُ كَما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ
عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ أُمِرُوا بِأنْ يَدْخُلُوا في الطّاعاتِ كُلِّها، وأنْ لا يَدْخُلُوا في طاعَةٍ دُونَ طاعَةٍ، أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ وشَرائِعِهِ كُلِّها، وأنْ لا يُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنها. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ (p-١٢١)عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُقِيمَ عَلى السَّبْتِ، وأنْ يَقْرَأ مِنَ التَّوْراةِ في صَلاتِهِ مِنَ اللَّيْلِ. و”كافَّةً“ مِنَ الكَفِّ، كَأنَّهم كُفُّوا أنْ يَخْرُجَ مِنهم أحَدٌ بِاجْتِماعِهِمْ، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وتَعْلِيلُهُ جَوازَ أنْ يَكُونَ ”كافَّةً“ حالًا مِنَ السِّلْمِ بِقَوْلِهِ: لِأنَّها تُؤَنَّثُ كَما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ لَيْسَ بِشَيْءٍ: لِأنَّ التّاءَ في ”كافَّةً“، وإنْ كانَ أصْلُها لِلتَّأْنِيثِ، لَيْسَتْ فِيها إذا كانَتْ حالًا لِلتَّأْنِيثِ، بَلْ صارَ هَذا نَقْلًا مَحْضًا إلى مَعْنى جَمِيعٍ وكُلٍّ، كَما صارَ (قاطِبَةً، وعامَّةً) إذا كانَ حالًا نَقْلًا مَحْضًا إلى مَعْنى كُلٍّ وجَمِيعٍ. فَإذا قُلْتَ: قامَ النّاسُ كافَّةً، أوْ قاطِبَةً، أوْ عامَّةً، فَلا يَدُلُّ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الألْفاظِ عَلى التَّأْنِيثِ، كَما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ كُلٌّ، ولا جَمِيعٌ. وتَوْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ: وفي شُعَبِ الإسْلامِ وشَرائِعِهِ كُلِّها، هو الوَجْهُ الأوَّلُ مِن قَوْلِهِ: بِأنْ يَدْخُلُوا في الطّاعاتِ كُلِّها، فَلا حاجَةَ إلى هَذا التَّرْدِيدِ بَـ”أوْ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى: أمَرَهم بِالثُّبُوتِ فِيهِ، والزِّيادَةِ مِنِ التِزامِ حُدُودِهِ. وتَسْتَغْرِقُ ”كافَّةً“ حِينَئِذٍ المُؤْمِنِينَ وجَمِيعَ أجْزاءِ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ الحالُ مِن شَيْئَيْنِ، وذَلِكَ جائِزٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ. ثُمَّ قالَ بَعْدَ كَلامٍ ذَكَرَهُ: و”كافَّةً“ مَعْناهُ: جَمِيعًا. والمُرادُ بِالكافَّةِ الجَماعَةُ الَّتِي تَكُفُّ مُخالِفِيها، انْتَهى كَلامُهُ.
وقَوْلُهُ: فَيَكُونُ الحالُ مِن شَيْئَيْنِ، يَعْنِي: مِنَ الفاعِلِ في ”ادْخُلُوا“، ومِنَ ”السِّلْمِ“، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، وذَلِكَ جائِزٌ، يَعْنِي: مَجِيءَ الحالِ الواحِدَةِ مِن شَيْئَيْنِ، وفي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ. وقَوْلُهُ: نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧]، يَعْنِي أنَّ ”تَحْمِلُهُ“ حالٌ مِنَ الفاعِلِ المُسْتَكِنِّ في أتَتْ، ومِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالباءِ، هَذا المِثالُ لَيْسَ بِمُطابِقٍ لِلْحالِ مِن شَيْئَيْنِ: لِأنَّ لَفْظَ ”تَحْمِلُهُ“ لا يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ، ولا يَقَعُ الحالُ مِن شَيْئَيْنِ إلّا إذا كانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُما، واعْتِبارُ ذَلِكَ بِجَعْلِ ذَوِي الحالِ مُبْتَدَأيْنِ، والإخْبارِ بِتِلْكَ الحالِ عَنْهُما، فَمَتى صَحَّ ذَلِكَ صَحَّتِ الحالُ، ومَتى امْتَنَعَ امْتَنَعَتْ. مِثالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎وعُلِّقْتُ سَلْمى وهي ذاتُ مُوَصَّدٍ ∗∗∗ ولَمْ يَبْدُ لِلْأتْرابِ مِن ثَدْيِها حَجْمُ
؎صَغِيرَيْنِ نَرْعى البَهْمَ يا لَيْتَ أنَّنا ∗∗∗ إلى اليَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ، ولَمْ تَكْبَرِ البَهْمُ
فَصَغِيرَيْنِ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في عُلِّقْتُ، ومِن سَلْمى: لِأنَّهُ يَصْلُحُ أنْ يَقُولَ أنا وسَلْمى صَغِيرانِ نَرْعى البَهْمَ، ومِثْلُهُ:
؎خَرَجْتُ بِها نَمْشِي تَجُرُّ وراءَنا
فَنَمْشِي حالٌ مِنَ التّاءِ في ”خَرَجْتُ“، ومِنَ الضَّمِيرِ (p-١٢٢)المَجْرُورِ في بِها، ويَصْلُحُ أنْ تَقُولَ أنا وهي نَمْشِي، وهُنا لا يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”تَحْمِلُهُ“ خَبَرًا عَنْهُما، لَوْ قُلْتَ هي وهو تَحْمِلُهُ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَكُونَ ”تَحْمِلُهُ“ خَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِ: هِنْدٌ وزَيْدٌ تُكْرِمُهُ: لِأنَّ تَحْمِلُهُ وتُكْرِمُهُ لا يَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ إلّا بِمُفْرَدٍ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ذَوِي حالٍ، ولِذَلِكَ أعْرَبَ المُعْرِبُونَ في:
؎خَرَجْتُ بِها نَمْشِي تَجُرُّ وراءَنا
نَمْشِي حالًا مِنهُما، وتَجُرُّ حالًا مِن ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ خاصَّةً: لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: أنا وهي تَجُرُّ وراءَنا، لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ ”تَجُرُّ“ خَبَرًا عَنْها: لِأنَّ تَجُرُّ وتَحْمِلُ إنَّما يَتَقَدَّرانِ بِمُفْرَدٍ، أيْ حامِلَةً وجارَّةً، وإذا صَرَّحْتَ بِهَذا المُفْرَدِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما. و(كافَّةً) لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى جَمِيعٍ، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في ”ادْخُلُوا“، ومِنَ السِّلْمِ، بِمَعْنى شَرائِعِ الإسْلامِ: لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: الرِّجالُ والنِّساءُ جَمِيعٌ في كَذا، صَحَّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا. لا يُقالُ كافَّةً لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، لا تَقُولُ الزَّيْدُونَ والعَمْرُونَ كافَّةٌ في كَذا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ حالًا عَلى ما قَرَّرْتَ: لِأنَّ امْتِناعَ ذَلِكَ إنَّما هو بِسَبَبِ مادَّةِ ”كافَّةً“ إذْ لَمْ يُتَصَرَّفْ فِيها، بَلِ التُزِمَ نَصْبُها عَلى الحالِ، لَكِنَّ مُرادِفَها يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: والمُرادُ بِالكافَّةِ الجَماعَةُ الَّتِي يُكَفُّ مُخالِفُها، يَعْنِي: أنَّ هَذا في أصْلِ الوَضْعِ، ثُمَّ صارَ الِاسْتِعْمالُ لَها لِمَعْنى جَمِيعًا، كَما قالَ هو وغَيْرُهُ، و”كافَّةً“: مَعْناهُ جَمِيعًا.
* *
﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، قَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ، وقالَ صاحِبُ (الكِتابِ المُوَضَّحِ) أبُو عَبْدِ اللَّهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ: عُرِفَ بِابْنِ مَرْيَمَ، أنَّ ضَمَّ عَيْنِ الكَلِمَةِ في مِثْلِ هَذا، نَحْوَ: غُرْفَةٍ وغُرُفاتٍ، هو مَذْهَبُ أهْلِ الحِجازِ، وقالَ فِيمَن سَكَّنَ الطّاءَ: إنَّهم لَمّا جَمَعُوا نَوَوُا الضَّمَّةَ في الطّاءِ، ثُمَّ أسْكَنُوها اسْتِخْفافًا، وهو في تَقْدِيرِ الثَّباتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمَّةَ في حُكْمِ الثّابِتِ أنَّ هَذِهِ حَرَكَةٌ يُفْصَلُ بِها بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ، كَما هي في جَمْعِ فَعْلَةٍ المَفْتُوحَةِ الفاءِ، فَلا تُحْذَفُ عَيْنُ الِاسْمِ حَذْفًا، إذْ هي فارِقَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصِّفَةِ، فَهي مَنوِيَّةٌ لا مَحالَةَ، انْتَهى كَلامُهُ. واتَّضَحَ مِن هَذا أنَّهُ في الصِّفَةِ لا يُنْقَلُ، فَإذا جَمَعْنا حُلْوَةً وضُحْكَةً، المُرادُ بِهِ صِفَةُ المُؤَنَّثِ، فَلا تَقُولُ حُلُواتٍ، ولا (p-١٢٣)ضُحُكاتٍ، بِضَمِّ عَيْنِ الكَلِمَةِ، وعَلى هَذا قِياسُ فُعْلَةٍ الصِّفَةِ، نَحْوَ جُلْفَةٍ، لا يُقالُ فِيهِ جُلُفاتٍ.
2:209Page 32
فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩
But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾، أيْ: عَصَيْتُمْ أوْ كَفَرْتُمْ، أوْ أخْطَأْتُمْ، أوْ ضَلَلْتُمْ، أقْوالٌ ثانِيها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ادْخُلُوا في السِّلْمِ، أيِ الإسْلامِ، فَإنْ زَلَلْتُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، وأصْلُ الزَّلَلِ لِلْقَدَمِ، يُقالُ: زَلَّتْ قَدَمُهُ، كَما قالَ:
؎ولا شامِتٍ إنْ نَعْلُ عَزَّةَ زَلَّتِ
ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في الرَّأْيِ والِاعْتِقادِ، وهو الزَّلَقُ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن تَفْسِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] . وقَرَأ أبُو السِّماكِ: ”فَإنْ زَلِلْتُمْ“ بِكَسْرِ اللّامِ، وهُما لُغَتانِ، كَضَلَلْتُ وضَلِلْتُ. والبَيِّناتُ، حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ، أوْ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالَ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة: ٢]، وجُمِعَ تَعْظِيمًا لَهُ: لِأنَّهُ وإنْ كانَ واحِدًا بِالشَّخْصِ، فَهو كَثِيرٌ بِالمَعْنى. أوِ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، أوِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ [البقرة: ٩٢]، وقالَ ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وهَذا يَتَخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المُخاطَبَ أهْلُ الكِتابِ، أوِ الإسْلامُ، أوْ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُعْجِزاتِ، أقْوالٌ سِتَّةٌ. وفي (المُنْتَخَبِ) البَيِّناتُ: تَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ مِن حَيْثُ إنَّ عُذْرَ المُكَلَّفِ لا يَزُولُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ البَيِّناتِ، لا حُصُولِ التَّبْيِينِ مِنَ التَّكْلِيفِ، انْتَهى كَلامُهُ. والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ لا يُخْبَرُ عَنْها بِالمَجِيءِ: لِأنَّها مَرْكُوزَةٌ في العُقُولِ، فَلا يُنْسَبُ إلَيْها المَجِيءُ إلّا مَجازًا، وفِيهِ بُعْدٌ.
* *
﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أيْ: دُومُوا عَلى العِلْمِ، إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ فَهو أمْرٌ لَهم بِتَحْصِيلِ العِلْمِ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُؤَدِّي إلَيْهِ، وفي وصْفِهِ هُنا بِالعِزَّةِ الَّتِي هي تَتَضَمَّنُ الغَلَبَةَ والقُدْرَةَ اللَّتَيْنِ يَحْصُلُ بِهِما الِانْتِقامُ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن خالَفَهُ وزَلَّ عَنْ مَنهَجِ الحَقِّ، وفي وصْفِهِ بِالحِكْمَةِ دَلالَةٌ عَلى إتْقانِ أفْعالِهِ، وأنَّ ما يُرَتِّبُهُ مِنَ الزَّواجِرِ لِمَن خالَفَ هو مِن مُقْتَضى الحِكْمَةِ، ورُوِيَ أنَّ قارِئًا قَرَأ، غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَسَمِعَهُ أعْرابِيٌّ فَأنْكَرَهُ، ولَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ القُرْآنَ، وقالَ: إنْ كانَ هَذا كَلامَ اللَّهِ فَلا يَقُولُ كَذا الحَكِيمُ، لا يَذْكُرُ الغُفْرانَ عِنْدَ الزَّلَلِ: لِأنَّهُ إغْراءٌ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ نَحْوُ هَذا، وأنَّ الَّذِي كانَ يَتَعَلَّمُ مِنهُ أقْرَأهُ: فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَأنْكَرَهُ حَتّى سَمِعَ: (عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فَقالَ: هَكَذا يَنْبَغِي.
2:210–211Page 32
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠
Do they await but that Allāh should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allāh [all] matters are returned.
سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢١١
Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allāh [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allāh is severe in penalty.
(p-١٢٤)﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ . ”هَلْ“ هُنا لِلنَّفْيِ، المَعْنى: ما يَنْظُرُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا، وكَوْنُها بِمَعْنى النَّفْيِ - إذا جاءَ بَعْدَها ”إلّا -“ كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ، قالَ تَعالى: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧]، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎وهَلْ أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ، وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أرْشُدِ
و”يَنْظُرُونَ“ هُنا مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: نَظَرْتُ فُلانًا أنْتَظِرُهُ، وهو لا يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ إلّا بِحَرْفِ جَرٍّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظِرانِيَ ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
ومَفْعُولُ ”يَنْظُرُونَ“ هو ما بَعْدَ إلّا، أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا إتْيانَ اللَّهِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ. قِيلَ: ويَنْظُرُونَ هُنا لَيْسَتْ مِنَ النَّظَرِ الَّذِي هو تَرَدُّدُ العَيْنِ في المَنظُورِ إلَيْهِ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ النَّظَرِ لَعُدِّيَ بِإلى، وكانَ مُضافًا إلى الوَجْهِ، وإنَّما هو مِنَ الِانْتِظارِ، انْتَهى. وهَذا التَّعْلِيلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ: لِأنَّهُ يُقالُ هو مِنَ النَّظَرِ، وهو تَرَدُّدُ العَيْنِ. وهو مُعَدًّى بِإلى، لَكِنَّها مَحْذُوفَةٌ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ؟ وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ ”أنْ“ إذا لَمْ يُلْبِسْ قِياسٌ مُطَّرِدٌ، ولا لَبْسَ هُنا، فَحُذِفَتْ إلى، وقَوْلُهُ: وكانَ مُضافًا إلى الوَجْهِ يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فَكَذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ، قَدْ نُسِبَ النَّظَرُ إلى الذَّواتِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والضَّمِيرُ في ”يَنْظُرُونَ“ عائِدٌ عَلى الذّالِّينَ، وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ.
والإتْيانُ: حَقِيقَةٌ في الِانْتِقالِ مِن حَيِّزٍ إلى حَيِّزٍ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَرَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذا مِنَ المَكْتُومِ الَّذِي لا يُفَسَّرُ، ولَمْ يَزَلِ السَّلَفُ في هَذا وأمْثالِهِ يُؤْمِنُونَ، ويَكِلُونَ فَهْمَ مَعْناهُ إلى عِلْمِ المُتَكَلِّمِ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. والمُتَأخِّرُونَ تَأوَّلُوا الإتْيانَ وإسْنادَهُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إتْيانٌ عَلى ما يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ انْتِقالٍ. الثّانِي: أنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنِ المُجازاةِ لَهم، والِانْتِقامِ، كَما قالَ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُتَعَلَّقُ الإتْيانِ مَحْذُوفًا، أيْ: أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِما وعَدَهم مِنَ الثَّوابِ، والعِقابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. الرّابِعُ: أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: أمْرُ اللَّهِ بِمَعْنى ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِمْ، لا الأمْرُ الَّذِي مُقابِلُهُ النَّهْيُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ . الخامِسُ: قُدْرَتُهُ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى عَنْ أحْمَدَ. السّادِسُ: أنَّ ”في ظُلَلٍ“ بِمَعْنى بِظُلَلٍ، فَيَكُونُ ”في“ بِمَعْنى الباءِ، كَما قالَ:
؎خَبِيرُونَ في طَعْنِ الأباهِرِ والكُلى
أيْ: بِطَعْنِ: لِأنَّ خَبِيرًا لا يَتَعَدّى إلّا بِالباءِ، كَما قالَ:
؎خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. والأوْلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: أمْرُ اللَّهِ، إذْ قَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣]، وتَكُونُ عِبارَةً عَنْ بَأْسِهِ وعَذابِهِ: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما جاءَتْ مَجِيءَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وقِيلَ: المَحْذُوفُ آياتُ اللَّهِ، فَجَعَلَ مَجِيءَ آياتِهِ مَجِيئًا لَهُ عَلى التَّفْخِيمِ لِشَأْنِها، قالَهُ في (المُنْتَخَبِ) . ونُقِلَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: يَأْتِيَهم بِمُحاسَبَتِهِمْ عَلى الغَمامِ عَلى عَرْشِهِ تَحْمِلُهُ ثَمانِيَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: الخِطابُ مَعَ اليَهُودِ، وهم مُشَبِّهَةٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعَ اليَهُودِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَعْنى: أنَّهم لا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، فالآيَةُ عَلى ظاهِرِها، إذِ المَعْنى: أنَّ قَوْمًا يَنْتَظِرُونَ إتْيانَ اللَّهِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم مُحِقُّونَ ولا مُبْطِلُونَ.
﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ [البقرة: ٥٧]، ويَسْتَحِيلُ عَلى الذّاتِ المُقَدَّسَةِ أنْ تَحُلَّ في ظُلَّةٍ، وقِيلَ: المَقْصُودُ تَصْوِيرُ عَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ وحُصُولِها وشِدَّتِها: لِأنَّهُ لا شَيْءَ أشَدُّ عَلى المُذْنِبِينَ، وأهْوَلُ مِن وقْتِ جَمْعِهِمْ وحُضُورِ أمْهَرِ الحُكّامِ وأكْثَرِهِمْ هَيْبَةً لِفَصْلِ الخُصُومَةِ، فَيَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وإذا فُسِّرَ بِأنَّ عَذابَ اللَّهِ يَأْتِيَهم في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، فَكانَ ذَلِكَ: لِأنَّهُ أعْظَمُ، أوْ يَأْتِيَهُمُ الشَّرُّ مِن جِهَةِ الخَيْرِ، لِقَوْلِهِ: (p-١٢٥)﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]: ولِأنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَهو عَلامَةٌ لِأشَدِّ الأهْوالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]: ولِأنَّ الغَمامَ يُنْزِلُ قَطَراتٍ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، فَكَذَلِكَ العَذابُ غَيْرُ مَحْصُورٍ، وقِيلَ: إنَّ العَذابَ لا يَأْتِي في الظُّلَلِ، بَلِ المَعْنى تَشْبِيهُ الأهْوالِ بِالظُّلَلِ مِنَ الغَمامِ، كَما قالَ: ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢]، فالمَعْنى أنَّ عَذابَ اللَّهِ يَأْتِيهِمْ في أهْوالٍ عَظِيمَةٍ، كَظُلَلِ الغَمامِ. واخْتَلَفُوا في هَذا التَّوَعُّدِ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو تَوَعُّدٌ بِما يَقَعُ في الدُّنْيا، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ تَوَعُّدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: ”في ظِلالٍ“، وكَذَلِكَ رَوى هارُونُ بْنُ حاتِمٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ هُنا وفي الحَرْفَيْنِ في الزُّمَرِ، وهي جُمَعُ ظُلَّةٍ، نَحْوَ قُلَّةٍ وقِلالٍ، وهو جَمْعٌ لا يَنْقاسُ، بِخِلافِ ظُلَلٍ، فَإنَّهُ جَمْعٌ مُنْقاسٌ، أوْ جَمْعُ ظُلٍّ نَحْوَ ضُلٍّ وضُلّالٍ. و”في ظُلَلٍ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَأْتِيَهم“، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، و”مِنَ الغَمامِ“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِظُلَلٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”يَأْتِيَهم“، أيْ مِن ناحِيَةِ الغَمامِ، فَتَكُونُ ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ: والمَلائِكَةِ، بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ”في ظُلَلٍ“ أوْ عَطْفًا عَلى الغَمامِ، فَيَخْتَلِفُ تَقْدِيرُ حَرْفِ الجَرِّ، إذْ عَلى الأوَّلِ التَّقْدِيرُ: وفي المَلائِكَةِ، وعَلى الثّانِي التَّقْدِيرُ: ومِنَ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”اللَّهُ“، وقِيلَ: في هَذا الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، فالإتْيانُ في الظُّلَلِ مُضافٌ إلى المَلائِكَةِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ في ظُلَلٍ، فالمُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى هو الإيتانُ فَقَطْ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ في ظُلَلٍ“ .
﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾، مَعْناهُ: وقَعَ الجَزاءُ وعُذِّبَ أهْلُ العِصْيانِ، وقِيلَ: أُتِمَّ أمَرُ هَلاكِهِمْ وفُرِغَ مِنهُ، وقِيلَ: فُرِغَ مِن وقْتِ الِانْتِظارِ، وجاءَ وقْتُ المُؤاخَذَةِ، وقِيلَ: فُرِغَ لَهم مِمّا يُوعَدُونَ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ ووَجَبَ العَذابُ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.
﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”يَأْتِيَهم“، فَهو مِن وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، وعَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ: لِأنَّهُ كالمَفْرُوغِ مِنهُ الَّذِي وقَعَ، والتَّقْدِيرُ: ويُقْضى الأمْرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: فُرِغَ مِن أمْرِهِمْ بِما سَبَقَ في القَدَرِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ لا أنَّهُ في حَيِّزٍ ما يُنْتَظَرُ. وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: ”وقَضاءُ الأمْرِ“، قالَ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى المَصْدَرِ المَرْفُوعِ عَطْفًا عَلى المَلائِكَةِ، وقالَ غَيْرُهُ بِالمَدِّ والخَفْضِ عَطْفًا عَلى المَلائِكَةِ، وقِيلَ: ويَكُونُ ”في“ عَلى هَذا بِمَعْنى الباءِ، أيْ: بِظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، وبِالمَلائِكَةِ، وبِقَضاءِ الأمْرِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ مَعْمَرٍ: وقُضِيَ الأُمُورُ، بِالجَمْعِ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ: ولِأنَّهُ لَوْ أُبْرِزَ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْفاعِلِ لَتَكَرَّرَ الِاسْمُ ثَلاثَ مَرّاتٍ.
* *
﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾، قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ”تَرْجِعُ“، بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ويَعْقُوبُ: بِالتّاءِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الجِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، عَلى أنَّ ”رَجَعَ“، لازِمٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ وفَتْحِ الجِيمِ مَبْنِيًا لِلْمَفْعُولِ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: ”يُرْجَعُ“، بِالياءِ وفَتْحِ الجِيمِ عَلى أنْ رَجَعَ مُتَعَدٍّ. وكِلا الِاسْتِعْمالَيْنِ لَهُ في لِسانِ العَرَبِ، ولُغَةٌ قَلِيلَةٌ في المُتَعَدِّي. أرْجَعَ رُباعِيًّا، فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ فَلِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَلِكَوْنِ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ. وصُرِّحَ بِاسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ أفْخَمُ وأعْظَمُ وأوْضَحُ، وإنْ كانَ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾: ولِأنَّهُ في جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ لَيْسَتْ داخِلَةً في المُنْتَظَرِ، وإنَّما هي إعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ إلَيْهِ تَصِيرُ الأُمُورُ كُلُّها، لا إلى غَيْرِهِ، إذْ هو المُنْفَرِدُ بِالمُجازاةِ، ولِرَفْعِ إيهامِ ما كانَ عَلَيْهِ مُلُوكُ الدُّنْيا مِن دَفْعِ أُمُورِ النّاسِ إلَيْهِمْ، فَأعْلَمَ أنَّ هَذا لا يَكُونُ لَهم في الآخِرَةِ مِنها شَيْءٌ، بَلْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، أوْ لِإعْلامِ أنَّها رَجَعَتْ إلَيْهِ في الآخِرَةِ بَعْدَ أنْ كانَ مَلَّكَهم بَعْضَها في الدُّنْيا، فَصارَتْ إلَيْهِ كُلُّها في الآخِرَةِ. وإذا كانَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فالفاعِلُ المَحْذُوفُ، إمّا اللَّهُ تَعالى، يُرْجِعُها إلى نَفْسِهِ بِإفْناءِ الدُّنْيا وإقامَةِ القِيامَةِ، أوْ ذَوُو الأُمُورِ، لَمّا كانَتْ ذَواتُهم وصَفاتُهم شاهِدَةً عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ مُحاسَبُونَ مَجْزِيُّونَ، كانُوا رادِّينَ (p-١٢٦)أُمُورَهم إلى خالِقِها، قِيلَ: أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ فُلانٌ مُعْجَبٌ بِنَفْسِهِ، ويَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: إلى أيْنَ يُذْهَبُ بِكَ ؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَذْهَبُ بِهِ، انْتَهى.
ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ ولا يَكُونُ ثَمَّ فاعِلٌ، وهَذا خَطَأٌ، إذْ لا بُدَّ لِلْفِعْلِ مِن تَصَوُّرِ فاعِلٍ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ لِلذَّهابِ أحَدًا، ولا الفاعِلُ لِلْإعْجابِ، بَلِ الفاعِلُ غَيْرُهُ، فالَّذِي أعْجَبَهُ بِنَفْسِهِ هو رَأْيُهُ، واعْتِقادُهُ بِجَمالِ نَفْسِهِ، فالمَعْنى أنَّهُ أعْجَبَهُ رَأْيُهُ، وذَهَبَ بِهِ رَأْيُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أعْجَبَهُ رَأْيُهُ بِنَفْسِهِ، وإلى أيْنَ يَذْهَبُ بِكَ رَأْيُكَ أوْ عَقْلُكَ ؟ ثُمَّ حُذِفَ الفاعِلُ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ. قِيلَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ قِسْمانِ مِن أقْسامِ عِلْمِ البَيانِ. أحَدُهُما: الإيجازُ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾، فَإنَّ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ يَنْدَرِجُ في ضِمْنِها جَمِيعُ أحْوالِ العِبادِ مُنْذُ خُلِقُوا إلى يَوْمِ التَّنادِ، ومِن هَذا اليَوْمِ إلى الفَصْلِ بَيْنَ العِبادِ. والثّانِي: الِاخْتِصاصُ بِقَوْلِهِ: (وإلى اللَّهِ)، فاخْتُصَّ بِذَلِكَ اليَوْمِ لِانْفِرادِهِ فِيهِ بِالتَّصَرُّفِ والحُكْمِ والمُلْكِ، انْتَهى.
وقالَ السُّلَمِيُّ: وقُضِيَ الأمْرُ: وصَلُوا إلى ما قُضِيَ لَهم في الأزَلِ مِن إحْدى المَنزِلَتَيْنِ. وقالَ جَعْفَرٌ: كُشِفَ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ ونَهْيِهِ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: انْهَتَكَ سِتْرُ الغَيْبِ عَنْ صَرِيحِ التَّقْدِيرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences