Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:253–254

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:253–254

2:253Page 42

۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.

﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ إبْراهِيمُ، أوْ إدْرِيسُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ، قالُوا: والأوَّلُ أظْهَرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ أنْ يُرادَ بِهِ مُحَمَّدٌ وغَيْرُهُ مِمَّنْ عَظُمَتْ آياتُهُ، ويَكُونُ الكَلامُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ، انْتَهى. ويَعْنِي أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ أيْ: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، فَكانَ بَعْدَ تَفاوُتِهِمْ في الفَضْلِ أفْضَلَ مِنهم بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مُحَمَّدًا ﷺ لِأنَّهُ هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ أُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ المُرْتَقِيَةِ إلى ألْفِ آيَةٍ وأكْثَرَ، ولَوْ لَمْ يُؤْتَ إلّا القُرْآنَ وحْدَهُ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مُنِيفًا عَلى سائِرِ ما أُوتِيَ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّهُ المُعْجِزَةُ الباقِيَةُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ. وفي هَذا الإبْهامِ مِن تَفْخِيمِ فَضْلِهِ وإعْلاءِ قَدْرِهِ ما لا يَخْفى، لِما فِيهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أنَّهُ العِلْمُ الَّذِي لا يَشْتَبِهُ، والمُتَمَيِّزُ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: مَن فَعَلَ هَذا ؟ فَيَقُولُ: أحَدُكم، أوْ بَعْضُكم يُرِيدُ بِهِ الَّذِي تَعَوْرَفَ واشْتَهَرَ بِنَحْوِهِ مِنَ الأفْعالِ، فَيَكُونُ أفْخَمَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ، وأنْوَهَ بِصاحِبِهِ. وسُئِلَ الحُطَيْئَةُ عَنْ أشْعَرِ النّاسِ، فَذَكَرَ زُهَيْرًا والنّابِغَةَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ الثّالِثَ. أرادَ نَفْسَهُ، ولَوْ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ نَفْسِي، لَمْ يُفَخِّمْ أمْرَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا وغَيْرَهُما مِن أُولى العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: وهو مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهُ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وأُعْطِيَ الخَمْسَ الَّتِي لَمْ يُعْطَها أحَدٌ، وهو أعْظَمُ النّاسِ أُمَّةً، وخُتِمَ بِهِ بابُ النُّبُوّاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي أعْطاهُ، ومِن مُعْجِزاتِهِ، وباهِرِ آياتِهِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ أُوتِيَ ﷺ ثَلاثَةُ آلافِ مُعْجِزَةٍ وخِصِّيصَةٍ، وما أُوتِيَ نَبِيٌّ مُعْجِزَةً إلّا أُوتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَثْلَها وزادَ عَلَيْهِمْ بِآياتٍ. وانْتِصابُ (دَرَجاتٍ) قِيلَ: عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الدَّرَجَةَ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ عَلى الحالِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذَوِي دَرَجاتٍ، أوْ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِرَفَعَ عَلى طَرِيقِ التَّضْمِينِ لِمَعْنى بَلَغَ، أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَوَصَلَ الفِعْلَ وحَرْفَ الجَرِّ، إمّا عَلى، أوْ في، أوْ إلى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ: ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ، والمَعْنى عَلى دَرَجاتِ بَعْضٍ.

* *

﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (p-٢٧٤)تَفْسِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وخَصَّ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ وعِيسى مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ لِما أُوتِيا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ، والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ولِأنَّ آيَتَيْهِما مَوْجُودَتانِ، فَتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ طَعْنٌ عَلى تابِعَيْهِما حَيْثُ لَمْ يَنْقادُوا لِهَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ العَظِيمَيْنِ، ووَقَعَ مِنهُمُ المُنازَعَةُ والخِلافُ. ونَصَّ هُنا لِعِيسى عَلى الآياتِ البَيِّناتِ تَقْبِيحًا لِأفْعالِ اليَهُودِ حَيْثُ أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ مَعَ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ، ولَمّا كانَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ هو الَّذِي أُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِن كَثْرَةِ المُعْجِزاتِ وعِظَمِها، وكانَ المَشْهُودَ لَهُ بِإحْرازِ قَصَباتِ السَّبْقِ، حُفَّ ذِكْرُهُ بِذِكْرِ هَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ العَظِيمَيْنِ، لِيَحْصُلَ لِكُلٍّ مِنهُما بِمُجاوَرَةِ ذِكْرِهِ الشَّرَفُ، إذْ هو بَيْنَهُما واسِطَةُ عِقْدِ النُّبُوَّةِ، فَيَنْزِلُ مِنهُما مَنزِلَةَ واسِطَةِ العِقْدِ الَّتِي يَزْدانُ بِها ما جاوَرَها مِنَ اللَّآلِئِ، وتَنَوَّعَ هَذا التَّقْسِيمُ ولَمْ يَرِدْ عَلى أُسْلُوبٍ واحِدٍ، فَجاءَتِ الجُمْلَةُ الأوْلى مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُصَدَّرَةً بِمِنَ الدّالَّةِ عَلى التَّقْسِيمِ، وجاءَتِ الثّانِيَةُ فِعْلِيَّةً مُسْنَدَةً لِضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ لا لَفْظِهِ لِقُرْبِهِ، إذْ لَوْ أُسْنِدَ إلى الظّاهِرِ لَكانَ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ، ورَفَعَ اللَّهُ، فَكانَ يَقْرُبُ التَّكْرارُ، فَكانَ الإضْمارُ أحْسَنَ.

وفِي الجُمْلَتَيْنِ: المُفَضَّلُ مِنهم لا مُعَيَّنٌ بِالِاسْمِ، لَكِنْ يُعَيَّنُ الأوَّلُ صِلَةَ المَوْصُولِ؛ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ عِنْدَ السّامِعِ، ويُعَيَّنُ الثّانِي ما أخْبَرَ بِهِ عَنْهُ، وهو أنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِدَرَجاتٍ، وهَذِهِ الرُّتْبَةُ لَيْسَتْ إلّالِمُحَمَّدٍ ﷺ وجاءَتِ الثّانِيَةُ فِعْلِيَّةً مُسْنَدَةً لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ عَلى سَبِيلِ الالتِفاتِ، إذْ قَبْلَهُ غائِبٌ، وكُلُّ هَذا يَدُلُّ عَلى التَّوَسُّعِ في أفانِينِ البَلاغَةِ وأسالِيبِ الفَصاحَةِ.

* *

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذَفٌ، التَّقْدِيرُ: فاخْتَلَفَ أُمَمُهم واقْتَتَلُوا. (ولَوْ شاءَ اللَّهُ) ومَفْعُولُ (شاءَ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أنْ لا تَقْتَتِلُوا، وقِيلَ: أنْ لا يَأْمُرَ بِالقِتالِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أنْ لا تَخْتَلِفُوا الاخْتِلافَ الَّذِي هو سَبَبُ القِتالِ، وقِيلَ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَضْطَرَّهم إلى الإيمانِ فَلَمْ يَقْتَتِلُوا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ بِأنْ يَسْلُبَهُمُ القُوى والعُقُولَ الَّتِي يَكُونُ بِها التَّكْلِيفُ، ولَكِنْ كَلَّفَهم فاخْتَلَفُوا بِالكُفْرِ والإيمانِ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هَذِهِ مَشِيئَةُ القُدْرَةِ، مِثْلُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ولَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، وشاءَ تَكْلِيفَهم فاخْتَلَفُوا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ مَشِيئَةَ إلْجاءٍ وقَسْرٍ، وجَوابُ (لَوْ) (ما اقْتَتَلَ) وهو فِعْلٌ مَنفِيٌّ بِـ (ما) فالفَصِيحُ أنْ لا يَدْخُلَ عَلَيْهِ اللّامُ كَما في الآيَةِ، ويَجُوزُ في القَلِيلِ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ اللّامُ، فَتَقُولُ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لَما قامَ عَمْرٌو، و(مِن بَعْدِهِمْ) صِلَةٌ لِلَّذِينَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أيِ: الَّذِينَ كانُوا مِن بَعْدِهِمْ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مُوسى وعِيسى وأتْباعِهِما، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا مِن بَعْدِ جَمِيعِ الرُّسُلِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المُرادُ: ما اقْتَتَلَ النّاسُ بَعْدَ كُلِّ نَبِيٍّ، فَلُفَّ الكَلامُ لَفًّا لَمْ يَفْهَمْهُ السّامِعُ وهَذا كَما تَقُولُ: اشْتَرَيْتُ خَيْلًا ثُمَّ بِعْتُها، وإنَّ كُنْتَ قَدِ اشْتَرَيْتَها فَرَسًا فَرَسًا وبِعْتَهُ، وكَذَلِكَ هَذا، إنَّما اخْتُلِفَ بَعْدَ كُلِّ نَبِيٍّ، و(مِن بَعْدِ) قِيلَ: بَدَلٌ مِن (بَعْدِهِمْ)، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (ما اقْتَتَلَ) إذْ كانَ في البَيِّناتِ - وهي الدَّلائِلُ الواضِحَةُ - ما يُفْضِي إلى الِاتِّفاقِ وعَدَمِ التَّقاتُلِ، وغَنِيَّةٌ عَنِ الِاخْتِلافِ المُوجِبِ لِلتَّقاتُلِ.

﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ هَذا الِاسْتِدْراكُ واضِحٌ؛ لِأنَّ ما قَبْلَها ضِدٌّ لِما بَعْدَها؛ لِأنَّ المَعْنى: لَوْ شاءَ الِاتِّفاقَ لاتَّفَقُوا، ولَكِنْ شاءَ الِاخْتِلافَ فاخْتَلَفُوا.

﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ مَن آمَنَ بِالتِزامِهِ دِينَ الرُّسُلِ واتِّباعِهِمْ، ومَن كَفَرَ بِإعْراضِهِ عَنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ حَسَدًا وبَغْيًا واسْتِئْثارًا بِحُطامِ الدُّنْيا.

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ قِيلَ: الجُمْلَةُ تَكَرَّرَتْ تَوْكِيدًا لِلْأُولى، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: لا تَوْكِيدَ لِاخْتِلافِ المَشِيئَتَيْنِ، فالأُولى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ القِتالِ بِأنْ يَسْلُبَهُمُ القُوى والعُقُولَ، والثّانِيَةُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِتالِ، ولَكِنْ أمَرَ وشاءَ أنْ يَقْتَتِلُوا، وتَعَلَّقَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُثْبِتُو (p-٢٧٥)القَدْرِ ونافُوهُ، ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مُخْتَلَفًا فِيهِ حَتّى كانَ الأعْشى في الجاهِلِيَّةِ نافِيًا حَيْثُ قالَ:

؎اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفاءِ وبِالـ عَدْلِ ووَلّى المَلامَةَ الرَّجُلا

وكانَ لُبَيْدٌ مُثْبِتًا حَيْثُ قالَ:

؎مَن هَداهُ سُبُلَ الخَيْرِ اهْتَدى ∗∗∗ ناعِمَ البالِ ومَن شاءَ أضَلَّ

﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أرادَ اللَّهُ فِعْلَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنَّ إرادَةَ غَيْرِهِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ، وهو تَعالى المُسْتَأْثِرُ بِسِرِّ الحِكْمَةِ فِيما قَدَّرَ وقَضى مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وهو فِعْلُهُ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الخُذْلانِ والعِصْمَةِ، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِيَّةِ. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنْواعِ البَلاغَةِ التَّقْسِيمَ، في قَوْلِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ بِلا واسِطَةٍ، ومِنهم مَن كَلَّمَهُ بِواسِطَةٍ، وهَذا التَّقْسِيمُ اقْتَضاهُ المَعْنى، وفي قَوْلِهِ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ وهَذا التَّقْسِيمُ مَلْفُوظٌ بِهِ. والِاخْتِصاصُ مُشارًا إلَيْهِ ومَنصُوصًا عَلَيْهِ، والتَّكْرارُ في لَفْظِ البَيِّناتِ، وفي ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. والحَذْفُ، في قَوْلِهِ ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: كِفاحًا، وفي قَوْلِهِ ﴿يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ يَعْنِي مِن هِدايَةِ مَن شاءَ وضَلالَةِ مَن شاءَ.

2:254Page 42

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ الِاخْتِلافَ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وأرادَ الِاقْتِتالَ، وأمَرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وكانَ الجِهادُ يَحْتاجُ صاحِبُهُ إلى الإعانَةِ عَلَيْهِ، أمَرَ تَعالى بِالنَّفَقَةِ مِن بَعْضِ ما رُزِقَ، فَشَمَلَ النَّفَقَةَ في الجِهادِ، وهي وإنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْها، مُنْدَرِجَةٌ في قَوْلِهِ: (أنْفِقُوا) وداخِلَةٌ فِيها دُخُولًا أوَلِيًّا، إذْ جاءَ الأمْرُ بِها عَقِبَ ذِكْرِ المُؤْمِنِ والكافِرِ واقْتِتالِهِمْ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ والأكْثَرُونَ: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ صَدَقَةٍ واجِبَةٍ أوْ تَطَوُّعٍ، وقالَ الحَسَنُ: هي في الزَّكاةِ، والزَّكاةُ مِنها جُزْءٌ لِلْمُجاهِدِينَ، وقالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: أرادَ الإنْفاقَ الواجِبَ لِاتِّصالِ الوَعِيدِ بِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ لا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى تَدارُكِ ما فاتَكم مِنَ الإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ لا بَيْعَ فِيهِ حَتّى تَبْتاعُوا ما تُنْفِقُونَهُ، ولا خُلَّةَ حَتّى تُسامِحَكم أخِلّاؤُكم بِهِ، وإنْ أرَدْتُمْ أنْ يَحُطَّ عَنْكم ما في ذِمَّتِكم مِنَ الواجِبِ لَمْ تَجِدُوا شَفِيعًا يَشْفَعُ لَكم في حَطِّ الواجِباتِ؛ لِأنَّ الشَّفاعَةَ ثَمَّ في زِيادَةِ الفَضْلِ لا غَيْرَ.

﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أرادَ: والتّارِكُونَ الزَّكاةَ هُمُ الظّالِمُونَ، فَقالَ: والكافِرُونَ لِلتَّغْلِيظِ، كَما قالَ في آخِرِ آيَةِ الحَجِّ. (ومَن كَفَرَ) مَكانَ: ومَن لَمْ يَحُجَّ، ولِأنَّهُ جَعَلَ تَرْكَ الزَّكاةِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ، في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦] انْتَهى كَلامُهُ.

ورُدَّ قَوْلُهُ بِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ وعِيدٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَصِّلُوا مَنافِعَ الآخِرَةِ حِينَ تَكُونُ في الدُّنْيا، فَإنَّكم إذا خَرَجْتُمْ مِنَ الدُّنْيا لا يُمْكِنُكم تَحْصِيلُها واكْتِسابُها في الآخِرَةِ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ الشَّفاعَةَ ثَمَّ في زِيادَةِ الفَضْلِ لا غَيْرَ، هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لا تَكُونُ لِلْعُصاةِ، فَلا يَدْخُلُونَ النّارَ، ولا لِلْعُصاةِ الَّذِينَ دَخَلُوا النّارَ، فَلا يَخْرُجُونَ مِنها بِالشَّفاعَةِ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ الإنْفاقُ في الجِهادِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالجِهادِ، فَكَأنَّ المُرادَ مِنهُ الإنْفاقُ في الجِهادِ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مُرادٌ بِها جَمِيعُ وُجُوهِ البِرِّ مِن سَبِيلِ خَيْرٍ وصِلَةِ رَحِمٍ، ولَكِنْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في ذِكْرِ القِتالِ، وأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ في صُدُورِ الكافِرِينَ، يَتَرَجَّحُ مِنهُ أنَّ هَذا النَّدْبَ إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: فَكافِحُوهم بِالقِتالِ بِالأنْفُسِ وإنْفاقِ الأمْوالِ، انْتَهى كَلامُهُ. ونَدَبَ تَعالى العَبْدَ إلى أنْ يُنْفِقَ مِمّا رَزَقَهُ، والرِّزْقُ وإنْ تَناوَلَ غَيْرَ الحَلالِ، فالمُرادُ مِنهُ هُنا الحَلالُ، و(مِمّا رَزَقْناكم)، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (أنْفِقُوا) و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: رَزَقْناكُمُوهُ. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: مِن رِزْقِنا إيّاكم، و(مِن قَبْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (أنْفِقُوا) أيْضًا، واخْتُلِفَ في مَدْلُولِ (مِن) فالأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، (p-٢٧٦)وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها تَتَعَلَّقُ: بِـ (رَزَقْناكم) .

﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ حَذَّرَ تَعالى مِنَ الإمْساكِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ هَذا اليَوْمَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: لا فِدْيَةٌ فِيهِ لِأنْفُسِكم مِن عَذابِ اللَّهِ، وذُكِرَ لَفْظُ البَيْعِ لِما فِيهِ مِنَ المُعاوَضَةِ وأخْذِ البَدَلِ، وقِيلَ: لِإفْداءٍ عَمّا مَنَعْتُمْ مِنَ الزَّكاةِ تَبْتاعُونَهُ تُقَدِّمُونَهُ عَنِ الزَّكاةِ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: لا بَيْعَ فِيهِ لِلْأعْمالِ فَتُكْتَسَبُ.

﴿ولا خُلَّةٌ﴾ أيْ: لا صَداقَةٌ تَقْتَضِي المُساهَمَةَ، كَما كانَ ذَلِكَ في الدُّنْيا، والمُتَّقُونَ بَيْنَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ خُلَّةٌ، لَكِنْ لا نَحْتاجُ إلَيْها، وخُلَّةُ غَيْرِهِمْ لا تُغْنِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.

﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ اللَّفْظُ عامٌّ والمُرادُ الخُصُوصُ، أيْ: ولا شَفاعَةٌ لِلْكُفّارِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠] أوْ ولا شَفاعَةٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقالَ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] فَعَلى الخُصُوصِ بِالكُفّارِ لا شَفاعَةَ لَهم ولا مِنهم، وعَلى تَأْوِيلِ الإذْنِ: لا شَفاعَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ إلّا بِإذْنِهِ. وقِيلَ: المُرادُ العُمُومُ، والمَعْنى أنَّ انْتِدابَ الشّافِعِ وتَحَكُّمَهُ عَلى كُرْهِ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ لا يَكُونُ يَوْمَ القِيامِ ألْبَتَّةَ، وأمّا الشَّفاعَةُ الَّتِي تُوجَدُ بِالإذْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحَقِيقَتُها رَحْمَةُ اللَّهِ، لَكِنْ شَرَّفَ تَعالى الَّذِي أذِنَ لَهُ في أنْ يَشْفَعَ. وقَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (ولا شَفاعَةٌ) مُنْكِرُو الشَّفاعَةِ، واعْتَقَدُوا أنَّ هَذا نَفْيٌ لِأصْلِ الشَّفاعَةِ، وقَدْ أُثْبِتَتِ الشَّفاعَةُ في الآخِرَةِ مَشْرُوطَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ ورِضاهُ، وصَحَّ حَدِيثُ الشَّفاعَةِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ، فَلا التِفاتَ لِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِ الثَّلاثَةِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وكَذَلِكَ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] في إبْراهِيمَ و﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] في الطَّوْرِ، وقَرَأ الباقُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِ الِاسْمِ بَعْدَ لا مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ، ومَرْفُوعًا مُنَوَّنًا، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (لا بَيْعٌ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، ويَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، التَّقْدِيرُ: ولا شَفاعَةَ فِيهِ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ (فِيهِ) الأُولى عَلَيْهِ.

﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ يَعْنِي الجائِزِينَ الحَدَّ، و(هم) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الكافِرُونَ) وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وأنْ يَكُونَ فَصْلًا. قالَ عَطاءُ بْنُ دِينارٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: والكافِرُونَ، ولَمْ يَقُلْ: والظّالِمُونَ هُمُ الكافِرُونَ، ولَوْ نَزَلَ هَكَذا لَكانَ قَدْ حَكَمَ عَلى كُلِّ ظالِمٍ - وهو مَن يَضَعُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ - بِالكُفْرِ فَلَمْ يَكُنْ لِيَخْلُصَ مِنَ الكُفْرِ كُلَّ عاصٍ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ العِصْيانِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском