Abu HayyanAsh‑Shu'ara · 26:99–122

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:99–122

26:99–104Page 371

وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٩٩

And no one misguided us except the criminals.

فَمَا لَنَا مِن شَٰفِعِينَ ١٠٠

So now we have no intercessors

وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٖ ١٠١

And not a devoted friend.

فَلَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٢

Then if we only had a return [to the world] and could be of the believers..."1

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٠٣

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ أيْ أصْحابُ الجَرائِمِ والمَعاصِي العِظامِ والجُرْأةِ، وهم ساداتُهم ذَوُو المَكانَةِ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] . وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ. وقِيلَ: المُجْرِمُونَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ وأنْواعَ المَعاصِي. وحِينَ رَأوْا شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والعُلَماءِ نافِعَةً في أهْلِ الإيمانِ، وشَفاعَةَ الصَّدِيقِ في صَدِيقِهِ خاصَّةً، قالُوا عَلى جِهَةِ التَّلَهُّفِ والتَّأسُّفِ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: شافِعِينَ مِن (p-٢٨)المَلائِكَةِ وصَدِيقٍ مِنَ النّاسِ. ولَفْظَةُ الشَّفِيعِ تَقْتَضِي رِفْعَةَ مَكانَةٍ عِنْدَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ، ولَفْظَةُ الصَّدِيقِ تَقْتَضِي شِدَّةَ مُساهَمَةٍ ونُصْرَةٍ، وهو فَعِيلٌ مِن صَدَقَ الوِدَّ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ونَفْيُ الشُّفَعاءِ والصَّدِيقِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِوُجُودِهِمْ إذْ ذاكَ، وهم مَوْجُودُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ تَشْفَعُ المَلائِكَةُ وتَتَصادَقُ المُؤْمِنُونَ، كَما قالَ: ”﴿الأخِلّاءُ يَوْمئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]“، أوْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ في مَعْبُوداتِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ لَهم أصْدِقاءَ مِنَ الإنْسِ والشَّياطِينِ، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفْيَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ، لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ، حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، فَصارَ المَعْنى: فَما لَنا مَن نَفْعِ مَن كُنّا نَعْتَقِدُ أنَّهم شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، وجَمَعَ الشُّفَعاءَ لِكَثْرَتِهِمْ في العادَةِ. ألا تَرى أنَّهُ يَشْفَعُ فِيمَن وقَعَ في ورْطَةٍ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأُفْرِدُ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ؟ إذْ يُقالُ: هم صَدِيقٌ، أيْ أصْدِقاءُ، كَما يُقالُ: هم عَدُوٌّ، أيْ أعْداءٌ. والظّاهِرُ أنْ لَوْ هُنا أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، و”فَنَكُونَ“ الجَوابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ. وقِيلَ: هي الخالِصَةُ لِلدَّلالَةِ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (فَنَكُونَ) مَعْطُوفًا عَلى ”كَرَّةً“، أيْ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، أيْ لَكانَ لَنا شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، أوْ لَخَلَصْنا مِنَ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ كُلَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ، أخْبَرَ بِما أعْلَمَهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وما يَكُونُ فِيها مِن حالِ قَوْمِهِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ هي عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَعَلَّقَ بِصِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ أعْرَبَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ بَدَلًا مِن ”يَوْمَ يَبْعَثُونَ“، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن تَفْكِيكِ الكَلامِ، وجَعْلِ بَعْضِهِ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ، وبَعْضِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ العامِلَ في البَدَلِ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ فِعْلٌ آخَرُ مِن لَفْظِ الأوَّلِ، أوِ الأوَّلُ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولا تُخْزِنِي يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً“ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُحاوَرَتِهِ لِقَوْمِهِ. ”﴿وما كانَ أكْثَرُهُمْ﴾“: أيْ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ. بَيَّنَ - تَعالى - أنَّ أكْثَرَ قَوْمِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي ذَلِكَ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ في تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

26:105–115Page 371

كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٠٥

The people of Noah denied the messengers1

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٠٦

When their brother Noah said to them, "Will you not fear Allāh?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٠٧

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٠٨

So fear Allāh and obey me.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٩

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١١٠

So fear Allāh and obey me."

۞ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ ١١١

They said, "Should we believe you while you are followed by the lowest [class of people]?"

قَالَ وَمَا عِلۡمِي بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٢

He said, "And what is my knowledge of what they used to do?

إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ ١١٣

Their account is only upon my Lord, if you [could] perceive.

وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٤

And I am not one to drive away the believers.

إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ١١٥

I am only a clear warner."

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .

(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)

؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ

الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ

ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .

القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا

ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.

﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.

﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.

26:116–122Page 372

قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ ١١٦

They said, "If you do not desist, O Noah, you will surely be of those who are stoned."

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧

He said, "My Lord, indeed my people have denied me.

فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨

Then judge between me and them with decisive judgement and save me and those with me of the believers."

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩

So We saved him and those with him in the laden ship.

ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا بَعۡدُ ٱلۡبَاقِينَ ١٢٠

Then We drowned thereafter the remaining ones.

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٢١

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ﴾ عَنْ تَقْبِيحِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وادِّعائِكَ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيْ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِالشَّتْمِ وأيِسَ إذْ ذاكَ مِن فَلاحِهِمْ، فَنادى رَبَّهُ - وهو أعْلَمُ بِحالِهِ - إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَدُعائِي لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم آذَوْنِي، ولَكِنْ لِأجْلِ دِينِكَ. (فافْتَحْ) أيْ فاحْكم. ودَعا لِنَفْسِهِ ولِمَن آمَنَ بِهِ بِالنَّجاةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِقَوْمِهِ، أيْ: (ونَجِّنِي) مِمّا يَحِلُّ بِهِمْ. وقِيلَ: ونَجِّنِي مِن عَمَلِهِمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ العُقُوبَةِ. والفُلْكُ واحِدٌ وجَمْعٌ، وغالِبُ اسْتِعْمالِهِ جَمْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ) فَحَيْثُ أتى في غَيْرِ فاصِلَةٍ، اسْتُعْمِلَ جَمْعًا، وحَيْثُ كانَ فاصِلَةً، اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، كَهَذا المَوْضِعِ. والَّذِي في سُورَةِ يس، وتَقَدَّمَ الخِلافُ إذا كانَ مَدْلُولُهُ جَمْعًا، أهُوَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، أمِ اسْمُ جَمْعٍ ؟ والمَشْحُونُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُوقَرُ، وقالَ عَطاءٌ: المُثْقَلُ.

﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ نَجاةِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском