Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:27–75
26:27–75Page 368
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧
[Pharaoh] said,1 "Indeed, your 'messenger' who has been sent to you is mad."
قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٨
[Moses] said, "Lord of the east and the west and that between them, if you were to reason."
قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ ٢٩
[Pharaoh] said, "If you take a god other than me, I will surely place you among those imprisoned."
قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ ٣٠
[Moses] said, "Even if I brought you something [i.e., proof] manifest?"
قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣١
[Pharaoh] said, "Then bring it, if you should be of the truthful."
فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ٣٢
So [Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent manifest.1
وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ٣٣
And he drew out his hand; thereupon it was white for the observers.
قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ٣٤
[Pharaoh] said to the eminent ones around him, "Indeed, this is a learned magician.
يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ٣٥
He wants to drive you out of your land by his magic, so what do you advise?"
قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٣٦
They said, "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers
يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ ٣٧
Who will bring you every learned, skilled magician."
فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٣٨
So the magicians were assembled for the appointment of a well-known day.1
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩
And it was said to the people, "Will you congregate
لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤٠
That we might follow the magicians if they are the predominant?"
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤١
And when the magicians arrived, they said to Pharaoh, "Is there indeed for us a reward if we are the predominant?"
قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٢
He said, "Yes, and indeed, you will then be of those near [to me]."
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٤٣
Moses said to them, "Throw whatever you will throw."
فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
So they threw their ropes and their staffs and said, "By the might of Pharaoh, indeed it is we who are predominant."
فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ٤٥
Then Moses threw his staff, and at once it devoured what they falsified.
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ٤٦
So the magicians fell down in prostration [to Allāh].
قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧
They said, "We have believed in the Lord of the worlds,
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٤٨
The Lord of Moses and Aaron."
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَ فَلَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٩
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic, but you are going to know. I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will surely crucify you all."
قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠
They said, "No harm. Indeed, to our Lord we will return.
إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥١
Indeed, we aspire that our Lord will forgive us our sins because we were the first of the believers."
۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢
And We inspired to Moses, "Travel by night with My servants; indeed, you will be pursued."
فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣
Then Pharaoh sent among the cities gatherers1
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤
[And said], "Indeed, those are but a small band,
وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥
And indeed, they are enraging us,
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦
And indeed, we are a cautious society..."
فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧
So We removed them from gardens and springs
وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨
And treasures and honorable station1 -
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
Thus. And We caused to inherit it the Children of Israel.
فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ ٦٠
So they pursued them at sunrise.
فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ ٦١
And when the two companies saw one another, the companions of Moses said, "Indeed, we are to be overtaken!"
قَالَ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٦٢
[Moses] said, "No! Indeed, with me is my Lord; He will guide me."
فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ ٦٣
Then We inspired to Moses, "Strike with your staff the sea," and it parted, and each portion was like a great towering mountain.
وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٤
And We advanced thereto the others [i.e., the pursuers].
وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ٦٥
And We saved Moses and those with him, all together.
ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٦
Then We drowned the others.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٦٧
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩
And recite to them the news of Abraham,
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠
When he said to his father and his people, "What do you worship?"
قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١
They said, "We worship idols and remain to them devoted."
قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢
He said, "Do they hear you when you supplicate?
أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ ٧٣
Or do they benefit you, or do they harm?"
قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤
They said, "But we found our fathers doing thus."
قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥
He said, "Then do you see what you have been worshipping,
﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: التَّعْرِيفُ بِهَذا الأثَرِ أظْهَرُ، فَلِهَذا عَدَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلَيْهِ، إذْ كانَ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَقِدَ العاقِلُ في نَفْسِهِ وفي آبائِهِ كَوْنَهم واجِبِي الوُجُودِ لِذَواتِهِمْ، لِأنَّ المُشاهَدَةَ دَلَّتْ عَلى وُجُودِهِمْ بَعْدَ عَدَمِهِمْ، وعَدَمِهِمْ بَعْدَ وُجُودِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِرْعَوْنُ: ما قالَ يَعْنِي أنَّ المَقْصُودَ مِن سُؤالِ ما طَلَبْتَ الماهِيَّةُ وخُصُوصِيَّةُ الحَقِيقَةِ. والتَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الآثارِ الخارِجِيَّةِ لا تُفِيدُ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةَ، فَهَذا الَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مَجْنُونٌ لا يَفْهَمُ السُّؤالَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، فَقالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَلَ إلى طَرِيقٍ أوْضَحَ مِنَ الثّانِي، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ بِالمَشْرِقِ: طُلُوعَ الشَّمْسِ وظُهُورَ النَّهارِ، وأرادَ بِالمَغْرِبِ: غُرُوبَ الشَّمْسِ وزَوالَ النَّهارِ.
وهَذا التَّقْدِيرُ المُسْتَمِرُّ عَلى الوَجْهِ العَجِيبِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ، وهَذا بِعَيْنِهِ طَرِيقَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ نُمْرُوذَ، فَإنَّهُ اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِالإحْياءِ والإماتَةِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] فَأجابَهُ نُمْرُوذُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِـي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِنَ العُقَلاءِ، عَرَفْتُمْ أنْ لا جَوابَ عَنِ السُّؤالِ إلّا ما ذَكَرْتُ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: زادَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في بَيانِ الصِّفاتِ الَّتِي تُظْهِرُ نَقْصَ فِرْعَوْنَ، وتُبَيِّنُ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ القُدْرَةِ عَلَيْها، وهي رُبُوبِيَّةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ إلّا مُلْكُ مِصْرَ مِنَ البَحْرِ إلى أسْوانَ وأرْضُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، والأعْرَجُ: أُرْسِلَ إلَيْكم، عَلى بِناءِ الفاعِلِ، أيْ أرْسَلَهُ رَبُّهُ إلَيْكم. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأصْحابُهُ، والأعْمَشُ: رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ، عَلى الجَمْعِ فِيهِما. ولَمّا انْقَطَعَ فِرْعَوْنُ في بابِ الِاحْتِجاجِ، رَجَعَ إلى الِاسْتِعْلاءِ والغَلَبِ، وهَذا أبْيَنُ عَلاماتِ الِانْقِطاعِ، فَتَوَعَّدَ مُوسى بِالسِّجْنِ حِينَ أعْياهُ خِطابُهُ: ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا (p-١٤)أجابَ مُوسى بِما أجابَ، عَجِبَ قَوْمُهُ مِن جَوابِهِ، حَيْثُ نَسَبَ الرُّبُوبِيَّةَ إلى غَيْرِهِ، فَلَمّا ثَنّى بِتَقْرِيرِ قَوْلِهِ، جَنَّنَّهُ إلى قَوْمِهِ وظَنَنَّ بِهِ، حَيْثُ سَمّاهُ رَسُولَهم، فَلَمّا ثَلَّثَ احْتَدَّ واحْتَدَمَ، وقالَ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي﴾ .
(فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ: أوَّلًا: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] وآخِرًا: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ؟ (قُلْتُ): لايَنَ أوَّلًا، فَلَمّا رَأى شِدَّةَ الشَّكِيمَةِ في العِنادِ وقِلَّةِ الإصْغاءِ إلى عَرْضِ الحُجَجِ، خاشَنَ وعارَضَ إنَّ رَسُولَكم لَمَجْنُونٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . (فَإنْ قُلْتَ): ألَمْ يَكُنْ لَأسْجُنَنَّكَ أخْصَرَ مِن ﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ومُؤَدِّيًا مُؤَدّاهُ ؟ (قُلْتُ): أمّا أخْصَرُ فَنَعَمْ، وأمّا مُؤَدِّيًا مُؤَدّاهُ فَلا، لِأنَّ مَعْناهُ: لَأجْعَلَنَّكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي. وكانَ مِن عادَتِهِ أنْ يَأْخُذَ مَن يُرِيدُ سَجْنَهُ فَيَطْرَحَهُ في هُوَّةٍ ذاهِبَةٍ في الأرْضِ بَعِيدَةِ العُمْقِ فَرْدًا، لا يُبْصِرُ فِيها ولا يَسْمَعُ، فَكانَ ذَلِكَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ عِنْدَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ ما لا يَرُوعُهُ مَعَهُ تَوَعُّدُ فِرْعَوْنَ، قالَ لَهُ عَلى جِهَةِ اللُّطْفِ بِهِ والطَّمَعِ في إيمانِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أيْ يُوَضِّحُ لَكَ صِدْقِي، أفَكُنْتَ تَسْجُنُنِي ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوَلَوْ جِئْتُكَ، واوُ الحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، مَعْناهُ: أتَفْعَلُ بِي ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ؟ انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى هَذِهِ الواوِ، والدّاخِلَةُ عَلى لَوْ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: واوُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: أتَسْجُنُنِي حَتّى في هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي لا تُناسِبُ أنْ أُسْجَنَ وأنا مُتَلَبِّسٌ بِها ؟ .
ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا مِن مُوسى طَمِعَ أنْ يَجِدَ مَوْضِعَ مُعارِضَةٍ فَقالَ لَهُ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أنَّ لَكَ رَبًّا بَعَثَكَ رَسُولًا إلَيْنا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَأْتِي بِالمُعْجِزَةِ إلّا الصّادِقُ في دَعْواهُ، لِأنَّ المُعْجِزَةَ تَصْدِيقٌ مِنَ اللَّهِ لِمُدَّعِي النُّبُوَّةِ، والحَكِيمُ لا يُصَدِّقُ الكاذِبَ. ومِنَ العَجَبِ أنَّ مِثْلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذا، وخَفِيَ عَلى ناسٍ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، حَيْثُ جَوَّزُوا القَبِيحَ عَلى اللَّهِ حَتّى لَزِمَهم تَصْدِيقُ الكاذِبِينَ بِالمُعْجِزاتِ. انْتَهى. وتَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ فَأْتِ بِهِ، حُذِفَ الجَزاءُ، لِأنَّ الأمْرَ بِالإتْيانِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ في دَعْواكَ أتَيْتَ بِهِ. جَعَلَ الجَوابَ المَحْذُوفَ فِعْلًا ماضِيًا، ولا يُقَدَّرُ إلّا مِن جِنْسِ الدَّلِيلِ بِقَوْلِهِ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، تَقْدِيرُهُ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: إنْ حَرْفُ شَرْطٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ جَوابُهُ، وجازَ تَقْدِيمُ الجَوابِ، لِأنَّ حَذْفَ الشَّرْطِ لَمْ يَعْمَلْ في اللَّفْظِ شَيْئًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ فَأْتِ بِهِ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: حَتّى لَزِمَهم تَصْدِيقُ الكاذِبِينَ بِالمُعْجِزاتِ، إشارَةٌ إلى إنْكارِ الكَراماتِ الَّتِي ذَهَبَ أهْلُ السُّنَّةِ إلى إثْباتِها. والمُعْجِزُ عِنْدَهم هو ما كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ، ولا يَكُونُ إلّا لِنَبِيٍّ أوْ في زَمانِ نَبِيٍّ، إنْ جَرى عَلى يَدِ غَيْرِهِ فَتَكُونُ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ، أوْ عَلى سَبِيلِ الإرْهاصِ لِنَبِيٍّ.
﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ رَماها مِن يَدِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عَصا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والثُّعْبانُ: أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الحَيّاتِ. ومَعْنى (مُبِينٌ) ظاهِرُ الثُّعْبانِيَّةِ، لَيْسَتْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُزَوَّرُ بِالشَّعْبَذَةِ والسِّحْرِ.
﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي تَلَأْلَأُ كَأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ الشَّمْسِ. ومَعْنى (لِلنّاظِرِينَ) أيْ بَياضُها يَجْتَمِعُ النَّظّارَةُ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ، وكانَ بَياضًا نُورانِيًّا. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أبْصَرَ أمْرَ العَصا قالَ: فَهَلْ غَيْرُها ؟ فَأخْرَجَ يَدَهُ، فَقالَ: ما هَذِهِ ؟ قالَ: يَدُكَ، فَأدْخَلَها في إبِطِهِ ثُمَّ نَزَعَها ولَها شُعاعٌ يَكادُ يُغْشِي الأبْصارَ ويَسُدُّ الأُفُقَ.
(p-١٥)﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وانْتَصَبَ ”حَوْلَهُ“ عَلى الظَّرْفِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كائِنِينَ حَوْلَهُ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والعامِلُ فِيهِ هو الحالُ حَقِيقَةً والنّاصِبُ لَهُ، قالَ: لِأنَّهُ هو العامِلُ في ذِي الحالِ بِواسِطَةِ لامِ الجَرِّ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِهِنْدٍ ضاحِكَةً. والكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَ المَلَأ مَوْصُولًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قالَ لِلَّذِي حَوْلَهُ، فَلا مَوْضِعَ لِلْعامِلِ في الظَّرْفِ، لِأنَّهُ وقَعَ صِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما العامِلُ في حَوْلَهُ ؟ (قُلْتُ): هو مَنصُوبٌ نَصْبَيْنِ: نَصْبٌ في اللَّفْظِ، ونَصْبٌ في المَحَلِّ. فالعامِلُ في النَّصْبِ اللَّفْظِيِّ ما يُقَدَّرُ في الظَّرْفِ، وذَلِكَ اسْتَقَرُّوا حَوْلَهُ، وهَذا يُقَدَّرُ في جَمِيعِ الظُّرُوفِ، والعامِلُ في النَّصْبِ المَحَلِّيِّ، وهو النَّصْبُ عَلى الحالِ. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ وشَقْشَقَةُ كَلامٍ في أمْرٍ واضِحٍ مِن أوائِلِ عِلْمِ العَرَبِيَّةِ.
ولَمّا رَأى فِرْعَوْنُ أمْرَ العَصا واليَدِ، وما ظَهَرَ فِيهِما مِنَ الآياتِ، هالَهُ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مَدْفَعٌ، فَزِعَ إلى رَمْيِهِ بِالسِّحْرِ. وطَمِعَ لِغَلَبَةِ عِلْمِ السِّحْرِ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَكُونَ ثَمَّ مَن يُقاوِمُهُ، أوْ كانَ عَلِمَ صِحَّةَ المُعْجِزَةِ. وعَمّى تِلْكَ الحُجَّةَ عَلى قَوْمِهِ، بِرَمْيِهِ بِالسِّحْرِ، وبِأنَّهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ لِيَقْوى تَنْفِيرُهم عَنْهُ، وابْتِغاؤُهُمُ الغَوائِلَ لَهُ، وأنْ لا يَقْبَلُوا قَوْلَهُ؛ إذْ مِن أصْعَبِ الأشْياءِ عَلى النُّفُوسِ مُفارَقَةُ الوَطَنِ الَّذِي نَشَئُوا فِيهِ، ثُمَّ اسْتَأْمَرَهم فِيما يَفْعَلُ مَعَهُ، وذَلِكَ لِما حَلَّ بِهِ مِنَ التَّحَيُّرِ والدَّهَشِ وانْحِطاطِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ أُلُوهِيَّتِهِ إلى أنْ صارَ يَسْتَشِيرُهم في أمْرِهِ، فَيَأْمُرُونَهُ بِما يَظْهَرُ لَهم فِيهِ، فَصارَ مَأْمُورًا بَعْدَ أنْ كانَ آمِرًا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (ماذا تَأْمُرُونَ) وفي الألْفاظِ الَّتِي وافَقَتْ ما في سُورَةِ الأعْرافِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ولَمّا قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ عارَضُوا بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ﴾ فَجاءُوا بِكَلِمَةِ الِاسْتِغْراقِ والبِناءِ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ، لِيُنَفِّسُوا عَنْهُ بَعْضَ ما لَحِقَهُ مِنَ الكَرْبِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: ”بِكُلِّ ساحِرٍ“ . واليَوْمُ المَعْلُومُ: يَوْمُ الزِّينَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ طه. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ اسْتِبْطاءٌ لَهم في الِاجْتِماعِ، والمُرادُ مِنهُ اسْتِعْجالُهم، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغُلامِهِ: هَلْ أنْتَ مُنْطَلِقٌ ؟ إذا أرادَ أنْ يُحَرِّكَ مِنهُ ويَحُثَّهُ عَلى الِانْطِلاقِ، كَما يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّ النّاسَ قَدِ انْطَلَقُوا وهو واقِفٌ، ومِنهُ قَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا:
؎هَلْ أنْتَ باعِثٌ دِينارًا لِحاجَتِنا أوْ عَبْدَ رَبٍّ أخا عَوْنِ بْنِ مِخْراقِ
يُرِيدُ: ابْعَثْهُ إلَيْنا سَرِيعًا ولا تُبْطِئُ بِهِ. وتَرَجَّوُا اتِّباعَ السَّحَرَةِ، أيْ في دِينِهِمْ، إنْ غَلَبُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا يَتَّبِعُونَ مُوسى في دِينِهِ. وساقُوا الكَلامَ سِياقَ الكِنايَةِ، لِأنَّهم إذا اتَّبَعُوهم لَمْ يَتَّبِعُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ودَخَلَتْ إذا هُنا بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، وهي جَوابٌ وجَزاءٌ. وبِعَزَّةِ فِرْعَوْنَ: الظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلْقَسَمِ، والَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ مَحْذُوفٌ، وعَدَلُوا عَنِ الخِطابِ إلى اسْمِ الغَيْبَةِ تَعْظِيمًا، كَما يُقالُ لِلْمُلُوكِ: أمَرُوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - بِكَذا، فَيُخْبِرُ عَنْهُ إخْبارَ الغائِبِ، وهَذا مِن نَوْعِ إيمانِ الجاهِلِيَّةِ. وقَدْ سَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في الإيمانِ ما هو أشْنَعُ مِن إيمانِ الجاهِلِيَّةِ، لا يَرْضَوْنَ بِالقَسَمِ بِاللَّهِ، ولا يَعْتَدُّونَ بِهِ حَتّى يَحْلِفَ أحَدُهم بِنِعْمَةِ السُّلْطانِ وبِرَأْسِ المُحَلِّفِ، فَحِينَئِذٍ يُسْتَوْثَقُ مِنهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّهُ قَسَمٌ قالَ: والأجْرُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ والتَّبَرُّكِ بِاسْمِهِ، إذْ كانُوا يَعْبُدُونَهُ؛ كَما تَقُولُ إذا ابْتَدَأْتَ بِعَمَلِ شَيْءٍ (p-١٦)بِسْمِ اللَّهِ، وعَلى بَرَكَةِ اللَّهِ، ونَحْوَ هَذا. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، وهو ما ثَبَتَ في الأعْرافِ مِن تَخْيِيرِهِمْ إيّاهُ في البَداءَةِ مَن يُلْقِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فاعِلُ الإلْقاءِ ما هو لَوْ صَرَّحَ بِهِ ؟ (قُلْتُ): هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِما خَوَّلَهم مِنَ التَّوْفِيقِ وإيمانِهِمْ، أوْ بِما عايَنُوا مِنَ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ، ولَكَ أنْ لا تُقَدِّرَ فاعِلًا، لِأنَّ ألْقَوْا بِمَعْنى خَرُّوا وسَقَطُوا. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الآخَرُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. لا يُمْكِنُ أنْ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا وقَدْ حُذِفَ الفاعِلُ فَنابَ ذَلِكَ عَنْهُ، أمّا أنَّهُ لا يُقَدَّرُ فاعِلٌ، فَقَوْلٌ ذاهِبٌ عَنِ الصَّوابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ البَزِّيُّ، وابْنُ فُلَيْحٍ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِشَدِّ التّاءِ وفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ القافِ، ويَلْزَمُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إذا ابْتَدَأ أنْ يَحْذِفَ هَمْزَةَ الوَصْلِ، وهَمْزَةُ الوَصْلِ لا تَدْخُلُ عَلى الأفْعالِ المُضارَعَةِ، كَما لا تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الفاعِلِينَ. انْتَهى. كَأنَّهُ يُخَيَّلُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِالكَلِمَةِ إلّا بِاجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ كَثِيرًا ما يَكُونُ الوَصْلُ مُخالِفًا لِلْوَقْفِ، والوَقْفُ مُخالِفًا لِلْوَصْلِ، ومَن لَهُ تَمَرُّنٌ في القِرَآتِ عَرَفَ ذَلِكَ.
﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾ أيْ لا ضَرَرَ عَلَيْنا في وُقُوعِ ما وعَدْتَنا بِهِ مِن قَطْعِ الأيْدِي والأرْجُلِ والتَّصْلِيبِ، بَلْ لَنا فِيهِ المَنفَعَةُ التّامَّةُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ. يُقالُ: ضارَهُ يَضِيرُهُ ضَيْرًا، وضارَهُ يَضُورُهُ ضَوْرًا. إنّا إلى رَبِّنا: أيْ إلى عَظِيمِ ثَوابِهِ، أوْ: لا ضَيْرَ عَلَيْنا، إذِ انْقِلابُنا إلى اللَّهِ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ المَوْتِ، والقَتْلُ أهْوَنُ أسْبابِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا آمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، لَمْ يَأْمَن فِرْعَوْنُ أنْ يَقُولَ قَوْمُهُ لَمْ تُؤْمِنِ السَّحَرَةُ عَلى كَثْرَتِهِمْ إلّا عَنْ مَعْرِفَةٍ بِصِحَّةِ أمْرِ مُوسى فَيُؤْمِنُونَ، فَبالَغَ في التَّنْفِيرِ مِن جِهَةِ قَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ مُوهِمًا أنَّ مُسارَعَتَهم لِلْإيمانِ دَلِيلٌ عَلى مَيْلِهِمْ إلَيْهِ قَبْلُ. وبِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ صَرَّحَ بِما رَمَزَهُ أوَّلًا مِن مُواطَأتِهِمْ وتَقْصِيرِهِمْ لِيَظْهَرَ أمْرُ كَبِيرِهِمْ، وبِقَوْلِهِ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ حَيْثُ أوْعَدَهم وعِيدًا مُطْلَقًا، وبِتَصْرِيحِهِ بِما هَدَّدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ، فَأجابُوا بِأنَّ ذَلِكَ إنْ وقَعَ، لَنْ يُضِيرَ، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ نُكْتَةٌ شَرِيفَةٌ، وهو أنَّهم آمَنُوا لا رَغْبَةً ولا رَهْبَةً، إنَّما قَصَدُوا مَحْضَ الوُصُولِ إلى مِرْضاتِ اللَّهِ والِاسْتِغْراقِ في أنْوارِ مَعْرِفَتِهِ. انْتَهى مُلَخَّصًا. ويَدْفَعُ هَذا الأخِيرَ قَوْلُهم: ﴿إنّا نَطْمَعُ﴾ إلى آخِرِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن خَوْفِ تَبِعاتِ الخَطايا. والظّاهِرُ بَقاءُ الطَّمَعِ عَلى بابِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٤] . وقِيلَ: يُحْتَمَلُ اليَقِينُ. قِيلَ: كَقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ [الشعراء: ٨٢] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنْ كُنّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وفِيهِ الجَزْمُ بِإيمانِهِمْ. وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ، وأبُو مُعاذٍ: إنْ كُنّا، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَلى الشَّرْطِ: وجازَ حَذْفُ الفاءِ مِنَ الجَوابِ، لِأنَّهُ مُتَقَدِّمٌ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ فَإنّا نَطْمَعُ، وحَسُنَ الشَّرْطُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَحَقَّقُوا ما لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِن قَبُولِ الإيمانِ. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وأبِي زَيْدٍ والمُبَرِّدِ، حَيْثُ يُجِيزُونَ تَقْدِيمَ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ، ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، وجَوابُ مِثْلِ هَذا الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي يَجِيءُ بِهِ المَدْلُولُ بِأمْرِهِ المُتَحَقِّقِ لِصِحَّتِهِ، وهم كانُوا مُتَحَقِّقِينَ أنَّهم أوَّلُ المُؤْمِنِينَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُ العامِلِ لِمَن يُؤَخِّرُ جُعْلَهُ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ فَوَفِّنِي حَقِّي، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ [الممتحنة: ١] مَعَ عِلْمِهِ أنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا إلّا لِذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَعْنى: أنَّ طَمَعَهم إنَّما هو بِهَذا الشَّرْطِ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وجازَ حَذْفُ اللّامِ الفارِقَةِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلى أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَلا يُحْتَمَلُ النَّفْيُ، والتَّقْدِيرُ: إنْ كُنّا لَأوَّلَ المُؤْمِنِينَ. وجاءَ في الحَدِيثِ: ”إنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ العَسَلَ“، أيْ لَيُحِبُّ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎ونَحْنُ أُباةُ الضَّيْمِ مِن آلِ مالِكٍ ∗∗∗ وإنَّ مالِكَ كانَتْ كِرامَ المَعادِنِ
(p-١٧)أيْ: وإنَّ مالِكَ لَكانَتْ كِرامَ المَعادِنِ، و”أوَّلَ“ يَعْنِي أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِنَ القِبْطِ، أوْ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِن حاضِرِي ذَلِكَ المَجْمَعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانُوا أوَّلَ جَماعَةٍ مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ، وهَذا لا يَصِحُّ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ إيمانِ السَّحَرَةِ.
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences