Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:1–26, continued
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أيْ قِبَلِي قَوَدُ ذَنْبٍ، أوْ عُقُوبَةٍ، وهو قَتْلُهُ القِبْطِيَّ الكافِرَ خَبّازَ فِرْعَوْنَ بِالوَكْزَةِ الَّتِي وكَزَها، أوْ سَمّى تَبِعَةَ الذَّنْبِ ذَنْبًا، كَما سَمّى جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً. ولَيْسَ قَوْلُ مُوسى ذَلِكَ تَلَكُّأً في أداءِ الرِّسالَةِ، بَلْ قالَ ذَلِكَ اسْتِدْفاعًا لِما يَتَوَقَّعُهُ مِنهم مِنَ القَتْلِ، وخافَ أنْ يُقْتَلَ قَبْلَ أداءِ الرِّسالَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: كَلّا، وهي كَلِمَةُ الرَّدْعِ، ثُمَّ وعَدَهُ - تَعالى - بِالكَلاءَةِ والدَّفْعِ.“ وكَلّا ”رَدٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ﴾ أيْ لا تَخَفْ ذَلِكَ، فَإنِّي قَضَيْتُ بِنَصْرِكَ وظُهُورِكَ. وقَوْلُهُ: (فاذْهَبا) أمْرٌ لَهُما بِخِطابٍ لِمُوسى فَقَطْ، لِأنَّ هارُونَ لَيْسَ بِمُكَلَّمٍ بِإجْماعٍ، ولَكِنَّهُ قالَ لِمُوسى: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ [طه: ٤٢] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمْعَ اللَّهُ لَهُ الِاسْتِجابَتَيْنِ مَعًا في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا فاذْهَبا﴾ لِأنَّهُ اسْتَدْفَعَهُ بَلاءَهم، فَوَعَدَهُ الدَّفْعَ بِرَدْعِهِ عَنِ الخَوْفِ، والتَمَسَ المُؤازَرَةَ بِأخِيهِ، فَأجابَهُ بِقَوْلِهِ: اذْهَبْ، أيِ اذْهَبْ أنْتَ والَّذِي طَلَبْتَهُ هارُونَ. (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ اذْهَبا ؟ (قُلْتُ): عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلّا، كَأنَّهُ قِيلَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ، فاذْهَبْ أنْتَ وهارُونُ بِآياتِنا، يَعُمُّ جَمِيعَ ما بَعَثَهُما اللَّهُ بِهِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ العَصا، وبِها وقَعَ العَجْزُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا خِلافَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي حَمَّلَهُ اللَّهُ أمْرَ النُّبُوَّةِ وكَلَّفَها، وأنَّ هارُونَ كانَ نَبِيًّا رَسُولًا مُعِينًا لَهُ ووَزِيرًا. انْتَهى. ومَعَكم، قِيلَ: مِن وضْعِ الجَمْعِ مَوْضِعَ المُثَنّى، أيْ مَعَكُما. وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الجَمْعِ، والمُرادُ مُوسى وهارُونُ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِ. وكانَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِصُورَةِ الجَمْعِ المُثَنّى، والخِطابُ لِمُوسى وهارُونَ فَقَطْ، قالَ: لِأنَّ لَفْظَهُ مَعَ تَبايُنِ مَن يَكُونُ كافِرًا، فَإنَّهُ لا يُقالُ اللَّهُ مَعَهُ. وعَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالجَمْعِ التَّثْنِيَةُ، حَمَلَهُ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وكَأنَّهُما لِشَرَفِهِما عِنْدَ اللَّهِ، عامَلَهُما في الخِطابِ مُعامَلَةَ الجَمْعِ، إذْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا أنْ يُعامَلَ بِهِ الواحِدُ لِشَرَفِهِ وعَظَمَتِهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (مُسْتَمِعُونَ) اهْتِبالًا، لَيْسَ في صِيغَةِ“ سامِعُونَ ”، وإلّا فَلَيْسَ يُوصَفُ اللَّهُ - تَعالى - بِطَلَبِ الِاسْتِماعِ، وإنَّما القَصْدُ إظْهارُ التَّهَمُّمِ لِيَعْظُمَ أُنْسُ مُوسى، أوْ يَكُونُ المَلائِكَةُ بِأمْرِ اللَّهِ إيّاها تَسْتَمِعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ مِن مَجازِ الكَلامِ، يُرِيدُ أنا لَكُما ولِعَدُوِّكُما كالنّاصِرِ الظَّهِيرِ لَكُما عَلَيْهِ إذا حَضَرَ واسْتَمَعَ ما يَجْرِي بَيْنَكُما وبَيْنَهُ، فَأظْهَرَكُما وغَلَّبَكُما وكَسَرَ شَوْكَتَهُ عَنْكُما ونَكَّسَهُ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ مُتَعَلِّقًا بِـ“ مُسْتَمِعُونَ ”، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا و“ مُسْتَمِعُونَ ”خَبَرٌ ثانٍ. والمَعِيَّةُ هُنا مَجازٌ، وكَذَلِكَ الِاسْتِماعُ، لِأنَّهُ بِمَعْنى الإصْغاءِ، ولا يَلْزَمُ مِن الِاسْتِماعِ السَّماعُ، تَقُولُ: أسْمَعَ إلَيْهِ، فَما سَمِعَ واسْتَمَعَ إلَيْهِ، فَسَمِعَ كَما قالَ: ﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ [الجن: ١] وأفْرَدَ رَسُولَ هُنا ولَمْ يُثَنِّ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] إمّا لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرِّسالَةِ، فَجازَ أنْ يَقَعَ مُفْرَدًا خَبَرَ المُفْرِدِ فَما فَوْقَهُ، وإمّا لِكَوْنِهِما ذَوِي شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ، فَكَأنَّهُما رَسُولٌ واحِدٌ. وأُرِيدَ بِقَوْلِهِ: أنا أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَسُولٌ.
و﴿رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِ، وأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ - تَعالى -، بادَهَهُ بِنَقْضِ ما كانَ أبْرَمَهُ مِنَ ادِّعاءِ الأُلُوهِيَّةِ، ولِذَلِكَ أنْكَرَ فَقالَ: وما رَبُّ العالَمِينَ والمَعْنى إلَيْكَ (وأنْ أرْسِلْ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِما في رَسُولٍ مِن مَعْنى القَوْلِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وأرْسَلَ بِمَعْنى (p-٩)أطْلَقَ وسَرَّحَ، كَما تَقُولُ: أرْسَلْتُ الحَجَرَ مِن يَدِي، وأرْسَلْتُ الصَّقْرَ. وكانَ مُوسى مَبْعُوثًا إلى فِرْعَوْنَ في أمْرَيْنِ: إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ لِيَزُولَ عَنْهُمُ العُبُودِيَّةُ، والإيمانِ بِاللَّهِ، وبُعِثَ بِالعِباداتِ والشَّرْعِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وإرْسالُهم مَعَهُما كانَ إلى فِلَسْطِينَ، وكانَتْ مَسْكَنَ مُوسى وهارُونَ.
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٣] .
(p-١٠)ويُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً، حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَقالَ لَهُ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ. فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ، فَعَرَفَ مُوسى فَقالَ لَهُ: ﴿ألَمْ نُـرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: فَأتَيا فِرْعَوْنَ، فَقالا لَهُ ذَلِكَ. ولَمّا بادَهَهُ مُوسى بِأنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، وأمَرَهُ بِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ، أخَذَ يَسْتَحْقِرُهُ ويَضْرِبُ عَنِ المُرْسَلِ وعَمّا جاءَ بِهِ مِن عِنْدِهِ، ويُذَكِّرُهُ بِحالَةِ الصِّغَرِ والمَنِّ عَلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ. والوَلِيدُ الصَّبِيُّ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِقُرْبِهِ مِنَ الوِلادَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: مِن عُمْرِكَ، بِإسْكانِ المِيمِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في كَمِّيَّةِ هَذِهِ السِّنِينَ في طه. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَعْلَتَكَ، بِفَتْحِ الفاءِ، إذْ كانَتْ وكْزَةً واحِدَةً، والشَّعْبِيُّ: بِكَسْرِ الفاءِ، يُرِيدُ الهَيْئَةَ، لِأنَّ الوَكْزَةَ نَوْعٌ مِنَ القَتْلِ. عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ التَّرْبِيَةِ ومَبْلَغَهُ عِنْدَهُ مَبْلَغَ الرِّجالِ، حَيْثُ كانَ يَقْتُلُ نُظَراءَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَّرَهُ ما جَرى عَلى يَدِهِ مِن قَتْلِ القِبْطِيِّ، وعَظَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ لِأنَّ هَذا الإبْهامَ، بِكَوْنِهِ لَمْ يُصَرِّحْ أنَّها القَتْلُ، تَهْوِيلٌ لِلْواقِعَةِ وتَعْظِيمُ شَأْنٍ.
﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ قَتَلْتَهُ وأنْتَ إذْ ذاكَ مِنَ الكافِرِينَ، فافْتَرى فِرْعَوْنُ بِنِسْبَةِ هَذِهِ الحالِ إلَيْهِ إذْ ذاكَ، والأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعْصُومُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا مِن فِرْعَوْنَ، حَكَمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مِنَ الكافِرِينَ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي لِي عَلَيْكَ مِنَ التَّرْبِيَةِ والإحْسانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ أوْ مِنَ الكافِرِينَ بِي في أنَّنِي إلَهُكَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ أوْ مِنَ الكافِرِينَ بِاللَّهِ لِأنَّكَ كُنْتَ مَعَنا عَلى دِينِنا هَذا الَّذِي تَعِيبُهُ الآنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا﴾ إجابَةُ مُوسى عَنْ كَلامِهِ الأخِيرِ المُتَضَمِّنِ لِلْقَتْلِ، إذْ كانَ الِاعْتِذارُ فِيهِ أهَمَّ مِنَ الجَوابِ في ذِكْرِ النِّعْمَةِ بِالتَّرْبِيَةِ، لِأنَّهُ فِيهِ إزْهاقُ النَّفْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذَنْ صِلَةٌ في الكَلامِ وكَأنَّها بِمَعْنى حِينَئِذٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِصِلَةٍ، بَلْ هي حَرْفُ مَعْنًى. وقَوْلُهُ وكَأنَّها بِمَعْنى حِينَئِذٍ، يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَفْسِيرَ مَعْنًى، إذْ لا يَذْهَبُ أحَدٌ إلى أنَّ إذَنْ تُرادِفُ - مِن حَيْثُ الإعْرابَ - حِينَئِذٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): إذًا جَوابٌ وجَزاءٌ مَعًا، والكَلامُ وقَعَ جَوابًا لِفِرْعَوْنَ، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً ؟ (قُلْتُ): قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ فِيهِ مَعْنى: إنَّكَ جازَيْتَ نِعْمَتِي بِما فَعَلْتَ؛ فَقالَ لَهُ مُوسى: نَعَمْ فَعَلْتُها، (p-١١)مُجازِيًا لَكَ تَسْلِيمًا لِقَوْلِهِ، كَأنَّ نِعْمَتَهُ كانَتْ عِنْدَهُ جَدِيرَةً بِأنْ تُجازى بِنَحْوِ ذَلِكَ الجَزاءِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن أنَّ إذًا جَوابٌ وجَزاءٌ مَعًا، هو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، لَكِنَّ الشُّرّاحَ فَهِمُوا أنَّها قَدْ تَكُونُ جَوابًا وجَزاءً مَعًا، وقَدْ تَكُونُ جَوابًا فَقَطْ دُونَ جَزاءٍ. فالمَعْنى اللّازِمُ لَها هو الجَوابُ، وقَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ جَزاءً. وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَعَلْتُها إذًا﴾ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جاءَتْ فِيها جَوابًا بِالآخَرِ، عَلى أنَّ بَعْضَ أئِمَّتِنا تَكَلَّفَ هُنا كَوْنَها جَزاءً وجَوابًا، وهَذا كُلُّهُ مُحَرَّرٌ فِيما كَتَبْناهُ في“ إذَنْ ”في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وإنَّما أرَدْنا أنْ نَذْكُرَ أنَّ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ هو الصَّحِيحَ، ولا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ مِنَ الجاهِلِينَ، بِأنَّ وكْزَتِي إيّاهُ تَأْتِي عَلى نَفْسِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ، ونَزَعَ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ: وأنا مِنَ الجاهِلِينَ، ويَظْهَرُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلضّالِّينَ، لا قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الفاعِلِينَ فِعْلَ أُولِي الجَهْلِ، كَما قالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] أوِ المُخْلِصِينَ، كَمَن يَقْتُلُ خَطَأً مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ لِلْقَتْلِ، أوِ الذّاهِبِينَ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ. انْتَهى. وقِيلَ: مِنَ الضّالِّينَ، يَعْنِي عَنِ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَأْتِنِي عَنِ اللَّهِ فِيهِ شَيْءٌ، فَلَيْسَ عَلَيَّ فِيما فَعَلْتُهُ في تِلْكَ الحالَةِ تَوْبِيخٌ. ومِن غَرِيبِ ما شُرِحَ بِهِ أنَّ مَعْنى ﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أيْ مِنَ المُحِبِّينَ لِلَّهِ، وما قَتَلْتُ القِبْطِيَّ إلّا غَيْرَةً لِلَّهِ. قِيلَ: والضَّلالُ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ المَحَبَّةُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] أيْ في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. وجُمِعَ ضَمِيرُ الخِطابِ في“ مِنكم ”و“ خِفْتُكم ”بِأنْ كانَ قَدْ أُفْرِدَ في:“ تَمُنُّها ”و“ عَبَّدْتَ ”، لِأنَّ الخَوْفَ والفِرارَ لَمْ يَكُونا مِنهُ وحْدَهُ، وإنَّما مِنهُ ومِن مِلَّتِهِ المَذْكُورَيْنِ قَبْلَ ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وهم كانُوا قَوْمًا يَأْتَمِرُونَ لِقَتْلِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ [القصص: ٢٠] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَمّا حَرْفَ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، وظَرْفًا بِمَعْنى حِينَ، عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ. وقَرَأ حَمْزَةُ في رِوايَةِ:“ لِما ”بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، أيْ بِخَوْفِكم. وقَرَأ عِيسى:“ حُكُمًا " بِضَمِّ الكافِ؛ والجُمْهُورُ: بِالإسْكانِ. والحُكْمُ: النُّبُوَّةُ.
﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَرَجَةٌ ثانِيَةٌ لِلنُّبُوَّةِ، فَرُبَّ نَبِيٍّ لَيْسَ بِرَسُولٍ. وقِيلَ: الحُكْمُ: العِلْمُ والفَهْمُ.
26:22–26Page 368
وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢
And is this a favor of which you remind me - that you have enslaved the Children of Israel?"
قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣
Said Pharaoh, "And what is the Lord of the worlds?"
قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤
[Moses] said, "The Lord of the heavens and earth and that between them, if you should be convinced."
قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥
[Pharaoh] said to those around him, "Do you not hear?"
قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦
[Moses] said, "Your Lord and the Lord of your first forefathers."
﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ وتِلْكَ إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُـرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]؛ وذَكَّرَ بِهَذا آخِرًا عَلى ما بَدَأ بِهِ فِرْعَوْنُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ﴾ [الشعراء: ١٨] . والظّاهِرُ أنَّ هَذا الكَلامَ إقْرارٌ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنِّعْمَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: وتَرْبِيَتُكَ لِي نِعْمَةٌ عَلَيَّ مِن حَيْثُ عَبَّدْتَ غَيْرِي وتَرَكْتَنِي واتَّخَذْتَنِي ولَدًا، ولَكِنْ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ رِسالَتِي. وإلى هَذا التَّأْوِيلِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ والطَّبَرَيُّ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ نِعْمَةً، كَأنَّهُ يَقُولُ: أوَيَصِحُّ لَكَ أنْ تَعْتَدَّ عَلَيَّ نِعْمَةَ تَرْكِ قَتْلِي مِن أجْلِ أنَّكَ ظَلَمْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهم ؟ أيْ لَيْسَتْ بِنِعْمَةٍ، لِأنَّ الواجِبَ كانَ أنْ لا تَقْتُلَنِي ولا تَقْتُلَهم ولا تَسْتَعْبِدَهم بِالقَتْلِ والخِدْمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ الضَّحّاكُ: ”وتِلْكَ نِعْمَةٌ ما لَكَ أنْ تَمُنَّها“، وهَذِهِ قِراءَةٌ تُؤَيَّدُ هَذا التَّأْوِيلَ، وهَذا التَّأْوِيلُ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِفِرْعَوْنَ ونَقْضُ كَلامِهِ كُلِّهِ. والقَوْلُ الأوَّلُ فِيهِ إنْصافٌ واعْتِرافٌ. وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: قَبْلَ الواوِ هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ يُرادُ بِهِ الإنْكارُ، وحُذِفَتْ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْها، ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّها لا تُحْذَفُ، لِأنَّها حَرْفٌ يَحْدُثُ مَعَها مَعْنًى، إلّا إنْ كانَ في الكَلامِ أمْ لا خِلافَ في ذَلِكَ إلّا شَيْئًا قالَهُ الفَرّاءُ مِن أنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُها مَعَ أفْعالِ الشَّكِّ، وحَكى: تَرى زَيْدًا مُنْطَلِقًا، بِمَعْنى: ألا تَرى ؟ وكانَ الأخْفَشُ الأصْغَرُ يَقُولُ: أخَذَهُ مِن ألْفاظِ العامَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الكَلامُ إذا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّبْكِيتِ يَكُونُ بِاسْتِفْهامٍ وبِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: لَوْ لَمْ يُقَتِّلْ بَنِي إسْرائِيلَ لَرَبّانِي أبَوايَ، فَأيُّ نِعْمَةٍ لَكَ عَلَيَّ فَأنْتَ تَمُنُّ عَلَيَّ بِما لا يَجِبُ أنْ تَمُنَّ بِهِ. وقِيلَ: اتِّخاذُكَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا أحْبَطَ نِعْمَتَكَ الَّتِي تَمُنُّ بِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأبى - يَعْنِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُسَمِّيَ نِعْمَتَهُ أنْ (p-١٢)لا نِعْمَةَ، حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ حَقِيقَةَ إنْعامِهِ تَعَبُّدُ بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ تَعَبُّدَهم وقَصْدَهم بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ هو السَّبَبُ في حُصُولِهِ عِنْدَهُ وتَرْبِيَتِهِ، فَكَأنَّهُ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِتَعْبِيدِ قَوْمِهِ إذا حَقَّقْتَ. وتَعْبِيدُهم: تَذْلِيلُهم واتِّخاذُهم عَبِيدًا، يُقالُ: عَبَّدْتُ الرَّجُلَ وأعْبَدْتُهُ، إذا اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎عَلامَ يُعْبِدُنِي قَوْمِي وقَدْ كَثُرَتْ فِيهِمْ أباعِرُ ما شاءُوا وعُبْدانُ
(فَإنْ قُلْتَ): وتِلْكَ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ و”أنْ عَبَّدْتَ“ ما مَحَلُّها مِنَ الإعْرابِ ؟ (قُلْتُ): تِلْكَ إشارَةٌ إلى خَصْلَةٍ شَنْعاءَ مُبْهَمَةٍ، لا يُدْرى ما هي إلّا بِتَفْسِيرِها؛ ومَحَلُّ ”أنْ عَبَّدْتَ“ الرَّفْعُ، عَطْفُ بَيانٍ لِتِلْكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] والمَعْنى: تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ نِعْمَةٌ تَمَنُّها عَلَيَّ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى أنَّها صارَتْ نِعْمَةً عَلَيَّ، لِأنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَكَفَلَنِي أهْلِي ولَمْ يُلْقُونِي في اليَمِّ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ مِن أجْلِهِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: بَدَلٌ، ولَمّا أخْبَرَ مُوسى فِرْعَوْنَ بِأنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، لَمْ يَسْألْ إذْ ذاكَ فَيَقُولُ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ؟ بَلْ أخَذَ في المُداهاةِ وتَذْكارِ التَّرْبِيَةِ والتَّقْبِيحِ لِما فَعَلَهُ مِن قَتْلِ القِبْطِيِّ. فَلَمّا أجابَهُ عَنْ ذَلِكَ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ في التَّرْبِيَةِ والقَتْلِ، وكانَ في قَوْلِهِ: ”رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ“ دُعاءٌ إلى الإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وإلى طاعَةِ رَبِّ العالَمِ، فَأخَذَ فِرْعَوْنُ يَسْتَفْهِمُ عَنِ الَّذِي ذَكَرَ مُوسى أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِهِ. والظّاهِرُ أنَّ سُؤالَهُ إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ المُباهَتَةِ والمُكابَرَةِ والمُرادَّةِ، وكانَ عالِمًا بِاللَّهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] ولَكِنَّهُ تَعامى عَنْ ذَلِكَ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ ودَعْوى الإلَهِيَّةِ، واسْتَفْهَمَ بِما اسْتِفْهامًا عَنْ مَجْهُولٍ مِنَ الأشْياءِ. قالَ مَكِّيٌّ: كَما يُسْتَفْهَمُ عَنِ الأجْناسِ، وقَدْ ورَدَ لَهُ اسْتِفْهامٌ بِمَن في مَوْضِعٍ آخَرَ، ويُشْبِهُ أنَّها مَواطِنُ. انْتَهى. والمَوْضِعُ الآخَرُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩] ؟ ولَمّا سَألَهُ فِرْعَوْنُ، وكانَ السُّؤالُ بِما الَّتِي هي مِن سُؤالٍ عَنِ الماهِيَّةِ، ولَمْ يُمْكِنِ الجَوابُ بِالماهِيَّةِ، أجابَ بِالصِّفاتِ الَّتِي تُبَيِّنُ لِلسّامِعِ أنَّهُ لا مُشارَكَةَ لِفِرْعَوْنَ فِيها، وهي رُبُوبِيَّةُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا السُّؤالُ لا يَخْلُو أنْ يُرِيدَ بِهِ أيُّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي شُوهِدَتْ وعُرِفَتْ أجْناسُها، فَأجابَ بِما يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ مِن أفْعالِهِ الخاصَّةِ، لِيُعَرِّفَهُ أنَّهُ لَيْسَ مِمّا شاهَدَ وعَرَفَ مِنَ الأجْرامِ والأعْراضِ، وأنَّهُ شَيْءٌ مُخالِفٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ شَيْءٌ عَلى الإطْلاقِ تَفْتِيشًا عَنْ حَقِيقَةِ الخاصَّةِ ما هي، فَأجابَ بِأنَّ الَّذِي سَألْتَ عَنْهُ لَيْسَ إلَيْهِ سَبِيلٌ، وهو الكافِي في مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَةُ بَيانِهِ بِصِفاتِهِ اسْتِدْلالًا بِأفْعالِهِ الخاصَّةِ عَلى ذَلِكَ؛ وأمّا التَّفْتِيشُ عَنْ حَقِيقَةِ الخاصَّةِ الَّتِي هي فَوْقَ فِطَرِ العُقُولِ، فَتَفْتِيشٌ عَمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، والسّائِلُ عَنْهُ مُتَعَنِّتٌ غَيْرُ طالِبٍ لِلْحَقِّ. والَّذِي يَلِيقُ بِحالِ فِرْعَوْنَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أنَّ كَوْنَ سُؤالِهِ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ لِلْعالَمِينَ رَبٌّ سِواهُ، ألا تَرى أنَّهُ يَعْلَمُ حُدُوثَهُ بَعْدَ العَدَمِ ؟ وأنَّهُ مَحَلٌّ لِلْحَوادِثِ ؟ وأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الإلَهِيَّةَ إلّا في مَحَلِّ مُلْكِهِ مِصْرَ ؟ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَلِكَ الأرْضِ ؟ بَلْ كانَ فِيها مُلُوكٌ غَيْرُهُ، وأنْبِياءُ في ذَلِكَ الزَّمانِ يَدْعُونَ إلى اللَّهِ كَشُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟ وأنَّهُ كانَ مُقِرًا بِاللَّهِ تَعالى في باطِنِ أمْرِهِ ؟ وجاءَ قَوْلُهُ: (وما بَيْنَهُما) عَلى التَّثْنِيَةِ، والعائِدُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ مَجْمُوعٌ اعْتِبارًا لِلْجِنْسَيْنِ: جِنْسِ السَّماءِ، وجِنْسِ الأرْضِ؛ كَما ثَنّى المَظْهَرُ في قَوْلِهِ:
؎بَيْـنَ رِمَـاحَيْ مَـالِكٍ ونَهْشَـلِ
اعْتِبارًا لِلْجِنْسَيْنِ: وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: كانَ عالِمًا بِاللَّهِ ولَكِنَّهُ قالَ ما قالَ طَلَبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ. وقَدْ ذَكَرَ - تَعالى - في كِتابِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] الآيَةَ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ مِن أنَّ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، وأنَّ حَرَكاتِها أسْبابٌ لِحُصُولِ الحَوادِثِ بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ إلَهٍ لِأهْلِ إقْلِيمِهِ مِن حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم ومَلَكَ (p-١٣)زِمامَ أمْرِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: كانَ عَلى مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ ذاتَ الإلَهِ تُقَرَّرُ بِجَسَدِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ حَتّى يَكُونَ الإلَهُ - سُبْحانَهُ - بِمَنزِلَةِ رُوحِ كُلِّ إنْسانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى جَسَدِهِ، وبِهَذِهِ التَّقْدِيراتِ كانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ إلَهًا. انْتَهى. ومَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ إنْ كانَ يُرْجى مِنكُمُ الإيقانُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى النَّظَرِ الصَّحِيحِ، نَفَعَكم هَذا الجَوابُ، وإلّا لَمْ يَنْفَعْكم؛ أوْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِشَيْءٍ قَطُّ، فَهَذا أوْلى ما تُوقِنُونَ بِهِ لِظُهُورِهِ وإنارَةِ دَلِيلِهِ. وهَذِهِ المُحاوَرَةُ مِن فِرْعَوْنَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعاهُ إلى التَّوْحِيدِ.
﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ﴾ هم أشْرافُ قَوْمِهِ. قِيلَ: كانُوا خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ عَلَيْهِمُ الأساوِرُ، وكانَتْ لِلْمُلُوكِ خاصَّةً.
﴿ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ أيْ ألا تُصْغُونَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ إغْراءً بِهِ وتَعَجُّبًا، إذْ كانَتْ عَقِيدَتُهم أنَّ فِرْعَوْنَ رَبُّهم ومَعْبُودُهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والفَراعِنَةُ قَبْلَهُ كَذَلِكَ، وهَذِهِ ضَلالَةٌ مِنها في مِصْرَ ودِيارِنا إلى اليَوْمِ بَقِيَّةٌ. انْتَهى. يُشِيرُ إلى ما أدْرَكَهُ في عَصْرِهِ مِن مُلُوكِ العُبَيْدِيِّينَ الَّذِينَ كانَ أتْباعُهم تَدَّعِي فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ، وأقامُوا مُلُوكًا بِمِصْرَ، مِن زَمانِ المُعِزِّ إلى زَمانِ العاضِدِ، إلى أنْ مَحى اللَّهُ دَوْلَتَهم بِظُهُورِ المَلِكِ النّاصِرِ صَلاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أيُّوبَ بْنِ شارِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَقَدْ كانَتْ لَهُ مَآثِرُ في الإسْلامِ مِنها: فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ وبِلادٍ كَثِيرَةٍ مِن سَواحِلِ الشّامِ، كانَ النَّصارى مُسْتَوْلِينَ عَلَيْها، فاسْتَنْقَذَها مِنهم.
﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ نَبَّهَهم عَلى مَنشَئِهِمْ ومَنشَإ آبائِهِمْ، وجاءَ في قَوْلِهِ: الأوَّلِينَ، دَلالَةٌ عَلى إماتَتِهِمْ بَعْدَ إيجادِهِمْ. وانْتَقَلَ مِن الِاسْتِدْلالِ بِالعامِّ إلى ما يَخُصُّهم، لِيَكُونَ أوْضَحَ لَهم في بَيانِ بُطْلِ دَعْوى فِرْعَوْنَ الإلَهِيَّةَ، إذْ كانَ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ تَقَدَّمُوا فِرْعَوْنَ في الوُجُودِ، فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ وهو في العَدَمِ إلَهًا لَهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences