Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:27–75, continued
تَقَدَّمَ الخِلافُ في (أسْرِ) وأنَّهُ قُرِئَ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وبِقَطْعِها في سُورَةِ هُودٍ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: أنْ سِرْ، أمْرٌ مِن سارَ يَسِيرُ. أمَرَ اللَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا مِن مِصْرَ إلى تُجاهِ البَحْرِ، وأخْبَرَهُ أنَّهم سَيُتَّبَعُونَ. فَخَرَجَ سَحَرًا، جاعِلًا طَرِيقَ الشّامِ (p-١٨)عَلى يَسارِهِ، وتَوَجَّهَ نَحْوَ البَحْرِ، فَيُقالُ لَهُ في تَرْكِ الطَّرِيقِ، فَيَقُولُ: هَكَذا أُمِرْتُ. فَلَمّا أصْبَحَ، عَلِمَ فِرْعَوْنُ بِسُرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، فَخَرَجَ في أثَرِهِمْ، وبَعَثَ إلى مَدائِنِ مِصْرَ لِيَلْحَقَهُ العَساكِرُ. وذَكَرُوا أعْدادًا في أتْباعِ فِرْعَوْنَ وفي بَنِي إسْرائِيلَ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ﴾ أيْ قالَ إنَّ هَؤُلاءِ وصَفَهم بِالقِلَّةِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ فَجَعَلَ كُلَّ حِزْبٍ قَلِيلًا، جَمْعَ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ، وقَدْ يُجْمَعُ القَلِيلُ عَلى أقِلَّةٍ وقِلَلٍ، والظّاهِرُ تَقْلِيلُ العَدَدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالقِلَّةِ: الذِّلَّةَ والقَماءَةَ، ولا يُرِيدُ قِلَّةَ العَدَدِ، والمَعْنى: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ لا يُبالِي بِهِمْ ولا تُتَوَقَّعُ غَفْلَتُهم، ولَكِنَّهم يَفْعَلُونَ أفْعالًا تَغِيظُنا وتَضِيقُ صُدُورُنا، ونَحْنُ قَوْمٌ مِن عادَتِنا التَّيَقُّظُ والحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ في الأُمُورِ، فَإذا خَرَجَ عَلَيْنا خارِجٌ سارَعْنا إلى حَسْمِ يَسارِهِ، وهَذِهِ مَعاذِيرُ اعْتَذَرَ بِها إلى أهْلِ المَدائِنِ، لِئَلّا يُظَنَّ بِهِ ما يَكْسِرُ مِن قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. انْتَهى. قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ مَن لا يُؤْخَذُ عَنْهُ: (لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ)، ولَيْسَتْ هَذِهِ مَوْقُوفَةً. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً عَلى أحَدٍ رَواها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: ﴿لَغائِظُونَ﴾ أيْ بِخِلافِهِمْ وأخْذِهِمُ الأمْوالَ حِينَ اسْتَعارُوها ولَمْ يَرُدُّوها، وخَرَجُوا هارِبِينَ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ ذَكْوانَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿حاذِرُونَ﴾ بِالألِفِ، وهو الَّذِي قَدْ أخَذَ يَحْذَرُ ويُجَدِّدُ حَذَرَهُ، وحَذَرَ مُتَعَدٍّ. قالَ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ [الزمر: ٩] . وقالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎وإنِّيَ حاذِرٌ أُنْمِي سِلاحِي ∗∗∗ إلى أوْصالِ ذَيّالٍ صَنِيعِ
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ وهو المُتَيَقِّظُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مُؤَدُّونَ، أيْ ذَوُو أدَواتٍ وسِلاحٍ، أيْ مُتَسَلِّحِينَ. وقِيلَ: حَذِرُونَ في الحالِ، وحاذِرُونَ في المَآلِ. وقالَ الفَرّاءُ: الحاذِرُ: الخائِفُ ما يَرى، والحَذِرُ: المَخْلُوقُ حَذَرًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَجُلٌ حَذِرٌ وحَذُرٌ وحاذِرٌ بِمَعْنًى واحِدٍ. وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ حَذِرًا يَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ، وأنَّهُ يَعْمَلُ كَما يَعْمَلُ حاذِرٌ، فَيَنْصِبُ المَفْعُولَ بِهِ، وأنْشَدَ:
؎حَذِرٌ أُمُورًا لا تُضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ
وقَدْ نُوزِعَ في ذَلِكَ بِما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وعَنِ الفَرّاءِ أيْضًا، والكِسائِيِّ: رَجُلٌ حَذِرٌ، إذا كانَ الحَذَرُ في خِلْقَتِهِ، فَهو مُتَيَقِّظٌ مُنْتَبِهٌ. وقَرَأ سُمَيْطُ بْنُ عَجْلانَ، وابْنُ أبِي عَمّارٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: حادِرُونَ، بِالدّالِ المُهْمَلَةِ مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ حَدِرَةٌ، أيْ عَظِيمَةٌ، والحادِرُ: المُتَوَرِّمُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فالمَعْنى مُمْتَلِئُونَ غَيْظًا وأنَفَةً. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: الحادِرُ: السَّمِينُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، يُقالُ غُلامٌ حَدِرٌ بَدِرٌ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: حَدِرَ الرَّجُلُ: قَوِيَ بَأْسُهُ، يُقالُ: مِنهُ رَجُلٌ حَدِرٌ بَدِرٌ، إذا كانَ شَدِيدَ البَأْسِ في الحَرْبِ، ويُقالُ: رَجُلٌ حَدُرٌ، بِضَمِّ الدّالِ لِلْمُبالَغَةِ، مِثْلَ يَقُظٌ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎أُحِبُّ الصَّبِيَّ السُّوءَ مِن أجْلِ أُمِّهِ ∗∗∗ وأُبْغِضُهُ مِن بُغْضِها وهو حادِرُ
أيْ سَمِينٌ قَوِيٌّ. وقِيلَ: مُدَجَّجُونَ في السِّلاحِ.
﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القِبْطِ.
﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بِحافَّتَيِ النِّيلِ مِن أسْوانَ إلى رَشِيدَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهُ، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها عُيُونُ الماءِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ عُيُونُ الذَّهَبِ. (وكُنُوزٍ) هي الأمْوالُ الَّتِي خَرَّبُوها. قالَ مُجاهِدٌ: سَمّاها كُنُوزًا لِأنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ في طاعَةِ اللَّهِ قَطُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: الكُنُوزُ: الأنْهارُ. قالَ صاحِبُ التَّحْبِيرِ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ العُيُونَ تَشْمَلُهُما. وقِيلَ: هي كُنُوزُ المُقَطَّمِ ومَطالِبُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي باقِيَةٌ إلى اليَوْمِ. انْتَهى.
وأهْلُ مِصْرَ في زَمانِنا في غايَةِ الطَّلَبِ لِهَذِهِ الكُنُوزِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها مَدْفُونَةٌ في المُقَطَّمِ، فَيُنْفِقُونَ عَلى (p-١٩)حَفْرِ هَذِهِ المَواضِعِ في المُقَطَّمِ الأمْوالَ الجَزِيلَةَ، ويَبْلُغُونَ في العُمْقِ إلى أقْصى غايَةٍ، ولا يَظْهَرُ لَهم إلّا التُّرابُ أوْ حَجَرُ الكَذّانِ الَّذِي المُقَطَّمُ مَخْلُوقٌ مِنهُ، وأيُّ مَغْرِبِيٍّ يَرِدُ عَلَيْهِمْ سَألُوهُ عَنْ عِلْمِ المَطالِبِ. فَكَثِيرٌ مِنهم يَضَعُ في ذَلِكَ أوْراقًا لِيَأْكُلُوا أمْوالَ المِصْرِيِّينَ بِالباطِلِ، ولا يَزالُ الرَّجُلُ مِنهم يَذْهَبُ مالُهُ في ذَلِكَ حَتّى يَفْتَقِرَ، وهو لا يَزْدادُ إلّا طَلَبًا لِذَلِكَ حَتّى يَمُوتَ. وقَدْ أقَمْتُ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ إلى حِينِ كِتابَةِ هَذِهِ الأسْطُرِ، نَحْوًا مِن خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ عامًا، فَلَمْ أعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنهم حَصَلَ عَلى شَيْءٍ غَيْرَ الفَقْرِ؛ وكَذَلِكَ رَأْيُهم في تَغْوِيرِ الماءِ. يَزْعُمُونَ أنَّ ثَمَّ آبارًا، وأنَّهُ يُكْتَبُ أسْماءٌ في شَقْفَةٍ، فَتُلْقى في البِئْرِ، فَيَغُورُ الماءُ ويَنْزِلُ إلى بابٍ في البِئْرِ، يَدْخُلُ مِنهُ إلى قاعَةٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وفِضَّةً وجَوْهَرًا وياقُوتًا. فَهم دائِمًا يَسْألُونَ مَن يَرِدُ مِنَ المَغارِبَةِ عَمَّنْ يَحْفَظُ تِلْكَ الأسْماءَ الَّتِي تُكْتَبُ في الشَّقْفَةِ، فَيَأْخُذُ شَياطِينُ المَغارِبَةِ مِنهم مالًا جَزِيلًا، ويَسْتَأْكِلُونَهم، ولا يَحْصُلُونَ عَلى شَيْءٍ غَيْرَ ذَهابِ أمْوالِهِمْ، ولَهم أشْياءُ مِن نَحْوِ هَذِهِ الخُرافاتِ، يَرْكَنُونَ إلَيْها ويَقُولُونَ إلَيْها ويَقُولُونَ بِها، وإنَّما أطَلْتُ في هَذا عَلى سَبِيلِ التَّحْذِيرِ لِمَن يَعْقِلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ . قالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: هو الفَيُّومُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: هو المَنابِرُ لِلْخُطَباءِ. وقِيلَ: الأسِرَّةُ في الكَلَلِ. وقِيلَ: مَجالِسُ الأُمَراءِ والأشْرافِ والحُكّامِ. وقالَ النَّقّاشُ: المَساكِنُ الحِسانُ. وقِيلَ: مَرابِطُ الخَيْلِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْرَجُ: ومُقامٍ، بِضَمِّ المِيمِ مِن أقامَ كَذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: النَّصْبَ عَلى أخْرَجْناهم مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي وصَفْناهُ، والجَرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَقامٍ، أيْ ومَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلَ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم، والرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ. انْتَهى. فالوَجْهُ الأوَّلُ لا يَسُوغُ، لِأنَّهُ يَئُولُ إلى تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وكَذَلِكَ الوَجْهُ الثّانِي، لِأنَّ المَقامَ الَّذِي كانَ لَهم هو المَقامُ الكَرِيمُ، ولا يُشَبَّهُ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أنَّهم مَلَكُوا دِيارَ مِصْرَ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، لِأنَّهُ اعْتَقَبَ قَوْلَهُ: ﴿وأوْرَثْناها﴾ قَوْلُهُ: (وأخْرَجْناهم) وقالَهُ الحَسَنُ؛ قالَ: كَما عَبَرُوا النَّهْرَ، رَجَعُوا ووَرِثُوا دِيارَهم وأمْوالَهم. وقِيلَ: ذَهَبُوا إلى الشّامِ ومَلَكُوا مِصْرَ زَمَنَ سُلَيْمانَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ أيْ فَلَحِقُوهم. وقَرَأ الحَسَنُ، والذِّمارِيُّ: فاتَّبَعُوهم، بِوَصْلِ الألِفِ وشَدِّ التّاءِ.
﴿مُشْرِقِينَ﴾ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، مِن شَرَقَتِ الشَّمْسُ شُرُوقًا، إذا طَلَعَتْ، كَأصْبَحَ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ، وأمْسى: دَخَلَ في وقْتِ المَساءِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فاتَّبَعُوهم نَحْوَ الشَّرْقِ، كَأنْجَدَ: إذا قَصَدَ نَحْوَ نَجْدٍ. والظّاهِرُ أنَّ مُشْرِقِينَ حالٌ مِنَ الفاعِلِ. وقِيلَ: مُشْرِقِينَ: أيْ في ضِياءٍ، وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ في ضَبابٍ وظُلْمَةٍ، تَحَيَّرُوا فِيها حَتّى جاوَزَ بَنُو إسْرائِيلَ البَحْرَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مُشْرِقِينَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ.
﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾: (أيْ رَأى أحَدُهُما الآخَرَ) قالَ أصْحابُ مُوسى ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: مُلْحَقُونَ، قالُوا ذَلِكَ حِينَ رَأوُا العَدُوَّ القَوِيَّ وراءَهم والبَحْرَ أمامَهم، وساءَتْ ظُنُونُهم. وقَرَأ الأعْمَشُ: وابْنُ وثّابٍ: تَرايَ الجَمْعانِ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، عَلى مَذْهَبِ التَّخْفِيفِ بَيْنَ بَيْنَ، ولا يَصِحُّ القَلْبُ لِوُقُوعِ الهَمْزَةِ بَيْنَ ألِفَيْنِ، إحْداهُما ألِفُ تَفاعَلَ الزّائِدَةُ بَعْدَ الفاءِ، والثّانِيَةُ اللّامُ المُعْتَلَّةُ مِنَ الفِعْلِ. فَلَوْ خُفِّفَتْ بِالقَلْبِ لاجْتَمَعَ ثَلاثُ ألِفاتٍ مُتَّسِقَةٍ، وذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ أبَدًا، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ حَمْزَةُ: تَرِيءَ، بِكَسْرِ الرّاءِ ويَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ؛ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عاصِمٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا مَفْتُوحًا مَمْدُودًا، والجُمْهُورُ يَقْرَءُونَهُ مِثْلَ تَراعى، وهَذا هو الصَّوابُ، لِأنَّهُ تَفاعَلَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: وقِراءَةُ حَمْزَةَ هَذا الحَرْفَ مُحالٌ، وحَمَلَ عَلَيْهِ، قالَ: وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ والأعْمَشِ خَطَأٌ. انْتَهى. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ ابْنُ الأُسْتاذِ أبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ الأنْصارِيِّ، هو ابْنُ الباذِشِ، في كِتابِ الإقْناعِ مِن تَأْلِيفِهِ: تَراءى الجَمْعانِ في الشُّعَراءِ إذا وقَفَ عَلَيْها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، أمالا الألِفَ المُنْقَلِبَةَ عَنْ لامِ الفِعْلِ، (p-٢٠)وحَمْزَةُ يُمِيلُ ألِفَ تَفاعَلَ وصْلًا ووَقْفًا لِإمالَةِ الألِفِ المُنْقَلِبَةِ؛ فَفي قِراءَتِهِ إمالَةُ الإمالَةِ. وفي هَذا الفِعْلِ، وفي راءى، إذا اسْتَقْبَلَهُ ألِفُ وصْلٍ لِمَن أمالَ لِلْإمالَةِ، حَذْفُ السَّبَبِ وإبْقاءُ المُسَبَّبِ، كَما قالُوا: صَعْقِيٌّ في النَّسَبِ إلى الصَّعْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَمُدْرَكُونَ، بِإسْكانِ الدّالِ؛ والأعْرَجُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بِفَتْحِ الدّالِ مُشَدِّدَةً وكَسْرِ الرّاءِ، عَلى وزْنِ مُفْتَعِلُونَ، وهو لازِمٌ، بِمَعْنى الفَناءِ والِاضْمِحْلالِ. يُقالُ: مِنهُ ادَّرَكَ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ، إذا فَنِيَ تَتابُعًا، ولِذَلِكَ كُسِرَتِ الرّاءُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ نَصَّ عَلى كَسْرِها أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ)، والزَّمَخْشَرِيُّ في (كَشّافِهِ) وغَيْرُهُما. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَدْ يَكُونُ ادَّرَكَ عَلى افْتَعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ مُتَعَدِّيًا، فَلَوْ كانَتِ القِراءَةُ مِن ذَلِكَ، لَوَجَبَ فَتْحُ الرّاءِ، ولَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْهُما، يَعْنِي عَنِ الأعْرَجِ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى إنّا لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنّا أحَدٌ، ومِنهُ بَيْتُ الحَماسَةِ:
؎أبَعْدَ بَنِي أُمِّي الَّذِينَ تَتابَعُوا ∗∗∗ أرْجى الحَياةَ أمْ مِنَ المَوْتِ أجْزَعُ
﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ زَجَرَهم ورَدَعَهم بِحَرْفِ الرَّدْعِ وهو كَلّا، والمَعْنى: لَنْ يُدْرِكُوكم لِأنَّ اللَّهَ وعَدَكم بِالنَّصْرِ والخَلاصِ مِنهم، إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ عَنْ قَرِيبٍ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ ويُعَرِّفُنِيهِ. وقِيلَ: سَيَكْفِينِي أمْرَهم. ولَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ، قالَ لَهُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ بَيْنَ يَدَيْ مُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ، وهَذا البَحْرُ أمامَكَ وقَدْ غَشِيَكَ آلُ فِرْعَوْنَ ؟ قالَ: أُمِرْتُ بِالبَحْرِ، ولا يَدْرِي مُوسى ما يَصْنَعُ. ورُوِيَتْ هَذِهِ المَقالَةُ عَنْ يُوشَعَ، قالَها لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ فَخاضَ يُوشَعُ الماءَ. وضَرَبَ مُوسى بِعَصاهُ، فَصارَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ. أرادَ - تَعالى - أنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةً بِمُوسى ومُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ فَعَلَهُ، ولَكِنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، إذْ ضَرْبُ البَحْرِ بِالعَصا لا يُوجِبُ انْفِلاقَ البَحْرِ بِذاتِهِ، ولَوْ شاءَ - تَعالى - لَفَلَقَهُ دُونَ ضَرْبِهِ بِالعَصا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مَكانِ هَذا البَحْرِ.
﴿فانْفَلَقَ﴾ ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. وزَعَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ المَحْذُوفَ هو ضَرْبٌ، وفاءُ انْفَلَقَ. والفاءُ في انْفَلَقَ هي فاءُ ضَرَبَ، فَأُبْقِيَ مِن كُلٍّ ما يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ، أُبْقِيَتِ الفاءُ مِن فَضَرَبَ واتَّصَلَتْ بِانْفَلَقَ، لِيَدُلَّ عَلى ضَرَبَ المَحْذُوفَةِ، وأُبْقِيَ انْفَلَقَ لِيَدُلَّ عَلى الفاءِ المَحْذُوفَةِ مِنهُ. وهَذا قَوْلٌ شَبِيهٌ بِقَوْلِ صاحِبِ البِرْسامِ، ويَحْتاجُ إلى وحْيٍ يُسْفِرُ عَنْ هَذا القَوْلِ. وإذا نَظَرْتَ القُرْآنَ وجَدْتَ جُمَلًا كَثِيرَةً مَحْذُوفَةً، وفِيها الفاءُ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥] ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦] أيْ فَأرْسَلُوهُ، فَقالَ يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ، والفَرْقُ الجُزْءُ المُفَصَّلُ. والطَّوْدُ: الجَبَلُ العَظِيمُ المُنْطادُ في السَّماءِ. وحَكى يَعْقُوبُ عَنْ بَعْضِ القُرّاءِ، أنَّهُ قَرَأ كُلُّ فَلْقٍ بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ.
(وأزْلَفْنا) أيْ قَرَّبْنا (ثَمَّ) أيْ هُناكَ، وثَمَّ ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبُعْدِ. (الآخَرِينَ) أيْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ، أيْ قَرَّبْناهم، ولَمْ يَذْكُرْ مَن قُرِّبُوا مِنهُ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَرَّبْناهم حَيْثُ انْفَلَقَ البَحْرَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ قَرَّبْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى لا يَنْجُوَ أحَدٌ، أوْ قَرَّبْناهم مِنَ البَحْرِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: وزَلَّفْنا بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ: وأزْلَقْنا بِالقافِ عِوَضَ الفاءِ، أيْ أزَلَلْنا، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. قِيلَ: مَن قَرَأ بِالقافِ صارَ ”الآخَرِينَ“ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ومَن قَرَأ بِالعامَّةِ يَعْنِي بِالقِراءَةِ العامَّةِ، فالآخَرُونَ هم مُوسى وأصْحابُهُ، أيْ جَمَعْنا شَمْلَهم وقَرَّبْناهم بِالنَّجاةِ. انْتَهى، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: ودَخَلَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ البَحْرَ وأنْجَيْنا. قِيلَ: دَخَلُوا البَحْرَ بِالطُّولِ، وخَرَجُوا في الضَّفَّةِ الَّتِي دَخَلُوا مِنها بَعْدَ مَسافَةٍ، وكانَ بَيْنَ مَوْضِعِ الدُّخُولِ ومَوْضِعِ الخُرُوجِ أوْعارٌ وجِبالٌ لا تُسْلَكُ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أيْ لَعَلامَةً واضِحَةً عايَنَها النّاسُ وشاعَ أمْرُها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ ما تَنَبَّهَ أكْثَرُهم عَلَيْها ولا آمَنُوا. (p-٢١)وبَنُو إسْرائِيلَ، الَّذِينَ كانُوا أصْحابَ مُوسى المَخْصُوصِينَ بِالإنْجاءِ، قَدْ سَألُوهُ بَقَرَةً يَعْبُدُونَها، واتَّخَذُوا العِجْلَ، وطَلَبُوا رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ أكْثَرُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وهُمُ القِبْطُ، إذْ قَدْ آمَنَ السَّحَرَةُ، وآمَنَتْ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وعَجُوزٌ اسْمُها مَرْيَمُ، دَلَّتْ مُوسى عَلى قَبْرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْتَخْرَجُوهُ وحَمَلُوهُ مَعَهم حِينَ خَرَجُوا مِن مِصْرَ.
(p-٢٢)﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٦] ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥] ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١] ﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣] ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤] ﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥] ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٦] ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] ﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٩] ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١] ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٠٤] .
لَمّا كانَتِ العَرَبُ لَها خُصُوصِيَّةٌ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ قَصَصَهُ، وما جَرى لَهُ مَعَ قَوْمِهِ. ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةٍ مِن قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ أمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتِلاوَةِ قِصَّةٍ إلّا في هَذِهِ، وإذِ العامِلُ فِيهِ. قالَ الحَوْفِيُّ: اتْلُ، ولا يُتَصَوَّرُ ما قالَ إلّا بِإخْراجِهِ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ وجَعْلِهِ بَدَلًا مِن ”نَبَأ“، واعْتِقادُ أنَّ العامِلَ في البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ واحِدٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: العامِلُ في إذْ ”نَبَأ“ . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (وقَوْمِهِ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ. وقِيلَ: عَلى أبِيهِ، أيْ وقَوْمِ أبِيهِ، كَما قالَ: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] . وما: اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّحْقِيرِ والتَّقْرِيرِ. وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْلَمُ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ، ولَكِنْ سَألَهم لِيُرِيَهم أنَّ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ لَيْسَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، لِما تَرَتَّبَ عَلى جَوابِهِمْ مِن أوْصافِ مَعْبُوداتِهِمُ الَّتِي هي مُنافِيَةٌ لِلْعِبادَةِ. ولِما سَألَهم عَنِ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ، ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذِكْرِهِ فَقَطْ، بَلْ أجابُوا بِالفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن تَمامِ صِفَتِهِمْ مَعَ مَعْبُودِهِمْ، فَقالُوا: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ (p-٢٣)عَلى سَبِيلِ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ، فَأتَوْا بِقِصَّتِهِمْ مَعَهم كامِلَةً، ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أنْ يُجِيبُوا بِقَوْلِهِمْ: أصْنامًا، كَما جاءَ: ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ قَوْلَهم: (فَنَظَلُّ) . قالَ: كَما تَقُولُ لِرَئِيسٍ: ما تَلْبَسُ ؟ فَقالَ: ألْبَسُ مُطْرَفَ الخَزِّ فَأجُرُّ ذُيُولَهُ، يُرِيدُ الجَوابَ: وحالُهُ مَعَ مَلْبُوسِهِ. وقالُوا: فَنَظَلُّ، لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ. ولَمّا أجابُوا إبْراهِيمَ، أخَذَ يُوقِفَهم عَلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ، بِاسْتِفْهامِهِ عَنْ أوْصافٍ مَسْلُوبَةٍ عَنْهم لا يَكُونُ ثُبُوتُها إلّا لِلَّهِ - تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَسْمَعُونَكم) مِن سَمِعَ؛ وسَمِعَ إنْ دَخَلَتْ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، نَحْوَ: سَمِعْتُ كَلامَ زِيدٍ، وإنْ دَخَلَتْ عَلى غَيْرِ مَسْمُوعٍ، فَذَهَبَ الفارِسِيُّ أنَّها تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، وشَرْطُ الثّانِي مِنهُما أنْ يَكُونَ مِمّا يُسْمَعُ، نَحْوَ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَقْرَأُ والصَّحِيحُ أنَّها تَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وذَلِكَ الفِعْلُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وهُنا لَمْ تَدْخُلْ إلّا عَلى واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، فَتَأوَّلُوهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَسْمَعُونَكم، تَدْعُونَ ؟ وقِيلَ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ بِمَعْنى: يُجِيبُونَكم. وقَرَأ قَتادَةُ، ويَحْيَـى بْنُ يَعْمُرَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ مِن أسْمَعَ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الجَوابَ، أوِ الكَلامَ. وإذْ: ظَرْفٌ لِما مَضى، فَإمّا أنْ يَتَجاوَزَ فِيهِ فَيَكُونَ بِمَعْنى إذا، وإمّا أنْ يَتَجاوَزَ في المُضارِعِ فَيَكُونَ قَدْ وقَعَ مَوْقِعَ الماضِي، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: هَلْ سَمِعُوكم إذْ دَعَوْتُمْ ؟ وقَدْ ذَكَرَ أصْحابُنا أنَّ مِن قَرائِنِ صَرْفِ المُضارِعِ إلى الماضِي إضافَةَ إذْ إلى جُمْلَةٍ مُصَدَّرَةٍ بِالمُضارِعِ، ومَثَّلُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أيْ وإذْ قُلْتَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجاءَ مُضارِعًا مَعَ إيقاعِهِ في إذْ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ الَّتِي كُنْتُمْ تَدَّعُونَها فِيها، وقُولُوا: هَلْ سَمِعُوا، أوِ أسْمَعُوا قَطُّ ؟ وهَذا أبْلَغُ في التَّبْكِيتِ. انْتَهى. وقُرِئَ: بِإظْهارِ ذالِ إذْ وبِإدْغامِها في تاءِ تَدْعُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ فِيهِ قِياسٌ مُذَكَّرٌ، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ؛ والقِياسُ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ بِهِ، إذْ تَدْعُونَ. فالَّذِي مَنَعَ مِن هَذا اللَّفْظِ اتِّصالُ الدّالِ الأصْلِيَّةِ في الفِعْلِ، فَكَثْرَةُ المُتَماثِلاتِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ قِياسٌ مُذَكَّرٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ ذَلِكَ الإبْدالَ - وهو إبْدالُ التّاءِ دالًا - لا يَكُونُ إلّا في افْتَعَلَ، مِمّا فاؤُهُ ذالٌ أوْ زايٌ أوْ دالٌ، نَحْوَ: اذْدَكَرَ، وازْدَجَرَ، وادَّهَنَ، أصْلُهُ: اذْتَكَرَ، وازْتَجَرَ، وادْتَهَنَ؛ أوْ جِيمٌ شُذُوذًا، قالُوا: اجْدَمَعَ في اجْتَمَعَ، ومِن تاءِ الضَّمِيرِ بَعْدَ الزّايِ والدّالِ، ومَثَّلُوا بِتاءِ الضَّمِيرِ لِلْمُتَكَلِّمِ فَقالُوا في فُزْتُ: فُزْدُ، وفي جَلَدْتُ: جَلَدُّ، ومِن تاءِ تُولِجُ شُذُوذًا قالُوا: دُولِجُ، وتاءُ المُضارَعَةِ لَيْسَتْ شَيْئًا مِمّا ذَكَرْنا، فَلا تُبْدَلُ تاؤُهُ. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: والَّذِي مَنَعَ مِن هَذا اللَّفْظِ إلى آخِرِهِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَجازَ إبْدالُ تاءِ المُضارَعَةِ دالًا وإدْغامُ الذّالِ فِيها، فَكُنْتَ تَقُولُ: اذْتَخْرَجَ: ادَّخْرَجَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ أحَدٌ، بَلْ إذا أُدْغِمَ مِثْلُ هَذا أُبْدِلَ مِنَ الذّالِ تاءٌ وأُدْغِمَ في التّاءِ، فَتَقُولُ: اتَّخْرَجَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences