Abu HayyanAl‑Baqarah · 2:61–62

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:61–62, continued

﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (وتَقْتُلُونَ) وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (تَقْتُلُونَ) أيْ تَقْتُلُونَهم مُبالَغَةً. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنَعَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَتْلًا بِغَيْرِ حَقٍّ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هو تَوْكِيدٌ، ولَمْ يَرِدْ هَذا عَلى أنَّ قَتْلَ النَّبِيِّينَ يَنْقَسِمُ إلى قَتْلٍ بِحَقٍّ وقَتْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، بَلْ ما وقَعَ مِن قَتْلِهِمْ إنَّما وقَعَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ مَعْصُومٌ مِن أنْ يَأْتِيَ أمْرًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهِ القَتْلَ، وإنَّما جاءَ هَذا القَيْدُ عَلى سَبِيلِ التَّشْنِيعِ لِقَتْلِهِمْ، والتَّقْبِيحِ لِفِعْلِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، أيْ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهم، أيْ لَمْ يَدَّعُوا في قَتْلِهِمْ وجْهًا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ عِنْدَهم. وقِيلَ: جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، إذْ لا يَقَعُ قَتْلُ نَبِيٍّ إلّا بِغَيْرِ الحَقِّ، ولَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ قَطُّ بِما يُوجِبُ قَتْلَهُ، وإنَّما قُتِلَ مِنهم مَن قُتِلَ كَراهَةً لَهُ وزِيادَةً في مَنزِلَتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ قَطُّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا مَن لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالٍ، وكُلُّ مَن أُمِرَ بِقِتالٍ نُصِرَ. قِيلَ: وعُرِّفَ الحَقُّ هُنا لِأنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إلى المَعْهُودِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ» . وأمّا المُنَكَّرُ فالمُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ العُمُومِ، أيْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ حَقٌّ لا ما يَعْرِفُهُ المُسْلِمُونَ ولا غَيْرُهُ.

﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (ذَلِكَ) رَدٌّ عَلى الأوَّلِ وتَكْرِيرٌ لَهُ، فَأُشِيرَ بِهِ لِما أُشِيرَ بِـ (ذَلِكَ) الأوَّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الكُفْرِ والقَتْلِ المَذْكُورَيْنِ، فَلا يَكُونُ تَكْرِيرًا ولا تَوْكِيدًا، ومَعْناهُ: أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى جُحُودِ آياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ إنَّما هو تَقَدُّمُ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، فَجَسَّرَهَمْ هَذا عَلى ذَلِكَ، إذِ المَعاصِي بَرِيدُ الكُفْرِ.

﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العِصْيانِ والِاعْتِداءِ لُغَةً، وقَدْ فُسِّرَ الِاعْتِداءُ هُنا أنَّهُ تَجاوُزُهم ما حَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ. وقِيلَ: التَّمادِي عَلى المُخالَفَةِ وقَتْلُ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: العِصْيانُ بِنَقْضِ العَهْدِ والِاعْتِداءُ بِكَثْرَةِ قَتْلِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: الِاعْتِداءُ بِسَبَبِ المُخالَفَةِ والإقامَةُ عَلى ذَلِكَ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ، أُثِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، أنَّهُ قالَ: «اخْتَلَفَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ حِينَ كَثُرَ فِيهِمْ أوْلادُ السَّبايا، واخْتَلَفُوا بَعْدَ عِيسى بِمِائَةِ سَنَةٍ» . وقِيلَ: هو الِاعْتِداءُ في السَّبْتِ، قالَ تَعالى: ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤] .

و(ما) في قَوْلِهِ ﴿بِما عَصَوْا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ ذَلِكَ بِعِصْيانِهِمْ، ولَمْ يُعْطَفْ الِاعْتِداءُ عَلى العِصْيانِ؛ لِئَلّا يَفُوتَ تَناسُبُ مَقاطِعِ الآيِ، ولِيَدُلَّ عَلى أنَّ الِاعْتِداءَ صارَ كالشَّيْءِ الصّادِرِ مِنهم دائِمًا. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حُلُولَ العُقُوبَةِ بِهِمْ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والمَباءَةِ بِالغَضَبِ، وبَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ، فَبَدَأ بِأعْظَمِ الأسْبابِ في ذَلِكَ، وهو كُفْرُهم بِآياتِ اللَّهِ، ثُمَّ ثَنّى بِما يَتْلُو ذَلِكَ في العِظَمِ وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما يَكُونُ مِنَ المَعاصِي، وما يَتَعَدّى مِنَ الظُّلْمِ. قالَ مَعْنى هَذا صاحِبُ المُنْتَخَبِ.

ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ ويَقْتُلُونَ، تَعْلِيلٌ لِضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والمَباءَةِ بِالغَضَبِ، وأنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ والقَتْلِ، وبِما تَعْلِيلٌ لَهُما فَيَعُودُ العِصْيانُ إلى الكُفْرِ، ويَعُودُ الِاعْتِداءُ إلى القَتْلِ، فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وقابَلَهُما بِشَيْئَيْنِ، كَما ذَكَرَ أوَّلًا شَيْئَيْنِ وهُما الضَّرْبُ والمَباءَةُ، وقابَلَهُما بِشَيْئَيْنِ وهُما الكُفْرُ والقَتْلُ، فَجاءَ هَذا لَفًّا ونَشْرًا في المَوْضِعَيْنِ، وذَلِكَ مِن مَحاسِنِ الكَلامِ وجَوْدَةِ تَرْكِيبِهِ، ويَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ التَّأْكِيدِ الَّذِي لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الحاجَةِ، (p-٢٣٨)وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الكَلامُ يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى التَّأْسِيسِ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن لَطائِفِ الِامْتِنانِ وغَرائِبِ الإحْسانِ لِبَنِي إسْرائِيلَ فُصُولًا، مِنها: أنَّهم أُمِرُوا بِدُخُولِ القَرْيَةِ الَّتِي بِها يَتَحَصَّنُونَ، والأكْلُ مِن ثَمَراتِها ما يَشْتَهُونَ، ثُمَّ كُلِّفُوا النَّزْرَ مِنَ العَمَلِ والقَوْلِ، وهو دُخُولُ بابِها ساجِدِينَ، ونُطْقُهم بِلَفْظَةٍ واحِدَةٍ تائِبِينَ، ورُتِّبَ عَلى هَذا النَّزْرِ غُفْرانُ جَرائِمِهُمُ العَظِيمَةِ وخَطاياهُمُ الجَسِيمَةِ، فَخالَفُوا في الأمْرَيْنِ فِعْلًا وقَوْلًا، جَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ في عَدَمِ الِامْتِثالِ، فَعاقَبَهم عَلى ذَلِكَ بِأشَدِّ النَّكالِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما كانَ عَلَيْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ العَطْفِ عَلَيْهِمْ وسُؤالِ الخَيْرِ لَهم، وذَلِكَ بِأنْ دَعا اللَّهَ لَهم بِالسُّقْيا، فَأحالَهُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ بِأنْ أنْشَأ لَهم مِن قَرْعِ الصَّفا بِالعَصا عُيُونًا يَجْرِي بِها ما يَكْفِيهِمْ مِنَ الماءِ مَعِينًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى مِن كَوْنِ تِلْكَ العُيُونِ عَلى عَدَدِ الأسْباطِ، حَتّى لا يَقَعَ مِنهم مُشاحَّةٌ ولا مُغالَبَةٌ، وأعْلَمَهم بِأنَّ ذَلِكَ مِنهُ رِزْقٌ، وأُمِرُوا بِالأكْلِ مِنهُ والشُّرْبِ، ثُمَّ نُهُوا عَنِ الفَسادِ، إذْ هو سَبَبٌ لِقَطْعِ الرِّزْقِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى تَبَرُّمَهم مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَجُّوا في طَلَبِ ما كانَ مَأْلَوفَهم إلى نَبِيِّهِمْ فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ، وذَلِكَ جَرْيٌ عَلى عادَتِهِ مَعَهم، إذْ كانَ يُناجِي رَبَّهُ فِيما كانَ عائِدًا عَلَيْهِمْ بِصَلاحِ دِينِهِمْ ودُنْياهم، وذَكَرَ تَوْبِيخَهُ لَهم عَلى ما سَألُوهُ مِنِ اسْتِبْدالِ الخَسِيسِ بِالنَّفِيسِ، وبِما لا نَصَبٌ في اكْتِسابِهِ ما فِيهِ العَناءُ الشّاقُّ، إذْ ما طَلَبُوهُ يَحْتاجُ إلى اسْتِفْراغِ أوْقاتِهِمُ المُعَدَّةِ لِعِبادَةِ رَبِّهِمْ في تَحْصِيلِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَصارَتْ أغْذِيَةً مُضِرَّةً مُؤْذِيَةً جالِبَةً أخْلاطًا رَدِيئَةً، يَنْشَأُ عَنْها طَمْسُ أنْوارِ الأبْصارِ والبَصائِرِ، بِخِلافِ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ، إذْ هو شَيْءٌ واحِدٌ جَيِّدٌ، يَنْشَأُ عَنْهُ صِحَّةُ البَدَنِ وجَوْدَةُ الإدْراكِ.

كانَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، يَسْتَفُّ دَقِيقَ الشَّعِيرِ، ويَشْرَبُ عَلَيْهِ الماءَ العَذْبَ، وكانَ ذِهْنُهُ أشْرَقَ أذْهانِ أهْلِ زَمانِهِ، وكانَ قَوِيَّ البَدَنِ يَغْزُو سَنَةً ويَحُجُّ أُخْرى.

ثُمَّ أُمِرُوا بِالحُلُولِ فِيما فِيهِ مَطْلَبُهم والهُبُوطِ إلى مَعْدِنِ ما سَألُوهُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِما عاقَبَهم بِهِ مِن جَعْلِهِمْ أذِلّاءَ مَساكِينَ ومَباءَتِهِمْ بِغَضَبِهِ، وأنَّ ذَلِكَ مُتَسَبِّبٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي هي سَبَبُ الإيمانِ، لِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي أعْجَزَتِ الإنْسَ والجانَّ، وعَنْ قَتْلِهِمْ مَن كانَ سَبَبًا لِهِدايَتِهِمْ، وهُمُ الأنْبِياءُ، إذْ بِاتِّباعِهِمْ يَحْصُلُ العِزُّ في الدُّنْيا والفَوْزُ في الأُخْرى، وأنَّ الَّذِي جَرَّ الكُفْرَ والقَتْلَ إلَيْهِمْ هو العِصْيانُ والِاعْتِداءُ اللَّذانِ كانا سَبَقا مِنهم قَبْلَ تَعاطِي الكُفْرِ والقَتْلِ.

وقالَ:

؎إنَّ الأُمُورَ صَغِيرَها مِمّا يَهِيجُ لَهُ العَظِيمُ

وقالَ:

؎والشَّرُ تُحَقِّرُهُ وقَدْ يَنْمى

2:62Page 10

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] .

هادَ: ألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، والمُضارِعُ يَهُودُ، ومَعْناهُ: تابَ، أوْ عَنْ ياءٍ والمُضارِعُ يَهِيدُ: إذا تَحَرَّكَ. والأوْلى الأوَّلُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لَفْظِةِ اليَهُودِ حَيْثُ انْتَهَيْنا إلَيْها في القُرْآنِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والنَّصارى: جَمْعُ نَصْرانٍ ونَصْرانَةٍ، مِثْلُ نَدْمانٍ ونَدْمانَةٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ وأنْشَدَ:

وكِلْتاهُما خَرَّتْ وأُسْجِدَ رَأْسُها كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحْنَفِ

وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:

يَظَلُّ إذا دارَ العَشِيُّ مُحَنَّفًا ويَضْحى لَدَيْهِ وهو نَصْرانُ شامِسُ

مَنَعَ (نَصْرانًا) الصَّرْفَ ضَرُورَةً، وهو مَصْرُوفٌ؛ لِأنَّ مُؤَنَّثَهُ عَلى نَصْرانَةٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ (p-٢٣٩)فِي الكَلامِ إلّا بِياءِ النَّسَبِ، فَيَكُونُ: كَلِحْيانٍ ولِحْيانِيٍّ وكَأحْمَرِيٍّ. وقالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَّصارى نَصْرِيٌّ، كَمَهْرِيٍّ ومَهارى. قِيلَ: وهو مَنسُوبٌ إلى نَصْرَةَ، قَرْيَةٍ نَزَلَ بِها عِيسى. وقالَ قَتادَةُ: نُسِبُوا إلى ناصِرَةَ، وهي قَرْيَةٌ نَزَلُوها. فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ.

والصّابِئِينَ: الصّائِبُونَ، قِيلَ: الخارِجُونَ مِن دِينٍ مَشْهُورٍ إلى غَيْرِهِ، مِن صُبُوءِ السِّنِّ والنَّجْمِ، يُقالُ: صَبَأتِ النُّجُومُ: طَلَعَتْ، وصَبَأتْ ثَنِيَّةُ الغُلامِ: خَرَجَتْ، وصَبَأتْ عَلى القَوْمِ بِمَعْنى: طَرَأتْ، قالَ:

؎إذا صَبَأتْ هَوادِي الخَيْلِ عَنّا حَسِبْتُ بِنَحْرِها شَرْقَ البَعِيرِ

ومَن قَرَأ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَسَنَتَكَلَّمُ عَلى قِراءَتِهِ. قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هم بَيْنَ اليَهُودِ والمَجُوسِ. وقالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: هم بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارىِ، يَحْلِقُونَ أوْساطَ رُءُوسِهِمْ ويَجُبُّونَ مَذاكِيرَهم. وقالَ الخَلِيلُ: هم أشْباهُ النَّصارى، قِبْلَتُهم مَهَبُّ الجَنُوبِ، يُقِرُّونَ بِنُوحٍ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: لا عَيْنَ مِنهم ولا أثَرَ. وقالَ المَغْرِبِيُّ، عَنِ الصّابِي صاحِبِ الرَّسائِلِ: هم قَرِيبٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، يَقُولُونَ بِتَدْبِيرِ الكَواكِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ لا دِينَ لَهم، لَيْسُوا بِيَهُودَ ولا نَصارى. قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهم بَيْنَ اليَهُودِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْمٌ يَقُولُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ، كانُوا بِالجَزِيرَةِ والمُوصِلِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أيْضًا أنَّهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، رَآهم زِيادُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، فَأرادَ وضْعَ الجِزْيَةِ عَنْهم حَتّى عَرَفَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، لا تَحِلُّ مُناكَحَتُهم ولا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، ذَبائِحُهم كَذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ، يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، ويُخالِفُونَهم في بَقِيَّةِ أفْعالِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ والحَكَمُ: قَوْمٌ كالمَجُوسِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُوَحِّدُونَ يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ، وأنَّها فَعّالَةٌ.

وأفْتى أبُو سَعِيدٍ الإصْطَخَرِيُّ القادِرَ بِاللَّهِ حِينَ سَألَهُ عَنْهم بِكُفْرِهِمْ. وقِيلَ: قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، ثُمَّ لَهم قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ، إلّا أنَّهُ أمَرَ بِتَعْظِيمِ الكَواكِبِ واتِّخاذِها قِبْلَةً لِلصَّلاةِ والتَّعْظِيمِ والدُّعاءِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ، ثُمَّ إنَّ الكَواكِبَ هي المُدَبِّرَةُ لِما في هَذا العالَمِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والصِّحَّةِ والمَرَضِ، فَيَجِبُ عَلى البَشَرِ تَعْظِيمُها لِأنَّها هي الآلِهَةُ المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ، ثُمَّ إنَّها تَعْبُدُ اللَّهَ، وهَذا المَذْهَبُ هو المَنسُوبُ لِلَّذِينِ جاءَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ رادًّا عَلَيْهِمْ.

الأجْرُ: مَصْدَرُ أجَرَ يَأْجُرُ، ويُطْلَقُ عَلى المَأْجُورِ بِهِ، وهو الثَّوابُ. والأُجُورُ: جَبْرُ كَسْرٍ مُعْوَجٍّ، والإجّارُ: السَّطْحُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎تَبْدُو هَوادِيها مِنَ الغُبارِ كالجَيْشِ ∗∗∗ الصَّفِّ عَلى الإجّارِ

الرَّفْعُ: مَعْرُوفٌ، وهو أعْلى الشَّيْءِ، والفِعْلُ مِنهُ رَفَعَ يَرْفَعُ. الطُّورُ: اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ. أوِ الجَبَلُ المُنْبِتُ دُونَ غَيْرِ المُنْبِتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ، أوِ الجَبَلُ الَّذِي ناجى اللَّهَ عَلَيْهِ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ العَجّاجُ:

دانِي جَناحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرْ تَقَضّى البازِيُّ إذا البازِيُّ كَسَرْ

وقالَ آخَرُ:

؎وإنْ تَرَ سَلْمى الجِنُّ يَسْتَأْنِسُوا بِها ∗∗∗ وإنْ يَرَ سَلْمى صاحِبُ الطُّورِ يَنْزِلِ

وأصْلُهُ النّاحِيَةُ، ومِنهُ طَوارُ الدّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو جِنْسُ الجَبَلِ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

القُوَّةُ: الشِّدَّةُ، وهي مَصْدَرُ قَوِيَ يَقْوى، وطَيِّئٌ تَقُولُ: قَوى، يَفْتَحُونَ العَيْنَ والياءُ مَفْتُوحَةٌ فَتَنْقَلِبُ ألِفًا، يَقُولُونَ في بَقِيَ: بَقى، وفي زَهِيَ: زَها، وقَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ في لُغَةِ غَيْرِهِمْ. قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ التَّمِيمِيُّ:(p-٢٤٠)

؎زَها الشَّوْقُ حَتّى ظَلَّ إنْسانُ عَيْنِهِ ∗∗∗ يَفِيضُ بِمَغْمُورٍ مِنَ الدَّمْعِ مُتْأفِ

وهَذِهِ المادَّةُ قَلِيلَةٌ، وهي أنْ تَكُونَ العَيْنُ واللّامُ واوَيْنِ. التَّوَلِّي: الإعْراضُ بَعْدَ الإقْبالِ. لَوْلا: لِلتَّحْضِيضِ بِمَنزِلَةِ هَلّا، فَيَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا أوْ مُضْمَرًا، وحَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ فَيَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَجِيءُ بَعْدَها اسْمٌ مَرْفُوعٌ بِها عِنْدَ الفَرّاءِ، وبِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وبِالِابْتِداءِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ فِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْناهُ في (مَنهَجِ السّالِكِ) مِن تَأْلِيفِنا، ولَيْسَتْ جُمْلَةُ الجَوابِ الخَبَرَ، خِلافًا لِأبِي الحُسَيْنِ بْنِ الطَّراوَةِ، وإنْ وقَعَ بَعْدَها مُضْمَرٌ فَيَكُونُ ضَمِيرَ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ بَعْدَها ضَمِيرُ الجَرِّ فَتَقُولُ: لَوْلانِي ولَوْلاكَ ولَوْلاهُ، إلى آخِرِها، وهو في مَوْضِعِ جَرٍّ بِلَوْلا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عِنْدَ الأخْفَشِ، اسْتُعِيرَ ضَمِيرُ الجَرِّ لِلرَّفْعِ، كَما اسْتَعارُوا ضَمِيرَ الرَّفْعِ لِلْجَرِّ في قَوْلِهِمْ: ما أنا كانَتْ، ولا أنْتَ كانا. والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ.

* *

ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ (لَوْلا) نافِيَةٌ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨]، فَبَعِيدٌ قَوْلُهُ عَنِ الصَّوابِ.

السَّبْتَ: اسْمٌ لِيَوْمٍ مَعْلُومٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبْتِ الَّذِي هو القَطْعُ، أوْ مِنَ السُّباتِ، وهو الدَّعَةُ والرّاحَةُ، وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: هَذا خَطَأٌ، لا يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ سَبَتَ بِمَعْنى اسْتَراحَ. والسَّبْتُ: الحَلْقُ والسَّيْرُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎بِمُقْوَرَّةِ الألْياطِ أمّا نَهارُها فَسَبْتٌ وأمّا لَيْلُها فَذَمِيلُ

والسَّبْتُ: النَّعْلُ؛ لِأنَّهُ يُقْطَعُ كالطَّحْنِ والرَّعْيِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتَ لِأنَّهُ قِطْعَةُ زَمانٍ، قالَ لَبِيدُ:

؎وغَنَيْتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرى داحِسٍ ∗∗∗ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ

القِرْدُ: مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ فِعْلُ الِاسْمِ قِياسًا عَلى فُعُولٍ نَحْوَ قِرْدٍ وقُرُودٍ، وجِسْمٍ وجُسُومٍ، وقَلِيلًا عَلى فِعَلَةٍ نَحْوَ قِرْدٍ وقِرَدَةٍ، وحِسْلٍ وحِسَلَةٍ. الخَسْءُ: الصَّغارُ والطَّرْدُ، والفِعْلُ خَسَأ، ويَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، يُقالُ: خَسَأ الكَلْبُ خُسُوًّا: ذَلَّ وبُعِدَ، وخَسَأْتُهُ: طَرَدْتُهُ وأبْعَدْتُهُ، خَسَأ: كَرَجَعَ رُجُوعًا، ورَجَعْتُهُ رَجْعًا.

النَّكالُ: العِبْرَةُ، وأصْلُهُ المَنعُ، والنَّكْلُ: القَيْدُ. وقالَ مُقاتِلٌ: النَّكالُ: العُقُوبَةُ، اليَدُ: عُضْوٌ مَعْرُوفٌ أصْلُهُ يَدَيَّ، وقَدْ صُرِّحَ بِهَذا الأصْلِ، وقَدْ أبْدَلُوا ياءَهُ هَمْزَةً قالُوا: قَطَعَ اللَّهُ أدَيْهِ: يُرِيدُونَ يَدَيْهِ، وجُمِعَتْ عَلى أفْعِلٍ، قالُوا: أيْدٍ، أصْلُهُ: أيْدِي، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ لِلنِّعْمَةِ والإحْسانِ. وأمّا الأيادِي فَهو في الحَقِيقَةِ جَمْعُ جَمْعٍ، واسْتِعْمالُهُ في النِّعْمَةِ أكْثَرُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ لِلْجارِحَةِ، كَما أنَّ اسْتِعْمالَ الأيْدِي في الجارِحَةِ أكْثَرُ مِنهُ في النِّعْمَةِ.

خَلْفَ: ظَرْفُ مَكانٍ مُبْهَمٍ، وهو مُتَوَسِّطُ التَّصَرُّفِ، ويَكُونُ أيْضًا وصْفًا، يُقالُ: رَجُلٌ خَلْفٌ: بِمَعْنى رَدِيءٍ، وسَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا: أيْ نُطْقًا رَدِيئًا. مَوْعِظَةٌ: مَفْعِلَةٌ مِنَ الوَعْظِ، والوَعْظُ: الإذْكارُ بِالخَيْرِ بِما يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ، وكَسْرُ عَيْنِ الكَلِمَةِ فِيما كانَ عَلى هَذا الوَزْنِ وعَلى مُفْعِلٍ هو القِياسُ، وقَدْ شَذَّ: مُوءَلَةٌ وكَلِمٌ ذَكَرَها النَّحْوِيُّونَ جاءَتْ مَفْتُوحَةَ العَيْنِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادَوْا﴾ الآيَةَ. نَزَلَتْ في أصْحابِ سَلْمانَ، وذَلِكَ أنَّهُ صَحِبَ عُبّادًا مِنَ النَّصارى، فَقالَ لَهُ أحَدُهم: إنْ زَمانَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ، فَإنْ لَحِقْتَهُ فَآمِن بِهِ. ورَأى مِنهم عِبادَةً عَظِيمَةً، فَلَمّا جاءَ النَّبِيُّ، ﷺ، ذَكَرَ لَهُ خَبَرَهم وسَألَهُ عَنْهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، حَكى هَذِهِ القِصَّةَ مُطَوَّلَةً ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرِيُّ والبَيْهَقِيُّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، وقَدَّرَ اللَّهُ بِها أنَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، ومَن بَقِيَ عَلى يَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ وصابِئِيَّتِهِ، وهو مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلَهُ أجْرُهُ، ثُمَّ نَسَخَ ما قَدَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] .

ورُدَّتِ الشَّرائِعُ كُلُّها إلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، وهي فِيمَن ثَبَتَ عَلى إيمانِهِ بِالنَّبِيِّ، ﷺ، ورَوى الواحِدِيُّ، بِإسْنادٍ مُتَّصِلٍ (p-٢٤١)إلى مُجاهِدٍ، قالَ: لَمّا قَصَّ سَلْمانُ عَلى النَّبِيِّ، ﷺ، قِصَّةَ أصْحابِهِ، وقالَ لَهُ: هم في النّارِ. قالَ سَلْمانُ: فَأظْلَمَتْ عَلَيَّ الأرْضُ، فَنَزَلَتْ إلى (يَحْزَنُونَ)، قالَ: فَكَأنَّما كُشِفَ عَنِّي جَبَلٌ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الكَفَرَةَ مِن أهْلِ الكِتابِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ، أخْبَرَ بِما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ، دالًّا عَلى أنَّهُ يَجْزِي كُلًّا بِفِعْلِهِ، والَّذِينَ آمَنُوا مُنافِقُو هَذِهِ الأُمَّةِ، أيْ آمَنُوا ظاهِرًا، ولِهَذا قَرَنَهم بِمَن ذُكِرَ بَعْدَهم، ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ مَن آمَنَ ظاهِرًا وباطِنًا، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ. أوِ المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ.

ومَن آمَنَ: مَعْناهُ مَن داوَمَ عَلى إيمانِهِ، وفي سائِرِ الفِرَقِ: مَن دَخَلَ فِيهِ، أوِ الحَنِيفِيُّونَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقِ الرَّسُولَ: كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَيْسِ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، ومَن لَحِقَهُ: كَأبِي ذَرٍّ، وسَلْمانَ، وبَحِيرى. ووَفْدِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ كانُوا يَنْتَظِرُونَ المَبْعَثَ، فَمِنهم مَن أدْرَكَ وتابَعَ، ومِنهم مَن لَمْ يُدْرِكْهُ، والَّذِينَ هادُوا كَذَلِكَ، مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ إلّا مَن كَفَرَ بِعِيسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والنَّصارى كَذَلِكَ، والصّابِئِينَ كَذَلِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ أصْحابُ سَلْمانَ، وقَدْ سَبَقَ حَدِيثُهم، أوِ المُؤْمِنُونَ بِعِيسى قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ الرَّسُولُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ المُؤْمِنُونَ بِمُوسى وعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ إلى أنْ جاءَ عِيسى فَآمَنُوا بِهِ وعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ، إلى أنْ جاءَ مُحَمَّدٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، أوْ مُؤْمِنُو الأُمَمِ الخالِيَةِ، أوِ المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ مِن سائِرِ الأُمَمِ. فَهَذِهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ في المَعْنِيِّ بِالَّذِينِ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا وهُمُ اليَهُودُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: هادُوا بِضَمِّ الدّالِّ. وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ العَدَوِيُّ بِفَتْحِها مِنَ المُهاداةِ، قِيلَ: أيْ مالَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فالقِراءَةُ الأُولى مادَّتُها هاءٌ وواوٌ ودالٌ، أوْ هاءٌ وياءٌ ودالٌ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مادَّتُها هاءٌ ودالٌ وياءٌ، ويَكُونُ فاعَلَ مِنَ الهِدايَةِ، وجاءَ فِيهِ فاعَلَ مُوافِقَةً فَعَلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ هَدُوا، أيْ هَدُوا أنْفُسَهم نَحْوَ: جاوَزْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنى جُزْتُهُ.

(والنَّصارى): الألِفُ لِلتَّأْنِيثِ، ولِذَلِكَ مُنِعَ الصَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ١٤]، وهَذا البِناءُ، أعْنِي فَعالى، جاءَ مَقْصُورًا جَمْعًا، وجاءَ مَمْدُودًا مُفْرَدًا، وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ أيْضًا نَحْوَ بُراكاءَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والصّابِئِينَ مَهْمُوزًا، وكَذا والصّابِئُونَ، وتَقَدَّمَ مَعْنى صَبَأ المَهْمُوزِ. وقَرَأ نافِعٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أظْهَرُهُما أنْ يَكُونَ مِن صَبَأ: بِمَعْنى مالَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي وهِنْدٌ مِثْلُها يُصْبِي

والوَجْهُ الآخَرُ يَكُونُ أصْلُهُ الهَمْزُ، فَسُهِّلَ بِقَلْبِ الهَمْزِ ألِفًا في الفِعْلِ وياءً في الِاسْمِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدِيَ في مَرابِضِها ∗∗∗ والنّاسُ لَيْسَ بِهادٍ شَرُّهم أبَدا

وقالَ الآخَرُ:

؎وكُنْتُ أذَلَّ مِن وتَدٍ بِقاعٍ ∗∗∗ يُشَجَّجُ رَأْسُهُ بِالفَهْرِواجِ

وقالَ آخَرُ:

؎فارْعِي فَزارَةَ لا هَناكِ المَرْتَعُ

إلّا أنَّ قَلْبَ الهَمْزَةِ ألِفًا يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. وأمّا قَلْبُ الهَمْزَةِ ياءً فَبابُهُ الشِّعْرُ، فَلِذَلِكَ كانَ الوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرَ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَسائِلَ مِن أحْكامِ اليَهُودِ والنَّصارى.

(والصّابِئِينَ): لا يَدُلُّ عَلَيْها لَفْظُ القُرْآنِ هُنا، فَلَمْ يَذْكُرْها، ومَوْضِعُها كُتُبُ الفِقْهِ.

﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، مَن: مُبْتَدِأةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، فالخَبَرُ الفِعْلُ بَعْدَها، وإذا كانَتْ مَوْصُولَةً، فالخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾، ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ؛ لِأنَّ المُبْتَدَأ المَوْصُولَ قَدِ اسْتَوْفى شُرُوطَ جَوازِ دُخُولِ الفاءِ في الخَبَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها. واتَّفَقَ المُعْرِبُونَ والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ﴾ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ إذا كانَ (مَن) مُبْتَدَأً، وأنَّ الرّابِطَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن آمَنَ مِنهم، ولا يَتِمُّ ما قالُوهُ إلّا عَلى تَغايُرِ الإيمانَيْنِ، أعْنِي: الَّذِي هو صِلَةُ الَّذِينَ، والَّذِي هو صِلَةُ مَن، إمّا في التَّعْلِيقِ، أوْ في الزَّمانِ، أوْ في الإنْشاءِ والِاسْتِدامَةِ. وأمّا إذا لَمْ يَتَغايَرا، فَلا يَتِمُّ ذَلِكَ؛ (p-٢٤٢)لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مَن آمَنُ مِنهم، ومَن كانُوا مُؤْمِنِينَ، يُقالُ: مَن آمَنَ مِنهم إلّا عَلى التَّغايُرِ بَيْنَ الإيمانَيْنِ. وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى الحَذْفِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ، والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى مَن آمَنَ مِنهم، أيْ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَلَهم أجْرُهم، وذَلِكَ لَمّا لَمْ يَصْلُحْ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ (مَن آمَنَ) خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ومَن بَعْدَهم. ومَن أعْرَبَ (مَن) مُبْتَدَأً، فَإنَّما جَعَلَها شَرْطِيَّةً.

وقَدْ ذَكَرْنا جَوازَ كَوْنِها مَوْصُولَةً، وأعْرَبُوا أيْضًا (مَن) بَدَلًا، فَتَكُونُ مَنصُوبَةً مَوْصُولَةً. قالُوا: وهي بَدَلٌ مِنِ اسْمِ (إنَّ) وما بَعْدَهُ، ولا يَتِمُّ ذَلِكَ أيْضًا إلّا عَلى تَقْدِيرِ تَغايُرِ الإيمانَيْنِ، كَما ذَكَرْنا، إذا كانَتْ مُبْتَدَأةً. والَّذِي نَخْتارُهُ أنَّها بَدَلٌ مِنَ المَعاطِيفِ الَّتِي بَعْدَ اسْمِ إنَّ، فَيَصِحُّ إذْ ذاكَ المَعْنى، وكَأنَّهُ قِيلَ: إنِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن غَيْرِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ومَن آمَنَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَلَهم أجْرُهم. ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِدُخُولِ (إنَّ) عَلى المَوْصُولِ، وذَلِكَ جائِزٌ في كَلامِ العَرَبِ، ولا مُبالاةَ بِمَن خالَفَ في ذَلِكَ. ومَن زَعَمَ أنَّ (مَن آمَنَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وحُذِفَ مِنهُ حَرْفُ العَطْفِ، التَّقْدِيرُ: ومَن آمَنَ بِاللَّهِ - فَقَوْلُهُ بَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، وقَدِ انْدَرَجَ في الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإيمانُ بِالرُّسُلِ، إذِ البَعْثُ لا يُعْرَفُ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ.

﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾: هو عامٌّ في جَمِيعِ أفْعالِ الصَّلاحِ وأقْوالِها وأداءِ الفَرائِضِ، أوِ التَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، أقْوالٌ. الثّانِي يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ حُمِلَ الصِّلَةُ أوْ فِعْلُ الشَّرْطِ والمَعْطُوفُ عَلى لَفْظِ (مَن) فَأُفْرِدَ الضَّمِيرُ في (آمَنَ وعَمِلَ) . ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَجَمَعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وهَذانِ الحَمْلانِ لا يَتِمّانِ إلّا بِإعْرابِ (مَن) مُبْتَدَأً، وأمّا عَلى إعْرابِ (مَن) بَدَلًا، فَلَيْسَ فِيهِ إلّا حَمْلٌ عَلى اللَّفْظِ فَقَطْ. ولِلْحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ والمَعْنى قُيُودٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: وإذا جَرى ما بَعْدَ (مَن) عَلى اللَّفْظِ فَجائِزٌ أنْ يُخالَفَ بِهِ بَعْدُ عَلى المَعْنى، وإذا جَرى ما بَعْدَها عَلى المَعْنى، لَمْ يَجُزْ أنْ يُخالَفَ بِهِ بَعْدُ عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ الإلْباسَ يَدْخُلُ في الكَلامِ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ يَجُوزُ إذا راعَيْتَ المَعْنى أنْ تُراعِيَ اللَّفْظَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ الكُوفِيِّينَ يَشْتَرِطُونَ الفَصْلَ في الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الحَمْلَيْنِ فَيَقُولُونَ: مَن يَقُومُونَ في غَيْرِ شَيْءٍ، ويَنْظُرُ في أُمُورِنا قَوْمُكَ. والبَصْرِيُّونَ لا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ، وهَذا عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ:

؎تُرْوى الأحادِيثُ عَنْ كُلِّ مُسامَحَةٍ ∗∗∗ وإنَّما لِمُعانِيها مَعانِيها

و(أجْرُهم): مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، و(لَهم) في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وعِنْدَ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ أنَّ (أجْرَهم) مَرْفُوعٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ.

﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظَرْفٌ يَعْمَلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ الَّذِي هو عامِلٌ في (لَهم)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كائِنًا عِنْدَ رَبِّهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا خَوْفٌ﴾، بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ولا خَوْفُ، مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في آخِرِ قِصَّةِ آدَمَ، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

ومُناسَبَةُ خَتْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَقَرَّ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ لا يَلْحَقُهُ حُزْنٌ عَلى ما مَضى، ولا خَوْفٌ عَلى ما يَسْتَقْبِلُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: اخْتِلافُ الطُّرُقِ مَعَ اتِّحادِ الأصْلِ لا يَمْنَعُ مِن حُسْنِ القَبُولِ، فَمَن صَدَقَ اللَّهَ تَعالى في إيمانِهِ، وآمَنَ بِما أخْبَرَ بِهِ مِن حَقِّهِ وصِفاتِهِ، فاخْتِلافُ وُقُوعِ الِاسْمِ غَيْرُ قادِحٍ في اسْتِحْقاقِ الرِّضْوانِ.

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ [البقرة: ٦٣]: هَذا هو الإنْعامُ العاشِرُ؛ لِأنَّهُ إنَّما أخَذَ مِيثاقَهم لِمَصْلَحَتِهِمْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في لَفْظَةِ المِيثاقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] . والمِيثاقُ: ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى العُقُولَ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وصِدْقِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، أوِ المَأْخُوذُ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أوْ إلْزامُ النّاسِ مُتابَعَةَ الأنْبِياءِ، أوِ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، أوِ العَهْدُ مِنهم (p-٢٤٣)لَيَعْمَلُنَّ بِما في التَّوْراةِ، فَلَمّا جاءَ مُوسى قَرَءُوا ما فِيها مِنَ التَّثْقِيلِ فامْتَنَعُوا مِن أخْذِها، أوْ قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]، أقْوالٌ سِتَّةٌ. قالَ القَفّالُ: قالَ (مِيثاقَكم) ولَمْ يَقُلْ مَواثِيقَكم؛ لِأنَّهُ أرادَ مِيثاقَ كُلِّ واحِدٍ مِنكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، أوْ لِأنَّ ما أخَذَهُ عَلى واحِدٍ مِنهم، أخَذَهُ عَلى غَيْرِهِ، فَكانَ مِيثاقًا واحِدًا، ولَوْ جَمَعَ لاحْتَمَلَ التَّغايُرَ. انْتَهى كَلامُهُ مُلَخَّصًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском