Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:251–252

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:251–252

2:251Page 41

فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١

So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.

﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَغَلَبُوهم بِتَمْكِينِ اللَّهِ.

﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ كَيْفِيَّةِ قَتْلِ داوُدَ لِجالُوتَ، ولَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الكَيْفِيَّةِ، وقَدِ اخْتَصَرَ ذَلِكَ السَّجاوَنْدِيُّ اخْتِصارًا يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، فَقالَ: كانَ أصْغَرَ بَنِيهِ، يَعْنِي بَنِي إيشا والِدِ داوُدَ، الثَلاثَةَ عَشَرَ. وكانَ مُخَلَّفًا في الغَنَمِ، وأُوحِيَ إلى نَبِيِّهِمْ أنَّ قاتِلَ جالُوتَ مَنِ اسْتَوَتْ عَلَيْهِ مِن ولَدِ إيشا دِرْعٌ عِنْدَ طالُوتَ، فَلَمْ تَسْتَوِ إلّا عَلى داوُدَ، وقِيلَ: لَمّا بَرَزَ جالُوتُ نادى طالُوتُ: مَن قَتَلَ جالُوتَ أُشاطِرُهُ مُلْكِي وأُزَوِّجُهُ بِنْتِي، فَبَرَزَ داوُدُ ورَماهُ بِحَجَرٍ في قَذّافَةٍ فَنَفَذَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ إلى قَفاهُ وأصابَ عَسْكَرَهُ، فَقُتِلَ جَماعَةٌ وانْهَزَمُوا، ثُمَّ نَدِمَ طالُوتُ مِن شَرْطِهِ بَعْدَ الوَفاءِ، وهَمَّ بِقَتْلِ داوُدَ، وماتَ تائِبًا قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ وهْبٌ: نَدِمَ قَبْلَ الوَفاءِ وماتَ عاصِيًا، وقِيلَ: أصابَ داوُدُ مَوْضِعَ أنْفِ جالُوتَ، وقِيلَ: تَفَتَّتَ الحَجَرُ حَتّى أصابَ كُلَّ مَن في العَسْكَرِ شَيْءٌ مِنهُ، كالقَبْضَةِ الَّتِي رَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ أبُو داوُدَ في عَسْكَرِ طالُوتَ مَعَ سِتَّةٍ مِن بَنِيهِ، وكانَ داوُدُ سابِعَهم وهو صَغِيرٌ يَرْعى الغَنَمَ، فَأُوحِي إلى شَمْوِيلَ أنَّ داوُدَ بْنَ إيشا يَقْتُلُ جالُوتَ، فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ، فَجاءَ وقَدْ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ دَعاهُ كُلُّ واحِدٍ مِنها أنْ يَحْمِلَهُ، وقالَتْ لَهُ: إنَّكَ تَقْتُلُ بِنا جالُوتَ، فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ، ورَمى بِها جالُوتَ فَقَتَلَهُ، وزَوَّجَهُ طالُوتُ بِنْتَهُ، ورُوِيَ أنَّهُ حَسَدَهُ وأرادَ قَتْلَهُ، ثُمَّ تابَ، انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّ داوُدَ كانَ مِن أرْمى النّاسِ بِالمِقْلاعِ، ورُوِيَ: أنَّ الأحْجارَ التَأمَتْ في المِخْلاةِ فَصارَتْ حَجَرًا واحِدًا.

﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ رُوِيَ أنَّ طالُوتَ تَخَلّى لداوُدَ عَنِ المُلْكِ، فَصارَ المَلِكَ. (p-٢٦٩)ورُوِيَ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غَلَبَتْ طالُوتَ عَلى ذَلِكَ بِسَبَبِ قَتْلِ داوُدَ جالُوتَ، ورُوِيَ أنَّ طالُوتَ أخافَ داوُدَ فَهَرَبَ مِنهُ، فَكانَ في جَبَلٍ إلى أنْ ماتَ طالُوتُ، فَمَلَّكَتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ، قالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: مُلِّكَ داوُدُ بَعْدَ قَتْلِ جالُوتَ سَبْعَ سِنِينَ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى مَلِكٍ واحِدٍ إلّا عَلى داوُدَ. واخْتُلِفَ أكانَ داوُدُ نَبِيًّا عِنْدَ قَتْلِ جالُوتَ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: كانَ نَبِيًّا؛ لِأنَّ خَوارِقَ العاداتِ لا تَكُونُ إلّا مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّى مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى نَبِيٍّ، والحِكْمَةُ وضْعُ الأُمُورِ مَواضِعَها عَلى الصَّوابِ، وكَمالُ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ قَبْلَهُ، كانَ المُلْكُ في سِبْطٍ والنُّبُوَّةُ في سِبْطٍ، فَلَمّا ماتَ شَمْوِيلُ وطالُوتُ اجْتَمَعَ لِداوُدَ المُلْكُ والنُّبُوةُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: (الحِكْمَةَ) الزَّبُورُ، وقِيلَ: العَدْلُ في السِّيرَةِ. وقِيلَ: (الحِكْمَةَ) العِلْمُ والعَمَلُ بِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هي سِلْسِلَةٌ كانَتْ مُتَدَلِّيَةً مِنَ السَّماءِ لا يَمْسِكُها ذُو عاهَةٍ إلّا بَرِئَ، يُتَحاكَمُ إلَيْها، فَمَن كانَ مُحِقًّا تَمَكَّنَ مِنها حَتّى إنَّ رَجُلًا كانَتْ عِنْدَهُ دُرَّةٌ لِرَجُلٍ، فَجَعَلَها في عُكّازَتِهِ ودَفَعَها إلَيْهِ أنِ احْفَظْها حَتّى أمَسَّ السِّلْسِلَةَ، فَتَمَكَّنَ مِنها لِأنَّهُ رَدَّها، فَرُفِعَتْ لِشُؤْمِ احْتِيالِهِ. وإذا كانَتِ الحِكْمَةُ كانَ ذِكْرُ المُلْكِ قَبْلَها والنُّبُوَّةِ بَعْدَهُ مِن بابِ التَّرَقِّي.

﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ قِيلَ: صَنْعَةُ الدُّرُوعِ. وقِيلَ: مَنطِقُ الطَّيْرِ وكَلامُهُ لِلنَّحْلِ والنَّمْلِ. وقِيلَ: الزَّبُورُ. وقِيلَ: الصَّوْتُ الطَّيِّبُ والألْحانُ. وقِيلَ: ولَمْ يُعْطِ اللَّهُ أحَدًا مِن خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِهِ، كانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ تَدْنُو الوُحُوشُ حَتّى يَأْخُذَ بِأعْناقِها، وتُظِلُّهُ الطَّيْرُ مُصِيخَةً لَهُ، ويَرْكُدُ الماءُ الجارِي، وتَسْكُنُ الرِّيحُ، وما صُنِعَتِ المَزامِيرُ والصُّنُوجُ إلّا عَلى صَوْتِهِ. وقِيلَ: ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ فِعْلُ الطّاعاتِ والأمْرُ بِها، واجْتِنابُ المَعاصِي. والضَّمِيرُ الفاعِلُ في (يَشاءُ) عائِدٌ عَلى داوُدَ أيْ: مِمّا يَشاءُ داوُدُ.

* *

﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ قَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ: (ولَوْلا دِفاعُ) وهو مَصْدَرُ دَفَعَ، نَحْوُ: كَتَبَ كِتابًا، أوْ مَصْدَرُ دافَعَ بِمَعْنى دَفَعَ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:

؎ولَقَدْ حَرِصْتُ بِأنْ أُدافِعَ عَنْهم فَإذا المَنِيَّةُ أقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ

وقَرَأ الباقُونَ: (دَفْعُ) مَصْدَرُ دَفَعَ، كَضَرَبَ ضَرْبًا. والمَدْفُوعُ بِهِمْ جُنُودُ المُسْلِمِينَ، والمَدْفُوعُونَ المُشْرِكُونَ، و(لَفَسَدَتِ الأرْضُ) بِقَتْلِ المُؤْمِنِينَ وتَخْرِيبِ البِلادِ والمَساجِدِ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أوِ الأبْدالُ وهم أرْبَعُونَ، كُلَّما ماتَ واحِدٌ أقامَ اللَّهُ واحِدًا بَدَلَ آخَرَ، وعِنْدَ القِيامَةِ يَمُوتُونَ كُلُّهم: اثْنانِ وعِشْرُونَ بِالشّامِ، وثَمانِيَةَ عَشَرَ بِالعِراقِ.

ورُوِيَ حَدِيثُ الأبْدالِ عَنْ عَلِيٍّ وأبِي الدَّرْداءِ، ورَفَعا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أوِ المَذْكُورُونَ في حَدِيثِ: «لَوْلا عُبّادٌ رُكَّعٌ، وأطْفالٌ رُضَّعٌ وبَهائِمُ رُتَّعٌ لُصُبَّ عَلَيْكُمُ العَذابُ صَبًّا» أوْ مَن يُصَلِّي ومَن يُزَكِّي ومَن يَصُومُ يُدْفَعُ بِهِمْ عَمَّنْ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، أوِ المُؤْمِنُ يُدْفَعُ بِهِ عَنِ الكافِرِ كَما يُبْتَلى المُؤْمِنُ بِالكافِرِ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ الرَّجُلُ الصّالِحُ يُدْفَعُ بِهِ عَنْ ما بِهِ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وجِيرانِهِ البَلاءُ، أوِ الشُّهُودُ الَّذِينَ يُسْتَخْرَجُ بِهِمُ الحُقُوقُ، قالَهُ الثَّوْرِيُّ أوِ السُّلْطانُ أوِ الظّالِمُ يَدْفَعُ يَدَ الظّالِمِ، أوْ داوُدُ دُفِعَ بِهِ عَنْ طالُوتَ ولَوْلا ذَلِكَ غَلَبَتِ العَمالِقَةُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَكُونُ (النّاسُ) عامًّا والمُرادُ الخُصُوصُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَدْفُوعَ بِهِمْ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَفَسَدَتِ الأرْضُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ كانَ يُطْبِقُها ويَتَمادى في جَمِيعِ أقْطارِها، ولَكِنَّهُ تَعالى لا يُخَلِّي زَمانًا مِن قائِمٍ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَدْعُو إلى اللَّهِ تَعالى، إلى أنْ جَعَلَ ذَلِكَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ، ويَكُفُّ بِهِمْ فَسادَهم، لَغَلَبَ المُفْسِدُونَ، وفَسَدَتِ الأرْضُ وبَطَلَتْ مَنافِعُها، وتَعَطَّلَتْ مَصالِحُها مِنَ الحَرْثِ والنَّسْلِ وسائِرِ ما يُعَمِّرُ الأرْضَ، انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، والَّذِي قَبْلَهُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. والمَصْدَرُ الَّذِي هو دَفْعٌ أوْ دِفاعٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، و(بَعْضَهم) (p-٢٧٠)بَدَلٌ مِنَ النّاسِ، وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، والباءُ في (بِبَعْضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، والباءُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ فَهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْمَصْدَرِ؛ لِأنَّ (دَفْعُ) يَتَعَدّى إلى واحِدٍ ثُمَّ عُدِّيَ إلى ثانٍ بِالباءِ، وأصْلُ التَّعْدِيَةِ بِالباءِ، أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الفِعْلِ اللّازِمِ نَحْوَ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] فَإذا كانَ مُتَعَدِّيًا فَقِياسُهُ أنْ يُعَدّى بِالهَمْزَةِ، تَقُولُ: طَعِمَ زَيْدٌ اللَّحْمَ، ثُمَّ تَقُولُ: أطْعَمْتُ زَيْدًا اللَّحْمَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: طَعَّمْتُ زَيْدًا بِاللَّحْمِ، وإنَّما جاءَ ذَلِكَ قَلِيلًا بِحَيْثُ لا يَنْقاسُ، مِن ذَلِكَ: دَفَعَ، وصَكَّ، تَقُولُ: صَكَّ الحَجَرُ الحَجَرَ، وتَقُولُ: صَكَكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ، أيْ: جَعَلْتُهُ يَصُكُّهُ. وكَذَلِكَ قالُوا: صَكَكْتُ الحَجَرَيْنِ أحَدَهُما بِالآخَرِ نَظِيرُ: ﴿دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كالهَمْزَةِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ التَّعْدِيَةَ بِالهَمْزَةِ والتَّضْعِيفَ ما نَصُّهُ: وعَلى ذَلِكَ دَفَعْتُ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، عَلى حَدِّ قَوْلِكِ: ألْزَمْتُ، كَأنَّكَ قُلْتَ في التَّمْثِيلِ: أدْفَعْتُ، كَما أنَّكَ تَقُولُ: أذْهَبْتُ بِهِ، وأذْهَبْتُهُ مِن عِنْدِنا، وأخْرَجْتُهُ، وخَرَجْتُ بِهِ مَعَكَ، ثُمَّ قالَ سِيبَوَيْهِ: صَكَكْتُ الحَجَرَيْنِ أحَدَهُما بِالآخَرِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن قَوْلِكَ: اصْطَكَّ الحَجَرانِ أحَدُهُما بِالآخَرِ، ومِثْلُ ذَلِكَ: ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ، ولا يَبْعُدُ في قَوْلِكَ: دَفَعْتُ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ، أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْآلَةِ، فَلا يَكُونُ المَجْرُورُ بِها مَفْعُولًا بِهِ في المَعْنى، بَلِ الَّذِي يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ هو المَنصُوبُ، وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ يَكُونُ المَنصُوبُ مَفْعُولًا بِهِ في اللَّفْظِ فاعِلًا مِن جِهَةِ المَعْنى وعَلى أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْآلَةِ يَصِحُّ نِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما أنَّكَ تَقُولُ في: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، كَتَبْتُ القَلَمِ.

وأسْنَدَ الفَسادَ إلى الأرْضِ حَقِيقَةً: بِالخَرابِ وتَعْطِيلِ المَنافِعِ، أوْ مَجازًا: والمُرادُ أهْلُها.

* *

﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْراكِ هُنا هو أنَّهُ لَمّا قَسَّمَ النّاسَ إلى مَدْفُوعٍ بِهِ ومَدْفُوعٍ، وأنَّهُ بِدَفْعِهِ بَعْضَهَمْ بِبَعْضٍ امْتَنَعَ فَسادُ الأرْضِ، فَيَهْجِسُ في نَفْسِ مَن غَلَبَ وقَهَرَ عَنْ ما يُرِيدُ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ مُتَفَضِّلٍ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ يُبْلِغْهُ مَقاصِدَهُ ومَآرِبَهُ، فاسْتَدْرَكَ أنَّهُ، وإنْ لَمْ يَبْلُغْ مَقاصِدَهُ هَذا الطّالِبُ لِلْفَسادِ أنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَيْهِ ويُحْسِنُ إلَيْهِ، وانْدَرَجَ في عُمُومِ العالَمِينَ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وما مِن أحَدٍ إلّا ولِلَّهِ عَلَيْهِ فَضَلٌ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا فَضْلُ الِاخْتِراعِ.

وهَذا الَّذِي أبْدَيْناهُ مِن فائِدَةِ الِاسْتِدْراكِ هو عَلى ما قَرَّرَهُ أهْلُ العِلْمِ بِاللِّسانِ مِن أنَّ (لَكِنَّ) تَكُونُ بَيْنَ مُتَنافِيَيْنِ بِوَجْهٍ ما، ويَتَعَلَّقُ (عَلى العالَمِينَ) بِفَضْلٍ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ يَتَعَدّى بِـ (عَلى)، فَكَذَلِكَ المَصْدَرُ، ورُبَّما حُذِفَتْ (عَلى) مَعَ الفِعْلِ، تَقُولُ: فَضَّلْتُ فُلانًا أيْ: عَلى فُلانٍ، وجُمِعَ بَيْنَ الحَذْفِ والإثْباتِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وجَدْنا نَهْشَلًا فَضَلَتْ فُقَيْمًا كَفَضْلِ ابْنِ المَخاضِ عَلى الفَصِيلِ

وإذا عُدِّي إلى مَفْعُولٍ بِهِ بِالتَّضْعِيفِ لَزِمَتْ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥] .

2:252Page 41

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢

These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ (تِلْكَ) إشارَةٌ لِلْبَعِيدِ، و(آياتُ اللَّهِ) قِيلَ: هي القُرْآنُ، والأظْهَرُ أنَّها الآياتُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في القَصَصِ السّابِقِ مِن خُرُوجِ أُولَئِكَ الفارِّينَ مِنَ المَوْتِ، وإماتَةِ اللَّهِ لَهم دُفْعَةً واحِدَةً، ثُمَّ أحْياهم إحْياءَةً واحِدَةً، وتَمْلِيكِ طالُوتَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ولَيْسَ مِن أوْلادِ مُلُوكِهِمْ، والإتْيانُ بِالتّابُوتِ بَعْدَ فَقْدِهِ مُشْتَمِلًا عَلى بَقايا مِن إرْثِ آلِ مُوسى وآلِ هارُونَ، وكَوْنُهُ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ مُعايَنَةً عَلى ما نُقِلَ عَنْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَلِكَ الِابْتِلاءُ العَظِيمُ بِالنَّهَرِ في فَصْلِ القَيْظِ والسَّفَرِ، وإجابَةُ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في النُّصْرَةِ، وقَتْلُ داوُدَ جالُوتَ، وإيتاءُ اللَّهِ إيّاهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ، فَهَذِهِ كُلُّها آياتٌ عَظِيمَةٌ خَوارِقُ، تَلاها اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ بِالحَقِّ أيْ: مَصْحُوبَةً بِالحَقِّ لا كَذِبَ فِيها ولا انْتِحالَ، ولا بِقَوْلِ كَهَنَةٍ، بَلْ مُطابِقًا لِما في كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا القَصَصِ الحَظُّ الأوْفَرُ في الِاسْتِنْصارِ بِاللَّهِ والإعْدادِ لِلْكُفّارِ، وأنَّ كَثْرَةَ العَدَدِ قَدْ يَغْلِبُها المُقِلُّ، وأنَّ الوُثُوقَ (p-٢٧١)بِاللَّهِ والرُّجُوعَ إلَيْهِ هو الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في المُلِمّاتِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ تَلا الآياتِ عَلى نَبِيِّهِ أعْلَمَ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وأكَدَّ ذَلِكَ بِـ (إنَّ) واللّامِ، حَيْثُ أخْبَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن غَيْرِ قِراءَةِ كِتابٍ ولا مُدارَسَةِ أحْبارٍ ولا سَماعِ أخْبارٍ.

وتَضَمَّنَتِ الآياتُ الكَرِيمَةُ أخْبارَ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ اسْتَقْيَدُوا تَمْلِيكَ طالُوتَ عَلَيْهِمْ أنَّ لِذَلِكَ آيَةً تَدُلُّ عَلى تَمْلِكِيهِ، وهو أنَّ التّابُوتَ الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ يَأْتِيكم مُشْتَمِلًا عَلى ما كانَ فِيهِ مِنَ السَّكِينَةِ والبَقِيَّةِ المُخَلَّفَةِ عَنْ آلِ مُوسى وآلِ هارُونَ، وأنَّ المَلائِكَةَ تَحْمِلُهُ، وإنَّ في ذَلِكَ آيَةً أيْ: آيَةً لِمَن كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ هَذا خارِقٌ عَظِيمٌ. وفَصْلُ طالُوتَ بِالجُنُودِ وتَبْرِيزُهُ بِهِمْ مِن دِيارِهِمْ لِلِقاءِ العَدُوِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مَلَّكُوهُ وانْقادُوا لَهُ، وأخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ أنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ بِنَهَرٍ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ نَبَّأهُ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإخْبارِ نَبِيِّهِمْ لَهُ عَنِ اللَّهِ، وأنَّ مَن شَرِبَ مِنهُ كَرَعًا فَلَيْسَ مِنهُ إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، وأنَّ مَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنهُ، وأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهم قَدْ خالَفَ أكْثَرُهم فَشَرِبُوا مِنهُ، ولَّما عَبَرُوا النَّهَرَ ورَأوْا ما هو فِيهِ جالُوتُ مِنَ العَدَدِ والعُدَدِ أخْبَرُوا أنَّهم لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأجابَهم مَن أيْقَنَ بِلِقاءِ اللَّهِ: بِأنَّ الكَثْرَةَ لا تَدُلُّ عَلى الغَلَبَةِ، فَكَثِيرًا ما غَلَبَ القَلِيلُ الكَثِيرَ بِتَمْكِينِ اللَّهِ وإقْدارِهِ، وأنَّهُ إذا كانَ اللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ فَهُمُ المَنصُورُونَ، فَحُضُّوا عَلى التَّصابُرِ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، وحِينَ بَرَزُوا لِأعْدائِهِمْ ووَقَعَتِ العَيْنُ عَلى العَيْنِ لَجَئُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ، وسَألُوا مِنهُ الصَّبْرَ عَلى القِتالِ وتَثْبِيتَ الأقْدامِ عِنْدَ المَداحِضِ، والنَّصْرَ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ، وكانَتْ نَتِيجَةُ هَذا القَوْلِ وصِدْقِ القِتالِ أنْ مَكَّنَهم مِن أعْدائِهِمْ وهَزَمُوهم وقَتَلَ مَلِكَهم، وإذا ذَهَبَ الرَّأْسُ ذَهَبَ الجَسَدُ، وأعْطى اللَّهُ داوُدَ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ والنُّبُوَّةَ وهي الحِكْمَةُ، وعَلَّمَهُ مِمّا أرادَ أنْ يُعَلِّمَهُ مِنَ الزَّبُورِ، وصَنْعَةِ اللَّبُوسِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عَلَّمَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ إصْلاحَ الأرْضِ هو بِدَفْعِ بَعْضِ النّاسِ بَعْضًا، فَلَوْلا أنْ دَفَعَ اللَّهُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَزِيمَةِ قَوْمِ جالُوتَ وقَتْلِ داوُدَ جالُوتَ، لَغَلَبَ عَلَيْهِمْ أعْداؤُهم واسْتُؤْصِلُوا قَتْلًا ونَهْبًا وأسْرًا، وكَذَلِكَ مَن جَرى مَجْراهم، ولَكِنَّ فَضْلَ اللَّهِ هو السّابِقُ، حَيْثُ لَمْ يُمَكِّنْ مِنهم أعْداءَهم، ومَكَّنَهم مِنهم، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ هَذِهِ العِبَرَ وهَذِهِ الخَوارِقَ تَلاها اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ بِالحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِن جُمْلَةِ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ في الزَّمانِ، والرِّسالَةُ فَوْقَ النُّبُوَّةِ، ودَلَّ عَلى رِسالَتِهِ إخْبارُهُ بِهَذا القَصَصِ المُتَضَمِّنِ لِلْآياتِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مَن أخْبَرَ بِها، مِن غَيْرِ أنْ يُعْلِمَهُ بِها مُعْلِمٌ إلّا اللَّهَ.

* *

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَؤدُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] البَيْعُ مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ مِنهُ باعَ يَبِيعُ، ومَن قالَ: أباعَ في مَعْنى باعَ أخْطَأ.

الخُلَّةُ: الصَّداقَةُ كَأنَّها تَتَخَلَّلُ الأعْضاءَ أيْ: تَدْخُلُ خِلالَها، والخُلَّةُ الصَّدِيقُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎وكانَ لَها في سالِفِ الدَّهْرِ خُلَّةٌ يُسارِقُ بِالطَّرَفِ الخِباءَ المُسَتَّرا

السِّنَةُ والوَسَنُ: قِيلَ: النُّعاسُ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ مِنَ الفُتُورِ قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٧٢)

؎وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ

ويَبْقى مَعَ السِّنَةِ بَعْضُ الذِّهْنِ، والنَّوْمُ هو المُسْتَثْقَلُ الَّذِي يَزُولُ مَعَهُ الذِّهْنُ، وهَذا البَيْتُ يَظْهَرُ مِنهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ السِّنَةِ والنَّوْمِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوَسْنانُ الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَّوْمِ وهو لا يَعْقِلُ، حَتّى رُبَّما جَرَّدَ السَّيْفَ عَلى أهْلِهِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ لَيْسَ بِمَفْهُومٍ مِن كَلامِ العَرَبِ؛ قالَ المُفَضَّلُ: السِّنَةُ ثِقَلٌ في الرَّأْسِ، والنُّعاسُ في العَيْنِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ. الكُرْسِيُّ: آلَةٌ مِنَ الخَشَبِ أوْ غَيْرِهِ مَعْلُومَةٌ، يُقْعَدُ عَلَيْها، والياءُ فِيهِ كالياءِ في قَرِيٍّ، لَيْسَتْ لِلنَّسَبِ، وجَمْعُهُ كَراسِيٌّ، وسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، آدَهُ الشَّيْءُ يَؤُدُهُ: أثْقَلَهُ، وتَحَمَّلَ مِنهُ مَشَقَّةً، قالَ الشّاعِرُ:

؎ألا ما لِسَلْمى اليَوْمَ بَتَّ جَدِيدُها ∗∗∗ وضَنَّتْ وما كانَ النَّوالُ يَؤُدُها

الغَيُّ: مُقابِلُ الرُّشْدِ، يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي أيْ: ضَلَّ في مُعْتَقَدٍ أوْ رَأْيٍ، ويُقالُ: أغْوى الفَصِيلُ إذا بَشِمَ، وإذا جاعَ عَلى الضِّدِّ. الطّاغُوتُ: بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن طَغى يَطْغى، وحَكى الطَّبَرِيُّ يَطْغُو إذا جاوَزَ الحَدَّ بِزِيادَةٍ عَلَيْهِ، ووَزْنُهُ الأصْلِيُّ: فَعْلُوتُ، قُلِبَ إذْ أصْلُهُ: طَغْوُوتُ، فَجُعِلَتِ اللّامُ مَكانَ العَيْنِ، والعَيْنُ مَكانَ اللّامِ، فَصارَ طَوْغُوتَ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألِفًا، فَصارَ طاغُوتَ، ومَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ مَصْدَرٌ كَرَهَبُوتٍ وجَبَرُوتٍ، وهو يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ كَأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْكَثِيرِ والقَلِيلِ، وزَعَمَ أبُو العَبّاسِ أنَّهُ جَمْعٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التّاءَ في طاغُوتَ بَدَلٌ مِن لامِ الكَلِمَةِ، ووَزْنُهُ فاعُولٌ. العُرْوَةُ: مَوْضِعُ الإمْساكِ وشَدِّ الأيْدِي والتَّعَلُّقِ، والعُرْوَةُ شَجَرَةٌ تَبْقى عَلى الجَذْبِ لِأنَّ الإبِلَ تَتَعَلَّقُ بِها في الخِصْبِ مِن: عَرَوْتُهُ: ألْمَمْتُ بِهِ مُتَعَلِّقًا، واعْتَراهُ ألَمٌ: تَعَلَّقَ بِهِ. الِانْفِصامُ: الِانْقِطاعُ، وقِيلَ: الِانْكِسارُ مِن غَيْرِ بَيْنُونَةٍ، والقَصْمُ بِالقافِ الكَسْرُ بِبَيْنُونَةٍ، وقَدْ يَجِيءُ الفَصْمُ بِالفاءِ في مَعْنى البَيْنُونَةِ.

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اصْطِفاءَ طالُوتَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَفَضُّلَ داوُدَ عَلَيْهِمْ بِإيتائِهِ المُلْكَ والحِكْمَةَ وتَعْلِيمِهِ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وكانَ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُرْسَلِينَ، بَيَّنَ بِأنَّ المُرْسَلِينَ مُتَفاضِلُونَ أيْضًا، كَما كانَ التَّفاضُلُ بَيْنَ غَيْرِ المُرْسَلِينَ كَ طالُوتَ وبَنِي إسْرائِيلَ، و(تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ وخَبُرُهُ (الرُّسُلُ) و(فَضَّلْنا) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وذُو الحالِ الرُّسُلُ، والعامِلُ فِيهِ اسْمُ الإشارَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الرُّسُلُ) صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ، وأشارَ بِتِلْكَ الَّتِي لِلْبَعِيدِ لِبُعْدِ ما بَيْنَهم مِنَ الأزْمانِ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ قِيلَ: الإشارَةُ إلى الرُّسُلِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في هَذِهِ السُّورَةِ، أوْ لِلرُّسُلِ الَّتِي ثَبَتَ عِلْمُها عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والأوْلى أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى المُرْسَلِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عِلْمُهُ ﷺ بِأعْيانِهِمْ بَلْ أخْبَرَ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ المُرْسَلِينَ، وأنَّ المُرْسَلِينَ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، وأتى بِتِلْكَ، الَّتِي لِلْواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، وإنْ كانَ المُشارُ إلَيْهِ جَمْعًا؛ لِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ في الوَصْفِ، وفي عَوْدِ الضَّمِيرِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ هُنا لِاخْتِصارِ اللَّفْظِ، ولِإزالَةِ قَلَقِ التَّكْرارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ جاءَ: أُولَئِكَ المُرْسَلُونَ فَضَّلْنا، كانَ اللَّفْظُ فِيهِ طُولٌ، وكانَ فِيهِ التَّكْرارُ والِالتِفاتُ في (نَتْلُوها)، وفي (فَضَّلْنا)؛ لِأنَّهُ خُرُوجٌ إلى مُتَكَلِّمٍ مِن غائِبٍ، إذْ قَبْلَهُ ذُكِرَ لَفْظُ اللَّهِ، وهو لَفْظٌ غائِبٌ. والتَّضْعِيفُ في (فَضَّلْنا) لِلتَّعْدِيَةِ، و(عَلى بَعْضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَضَّلْنا) قِيلَ: والتَّفْضِيلُ بِالفَضائِلِ بَعْدَ الفَرائِضِ أوِ الشَّرائِعِ عَلى غَيْرِ ذِي الشَّرائِعِ، أوْ بِالخَصائِصِ كالكَلامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] لَمّا أوْجَبَ ذَلِكَ مِن تَفاضُلِهِمْ في الحَسَناتِ، انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. ونَصَّ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ في الجُمْلَةِ دُونَ تَعْيِينِ مَفْضُولٍ. (p-٢٧٣)وهَكَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ» . وقالَ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى مُوسى» وقالَ: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى» .

﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] قَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ ورَفَعِ الجَلالَةِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَن كَلَّمَهُ، وقُرِئَ بِنَصْبِ الجَلالَةِ والفاعِلُ مُسْتَتِرٌ في (كَلَّمَ) يَعُودُ عَلى (مَن) ورَفْعُ الجَلالَةِ أتَمُّ في التَّفْضِيلِ مِنَ النَّصْبِ، إذِ الرَّفْعُ يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ والخِطابِ مِنهُ تَعالى لِلْمُتَكَلِّمِ، والنُّصْبُ يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ دُونَ الخِطابِ مِنهُ، وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وأبُو نَهْشَلٍ وابْنُ السَّمَيْقَعِ: (كالَمَ اللَّهَ) بِالألِفِ ونَصَبِ الجَلالَةِ مِنَ المُكالَمَةِ، وهي صُدُورُ الكَلامِ مِنِ اثْنَيْنِ، ومِنهُ قِيلَ: كَلِيمُ اللَّهِ أيْ: مُكالِمُهُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، كَجَلِيسٍ وخَلِيطٍ. وذَكَرَ التَّفْضِيلَ بِالكَلامِ وهو مِن أشْرَفِ تَفْضِيلٍ حَيْثُ جَعَلَهُ مَحَلًّا لِخِطابِهِ ومُناجاتِهِ مِن غَيْرِ سَفِيرٍ، وتَضافَرَتْ نُصُوصُ المُفَسِّرِينَ هُنا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُكَلَّمِ هُنا هو مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، «وقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ آدَمَ: أنْبِيٌّ مُرْسَلٌ ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ“» . وقَدْ صَحَّ في حَدِيثِ الإسْراءِ حَيْثُ ارْتَقى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مَقامٍ تَأخَّرَ عَنْهُ فِيهِ جِبْرِيلُ، أنَّهُ جَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ تَعالى مُخاطَباتٌ ومُحاوَراتٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]: مُوسى وآدَمُ ومُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ تَكْلِيمُ اللَّهِ لَهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ إلى ظاهِرٍ غائِبٍ مِن ضَمِيرٍ مُتَكَلِّمٍ، لِما في ذِكْرِ هَذا الِاسْمِ العَظِيمِ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، ولِزَوالِ قَلَقِ تَكْرارِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، إذْ كانَ يَكُونُ: فَضَّلْنا، وكَلَّمْنا، ورَفَعْنا، وآتَيْنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском