Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Taha 20:122–130
20:122–127Page 320
ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ١٢٢
Then his Lord chose him and turned to him in forgiveness and guided [him].
قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣
[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise] - all, [your descendants] being enemies to one another. And if there should come to you guidance from Me - then whoever follows My guidance will neither go astray [in the world] nor suffer [in the Hereafter].
وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤
And whoever turns away from My remembrance - indeed, he will have a depressed [i.e., difficult] life, and We will gather [i.e., raise] him on the Day of Resurrection blind."
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥
He will say, "My Lord, why have you raised me blind while I was [once] seeing?"
قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ ١٢٦
[Allāh] will say, "Thus did Our signs come to you, and you forgot [i.e., disregarded] them; and thus will you this Day be forgotten."
وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ ١٢٧
And thus do We recompense he who transgressed and did not believe in the signs of his Lord. And the punishment of the Hereafter is more severe and more enduring.1
﴿ثُمَّ اجْتَباهُ﴾ أيِ اصْطَفاهُ وقَرَّبَهُ وتابَ عَلَيْهِ أيْ قَبِلَ تَوْبَتَهُ (وهَدى) أيْ هَداهُ لِلنُّبُوَّةِ أوْ إلى كَيْفِيَّةِ التَّوْبَةِ، أوْ هَداهُ رُشْدَهُ حَتّى رَجَعَ إلى النَّدَمِ. والضَّمِيرُ في (اهْبِطا) ضَمِيرُ تَثْنِيَةٍ وهو أمْرٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ جَعَلَ هُبُوطَهُما عُقُوبَتَهُما و(جَمِيعًا) حالٌ مِنهُما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ أخْبَرَهُما بِقَوْلِهِ (جَمِيعًا) أنَّ إبْلِيسَ والحَيَّةَ مُهْبَطانِ مَعَهُما، وأخْبَرَهُما أنَّ العَداوَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْسالِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. انْتَهى.
ولا يَدُلُّ قَوْلُهُ (جَمِيعًا) أنَّ إبْلِيسَ والحَيَّةَ يَهْبِطانِ مَعَهُما لِأنَّ (جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ أيْ مُجْتَمِعِينَ، والضَّمِيرُ في ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ﴾ ضَمِيرُ جَمْعٍ. قِيلَ: يُرِيدُ إبْلِيسَ وبَنِيهِ وآدَمَ وبَنِيهِ. وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ، فالعَداوَةُ واقِعَةٌ بَيْنَهم والبَغْضاءُ لِاخْتِلافِ الأدْيانِ وتَشَتُّتِ الآراءِ. وقِيلَ: آدَمُ وإبْلِيسُ والحَيَّةُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: الخِطابُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِكَوْنِهِما جِنْسَيْنِ صَحَّ قَوْلُهُ ﴿اهْبِطا﴾ ولِأجْلِ اشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسَيْنِ عَلى الكَثْرَةِ صَحَّ قَوْلُهُ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلَيِ البَشَرِ والسَّبَبَيْنِ اللَّذَيْنِ مِنهُما نَشَئُوا وتَفَرَّعُوا جُعِلا كَأنَّهُما البَشَرُ في أنْفُسِهِما فَخُوطِبا مُخاطَبَتَهم، فَقِيلَ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَماعَةِ، ونَظِيرُهُ إسْنادُهُمُ الفِعْلَ إلى السَّبَبِ وهو في الحَقِيقَةِ لِلْمُسَبِّبِ. انْتَهى. و﴿هُدًى﴾ شَرِيعَةُ اللَّهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ ثُمَّ تَلا ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ والمَعْنى أنَّ الشَّقاءَ في الآخِرَةِ هو عِقابُ مَن ضَلَّ في الدُّنْيا عَنْ طَرِيقِ الدِّينِ، فَمَنِ اتَّبَعَ كِتابَ اللَّهِ وامْتَثَلَ أوامِرُهُ وانْتَهى عَنْ نَواهِيهِ نَجا مِنَ الضَّلالِ ومِن عِقابِهِ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالهُدى الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى اتِّباعُ الأدِلَّةِ واتِّباعُها لا يَتَكامَلُ إلّا بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها، وبِأنْ يَعْمَلَ بِها، ومَن هَذِهِ حالُهُ فَقَدْ ضَمِنَ تَعالى أنْ لا يَضِلَّ ولا يَشْقى في الآخِرَةِ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ في الدُّنْيا. فَإنْ قِيلَ: المُنْعِمُ بِهُدى اللَّهِ قَدْ يَلْحَقُهُ الشَّقاءُ في الدُّنْيا. قُلْنا: المُرادُ لا يَضِلُّ في الدِّينِ ولا يَشْقى بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَإنْ حَصَلَ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلا بَأْسَ. انْتَهى.
* *
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى أتْبَعَهُ بِوَعِيدِ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ، والذِّكْرُ يَقَعُ عَلى القُرْآنِ وعَلى سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وضَنْكٌ: مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ، والمَعْنى النَّكَدُ الشّاقُّ مِنَ العَيْشِ والمَنازِلِ ومَواطِنِ الحَرْبِ ونَحْوِها. ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎إنَّ المَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ مِثْلِي إذا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنزِلِ
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ المَخْزُومِيِّ، والمُرادُ ضَغْطَةُ القَبْرِ تَخْتَلِفُ فِيهِ أضْلاعُهُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والكَلْبِيُّ: هو الضَّيِّقُ في الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ فَإنَّ طَعامَهم فِيها الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ وشَرابَهُمُ الحَمِيمُ والغِسْلِينُ، ولا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وقالَ عَطاءٌ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ مَعِيشَةُ (p-٢٨٧)الكافِرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوقِنٍ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يُسْلَبُ القَناعَةَ حَتّى لا يَشْبَعَ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ والسُّدِّيُّ: هو عَذابُ القَبْرِ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ في الدُّنْيا، والمَعْنى أنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ مُتَّسِعَ الحالِ والمالِ فَمَعَهُ مِنَ الحِرْصِ والأمَلِ والتَّعْذِيبِ بِأُمُورِ الدُّنْيا والرَّغْبَةِ وامْتِناعِ صَفاءِ العَيْشِ لِذَلِكَ ما تَصِيرُ مَعِيشَتُهُ ضَنْكًا وقالَتْ فِرْقَةٌ ﴿ضَنْكًا﴾ بِأكْلِ الحَرامِ.
ويُسْتَدَلُّ عَلى أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ فَكَأنَّهُ ذَكَرَ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى، وحَسَّنَ قَوْلَ الجُمْهُورِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ مَعَ الدِّينِ التَّسْلِيمَ والقَناعَةَ والتَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ وعَلى قِسْمَتِهِ، فَصاحِبُهُ يُنْفِقُ ما رَزَقَهُ بِسَماحٍ وسُهُولَةٍ فَيَعِيشُ عَيْشًا طَيِّبًا كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] والمُعْرِضُ عَنِ الدِّينِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ الحِرْصُ الَّذِي لا يَزالُ يُطِيحُ بِهِ إلى الِازْدِيادِ مِنَ الدُّنْيا مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ الشُّحُّ الَّذِي يَقْبِضُ يَدَهُ عَنِ الإنْفاقِ، فَعَيْشُهُ ضَنْكٌ وحالُهُ مُظْلِمَةٌ. انْتَهى.
وقَرَأ الحَسَنُ ضَنْكِي بِألِفِ التَّأْنِيثِ ولا تَنْوِينَ وبِالإمالَةِ بِناؤُهُ صِفَةٌ عَلى فَعَلى مَنِ الضَّنْكِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ضَنْكًا﴾ بِالتَّنْوِينِ وفَتْحَةُ الكافِ فَتْحَةُ إعْرابٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونَحْشُرُهُ) بِالنُّونِ، وفِرْقَةٌ مِنهم أبانُ بْنُ تَغْلِبَ بِسُكُونِ الرّاءِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَزْمًا بِالعَطْفِ عَلى مَوْضِعِ ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، وكَأنَّهُ قِيلَ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ تَكُنْ لَهُ مَعِيشَةٌ ضَنْكٌ (ونَحْشُرُهُ) ومِثْلُهُ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦] في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ ويَذَرْهم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ويَحْشُرُهُ بِالياءِ. وقُرِئَ ويَحْشُرُهْ بِسُكُونِ الهاءِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ أبانَ بْنِ تَغْلِبَ والأحْسَنُ تَخْرِيجُهُ عَلى لُغَةِ بَنِي كِلابٍ وعُقَيْلٍ فَإنَّهم يُسَكِّنُونَ مِثْلَ هَذِهِ الهاءِ. وقُرِئَ ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿أعْمى﴾ المُرادُ بِهِ عَمى البَصَرِ كَما قالَ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقِيلَ: أعْمى البَصِيرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَ هَذا لَمْ يُحِسَّ الكافِرُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ماتَ أعْمى البَصِيرَةِ ويُحْشَرُ كَذَلِكَ. وقالَ مُجاهِد والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ وأبُو صالِحٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أعْمى﴾ عَنْ حُجَّتِهِ لا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُحْشَرُ بَصِيرًا ثُمَّ إذا اسْتَوى إلى المَحْشَرِ ﴿أعْمى﴾ . وقِيلَ: (أعْمى) عَنِ الحِيلَةِ في دَفْعِ العَذابِ عَنْ نَفْسِهِ كالأعْمى الَّذِي لا حِيلَةَ لَهُ فِيما لا يَراهُ. وقِيلَ (أعْمى) عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إلّا عَنْ جَهَنَّمَ. وقالَ الجَبائِيُّ: المُرادُ مِن حَشْرِهِ (أعْمى) لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في كِتابِهِ فَذَمَّهُ فَإنَّما يُرِيدُ عَمى القَلْبِ قالَ تَعالى فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ.
20:128–129Page 321
أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ١٢٨
Then, has it not become clear to them how many generations We destroyed before them as they walk among their dwellings? Indeed in that are signs for those of intelligence.
وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى ١٢٩
And if not for a word1 that preceded from your Lord, it [i.e., punishment] would have been an obligation [due immediately],2 and [if not for] a specified term [decreed].
وقالَ مُجاهِد: مَعْنى ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى﴾ [طه: ١٢٥] أيْ لا حُجَّةَ لِي وقَدْ كُنْتُ عالِمًا بِحُجَّتِي بَصِيرًا بِها أُحاجُّ عَنْ نَفْسِي في الدُّنْيا. انْتَهى. سَألَ العَبْدُ رَبَّهُ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ أنْ يُحْشَرَ أعْمى لِأنَّهُ جَهِلَهُ، وظَنَّ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَهُ فَقالَ لَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] أيْ مِثْلُ ذَلِكَ أنْتَ، ثُمَّ فَسَّرَ بِأنَّ آياتِنا أتَتْكَ واضِحَةً مُسْتَنِيرَةً فَلَمْ تَنْظُرْ إلَيْها بِعَيْنِ المُعْتَبِرِ، ولَمْ تَتَبَصَّرْ وتَرَكْتَها وعَمِيتَ عَنْها فَكَذَلِكَ اليَوْمَ نَتْرُكُكَ عَلى عَماكَ ولا نُزِيلُ غِطاءَهُ عَنْ عَيْنَيْكَ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ لا بِمَعْنى الذُّهُولِ، ومَعْنى (تُنْسى) تُتْرَكُ في العَذابِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي﴾ [طه: ١٢٧] أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ [طه: ١٢٧] أيْ مَن جاوَزَ الحَدَّ في المَعْصِيَةِ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ أيْ مِن عَذابِ الدُّنْيا لِأنَّهُ أعْظَمُ مِنهُ (وأبْقى) أيْ مِنهُ لِأنَّهُ دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ وعَذابُ الدُّنْيا مُنْقَطِعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والحَشْرُ عَلى العَمى الَّذِي لا يَزُولُ أبَدًا أشَدُّ مِن ضِيقِ العَيْشِ المُنْقَضِي، أوْ أرادَ ولَتَرْكُنا إيّاهُ في العَمى أشَدُّ وأبْقى (p-٢٨٨)مِن تَرْكِهِ لِآياتِنا.
﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه: ١٣٠] ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ١٣١] ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢] ﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ [طه: ١٣٥] .
قَرَأ الجُمْهُورُ (يَهْدِي) بِالياءِ. وقَرَأ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّلَمِيُّ بِالنُّونِ، وبَّخَهم تَعالى وذَكَّرَهُمُ العِبَرَ بِمَن تَقَدَّمَ مِنَ القُرُونِ، ويَعْنِي بِالإهْلاكِ الإهْلاكَ النّاشِئَ عَنْ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ وتَرْكِ الإيمانِ بِاللَّهِ واتِّباعِ رُسُلِهِ، والفاعِلُ لِيَهْدِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّخْرِيجَ قِراءَةُ نَهْدِ بِالنُّونِ ومَعْناهُ نُبَيِّنُ وقالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: الفاعِلُ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ الهُدى والآراءُ (p-٢٨٩)والنَّظَرُ والِاعْتِبارُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أحْسَنُ ما يُقَدَّرُ بِهِ عِنْدِي. انْتَهى. وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ فِيهِ حَذْفُ الفاعِلِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وتَحْسِينُهُ أنْ يُقالَ الفاعِلُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ (يَهْدِ) هو أيِ الهُدى. وقالَ أبُو البَقاءِ: الفاعِلُ ما دَلَّ عَلَيْهِ (أهْلَكْنا) والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ. قالَ الحَوْفِيُّ ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ قَدْ دَلَّ عَلى هَلاكِ القُرُونِ، فالتَّقْدِيرُ أفَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم هَلاكَ مَن ﴿أهْلَكْنا﴾ ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ ومَحْوِ آثارِهِمْ فَيَتَّعِظُوا بِذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاعِلُ ﴿أفَلَمْ يَهْدِ﴾ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ يُرِيدُ ألَمْ يَهْدِ لَهم هَذا بِمَعْناهُ ومَضْمُونِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] أيْ تَرَكْنا عَلَيْهِ هَذا الكَلامَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ. انْتَهى. وكَوْنُ الجُمْلَةِ فاعِلًا هو مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وأمّا تَشْبِيهُهُ وتَنْظِيرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] فَإنَّ تَرْكَنا عَلَيْهِ مَعْناهُ مَعْنى القَوْلِ فَحُكِيَتْ بِهِ الجُمْلَةُ كَأنَّهُ قِيلَ وقُلْنا عَلَيْهِ، وأطْلَقْنا عَلَيْهِ هَذا اللَّفْظَ والجُمْلَةُ تُحْكى بِمَعْنى القَوْلِ كَما تُحْكى بِلَفْظِهِ، وأحْسَنُ التَّخارِيجِ الأوَّلُ وهو أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى اللَّهِ كَأنَّهُ قالَ (أفَلَمْ) يُبَيِّنِ اللَّهُ ومَفْعُولُ يُبَيِّنِ مَحْذُوفٌ، أيِ العِبَرَ بِإهْلاكِ القُرُونِ السّابِقَةِ ثُمَّ قالَ ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ أيْ كَثِيرًا أهْلَكْنا، فَكَمْ مَفْعُولُهُ بِأهْلَكْنا والجُمْلَةُ كَأنَّها مُفَسِّرَةٌ لِلْمَفْعُولِ المَحْذُوفِ لِيَهْدِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: قالَ بَعْضُهم هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ فاعِلِ (يَهْدِ) وأُنْكِرَ هَذا عَلى قائِلِهِ لِأنَّ كَمِ اسْتِفْهامٌ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها. انْتَهى. ولَيْسَتْ كَمْ هُنا اسْتِفْهامًا بَلْ هي خَبَرِيَّةٌ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾ في فاعِلِهِ وجْهانِ أحَدُهُما ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ ألَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ لَهم وعَلَّقَ (يَهْدِ) هُنا إذْ كانَتْ بِمَعْنى يَعْلَمُ كَما عُلِّقَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] . انْتَهى.
و(كَمْ) هُنا خَبَرِيَّةٌ والخَبَرِيَّةُ لا يُعَلَّقُ العامِلُ عَنْها، وإنَّما تُعَلَّقُ عَنْهُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ. وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْفِعِ: يُمَسُّونَ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُثَنّى يَخْلُقُ خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ وحَرَكَةً بِحَرَكَةٍ وسُكُونًا بِسُكُونٍ، فَناسَبَ البِناءَ لِلْمَفْعُولِ والضَّمِيرُ في (يَمْشُونَ) عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ لَهم وهُمُ الكُفّارُ المُوَبَّخُونَ يُرِيدُ قُرَيْشًا، والعَرَبُ يَتَقَلَّبُونَ في بِلادِ عادٍ وثَمُودَ والطَّوائِفِ الَّتِي كانَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْها إلى الشّامِ وغَيْرِهِ، ويُعايِنُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ و﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (لَهم) والعامِلُ (يَهْدِ) أيْ ألَمْ نُبَيِّنْ لِلْمُشْرِكِينَ في حالِ مَشْيِهِمْ في مَساكِنِ مَن أُهْلِكَ مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ (أهْلَكْنا) أيْ أهْلَكْناهم غارِّينَ آمِنِينَ مُتَصَرِّفِينَ في مَساكِنِهِمْ لَمْ يَمْنَعْهم عَنِ التَّمَتُّعِ والتَّصَرُّفِ مانِعٌ مِن مَرَضٍ ولا غَيْرِهِ، فَجاءَهُمُ الإهْلاكُ بَغْتَةً عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنهم بِهِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ التَّبْيِينِ بِإهْلاكِ القُرُونِ الماضِيَةِ ﴿لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ أيِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ لا يُتْرَكُ العَذابُ مُعَجَّلًا عَلى مَن كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والكَلِمَةُ السّابِقَةُ هي المُعِدَّةُ بِتَأْخِيرِ جَزائِهِمْ في الآخِرَةِ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] تَقُولُ: لَوْلا هَذِهِ العِدَةُ لَكانَ مِثْلَ إهْلاكِنا عادًا وثَمُودَ لازِمًا هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ، واللِّزامُ إمّا مَصْدَرُ لازَمَ وُصِفَ بِهِ وإمّا فِعالٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ أيْ مُلْزِمٌ كَأنَّهُ آلَةٌ لِلُّزُومِ، ولَفْظُ لُزُومِهِ كَما قالُوا لِزازُ خَصْمٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا شُبْهَةَ أنَّ الكَلِمَةَ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى مَلائِكَتَهُ وكُتُبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وإنْ كَذَّبُوا يُؤَخَّرُونَ ولا يُفْعَلُ بِهِمْ ما فُعِلَ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْصالِ. انْتَهى.
والأجَلُ أجَلُ حَياتِهِمْ أوْ أجَلُ إهْلاكِهِمْ في الدُّنْيا أوْ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، أقْوالٌ: فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ العَذابُ ما يَلْقى في قَبْرِهِ وما بَعْدَهُ. وعَلى الثّانِي: قَتْلُهم بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَلى الثّالِثِ: هو عَذابُ جَهَنَّمَ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (أنَّ يَوْمَ بَدْرٍ هو اللِّزامُ وهو البَطْشَةُ الكُبْرى) والظّاهِرُ عَطَفَ ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ عَلى كَلِمَةٍ وأخَّرَ المَعْطُوفَ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِجَوابِ (لَوْلا) لِمُراعاةِ الفَواصِلِ ورُؤُوسِ الآيِ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (وأجَلٌ) مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في كانَ قالَ أيْ (لَكانَ) الأخْذُ العاجِلُ (p-٢٩٠)﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ لازِمَيْنِ لَهُ كَما كانا لازِمَيْنِ لِعادٍ وثَمُودَ، ولَمْ يَنْفَرِدِ الأجَلُ المُسَمّى دُونَ الأخْذِ العاجِلِ. انْتَهى.
20:130Page 321
فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ ١٣٠
So be patient over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting; and during periods of the night [exalt Him] and at the ends of the day, that you may be satisfied.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وهُمُ الَّذِينَ عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ في ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: ١٢٨] وكانُوا يَقُولُونَ أشْياءَ قَبِيحَةً مِمّا نَصَّ اللَّهُ عَنْهم في كِتابِهِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم والِاحْتِمالِ لِما يَصْدُرُ مِن سُوءِ أخْلاقِهِمْ، وأمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ لِلَّهِ و﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ وأنْتَ حامِدٌ لِرَبِّكَ. والظّاهِرُ أنَّهُ أمَرَ بِالتَّسْبِيحِ مَقْرُونًا بِالحَمْدِ، وإمّا أنْ يُرادَ اللَّفْظُ أيْ قُلْ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، أوْ أُرِيدُ المَعْنى وهو التَّنْزِيهُ والتَّبْرِئَةُ مِنَ السُّوءِ والثَّناءُ الجَمِيلِ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى التَّنْزِيهِ والإجْلالِ، والمَعْنى اشْتَغَلَ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ وإلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّهُ صَبَّرَهُ أوَّلًا ﴿عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِنَ التَّكْذِيبِ ومِن إظْهارِ الكُفْرِ والشِّرْكِ الَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ أنْ يُؤْمَرَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ حَتّى يَكُونَ مُظْهِرًا لِذَلِكَ وداعِيًا، ولِذَلِكَ ما جَمَعَ كُلَّ الأوْقاتِ أوْ يُرادُ المَجازُ فَيَكُونُ المُرادُ الصَّلاةَ فَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلاةُ الصُّبْحِ وقَبْلَ غُرُوبِها صَلاةُ العَصْرِ ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ﴾ المَغْرِبُ والعَتَمَةُ ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ الظُّهْرُ وحْدَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ أنْ يُرادَ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِن بَعْدِ صَلاةِ الصُّبْحِ إلى رَكْعَتَيِ الضُّحى وقَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: (مَن سَبَّحَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ تَسْبِيحَةً غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ) . انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ يَعْنِي الظُّهْرَ والعَصْرَ لِأنَّهُما واقِعَتانِ في النِّصْفِ الأخِيرِ مِنَ النَّهارِ بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، وتَعَمُّدُ ﴿آناءِ اللَّيْلِ﴾ ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ مُخْتَصًّا لَها بِصَلاتِكَ، وذَلِكَ أنَّ أفْضَلَ الذِّكْرِ ما كانَ بِاللَّيْلِ لِاجْتِماعِ القَلْبِ وهُدُوِّ الرِّجْلِ والخُلُوِّ بِالرَّبِّ. وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦] وقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] الآيَتَيْنِ. ولِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ السُّكُونِ والرّاحَةِ فَإذا صُرِفَ إلى العِبادَةِ كانَتْ عَلى النَّفْسِ أشَدَّ وأشَقَّ ولِلْبَدَنِ أتْعَبَ وأنْصَبَ، فَكانَتْ أدْخَلَ في مَعْنى التَّكْلِيفِ وأفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ وقَدْ تَناوَلَ التَّسْبِيحُ في ﴿آناءِ اللَّيْلِ﴾ صَلاةَ العَتَمَةِ ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ صَلاةَ المَغْرِبِ وصَلاةَ الفَجْرِ عَلى التَّكْرارِ إرادَةَ الِاخْتِصاصِ كَما اخْتَصَّتْ في قَوْلِهِ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] عِنْدَ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ. انْتَهى. وجاءَ هُنا ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ وفي هُودٍ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] فَقِيلَ: جاءَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ.
؎ومَهْمَهَيْنِ فَدْفَدَيْنِ مَرَّتَيْنِ ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ
جاءَتِ التَّثْنِيَةُ عَلى الأصْلِ والجَمْعُ لا مِنَ اللَّبْسِ إذِ النَّهارُ لَيْسَ لَهُ إلّا طَرَفانِ. وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَةِ الجَمْعِ الفَجْرُ الطَّرَفُ الأوَّلُ، والظُّهْرُ والعَصْرُ مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي، والطَّرَفُ الثّالِثُ المَغْرِبُ والعَشاءُ. وقِيلَ: النَّهارُ لَهُ أرْبَعَةُ أطْرافٍ عِنْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وعِنْدَ غُرُوبِها، وعِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، وعِنْدَ وُقُوفِها لِلزَّوالِ. وقِيلَ: الظُّهْرُ في آخِرِ طَرَفِ النَّهارِ الأوَّلِ، وأوَّلُ طَرَفِ النَّهارِ الآخِرِ، فَهي في طَرَفَيْنِ مِنهُ، والطَّرَفُ الثّالِثُ غُرُوبُ الشَّمْسِ وهو وقْتُ المَغْرِبِ. وقِيلَ: يَجْعَلُ النَّهارَ لِلْجِنْسِ فَلِكُلِّ يَوْمٍ طَرَفٌ فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأطْرافِ السّاعاتُ لِأنَّ الطَّرَفَ آخِرُ الشَّيْءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وأطْرافَ) بِنَصْبِ الفاءِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ﴾ . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ (وأطْرافِ) بِخَفْضِ الفاءِ عَطْفًا عَلى (آناءِ) .
﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ أيْ تُثابُ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ بِالثَّوابِ الَّذِي تَراهُ وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الرَّجاءِ والطَّمَعِ لا عَلى القَطْعِ. وقِيلَ: لَعَلَّ مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وأبانُ وعِصْمَةُ وأبُو عِمارَةَ عَنْ حَفْصٍ وأبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ وأبُو عُبَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ تَرْضى بِضَمِّ التّاءِ أيْ يُرْضِيكَ رَبُّكَ.
* *
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِالصَّبْرِ وبِالتَّسْبِيحِ جاءَ النَّهْيُ عَنْ مَدِّ البَصَرِ إلى ما مُتِّعَ بِهِ الكَفَرَةُ يُقالُ: مَدَّ البَصَرَ إلى ما مُتِّعَ بِهِ (p-٢٩١)الكُفّارُ، يُقالُ: مَدَّ نَظَرَهُ إلَيْهِ إذا أدامَ النَّظَرَ إلَيْهِ، والفِكْرَةُ في جُمْلَتِهِ وتَفْصِيلِهِ. قِيلَ: والمَعْنى عَلى هَذا ولا تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِمّا مَتَّعْناهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ ومَنازِلَ ومَراكِبَ ومَلابِسَ ومَطاعِمَ، فَإنَّما ذَلِكَ كُلُّهُ كالزَّهْرَةِ الَّتِي لا بَقاءَ لَها ولا دَوامَ، وإنَّها عَمّا قَلِيلٍ تَفْنى وتَزُولُ. والخِطابُ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلرَّسُولِ ﷺ فالمُرادُ أُمَّتُهُ هو كانَ ﷺ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنِ النَّظَرِ في زِينَةِ الدُّنْيا وأعْلَقَ بِما عِنْدَ اللَّهِ مِن كُلِّ أحَدٍ، وهو القائِلُ في الدُّنْيا (مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ ما فِيها إلّا ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ) وكانَ شَدِيدَ النَّهْيِ عَنِ الِاغْتِرارِ بِالدُّنْيا والنَّظَرِ إلى زُخْرُفِها ﴿ولا تَمُدَّنَّ﴾ [طه: ١٣١] أبْلَغُ مِن لا تَنْظُرْ لِأنَّ مَدَّ البَصَرِ يَقْتَضِي الإدامَةَ والِاسْتِحْسانَ بِخِلافِ النَّظَرِ، فَإنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ ذَلِكَ مَعَهُ والعَيْنُ لا تُمَدُّ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ﴿لا تَمُدَّنَّ﴾ [الحجر: ٨٨] نَظَرَ ﴿عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] والنَّظَرُ غَيْرُ المُمَدَّدِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وذَلِكَ مِثْلُ مَن فاجَأ الشَّيْءَ ثُمَّ غَضَّ بَصَرَهُ. والنَّظَرُ إلى الزَّخارِفِ مَرْكُوزٌ في الطَّبائِعِ فَمَن رَأى مِنها شَيْئًا أحَبَّ إدْمانَ النَّظَرِ إلَيْهِ، وقَدْ شَدَّدَ المُتَّقُونَ في غَضِّ البَصَرِ عَنْ أبْنِيَةِ الظَّلَمَةِ وعِدَدِ الفَسَقَةِ مَرْكُوبًا ومَلْبُوسًا وغَيْرِهِما لِأنَّهم إنَّما اتَّخَذُوها لِعُيُونَ النَّظّارَةِ حَتّى يَفْتَخِرُوا بِها، فالنّاظِرُ إلَيْها مُحَصِّلٌ لِغَرَضِهِمْ وكالمُغْرِي لَهم عَلى اتِّخاذِها. وانْتَصَبَ (أزْواجًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والمَعْنى أصْنافًا مِنَ الكَفَرَةِ و(مِنهم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَأزْواجًا أيْ أصْنافًا وأقْوامًا مِنَ الكَفَرَةِ. كَما قالَ: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨] .
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ (أزْواجًا) عَنِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (بِهِ) و(مَتَّعْنا) مَفْعُولُهُ مِنهم كَأنَّهُ قِيلَ إلى الَّذِي مَتَّعْنا بِهِ وهو أصْنافُ بَعْضِهِمْ، وناسًا مِنهم. و(زَهْرَةَ) مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِمَتَّعْنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى أعْطَيْنا أوْ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ بَدَلٌ مِن (أزْواجًا) عَلى تَقْدِيرِ ذَوِي زَهْرَةَ، أوْ جَعْلِهِمْ (زَهْرَةَ) عَلى المُبالَغَةِ أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (مَتَّعْنا) أيْ جَعَلْنا لَهم (زَهْرَةَ) أوْ حالٌ مِنَ الهاءِ، أوْ ما عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ التَّنْوِينِ مِن (زَهْرَةَ) لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وخَبَرُ (الحَياةِ) عَلى البَدَلِ مِن (ما) وكُلُّ هَذِهِ الأعارِيبِ مَنقُولٌ والأخِيرُ اخْتارَهُ مَكِّيٌّ، ورَدَّ كَوْنَهُ بَدَلًا مِن مَحَلِّ (ما) لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِالبَدَلِ بَيْنَ الصَّلاةِ وهي (مَتَّعْنا) ومَعْمُولِها وهو (لِنَفْتِنَهم) فالبَدَلُ وهو (زَهْرَةَ) .
* *
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿زَهْرَةَ﴾ [طه: ١٣١] بِسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو البِرِّ هُشَيْمٌ وأبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ وحُمَيدٌ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ وعِيسى والزُّهْرِيُّ بِفَتْحِها. وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ لِنُفْتِنَهم بِضَمِّ النُّونِ مَن أفْتِنُهُ إذا جَعَلَ الفِتْنَةَ واقِعَةً فِيهِ، والزُّهْرَةُ والزَّهْرَةُ بِمَعْنًى واحِدٍ كالجَهْرَةِ والجُهْرَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (زَهْرَةَ) المَفْتُوحِ الهاءِ أنْ يَكُونَ جَمْعَ زاهِرٍ نَحْوَ كافِرٍ وكَفَرَةٍ، وصَفَهم بِأنَّهم زاهِرٌ وهَذِهِ الدُّنْيا الصَّفاءُ ألْوانُهم مِمّا يَلْهُونَ ويَتَنَعَّمُونَ وتَهَلُّلُ وُجُوهِهِمْ وبَهاءُ زِيِّهِمْ وشارَّتِهِمْ بِخِلافِ ما عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ والصُّلَحاءُ مِن شُحُوبِ الألْوانِ والتَّقَشُّفِ في الثِّيابِ، ومَعْنى ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] أيْ لِنَبْلُوَهم حَتّى يَسْتَوْجِبُوا العَذابَ لِوُجُودِ الكُفْرانِ مِنهم أوْ لِنُعَذِّبَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences