Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:141–144
3:141Page 68
وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١
And that Allāh may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.
﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُطَهِّرَهم مِنَ الذُّنُوبِ، ويُخَلِّصَهم مِنَ العُيُوبِ، ويُصَفِّيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ: التَّمْحِيصُ: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎رَأيْتُ فُضَيْلًا كانَ شَيْئًا مُلَفَّفًا فَكَشَفَهُ التَّمْحِيصُ حَتّى بَدا لِيا
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّنْقِيَةُ والتَّخْلِيصُ، وذَكَرَهُ عَنِ المُبَرِّدِ وعَنِ الخَلِيلِ. وقِيلَ: التَّطْهِيرُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِينَ آمَنُوا.
﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ أيْ يُهْلِكَهم شَيْئًا فَشَيْئًا. والمَعْنى: أنَّ الدَّوْلَةَ إنْ كانَتْ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ كانَتْ سَبَبًا لِتَمْيِيزِ المُؤْمِنِ مِن غَيْرِهِ، (p-٦٤)وسَبَبًا لِاسْتِشْهادِ مَن قُتِلَ مِنهم، وسَبَبًا لِتَطْهِيرِ المُؤْمِنِ مِنَ الذَّنْبِ. فَقَدْ جَمَعَتْ فَوائِدَ كَثِيرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ النَّصْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ كانَ سَبَبًا لِمَحْقِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ واسْتِئْصالِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: يُنْقِصُهم ويُقَلِّلُهم، وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُذْهِبُ دَعْوَتَهم. وقِيلَ: يُحْبِطُ أعْمالَهم، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ هُنا طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهُمُ الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَمْحَقْ كُلَّ كافِرٍ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم باقٍ عَلى كُفْرِهِ. فَلَفْظَةُ الكافِرِينَ عامٌّ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ. قِيلَ: وقابَلَ تَمْحِيصَ المُؤْمِنِ بِمَحْقِ الكافِرِ؛ لِأنَّ التَّمْحِيصَ إهْلاكُ الذُّنُوبِ، والمَحْقُ إهْلاكُ النُّفُوسِ، وهي مُقابَلَةٌ لَطِيفَةٌ في المَعْنى. انْتَهى. وفي ذِكْرِ ما يَلْحَقُ المُؤْمِنَ عِنْدَ إدالَةِ الكُفّارِ تَسْلِيَةٌ لَهم وتَبْشِيرٌ بِهَذِهِ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ، وأنَّ تِلْكَ الإدالَةَ لَمْ تَكُنْ لِهَوانٍ بِهِمْ، ولا تَحُطُّ مِن أقْدارِهِمْ، بَلْ لِما ذَكَرَ تَعالى.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ والبَيانِ، مِن ذَلِكَ الِاعْتِراضُ في ”﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، وفي ”﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]“، وفي ”﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]“، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ في ”﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]“، والتَّشْبِيهُ في ”﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]“ . وقِيلَ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ وإضافَةُ الحُكْمِ إلى الأكْثَرِ في أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، وهي مُعَدَّةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِنَ العُصاةِ. والطِّباقُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفي ”ولا تَهِنُوا“ و”الأعْلَوْنَ“؛ لِأنَّ الوَهَنَ والعُلُوَّ ضِدّانِ. وفي ”آمَنُوا“ و”الظّالِمِينَ“؛ لِأنَّ الظّالِمِينَ هُنا هُمُ الكافِرُونَ، وفي ”آمَنُوا“ و”يَمْحَقَ الكافِرِينَ“ . والعامُّ يُرادُ بِهِ الخاصُّ في: ”﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، يَعْنِي مَن ظَلَمَهم أوِ المَمالِيكَ. والتَّكْرارُ في: ”﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]“، ”﴿واتَّقُوا النّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١]“، وفي: لَفْظِ الجَلالَةِ، وفي: ”﴿واللَّهُ يُحِبُّ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، و”﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]“، وفي: ”﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]“، ”﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾ [آل عمران: ٥٧]“، ”﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ﴾“، وفي: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، والَّذِينَ إذا فَعَلُوا. والِاخْتِصاصُ في: ”﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، وفي: ”﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]“، وفي: ”﴿عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]“، وفي: ”مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ“، وفي: ”﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]“، وفي: ”﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]“، وفي: ”﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾“، وفي: ”﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾“ . والِاسْتِعارَةُ في: ”فَسِيرُوا“، عَلى أنَّهُ مِن سَيْرِ الفِكْرِ لا القَدَمِ، وفي: ”﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]“، إذا لَمْ تَكُنْ مِن عُلُوِّ المَكانِ، وفي: تِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها، وفي: ”ولِيُمَحِّصَ“، ”﴿ويَمْحَقَ﴾“، والإشارَةُ في هَذا بَيانٌ. وفي: ”﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]“ . وإدْخالُ حَرْفِ الشَّرْطِ في الأمْرِ المُحَقَّقِ في: ”﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]“، إذا عُلِّقَ عَلَيْهِ النَّهْيَ والحَذْفَ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
3:142Page 68
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٢
Or do you think that you will enter Paradise while Allāh has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?
﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١] ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] . (p-٦٥)”كَأيِّنْ“ كَلِمَةٌ يُكَثَّرُ بِها بِمَعْنى كَمِ الخَبَرِيَّةِ، وقَلَّ الِاسْتِفْهامُ بِها. والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، دَخَلَتْ عَلى ”أيْ“ وزالَ مَعْنى التَّشْبِيهِ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِما بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ: أنَّ أيًّا وزْنُهُ فِعْلٌ، وهو مَصْدَرُ ”أوى“ يَأْوِي، إذا انْضَمَّ واجْتَمَعَ، أصْلُهُ ”أوى“ عَمِلَ فِيهِ ما عَمِلَ في طَيٍّ مَصْدَرِ طَوَيَ. وهَذا كُلُّهُ دَعْوى لا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مِنها. والَّذِي يَظْهُرُ أنَّهُ اسْمٌ مَبْنِيٌّ بَسِيطٌ لا تَرْكِيبَ فِيهِ، يَأْتِي لِلتَّكْثِيرِ مِثْلَ ”كَمْ“، وفِيهِ لُغاتٌ: الأُولى وهي الَّتِي تَقَدَّمَتْ، و”كائِنٌ“ ومَنِ ادَّعى أنَّ هَذِهِ اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ، فَقَوْلُهُ بِعِيدٌ. و”كَئَنَ“ عَلى وزْنِ كَعَنَ، وكَأيِّنْ وكَيَيِّنْ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالنُّونِ. وأكْثَرُ ما يَجِيءُ تَمْيِيزُها مَصْحُوبًا بِمِن. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ في قَوْلِهِ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ مِن، وإذا حُذِفَتِ انْتَصَبَ التَّمْيِيزُ سَواءٌ أوَلِيَها أمْ لَمْ يَلِيها، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أطْرُدُ اليَأْسَ بِالرَّجاءِ فَكَأيِّنْ ألَمًا عَمَّ يَسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎وكَأيِّنْ لَنا فَضْلًا عَلَيْكم ونِعْمَةً ∗∗∗ قَدِيمًا ولا تَدْرُونَ ما مِن مُنْعِمِ
الرُّعْبُ: الخَوْفُ، رَعَبْتُهُ فَهو مَرْعُوبٌ. وأصْلُهُ مِنَ المَلْئِ. يُقالُ: سَيْلٌ راعِبٌ يَمْلَأُ الوادِي، ورَعَبْتُ الحَوْضَ: مَلَأْتُهُ.
السُّلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْوالِي: سُلْطانٌ. وقِيلَ: اشْتِقاقُ السُّلْطانِ مِنَ السَّلِيطِ، وهو ما يُضِيءُ بِهِ السِّراجُ مِن دُهْنِ السِّمْسِمِ. وقِيلَ: السَّلِيطُ الحَدِيدُ، والسَّلاطَةُ الحِدَّةُ، والسَّلاطَةُ مِنَ التَّسْلِيطِ وهو القَهْرُ والسُّلْطانُ مِن ذَلِكَ، فالنُّونُ زائِدَةٌ. والسَّلِيطَةُ: المَرْأةُ الصَّخّابَةُ. والسَّلِيطُ: الرَّجُلُ الفَصِيحُ اللِّسانِ.
المَثْوى: مَفْعَلْ مِن ثَوى يَثْوِي أقامَ. يَكُونُ لِلْمَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، والثَّواءُ: الإقامَةُ بِالمَكانِ.
الحَسُّ: القَتْلُ الذَّرِيعُ، يُقالُ: حَسَّهُ يُحُسُّهُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎حَسَسْناهم بِالسَّيْفِ حَسًّا فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ بَقِيَّتُهم قَدْ شُرِّدُوا وتَبَدَّدُوا
وجَرادٌ مَحْسُوسٌ: قَتَلَهُ البَرْدُ، وسَنَةٌ حَسُوسٌ: أتَتْ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
التَّنازُعُ: الِاخْتِلافُ، وهو مِنَ النَّزْعِ وهو الجَذْبُ. ونَزَعَ يَنْزِعُ جَذَبَ، وهو مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ. ونازَعَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ، وتَنازَعَ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ. قالَ:
؎فَلَمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ ∗∗∗ هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ
﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها عَتْبٌ شَدِيدٌ لِمَن وقَعَتْ مِنهُمُ الهَفَواتُ يَوْمَ أُحُدٍ. واسْتَفْهَمَ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وهو مُخِلٌّ بِما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الجِهادِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ. والمُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ انْتِفاءُ مُتَعَلِّقِهِ؛ لِأنَّهُ مُنْتَفٍ بِانْتِفائِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] المَعْنى: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَيْرٌ؛ لِأنَّ ما لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى مَوْجُودًا لا يَكُونُ مَوَجُودًا أبَدًا.
و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ تَتَقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ عَلى ما قُرِّرَ في النَّحْوِ. وقِيلَ: هي بِمَعْنى الهَمْزَةِ. وقِيلَ: ”أمْ“ مُتَّصِلَةٌ. قالَ ابْنُ بَحْرٍ: هي عَدِيلَةُ هَمْزَةٍ تَتَقَدَّرُ مِن مَعْنى ما تَتَقَدَّمُ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] إلى آخِرِ القِصَّةِ يَقْتَضِي أنْ يَتْبَعَ ذَلِكَ: أتَعْلَمُونَ أنَّ التَّكْلِيفَ يُوجِبُ ذَلِكَ، أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ اخْتِبارٍ وتَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ، (p-٦٦)وأنْ تُجاهِدُوا فَيَعْلَمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنكم واقِعًا. انْتَهى كَلامُهُ. وتَقَدَّمَ لَنا إبْطالُ مِثْلِ هَذا القَوْلِ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ مَعْناهُ الإنْكارُ والإضْرابُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ أيْضًا هو تَرْكٌ لِما قَبْلَهُ مِن غَيْرِ إبْطالٍ وأخْذٍ فِيما بَعْدَهُ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: ”﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾“ نَهْيٌ وقَعَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ. وتَلْخِيصُهُ: لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَقَعْ مِنكُمُ الجِهادُ. لَمّا قالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] كانَ في مَعْنى: أتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ بِهِ، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مُجاهَدَةٍ وصَبْرٍ. وإنَّما اسْتُبْعِدَ هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الجِهادَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأوْجَبَ الصَّبْرَ عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّها، وبَيَّنَ وُجُوهَ مَصالِحِها في الدِّينِ والدُّنْيا. فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ كانَ مِنَ البُعْدِ أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلى السَّعادَةِ والجَنَّةِ مَعَ إهْمالِ هَذِهِ القاعِدَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وظاهِرُهُ: أنَّ ”أمْ“ مُتَّصِلَةٌ، وحَسِبْتُمْ هُنا بِمَعْنى ظَنَنْتُمُ التَّرْجِيحِيَّةِ، وسَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها ”أنْ“ وما بَعْدَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وسَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولٍ واحِدٍ والثّانِي مَحْذُوفٌ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ.
”﴿ولَمّا يَعْلَمِ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهي نَفْيٌ مُؤَكَّدٌ لِمُعادَلَتِهِ لِلْمُثْبَتِ المُؤَكَّدِ بِقَدْ. فَإذا قُلْتَ: قَدْ قامَ زَيْدٌ، فَفِيهِ مِنَ التَّثْبِيتِ والتَّأْكِيدِ ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ. فَإذا نَفَيْتَهُ قُلْتَ: لَمّا يَقُمْ زَيْدٌ. وإذا قُلْتَ: قامَ زَيْدٌ كانَ نَفْيُهُ لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا بِمَعْنى لَمْ، إلّا أنَّ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ التَّوَقُّعِ، فَدَلَّ عَلى نَفْيِ الجِهادِ فِيما مَضى، وعَلى تَوَقُّعِهِ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وتَقُولُ: وعَدَنِي أنْ يَفْعَلَ كَذا، ولَمّا تُرِيدْ، ولَمْ يَفْعَلْ، وأنا أتَوَقَّعُ فِعْلَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الَّذِي قالَهُ في ”لَمّا“ أنَّها تَدُلُّ عَلى تَوَقُّعِ الفِعْلِ المَنهِيِّ بِها فِيما يُسْتَقْبَلُ - لا أعْلَمَ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَهُ. بَلْ ذَكَرُوا أنَّكَ إذا قُلْتَ: لَمّا يَخْرُجْ زَيْدٌ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى انْتِفاءِ الخُرُوجِ فِيما مَضى مُتَّصِلًا نَفْيُهُ إلى وقْتِ الإخْبارِ. أمّا أنَّها تَدُلُّ عَلى تَوَقُّعِهِ في المُسْتَقْبَلِ فَلا، لَكِنَّنِي وجَدْتُ في كَلامِ الفَرّاءِ شَيْئًا يُقارِبُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ: ”لَمّا“ لِتَعْرِيضِ الوُجُودِ بِخِلافِ ”لَمْ“ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ المِيمِ؛ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ بِفَتْحِها، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ إتْباعٌ لِفَتْحَةِ اللّامِ وعَلى إرادَةِ النُّونِ الخَفِيفَةِ وحَذْفِها، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تُهِينَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ويَعْلَمُ“ بِرَفْعِ المِيمِ، فَقِيلَ: هو مَجْزُومٌ، وأتْبَعَ المِيمَ اللّامَ في الفَتْحِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ”﴿ولَمّا يَعْلَمِ﴾“ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أحَدِ التَّخْرِيجَيْنِ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ. فَعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ بِإضْمارِ ”أنْ“ بَعْدَ واوٍ مَـعَ نَحْوِ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ. وعَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ بِواوِ الصَّرْفِ، وتَقْرِيرُ المَذْهَبَيْنِ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو حَيْوَةَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَطْفًا عَلى ”﴿ولَمّا يَعْلَمِ﴾“ . وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو ”ويَعْلَمُ“ بِرَفْعِ المِيمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ. انْتَهى. ولا يَصْلُحُ ما قالَ؛ لِأنَّ واوَ الحالِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ، يَجُوزُ: جاءَ زَيْدٌ ويَضْحَكُ، وأنْتَ تُرِيدُ جاءَ زَيْدٌ يَضْحَكُ؛ لِأنَّ المُضارِعَ واقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ الفاعِلِ. فَكَما لا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ وضاحِكًا، كَذَلِكَ لا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ ويَضْحَكُ. فَإنْ أُوِّلَ عَلى أنَّ المُضارِعَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أمْكَنَ ذَلِكَ، التَّقْدِيرُ: وهو يَعْلَمُ الصّابِرِينَ، كَما أوَّلُوا قَوْلَهُ: نَجَوْتُ وأرْهَنُهم مالِكًا، أيْ وأنا أرْهَنُهم. وخَرَّجَ غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ قِراءَةَ الرَّفْعِ عَلى اسْتِئْنافِ الإخْبارِ، أيْ: وهو يَعْلَمُ الصّابِرِينَ.
وفِي إنْكارِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَن (p-٦٧)ظَنَّ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ يَكُونُ مَعَ انْتِفاءِ الجِهادِ والصَّبْرِ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ - دَلِيلٌ عَلى فَرْضِيَّةِ الجِهادِ إذْ ذاكَ والثَّباتِ لِلْعَدُوِّ، وقَدْ ذُكِرَ في الحَدِيثِ «أنَّ التَّوَلِّيَ عِنْدَ الزَّحْفِ مِنَ السَّبْعِ المُوبِقاتِ» .
3:143Page 68
وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ١٤٣
And you had certainly wished for death [i.e., martyrdom] before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.
﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ والمُرادُ الخُصُوصُ. وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْضُرُوا غَزْوَةَ بَدْرٍ؛ إذْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّما خَرَجَ مُبادِرًا يُرِيدُ عِيرًا لْقُرَيْشِ، فَلَمْ يَظُنُّوا حَرْبًا، وفازَ أهْلُ بَدْرٍ بِما فازُوا بِهِ مِنَ الكَرامَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ لِيَكُونَ لَهم يَوْمٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ، وهُمُ الَّذِينَ حَرَّضُوا عَلى الخُرُوجِ لِأُحُدٍ. فَلَمّا كانَ في يَوْمِ أُحُدٍ ما كانَ مِن قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَمِيئَةَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ الذّابَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ظانًّا أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ بِذَلِكَ صارِخٌ، وفَشا ذَلِكَ في النّاسِ، انْكَفُّوا فارِّينَ، فَدَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ» حَتّى انْحازَتْ إلَيْهِ طائِفَةٌ واسْتَعْذَرُوا عَنِ انْكِفافِهِمْ قائِلِينَ: أتانا خَبَرُ قَتْلِكَ، فَرُعِبَتْ قُلُوبُنا، فَوَلَّيْنا مُدْبِرِينَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَلُومُهم عَلى ما صَدَرَ مِنهم مَعَ ما كانُوا قَرَّرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِن تَمَنِّي المَوْتِ. وعَبَّرَ عَنْ مُلاقاةِ الرِّجالِ ومُجالَدَتِهِمْ بِالحَدِيدِ بِالمَوْتِ؛ إذْ هي حالَةٌ تَتَضَمَّنُ في الأغْلَبِ المَوْتَ، فَلا يَتَمَنّاها إلّا مَن طابَتْ نَفْسُهُ بِالمَوْتِ. ومُتَمَنِّي المَوْتِ في الجِهادِ لَيْسَ مُتَمَنِّيًا لِغَلَبَةِ الكافِرِ المُسْلِمِ، إنَّما يَجِيءُ ذَلِكَ في الضِّمْنِ لا أنَّهُ مَقْصُودٌ، إنَّما مَقْصِدُهُ نَيْلُ رُتْبَةِ الشَّهادَةِ؛ لِما فِيها مِنَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ. وأنْشَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ وقَدْ نَهَضَ إلى مَوْتِهِ وقالَ لَهم: رَدَّكُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ:
؎لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً وضَرْبَةً ذاتَ فَرْعٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا
؎حَتّى يَقُولُوا إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ أرْشَدَهُ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا
﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أنْ تُشاهِدُوا شَدائِدَهُ ومَضائِقَهُ. وضَمِيرُ المَفْعُولِ في تَلْقَوْهُ عائِدٌ عَلى المَوْتِ، وقِيلَ: عَلى العَدُوِّ، وأُضْمِرَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ يَعُودُ عَلى مَذْكُورٍ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ: تُلاقُوهُ، ومَعْناها ومَعْنى تَلْقَوْهُ سَواءٌ مِن حَيْثُ إنَّ مَعْنى لَقِيَ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى وزْنِ فاعِلٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ ”مِن قَبْلُ“ بِضَمِّ اللّامِ مَقْطُوعًا عَنِ الإضافَةِ، فَيَكُونُ مَوْضِعُ أنْ تَلْقَوْهُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْتِ. ”﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾“ أيْ عايَنْتُمْ أسْبابَهُ وهي الحَرْبُ المُسْتَعِرَةُ كَما قالَ:
؎لَقَـدْ رَأيْتُ المَـوْتَ قَبْلَ ذَوْقِــهِ
وقالَ:
؎ووَجَدْتُ رِيحَ المَوْتِ مِن تِلْقائِهِمْ ∗∗∗ في مَأْزِقٍ والخَيْلُ لَمْ تَتَبَدَّدِ
وقِيلَ: مَعْنى الرُّؤْيَةِ هُنا العِلْمُ، ويَحْتاجُ إلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي أيْ: فَقَدْ عَلِمْتُمُ المَوْتَ حاضِرًا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وحَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْ ظَنَّ وأخَواتِها عَزِيزٌ جِدًّا؛ ولِذَلِكَ وقَعَ فِيهِ الخِلافُ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ”فَلَقَدْ رَأيْتُمُوهُ“ بِاللّامِ. ”﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ لِلتَّأْكِيدِ، ورُفِعَ ما يَحْتَمِلُهُ ”رَأيْتُمُوهُ“ مِنَ المَجازِ، أوْ مِنَ الِاشْتِراكِ الَّذِي بَيْنَ رُؤْيَةِ القَلْبِ ورُؤْيَةِ العَيْنِ، أيْ مُعايِنِينَ مُشاهِدِينَ لَهُ حِينَ قُتِلَ بَيْنَ أيْدِيكم مَن قُتِلَ مِن إخْوانِكم وأقارِبِكم، وشارَفْتُمْ أنْ تُقْتَلُوا، فَعَلى هَذا يَكُونُ مُتَعَلِّقُ النَّظَرِ مُتَعَلِّقَ الرُّؤْيَةِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: وأنْتُمْ بُصَراءُ، أيْ لَيْسَ بِأعْيُنِكم عِلَّةٌ. ويَرْجِعُ مَعْناهُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَهُ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ أيْضًا. وقِيلَ: تَنْظُرُونَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وما فَعَلَ بِهِ. وقِيلَ: تَنْظُرُونَ نَظَرَ تَأمَّلَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ. وقِيلَ: تَنْظُرُونَ في أسْبابِ النَّجاةِ والفِرارِ، وفي أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ قُتِلَ أمْ لا ؟ وقِيلَ: تَنْظُرُونَ ما تَمَنَّيْتُمْ، وهو عائِدٌ عَلى المَوْتِ. (p-٦٨)وقِيلَ: تَنْظُرُونَ في فِعْلِكُمُ الآنَ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، هَلْ وفَّيْتُمْ أوْ خالَفْتُمْ ؟ فَعَلى هَذا المَعْنى لا تَكُونُ جُمْلَةً حالِيَّةً، بَلْ هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةُ الإخْبارِ أتى بِها عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأنْتُمْ حُسَباءُ أنْفُسَكم فَتَأمَّلُوا قُبْحَ فِعْلِكم. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ صِيغَتُها صِيغَةُ الخَبَرِ فَمَعْناها العَتْبُ والإنْكارُ عَلى مَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وفِيها مَحْذُوفٌ أخِيرًا بَعْدَ قَوْلِهِ: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ، أيْ تَفَرُّقِهِمْ بَعْدَ رُؤْيَةِ أسْبابِهِ وكَشْفِ الغَيْبِ، أنَّ مُتَعَلِّقَ تَمَنِّيكم نَكَصْتُمْ عَنْهُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ: إنَّ مَعْنى رَأيْتُمُوهُ قابَلْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ بِعُيُونِكم، ولِهَذِهِ العِلَّةِ ذُكِرَ النَّظَرُ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ حِينَ اخْتَلَفَ مَعْناهُما؛ لِأنَّ الأوَّلَ بِمَعْنى المُقابَلَةِ والمُواجَهَةِ، والثّانِي بِمَعْنى رُؤْيَةِ العَيْنِ. انْتَهى. ويَكُونُ إذْ ذاكَ، وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ المُبَيِّنَةِ لا المُؤَكِّدَةِ، إلّا أنَّ المَشْهُورَ في اللُّغَةِ أنَّ الرُّؤْيَةَ هي الإبْصارُ، لا المُقابَلَةُ والمُواجَهَةُ.
3:144Page 68
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤
Muḥammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allāh at all; but Allāh will reward the grateful.
﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ هَذا اسْتِمْرارٌ في عَتْبِهِمْ آخَرُ، أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ كَمَن مَضى مِنَ الرُّسُلِ، بَلَّغَ عَنِ اللَّهِ كَما بَلَّغُوا. ولَيْسَ بَقاءُ الرُّسُلِ شَرْطًا في بَقاءِ شَرائِعِهِمْ، بَلْ هم يَمُوتُونَ وتَبْقى شَرائِعُهم يَلْتَزِمُها أتْباعُهم. فَكَما مَضَتِ الرُّسُلُ وانْقَضَوْا، فَكَذَلِكَ حُكْمُهم هو في ذَلِكَ واحِدٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”الرُّسُلُ“ بِالتَّعْرِيفِ، عَلى سَبِيلِ التَّفْخِيمِ لِلرُّسُلِ، والتَّنْوِيهِ بِهِمْ عَلى مُقْتَضى حالِهِمْ مِنَ اللَّهِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ”رُسُلٌ“ بِالتَّنْكِيرِ، وبِها قَرَأ: ابْنُ عَبّاسٍ وقَحْطانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ووَجْهُها أنَّهُ مَوْضِعُ تَبْشِيرٍ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ في مَعْنى الحَياةِ، ومَكانُ تَسْوِيَةٍ بَيْنِهِ وبَيْنَ البَشَرِ في ذَلِكَ. وهَكَذا يَتَّصِلُ في أماكِنِ الِاقْتِضاءِ بِهِ بِالشَّيْءِ ومِنهُ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ذَكَرَ هَذا الفَرْقَ بَيْنَ التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ في نَحْوِ هَذا المَساقِ أبُو الفَتْحِ، وقِراءَةُ التَّعْرِيفِ أوْجَهُ، إذْ تَدُلُّ عَلى تَساوِي كُلٍّ في الخَلْقِ والمَوْتِ، فَهَذا الرَّسُولُ هو مِثْلُهم في ذَلِكَ.
﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ لَمّا صُرِخَ بِأنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، تَزَلْزَلَتْ أقْدامُ المُؤْمِنِينَ، ورُعِبَتْ قُلُوبُهم، وأمْعَنُوا في الفِرارِ، وكانُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ قالَتْ: ما نَصْنَعُ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ، فَقاتَلُوا حَتّى قُتِلُوا، مِنهم: أنَسُ بْنُ النَّضْرِ. وفِرْقَةٌ قالُوا: نُلْقِي إلَيْهِمْ بِأيْدِينا فَإنَّهم قَوْمُنا وبَنُو عَمِّنا. وفِرْقَةٌ أظْهَرَتِ النِّفاقَ وقالُوا: ارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ الأوَّلِ، فَلَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا ما قُتِلَ.
وظاهِرُ الِانْقِلابِ عَلى العَقِبَيْنِ هو الِارْتِدادُ. وقِيلَ: هو بِالفِرارِ لا الِارْتِدادُ. وقَدْ جاءَ هَذا اللَّفْظُ في الِارْتِدادِ والكُفْرِ في قَوْلِهِ: ”﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]“ وهَذِهِ الهَمْزَةُ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ. والفاءُ لِلْعَطْفِ، وأصْلُها التَّقْدِيمُ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: فَــأإنْ ماتَ. لَكِنَّهم يَعْتَنُونَ بِالِاسْتِفْهامِ فَيُقَدِّمُونَهُ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا مِثْلُ هَذا وخِلافُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِيهِ. وقالَ الخَطِيبُ كَمالُ الدِّينِ الزَّمَلْكانِيِّ: الأوْجُهُ أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقِيلَ الفاءُ، تَكُونُ الفاءُ عاطِفَةً عَلَيْهِ. ولَوْ صَرَّحَ بِهِ لَقِيلَ: أتُؤْمِنُونَ بِهِ مُدَّةَ حَيّاتِهِ، فَإنْ ماتَ ارْتَدَدْتُمْ، فَتُخالِفُوا سُنَنَ اتِّباعِ الأنْبِياءِ قَبْلَكم في ثَباتِهِمْ عَلى مِلَلِ أنْبِيائِهِمْ بَعْدَ وفاتِهِمْ. انْتَهى. وهَذِهِ نَزْعَةٌ زَمَخْشَرِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في نَحْوِ ذَلِكَ. وأنَّ هَذِهِ الفاءَ إنَّما عَطَفَتِ الجُمْلَةَ المُسْتَفْهَمَ عَنْها عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ قَبْلَها، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ داخِلَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجَزائِهِ. وجَزاؤُهُ هو ”انْقَلَبْتُمْ“، فَلا تُغَيِّرُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ شَيْئًا مِن أحْكامِ الشَّرْطِ وجَزائِهِ. فَإذا كانا مُضارِعَيْنِ كانا مَجْزُومَيْنِ نَحْوَ: أإنْ تَأْتِنِي آتِكَ. وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّ الفِعْلَ الثّانِيَ يُبْنى عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ، فَيُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ ولا بُدَّ، إذْ ذاكَ مِن جَعْلِ الفِعْلِ الأوَّلِ ماضِيًا؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، ولا يُحْذَفُ الجَوابُ إلّا إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ لا يَظْهَرُ فِيهِ عَمَلٌ لِأداةِ الشَّرْطِ، فَيَلْزَمُ عِنْدَهُ أنْ تَقُولَ: أإنْ أكْرَمْتَنِي أُكْرِمْكَ. التَّقْدِيرُ فِيهِ: أُكْرِمْكَ إنْ أكْرَمْتَنِي، ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ: إنْ تُكْرِمْنِي (p-٦٩)أُكْرِمْكَ بِجَزْمِهِما أصْلًا، ولا إنْ تُكْرِمْنِي أُكْرِمُكَ بِجَزْمِ الأوَّلِ ورَفْعِ الثّانِي إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ مُسْتَوْفًى في عِلْمِ النَّحْوِ. فَعَلى مَذْهَبِ يُونُسَ: تَكُونُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ في التَّقْدِيرِ عَلى انْقَلَبْتُمْ، وهو ماضٍ مَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ؛ لِأنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالمَوْتِ أوْ بِالقَتْلِ. وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدَ يُونُسَ مَحْذُوفٌ، وبِقَوْلِ يُونُسَ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في الآيَةِ قالُوا: ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّ الغَرَضَ إنَّما هو أتَنْقَلِبُونَ عَلى أعْقابِكم إنْ ماتَ مُحَمَّدٌ. ودَخَلَتْ إنْ هُنا عَلى المُحَقَّقِ ولَيْسَ مِن مَظانِّها؛ لِأنَّهُ أُورِدَ مَوْرِدَ المَشْكُوكِ فِيهِ؛ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ المَوْتِ والقَتْلِ، وتَجْوِيزِ قَتْلِهِ عِنْدَ أكْثَرِ المُخاطَبِينَ. ألا تَرى إلَيْهِمْ حِينَ سَمِعُوا أنَّهُ قُتِلَ اضْطَرَبُوا وفَرُّوا، وانْقَسَمُوا إلى ثَلاثِ فِرَقٍ، ومَن ثَبَتَ مِنهم فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ ؟ قالَ بَعْضُهم: يا قَوْمُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، مُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ. وقالَ بَعْضُهم: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكم. فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَجْوِيزِ أكْثَرِ المُخاطَبِينَ لِأنْ يُقْتَلَ. فَأمّا العِلْمُ بِأنَّهُ لا يُقْتَلُ مِن جِهَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَهو مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وذَوِي البَصِيرَةِ مِنهم، ومَن سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ وعَرَفَ سَبَبَ نُزُولِها.
﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ أيْ مَن رَجَعَ إلى الكُفْرِ أوِ ارْتَدَّ فارًّا عَنِ القِتالِ وعَنْ ما كانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن أمْرِ الجِهادِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ هي عامَّةٌ في أنَّ كُلَّ مَنِ انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ فَلا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، ولا يَلْحَقُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مَضارُّ العَبْدِ. ولَمْ تَقَعْ رِدَّةٌ مِن أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلّا ما كانَ مِن قَوْلِ المُنافِقِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾“ بِالتَّثْنِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ عَلى عَقِبِهِ بِالإفْرادِ، وانْتِصابُ شَيْئًا عَلى المَصْدَرِ أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا. والِانْقِلابُ عَلى الأعْقابِ أوْ عَلى العَقِبَيْنِ أوِ العَقِبِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ مِثْلَ مَن يَرْجِعُ إلى دِينِهِ الأوَّلِ بِمَن يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ.
﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ وعْدٌ عَظِيمٌ بِالجَزاءِ. وجاءَ بِالسِّينِ الَّتِي هي في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: قَرِينَةُ التَّفْسِيرِ في الِاسْتِقْبالِ، أيْ: لا يَتَأخَّرُ جَزاءُ اللَّهِ إيّاهم عَنْهم. والشّاكِرِينَ هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى دِينِهِ، وصَدَقُوا اللَّهَ فِيما وعَدُوهُ، وثَبَتُوا، شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ، ولَمْ يَكْفُرُوها، كَأنَسِ بْنِ النَّضْرِ، وسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، والأنْصارِيِّ الَّذِي كانَ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ثَبَتَ ذَلِكَ اليَوْمَ.
والشّاكِرُونَ لَفْظٌ عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ شاكِرٍ فِعْلًا وقَوْلًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الشُّكْرِ. وظاهِرُ هَذا الجَزاءِ أنَّهُ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ. وفَسَّرُوا الشّاكِرِينَ هُنا بِالثّابِتِينَ عَلى دِينِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ. وقالَ هو والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أبُو بَكْرٍ أمِيرُ الشّاكِرِينَ، يُشِيرانِ إلى ثَباتِهِ يَوْمَ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، واضْطِرابِ النّاسِ إذْ ذاكَ، وثَباتِهِ في أمْرِ الرِّدَّةِ وما قامَ بِهِ مِن أعْباءِ الإسْلامِ. وفُسِّرَ أيْضًا بِالطّائِعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences