Abu HayyanAli 'Imran · 3:135–140

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:135–140

3:135Page 67

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allāh and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allāh? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ نَزَلَتْ في قَوْلِ الجُمْهُورِ بِسَبَبِ مَنهالِ التَّمّارِ، ويُكَنّى: أبا مُقْبِلٍ، أتَتْهُ امْرَأةٌ تَشْتَرِي مِنهُ تَمْرًا فَضَمَّها وقَبَّلَها ثُمَّ نَدِمَ. وقِيلَ: ضَرَبَ عَلى عَجُزِها.

والعَطْفُ بِالواوِ مُشْعِرٌ بِالمُغايَرَةِ. لَمّا ذَكَرَ الصِّنْفَ الأعْلى وهُمُ المُتَّقُونَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، ذَكَرَ مَن دُونِهِمْ مِمَّنْ قارَفَ المَعاصِيَ وتابَ وأقْلَعَ، ولَيْسَ مِن بابِ عَطْفِ الصِّفاتِ واتِّحادِ المَوْصُوفِ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، وإنَّهُ مِن نَعْتِ المُتَّقِينَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفاحِشَةُ الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ ما دُونَهُ مِنَ النَّظَرِ واللَّمْسَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفاحِشَةُ الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ سائِرُ المَعاصِي. وقالَ النَّخَعِيُّ: الفاحِشَةُ القَبائِحُ، وظُلْمُ النَّفْسِ مِنَ الفاحِشَةِ، وهو لِزِيادَةِ البَيانِ. وقِيلَ: جَمِيعُ المَعاصِي، وظُلْمُ النَّفْسِ العَمَلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا حُجَّةٍ. وقالَ الباقِرُ: الفاحِشَةُ النَّظَرُ إلى الأفْعالِ، وظُلْمُ النَّفْسِ رُؤْيَةُ النَّجاةِ بِالأعْمالِ. وقِيلَ: الفاحِشَةُ الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغِيرَةُ. وقِيلَ: الفاحِشَةُ ما تُظُوهِرَ بِهِ مِنَ المَعاصِي، وقِيلَ: ما أُخْفِيَ مِنها. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: الفاحِشَةُ ما دُونَ الزِّنا مِن قُبْلَةٍ أوْ لَمْسَةٍ أوْ نَظْرَةٍ فِيما لا يَحِلُّ، وظُلْمُ النَّفْسِ بِالمَعْصِيَةِ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ الذَّنْبُ الَّذِي فِيهِ تَبِعَةٌ لِلْمَخْلُوقِينَ، وظُلْمُ النَّفْسِ ما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الفاحِشَةِ في الزِّنا؛ ولِذَلِكَ قالَ جابِرٌ حِينَ سَمِعَ الآيَةَ: زَنَوْا ورَبِّ الكَعْبَةِ.

ومَعْنى ذَكَرُوا اللَّهَ: ذَكَرُوا وعِيدَهُ. قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: العَرْضُ عَلى اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. أوِ السُّؤالُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ والواقِدِيُّ. وقِيلَ: نَهْيُ اللَّهِ. وقِيلَ: غُفْرانُهُ. وقِيلَ: تَعَرَّضُوا لِذِكْرِهِ بِالقُلُوبِ لِيَبْعَثَهم عَلى التَّوْبَةِ. وقِيلَ: عَظِيمُ عَفْوِهِ، فَطَمِعُوا في مَغْفِرَتِهِ. وقِيلَ: إحْسانُهُ، فاسْتَحْيَوْا مِن إساءَتِهِمْ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها عَلى أنَّ الذِّكْرَ هو بِالقَلْبِ. وقِيلَ: هو بِاللِّسانِ، وهو الِاسْتِغْفارُ. ذَكَرُوا اللَّهَ بِقُلُوبِهِمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَطاءٌ في آخَرِينَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «ما رَأيْتُ أكْثَرَ اسْتِغْفارًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» ولا بُدَّ مَعَ ذِكْرِ اللِّسانِ مِن مُواطَأةِ القَلْبِ، وإلّا فَلا اعْتِبارَ بِهَذا الِاسْتِغْفارِ. ومَنِ اسْتَغْفَرَ وهو مُصِرٌ فاسْتِغْفارُهُ يَحْتاجُ إلى اسْتِغْفارٍ. والِاسْتِغْفارُ سُؤالُ اللَّهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ الغُفْرانَ.

وقِيلَ: نَدِمُوا وإنْ لَمْ يَسْألُوا. والظّاهِرُ الأوَّلُ. ومَفْعُولُ ”اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ“ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ فاسْتَغْفِرُوهُ لِذُنُوبِهِمْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الفِعْلِ وتَعْدِيَتِهِ.

* *

﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ جُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ، أوْ بَيْنَ ذِي الحالِ والحالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ إعْرابًا في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةُ فِيها تَرْفِيقٌ لِلنَّفْسِ، وداعِيَةٌ إلى رَجاءِ اللَّهِ وسِعَةِ عَفْوِهِ، واخْتِصاصِهِ بِغُفْرانِ الذَّنْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصْفُ ذاتِهِ بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ وقُرْبِ المَغْفِرَةِ، وأنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ عِنْدَهُ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، وأنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْمُذْنِبِينَ إلّا فَضْلُهُ وكَرَمُهُ، وأنَّ عَدْلَهُ يُوجِبُ المَغْفِرَةَ لِلتّائِبِ؛ لِأنَّ العَبْدَ إذا جاءَ في الِاعْتِذارِ والتَّنَصُّلِ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ وجَبَ العَفْوُ والتَّجاوُزُ. وفِيهِ تَطْيِيبٌ لِنُفُوسِ العِبادِ، وتَنْشِيطٌ لِلتَّوْبَةِ وبَعْثٌ عَلَيْها، ورَدْعٌ عَنِ اليَأْسِ والقُنُوطِ. وأنَّ الذُّنُوبَ وإنْ جَلَّتْ فَإنَّ عَفْوَهُ أجَلُّ، وكَرَمَهُ أعْظَمُ. والمَعْنى: أنَّهُ وحْدَهُ مَعَهُ مُصَحِّحاتُ المَغْفِرَةِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ ألْفاظِ المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِ: وإنَّ عَدْلَهُ يُوجِبُ المَغْفِرَةَ (p-٦٠)لِلتّائِبِ. وفي قَوْلِهِ: وجَبَ العَفْوُ والتَّجاوُزُ، ولَوْ لَمْ نَعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَهُ الِاعْتِزالُ لَتَأوَّلْنا كَلامَهُ بِأنَّ هَذا الوُجُوبَ هو بِالوَعْدِ الصّادِقِ، فَهو مِن جِهَةِ السَّمْعِ لا مِن جِهَةِ العَقْلِ فَقَطْ.

﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ ولَمْ يُقِيمُوا عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ”فاسْتَغْفَرُوا“، فَهي مِن بَعْضِ أجْزاءِ الجَزاءِ المُتَرَتِّبِ عَلى الشَّرْطِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ ويَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في ”فاسْتَغْفَرُوا“ فَهي مِن بَعْضِ أجْزاءِ الجَزاءِ، أيْ: فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ مُصِرِّينَ. وما مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.

قالَ قَتادَةُ: الإصْرارُ المُضِيُّ في الذَّنْبِ قُدُمًا. وقالَ الحَسَنُ: هو إتْيانُ الذَّنْبِ حَتّى يَتُوبَ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُصِرُّوا: لَمْ يَمْضُوا. وقالَ السُّدِّيُّ: هو تَرْكُ الِاسْتِغْفارِ والسُّكُوتُ عَنْهُ مَعَ الذَّنْبِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وهم يَعْلَمُونَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِن فِعْلِ الإصْرارِ، وحَرْفُ النَّفْيِ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِما مَعًا، والمَعْنى: ولَيْسُوا مِمَّنْ يُصِرُّ عَلى الذُّنُوبِ وهم عالِمُونَ بِقُبْحِها وبِالنَّهْيِ عَنْها والوَعِيدِ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ مَن لَمْ يَعْلَمْ قُبْحَ القَبِيحِ.

وفِي هَذِهِ الآياتِ بَيانٌ قاطِعٌ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى ثَلاثِ طَبَقاتٍ: مُتَّقُونَ، وتائِبُونَ، ومُصِرُّونَ. وأنَّ الجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ والتّائِبِينَ مِنهم دُونَ المُصِرِّينَ، ومَن خالَفَ في ذَلِكَ فَقَدْ كابَرَ عَقْلَهُ وعانَدَ رَبَّهُ. انْتَهى كَلامُهُ، وآخِرُهُ عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ مِن أنَّ مَن ماتَ مُصِرًّا دَخَلَ النّارَ ولا يَخْرُجُ مِنها أبَدًا. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ”﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]“ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في فاسْتَغْفَرُوا، فَإنْ أعْرَبْنا ”﴿ولَمْ يُصِرُّوا﴾“ جُمْلَةً حالِيَّةً مِنَ الضَّمِيرِ في ”فاسْتَغْفَرُوا“ جازَ أنْ يَكُونَ ”﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]“ حالًا مِنهُ أيْضًا. وإنْ كانَ ولَمْ يُصِرُّوا مَعْطُوفًا عَلى فاسْتَغْفَرُوا كانَ ما قالَهُ أبُو البَقاءِ بَعِيدًا لِلْفَصْلِ بَيْنَ ذِي الحالِ والحالِ بِالجُمْلَةِ. وأمّا مُتَعَلِّقُ العِلْمِ فَتَقَدَّمَ في كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: وهم يَعْلَمُونَ المُؤاخَذَةَ بِها، أوْ عَفْوَ اللَّهِ عَنْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: وهم يَعْلَمُونَ أنَّ تَرْكَهُ أوْلى مِنَ التَّمادِي. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عِمارَةَ: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلى مَن تابَ. وقالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: يَعْلَمُونَ أنَّهم قَدْ أذْنَبُوا. وقِيلَ: يَذْكُرُونَ ذُنُوبَهم فَيَتُوبُونَ مِنها، أطْلَقَ اسْمَ العِلْمَ عَلى الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مِن ثَمَرَتِهِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: يَعْلَمُونَ ما حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: يَعْلَمُونَ أنَّ لَهم رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يَعْلَمُونَ بِالذَّنْبِ. وقِيلَ: يَعْلَمُونَ العَفْوَ عَنِ الذُّنُوبِ وإنْ كَثُرَتْ.

3:136Page 67

أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى الصِّنْفَيْنِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالصِّنْفِ الثّانِي، ويَكُونَ ”﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥]“ مُبْتَدَأً، و”أُولَئِكَ“ وما بَعْدَهُ خَبَرَهُ، و”﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ﴾“ مُبْتَدَأً وخَبَرًا في مَوْضِعِ خَبَرِ ”أُولَئِكَ“ . وثَمَّ مَحْذُوفٌ أيْ: جَزاءُ أعْمالِهِمْ مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ لِذُنُوبِهِمْ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ بِهَذا الخَبَرِ الصّادِقِ قَبُولَ تَوْبَةِ التّائِبِ، ولَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى مِن جِهَةِ العَقْلِ شَيْءٌ، بَلْ هو بِحُكْمِ المِلْكِ لا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ أجْرُ العامِلِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ جَزاؤُهم؛ لِأنَّهُما في مَعْنًى واحِدٍ، وإنَّما خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ جَزاءٌ واجِبٌ عَلى عَمَلٍ، وأجْرٌ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، لا كَما يَقُولُ المُبْطِلُونَ. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ما أقَلَّ حَياءً مَن يَطْمَعُ في جَنَّتِي بِغَيْرِ عَمَلٍ، كَيْفَ أجُودُ بِرَحْمَتِي عَلى مَن يَبْخَلُ بِطاعَتِي ؟ وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: طَلَبُ الجَنَّةِ بِلا عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وانْتِظارُ الشَّفاعَةِ بِلا سَبَبٍ نَوْعٌ مِنَ الغُرُورِ، وارْتِجاءُ الرَّحْمَةِ مِمَّنْ لا يُطاعُ حُمْقٌ وجَهالَةٌ. وعَنِ الحَسَنِ: يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ: «جُوزُوا الصِّراطَ بِعَفْوِي، وادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، واقْتَسِمُوها بِأعْمالِكم» . وعَنْ رابِعَةَ البَصْرِيَّةَ أنَّها كانَتْ تُنْشِدُ:

؎تَرْجُو النَّجاةَ ولَمْ تَسْلُكْ مَسالِكَها إنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلى اليَبَسِ

انْتَهى ما ذَكَرَهُ، والبَيْتُ الَّذِي كانَتْ رابِعَةُ تُنْشِدُهُ هو لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ جارٍ (p-٦١)عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ مِن أنَّ الإيمانَ دُونَ عَمَلٍ لا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ.

﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ذَلِكَ، أيِ المَغْفِرَةُ والجَنَّةُ.

3:137Page 67

قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أنَّهُ إنْ ظَهَرَ عَلَيْكُمُ الكُفّارُ يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ حُسْنَ العاقِبَةِ لِلْمُتَّقِينَ، وإنْ أُدِيلَ الكُفّارُ فالعاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وكَذَلِكم كُفّارُكم هَؤُلاءِ عاقِبَتُهم إلى الهَلاكِ. وقالَ النَّقّاشُ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدُ (ولا تَهِنُوا) . ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الجُمَلَ المُعْتَرِضَةَ في قِصَّةِ أُحُدٍ عادَ إلى كَمالِها، فَخاطَبَهم بِأنَّهُ إنْ وقَعَتْ إدالَةُ الكُفّارِ فالعاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: قَدْ تَقَدَّمَتْ ومَضَتْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ سُنَنٍ أيْ طَرائِقَ أوْ أُمَمٍ، عَلى شَرْحِ المُفَضَّلِ أنَّ السُّنَّةَ الأُمَّةَ. وقالَ الحَسَنُ: سُنَّةٌ أقْضِيَةٌ في إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أمْثالٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقائِعُ وطَلَبُ السَّيْرِ في الأرْضِ، وإنْ كانَتْ أحْوالُ مَن تَقَدَّمَ تُدْرَكُ بِالأخْبارِ دُونَ السِّيَرِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ إنَّما تَكُونُ مِمَّنْ سارَ وعايَنَ، وعَنْهُ يُنْقَلُ، فَطَلَبَ مِنهُ الوَجْهَ الأكْمَلَ؛ إذْ لِلْمُشاهَدَةِ أثَرٌ أقْوى مِن أثَرِ السَّماعِ. وقِيلَ: السَّيْرُ هُنا مَجازٌ عَنِ التَّفَكُّرِ، وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. وقالَ الجُمْهُورُ: النَّظَرُ هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ. وقالَ قَوْمٌ: هو بِالفِكْرِ. والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ ”انْظُرُوا“؛ لِأنَّها مُعَلَّقَةٌ، و”كَيْفَ“ في مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ كانَ. والمَعْنى: ما سُنَّةُ اللَّهِ في الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ مِن وقائِعِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ﴿وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٦١] .

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ السَّفَرِ في فِجاجِ الأرْضِ؛ لِلِاعْتِبارِ ونَظَرِ ما حَوَتْ مِن عَجائِبِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى، وزِيارَةِ الصّالِحِينَ، وزِيارَةِ الأماكِنِ المُعَظَّمَةِ، كَما يَفْعَلُهُ سُيّاحُ هَذِهِ المِلَّةِ، وجَوازُ النَّظَرِ في كُتُبِ المُؤَرِّخِينَ؛ لِأنَّها سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَةِ سِيَرِ العالَمِ وما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ المَثُلاثِ.

3:138Page 67

هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨

This [Qur’ān] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allāh.

﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والرَّبِيعُ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ”﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]“ . قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ. أيْ هَذا تَفْسِيرٌ لِلنّاسِ إنْ قَبِلُوهُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ مِنَ العَمى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ، إيضاحٌ لِسُوءِ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ. يَعْنِي حَثَّهم عَلى النَّظَرِ في سُوءِ عَواقِبِ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم، والِاعْتِبارَ بِما يُعايِنُونَ مِن آثارِ هَلاكِهِمْ. ”﴿وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾“ يَعْنِي: أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ بَيانًا وتَنْبِيهًا لِلْمُكَذِّبِينَ فَهو زِيادَةٌ وتَثْبِيتٌ ومَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا مِنَ المُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ خَلَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلْبَعْثِ عَلى الإيمانِ، وما يَسْتَحِقُّ بِهِ ما ذَكَرَ مِن أجْرِ العامِلِينَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ”﴿هَذا بَيانٌ﴾“ إشارَةٌ إلى ما لَخَّصَ وبَيَّنَ مِن أمْرِ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ والمُصِرِّينَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ. ولَمّا كانَ ظاهِرًا واضِحًا قالَ: بَيانٌ لِلنّاسِ. ولَمّا كانَتِ المَوْعِظَةُ والهُدى لا يَكُونانِ إلّا لِمَنِ اتَّقى خَصَّ بِذَلِكَ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ مَن عَمى فِكْرُهُ وقَسا فُؤادُهُ لا يَهْتَدِي ولا يَتَّعِظُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ الهُدى والمَوْعِظَةُ.

3:139Page 67

وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أقْبَلَ خالِدٌ يُرِيدُ أنْ يَعْلُوَ الجَبَلَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَعْلُنَّ عَلَيْنا، اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلّا بِكَ» فَنَزَلَتْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وزادَ الواقِدِيُّ أنَّ رُماةَ المُسْلِمِينَ صَعِدُوا الجَبَلَ ورَمَوْا خَيْلَ المُشْرِكِينَ حَتّى هَزَمُوهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وأنْتُمُ الغالِبُونَ بَعْدَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَخْرُجُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ظَفِرُوا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ في عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ بَعْدُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ حِينَ أُمِرُوا بِطَلَبِ القَوْمِ مَعَ ما أصابَهم مِنَ الجِراحِ. وقالَ: لا يَخْرُجُ إلّا مَن شَهِدَ مَعَنا أمْسِ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ، نَهاهم عَنْ أنْ يَضْعُفُوا عَنْ جِهادِ أعْدائِهِمْ، وعَنِ الحُزْنِ عَلى مَنِ اسْتُشْهِدَ مِن إخْوانِهِمْ؛ فَإنَّهم (p-٦٢)صارُوا إلى كَرامَةِ اللَّهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ لِأجْلِ هَزِيمَتِهِمْ وقَتْلِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. قالَهُ مُقاتِلٌ. أوَلَمّا أصابَ النَّبِيَّ ﷺ مِن شَجِّهِ وكَسْرِ رُباعِيَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. أوَلَمّا فاتَ مِنَ الغَنِيمَةِ، ذَكَرُهُ أحْمَدُ النَّيْسابُورِيُّ. أوْ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ. وآنَسَهم بِقَوْلِهِ: ”﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾“ أيِ الغالِبُونَ وأصْحابُ العاقِبَةِ. وهو إخْبارٌ بِعُلُوِّ كَلِمَةِ الإسْلامِ. قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الظّاهِرُ.

وقِيلَ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾، أيْ قَدْ أصَبْتُمْ بِبَدْرٍ ضِعْفَ ما أصابُوا مِنكم بِ أُحُدٍ أسْرًا وقَتْلًا، فَيَكُونُ ”﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾“ نَصْبًا عَلى الحالِ، أيْ تَحْزَنُوا عالِينَ أيْ مَنصُورِينَ عَلى عَدُوِّكم. انْتَهى. وأمّا كَوْنُهُ مِن عُلُوِّهِمُ الجَبَلَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في سَبَبِ النُّزُولِ فَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن كَرَمِ الخُلُقِ أنْ لا يَهُنِ الإنْسانُ في حَرْبِهِ وخِصامِهِ، ولا يَلِينُ إذا كانَ مُحِقًّا، وأنْ يَتَقَصّى جَمِيعَ قُدْرَتِهِ، ولا يَضْرَعَ ولَوْ ماتَ. وإنَّما يُحْسِنُ اللِّينَ في السِّلْمِ والرِّضا، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، والمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُوُنَ» وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَجِبُ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا يُوادِعَ العَدُوَّ ما كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ، فَإنْ كانُوا في قُطْرٍ ما عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْظُرُ الإمامُ لَهم في الأصْلَحِ. انْتَهى.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ دَلالَةٌ عَلى فَضِيلَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ إذْ خاطَبَهم مِثْلَ ما خاطَبَ مُوسى كَلِيمَهُ ﷺ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، إذْ قالَ لَهُ: ”﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨]“ . وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالنَّهْيِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هَزًّا لِلنُّفُوسِ يُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ والثِّقَةَ بِصُنْعِ اللَّهِ، وقِلَّةَ المُبالاةِ بِالأعْداءِ. أوْ بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ: أيْ إنْ صَدَّقْتُمْ بِما وعَدَكم وبَشَّرَكم بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ. ويَكُونُ شَرْطًا عَلى بابِهِ يَحْصُلُ بِهِ الطَّعْنُ عَلى مَن ظَهَرَ نِفاقُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أيْ: لا تَكُونُ الغَلَبَةُ والعُلُوُّ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ، فاسْتَمْسِكُوا بِالإيمانِ.

3:140Page 67

إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allāh may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allāh does not like the wrongdoers -

﴿إنْ يَمْسَسْكم قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ﴾ المَعْنى: إنْ نالُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ نِلْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَضْعُفُوا إنْ قاتَلُوكم بَعْدَ ذَلِكَ، فَلا تَضْعُفُوا أنْتُمْ. أوْ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ قَبْلَ مُخالَفَةِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَحْوِهِ، فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ. وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ والتَّأسِّي فِيهِ أعْظَمُ مَسْلاةٍ. وقالَتِ الخَنْساءُ:

؎ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

؎وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي

والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِأدْنى مُشابَهَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: أصابَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ما أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، اسْتُشْهِدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُتِلَ يَوْمَئِذَ أيْ يَوْمَ أُحُدٍ خَلْقٌ مِنَ الكُفّارِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يَوْمَ بَدْرٍ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ القَوْمَ هُنا الأُمَمُ الَّتِي قَدْ خَلَتْ، أيْ نالَ مُؤْمِنُهم مِن أذى كافِرِهِمْ مِثْلَ الَّذِي نالَكم مِن أعْدائِكم. ثُمَّ كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَكم بِهِمْ أُسْوَةٌ. فَإنَّ تَأسِّيَكُمُ بِهِمْ مِمّا يُخَفِّفُ ألَمَكم، ويُثَبِّتُ عِنْدَ اللِّقاءِ أقْدامَكم.

وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ والأعْمَشُ مِن طَرِيقَه ”قُرْحٌ“ بِضَمِّ القافِ فِيهِما، وباقِي السَّبْعَةِ بِالفَتْحِ، والسَّبْعَةُ عَلى تَسْكِينِ الرّاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والفَتْحُ أوْلى. انْتَهى. ولا أوْلَوِيَّةَ؛ إذْ كِلاهُما مُتَواتِرٌ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وابْنُ السَّمَيْقَعِ ”﴿قَرْحٌ﴾“ بِفَتْحِ القافِ والرّاءِ، وهي لُغَةٌ، كالطَّرْدِ والطَّرَدِ، والشَّلِّ والشَّلَلِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: إنْ تَمْسَسْكم - بِالتّاءِ مِن فَوْقُ - قُرُوحٌ - بِالجَمْعِ - وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَأسَّوْا فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قُرْحٌ؛ لِأنَّ الماضِيَ مَعْنًى يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ. ومَن زَعَمَ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو فَقَدْ مَسَّ، فَهو ذاهِلٌ.

﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ أخْبَرَ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ أنَّ الأيّامَ عَلى قَدِيمِ الدَّهْرِ لا تَبْقى لِناسٍ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ. والمُرادُ بِالأيّامِ أوْقاتُ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ، يَصْرِفُها اللَّهُ عَلى ما أرادَ تارَةً لِهَؤُلاءِ وتارَةً لِهَؤُلاءِ، كَما جاءَ الحَرْبُ سِجالٌ. وقالَ:(p-٦٣)

؎فَيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لَنا ∗∗∗ ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ

وسَمِعَ بَعْضُ العَرَبِ الأقْحاحِ قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إنَّما هو نُداوِلُها بَيْنَ العَرَبِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو بَيْنَ النّاسِ، فَقالَ: إنّا لِلَّهِ، ذَهَبَ مُلْكُ العَرَبِ ورَبِّ الكَعْبَةِ. وقُرِئَ شاذًّا ”يُداوِلُها“ بِالياءِ. وهو جارٍ عَلى الغَيْبَةِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ. وقِراءَةُ النُّونِ فِيها التِفاتٌ وإخْبارٌ بِنُونِ العَظَمَةِ المُناسِبَةِ لِمُداوَلَةِ الأيّامِ، والأيّامُ: صِفَةٌ لِتِلْكَ، أوْ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والخَبَرُ نُداوِلُها، أوْ خَبَرٌ لِتِلْكَ، و”﴿نُداوِلُها﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ.

﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذِهِ لامُ كَيْ، قَبْلَها حَرْفُ العَطْفِ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ مُتَأخِّرٍ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ وهو المُداوَلَةُ، أوْ نَيْلُ الكُفّارِ مِنكم. أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى سَبَبٍ مَحْذُوفٍ هو وعامِلُهُ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ ولِيَعْلَمَ. هَكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، ولَمْ يُعَيِّنْ فاعِلَ العِلَّةِ المَحْذُوفَةِ إنَّما كَنّى عَنْهُ بِكَيْتَ وكَيْتَ، ولا يُكَنّى عَنِ الشَّيْءِ حَتّى يُعْرَفَ. فَفي هَذا الوَجْهِ حَذْفُ العِلَّةِ، وحَذْفُ عامِلِها، وإبْهامُ فاعِلِها. فالوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ حَذْفِ العامِلِ. و”يَعْلَمُ“ هُنا ظاهِرُهُ التَّعَدِّي إلى واحِدٍ، فَيَكُونُ كَعَرَفَ. وقِيلَ: يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مُمَيَّزِينَ بِالإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ. أيِ الحِكْمَةُ في هَذِهِ المُداوَلَةِ أنْ يَصِيرَ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَمَيِّزِينَ عَنْ مَن يَدَّعِي الإيمانَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإسْلامِ.

وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى لا يَتَجَدَّدُ، بَلْ لَمْ يَزَلْ عالِمًا بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها، وهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ بِمَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ فِعْلَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ مِنَ الثّابِتِ عَلى الإيمانِ مِنكم مِن غَيْرِ الثّابِتِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لِيَظْهَرَ في الوُجُودِ إيمانُ الَّذِينَ قَدْ عُلِمَ أزَلًا أنَّهم يُؤْمِنُونَ، ويُساوِقَ عِلْمُهُ إيمانَهم ووُجُودَهم، وإلّا فُقِدَ عِلْمُهم في الأزَلِ. إذْ عِلْمُهُ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ. ومِثْلُهُ أنْ يَضْرِبَ حاكِمٌ رَجُلًا ثُمَّ يُبَيِّنَ سَبَبَ الضَّرْبِ ويَقُولَ: فَعَلْتُ هَذا التَّبْيِينَ لِأضْرِبَ مُسْتَحِقًّا. مَعْناهُ: لِيَظْهَرَ أنَّ فِعْلِي وافَقَ اسْتِحْقاقَهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ ولِيَعْلَمَهم عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ، وهو أنْ يَعْلَمَهم مَوْجُودًا مِنهُمُ الثَّباتُ. وقِيلَ: العِلْمُ باقٍ عَلى مَدْلُولِهِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ التَّقْدِيرُ: ولِيَعْلَمَ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَأسْنَدَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ تَفْخِيمًا.

”﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾“ أيْ بِالقَتْلِ في سَبِيلِهِ، فَيُكْرِمُهم بِالشَّهادَةِ. يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الشَّهِيدِ غَيْرُ ما آيَةٍ وحَدِيثٍ. أوْ شُهَداءَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ أيْ ولِيَتَّخِذَ مِنكم مَن يَصْلُحُ لِلشَّهادَةِ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ بِما يَبْتَلِي بِهِ صَبْرَكم عَلى الشَّدائِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] . والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ وألْيَقُ بِقِصَّةِ أُحُدٍ.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] أيْ لا يُحِبُّ مَن لا يَكُونُ ثابِتًا عَلى الإيمانِ صابِرًا عَلى الجِهادِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَنِ انْخَذَلَ يَوْمَ أُحُدٍ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأتْباعِهِ مِنَ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم بِانْخِذالِهِمْ لَمْ يَطْهُرْ إيمانُهم، بَلْ نَجَمَ نِفاقُهم، ولَمْ يَصْلُحُوا لِاتِّخاذِهِمْ شُهَداءَ بِأنْ يُقْتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وذَلِكَ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ ما فُعِلَ مِن إدالَةِ الكُفّارِ لَيْسَ سَبَبُهُ المَحَبَّةَ مِنهُ تَعالى، بَلْ ما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ مِن ظُهُورِ إيمانِ المُؤْمِنِ وثُبُوتِهِ، واصْطِفائِهِ مَن شاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلشَّهادَةِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتُرِضَتْ بَيْنَ بَعْضِ العِلَلِ وبَعْضٍ، لِما فِيها مِنَ التَّشْدِيدِ والتَّأْكِيدِ. وأنَّ مَناطَ انْتِفاءِ المَحَبَّةِ هو الظُّلْمُ، وهو دَلِيلٌ عَلى فَحاشَتِهِ وقُبْحِهِ مِن سائِرِ الأوْصافِ القَبِيحَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском