Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:145–147
3:145Page 68
وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥
And it is not [possible] for one to die except by permission of Allāh at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And We will reward the grateful.
﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ مَوْتَ الأنْفُسِ مُحالٌ أنْ تَكُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَأخْرَجَهُ مَخْرَجَ فِعْلٍ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ إلّا أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ تَمْثِيلًا؛ ولِأنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو المُوَكَّلُ بِذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَقْبِضَ نَفْسًا إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ. وهو عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْرِيضُهم عَلى الجِهادِ، وتَشْجِيعُهم عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، بِإعْلامِهِمْ أنَّ الحَذَرَ لا يَنْفَعُ، وأنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ قَبْلَ بُلُوغِ أجَلِهِ، وإنْ خاضَ المَهالِكَ واقْتَحَمَ المَعارِكَ. والثّانِي: ذِكْرُ ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِرَسُولِهِ عِنْدَ غَلَبَةِ العَدُوِّ، والتِفافِهِمْ عَلَيْهِ، وإسْلامِ قَوْمِهِ لَهُ نُهْزَةً لِلْمُخْتَلِسِينَ مِنَ الحِفْظِ والكِلاءِ وتَأخُّرِ الأجَلِ. انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو حَسَنٌ، وهو بَسْطُ كَلامِ غَيْرِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لا تَمُوتُ نَفْسٌ إلّا بِأجَلٍ مَحْتُومٍ. فالجُبْنُ لا يَزِيدُ في الحَياةِ، والشَّجاعَةُ لا تُنْقِصُ مِنها. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَقْوِيَةٌ لِلنُّفُوسِ (p-٧٠)عَلى الجِهادِ، وفِيها تَسْلِيَةٌ في مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقَوْلُ العَرَبِ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَفْعَلَ، مَعْناهُ انْتِفاءُ الفِعْلِ عَنْ زَيْدٍ وامْتِناعُهُ. فَتارَةً يَكُونُ الِامْتِناعُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا عَقْلًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] وتارَةً لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا عادَةً نَحْوَ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَطِيرَ. وتارَةً لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا شَرْعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٢] وتارَةً لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا أدَبًا، كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُفْهَمُ هَذا مِن سِياقِ الكَلامِ. ولا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الصِّيغَةُ نَهْيًا كَما يَقُولُهُ بَعْضُهم.
وقَوْلُهُ: لِنَفْسٍ، المُرادُ الجِنْسُ لا نَفْسٌ واحِدَةٌ. ومَعْنى: إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، أيْ بِتَمْكِينِهِ وتَسْوِيغِهِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الإذْنِ، والأحْسَنُ فِيهِ أنَّهُ تَمْكِينٌ مِنَ الشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ، فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ قَوْلٌ فَيَكُونُ أمْرًا. والمَعْنى: إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِلْمَلَكِ المُوَكَّلِ بِالقَبْضِ. و”﴿أنْ تَمُوتَ﴾“ في مَوْضِعِ اسْمِ كانَ، و”لِنَفْسٍ“ هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وجَعَلَ بَعْضُهم ”كانَ“ زائِدَةً، فَيَكُونُ ”﴿أنْ تَمُوتَ﴾“ في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، ولِنَفْسٍ في مَوْضِعِ خَبَرِهِ. وقَدَّرَهُ الزَّجّاجُ عَلى المَعْنى، فَقالَ: وما كانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ، فَجَعَلَ ما كانَ اسْمًا خَبَرًا، وما كانَ خَبَرًا اسْمًا، ولا يُرِيدُ بِذَلِكَ الإعْرابَ، إنَّما فَسَّرَ مِن جِهَةِ المَعْنى. وقالَ أبُو البَقاءِ: اللّامُ في ”لِنَفْسٍ“ لِلتَّبْيِينِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِكانَ. انْتَهى. وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إنْ كانَتْ ”كانَ“ تامَّةً، وقَوْلُ مَن قالَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وما كانَ المَوْتُ لِنَفْسٍ، و”﴿أنْ تَمُوتَ﴾“ تَبْيِينٌ لِلْمَحْذُوفِ مَرْغُوبٌ عَنْهُ؛ لِأنَّ اسْمَ كانَ إنْ كانَتْ ناقِصَةً أوِ الفاعِلَ إنْ كانَتْ تامَّةً - لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، ولِما في حَذْفِهِ أنْ لَوْ جازَ مِن حَذْفِ المَصْدَرِ وإبْقاءِ مَعْمُولِهِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ.
﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾: أيْ لَهُ أجَلٌ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وفي هَذا رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ بِالأجَلَيْنِ. والكِتابَةُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ، وقِيلَ: مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مُبَيَّنًا فِيهِ. ويَحْتَمِلُ هَذا الكَلامُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: ”﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]“ . وانْتِصابُ كِتابًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ والتَّقْدِيرُ: كَتَبَ اللَّهُ كِتابًا مُؤَجَّلًا ونَظِيرُهُ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] و﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٩٥] . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا وآمِنُوا بِالقَدَرِ، وهَذا بِعِيدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”كِتابًا“ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وهَذا لا يَظْهَرُ، فَإنَّ التَّمْيِيزَ كَما قَسَّمَهُ النُّحاةُ يَنْقَسِمُ إلى مَنقُولٍ وغَيْرِ مَنقُولٍ، وأقْسامُهُ في النَّوْعَيْنِ مَحْصُورَةٌ، ولَيْسَ هَذا واحِدًا مِنها.
﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها﴾: هَذا تَعْرِيضٌ بِالَّذِينِ رَغِبُوا في الغَنائِمِ يَوْمَ أُحُدٍ واشْتَغَلُوا بِها، والَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى القِتالِ فِيهِ ولَمْ يَشْغَلْهم شَيْءٌ عَنْ نُصْرَةِ الدِّينِ، وهَذا الجَزاءُ مِن إيتاءِ اللَّهِ مَن أرادَ ثَوابَ الدُّنْيا مَشْرُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] .
وقَوْلُهُ: ”نُؤْتِهِ“ بِالنُّونِ فِيهِما وفي: ”﴿سَنَجْزِي﴾ [الأنعام: ١٥٧]“ قِراءَةُ الجُمْهُورِ وهو التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن غَيْبَةٍ إلى تَكَلُّمٍ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: يُؤْتِهِ بِالياءِ فِيهِما وفي ”سَيَجْزِي“، وهو جارٍ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الغَيْبَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ عَلى حَذْفِ الفاعِلِ؛ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. انْتَهى. وهو وهْمٌ، وصَوابُهُ: عَلى إضْمارِ الفاعِلِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ. وظاهِرُ التَّقْسِيمِ يَقْتَضِي اخْتِصاصَ كُلِّ واحِدٍ بِما أرادَ؛ لِأنَّ مَن كانَتْ نِيَّتُهُ مَقْصُورَةً عَلى طَلَبِ دُنْياهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ، لَكِنَّ مَن كانَتْ نِيَّتُهُ مَقْصُورَةً عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ قَدْ يُؤْتى نَصِيبًا مِنَ الدُّنْيا.
ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيها أقْوالٌ: نُؤْتِهِ نَصِيبًا مِنَ الغَنِيمَةِ لِجِهادِهِ الكُفّارَ، أوْ لَمْ نَحْرِمْهُ ما قَسَمْناهُ لَهُ، إذْ مَن طَلَبَ الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها، وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن نَصِيبٍ. أوْ هي خاصَّةٌ في أصْحابِ أُحُدٍ، أوْ مَن أرادَ ثَوابَ الدُّنْيا بِالتَّعَرُّضِ لَها بِعَمَلِ النَّوافِلِ مَعَ مُواقَعَةِ الكَبائِرِ، جُوزِيَ عَلَيْها في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾: وعْدٌ لِمَن شَكَرَ نِعَمَ اللَّهِ، فَقَصَرَ هَمَّهُ ونِيَّتَهُ عَلى طَلَبِ ثَوابِ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: وفِيهِ (p-٧١)إشارَةٌ إلى أنَّهم يُنَعِّمُهُمُ اللَّهُ بِنَعِيمِ الدُّنْيا، ولا يُقْصِرُهم عَلى نَعِيمِ الآخِرَةِ. وأظْهَرَ الحَرَمِيّانِ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ في بَعْضِ طُرُقٍ مِن رِوايَةِ هِشامٍ، وابْنِ ذَكْوانَ دالَ ”يُرِدْ“ عِنْدَ ”ثَوابَ“، وأدْغَمَ في الوَصْلِ. وقَرَأ قالُونُ والحَلْوانِيُّ عَنْ هِشامٍ مِن طَرِيقٍ بِاخْتِلاسِ الحَرَكَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإشْباعِ. وأمّا في الوَقْفِ فَبِالسُّكُونِ لِلْجَمِيعِ. ووَجْهُ الإسْكانِ أنَّ الهاءَ لَمّا وقَعَتْ مَوْقِعَ المَحْذُوفِ الَّذِي كانَ حَقُّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَرْفَ عِلَّةٍ أنْ يَسْكُنَ، فَأُعْطِيَتِ الهاءُ ما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ السُّكُونِ. وُوَجْهُ الِاخْتِلاسِ بِأنَّهُ اسْتَصْحَبَ ما كانَ لِلْهاءِ قَبْلَ أنْ تُحْذَفَ الياءُ؛ لِأنَّهُ قَبْلَ الحَذْفِ كانَ أصْلُهُ ”يُؤْتِيهِ“، والحَذْفُ عارِضٌ، فَلا يُعْتَدُّ بِهِ. ووَجْهُ الإشْباعِ بِأنَّهُ جازَ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ وإنْ كانَتِ الهاءُ مُتَّصِلَةً بِحَرَكَةٍ، والأوْلى تَرْكُ هَذِهِ التَّوْجِيهاتِ، فَإنَّ اخْتِلاسَ الضَّمَّةِ والكَسْرَةِ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ لُغَةٌ حَكاها الكِسائِيُّ عَنْ بَنِي عَقِيلٍ وبَنِي كِلابٍ، قالَ الكِسائِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابَ كِلابٍ وعَقِيلٍ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] ولِرَبِّهِ لَكَنُودٌ بِغَيْرِ تَمامٍ ولَهُ مالٌ، ولَهُ مالٌ. وغَيْرُ بَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ لا يُوجَدُ في كَلامِهِمُ اخْتِلاسٌ، ولا سُكُونَ في ”لَهُ“ وشِبْهِهِ إلّا في ضَرُورَةٍ نَحْوِ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَهُ زَجَلٌ كَأنَّهُ صَوْتُ حادٍ إذا طَلَبَ الوَسِيقَةَ أوْ زَمِيرُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وأشْرَبِ الماءَ ما بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ ∗∗∗ إلّا لِأنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وادِيها
3:146Page 68
وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦
And how many a prophet [fought in battle and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allāh, nor did they weaken or submit. And Allāh loves the steadfast.
﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾: (p-٧٢)لَمّا كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ما كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَتَبَ عَلَيْهِمُ اللَّهُ ما حَذَّرَ مِنهم في الآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، أخْبَرَهم بِأنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ قَتَلَتْ أنْبِياءً لَهم كَثِيرُونَ، أوْ قُتِلَ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ مَعَهم، فَلَمْ يَلْحَقْهم ما لَحِقَكم مِنَ الوَهْنِ والضَّعْفِ، ولا ثَناهم عَنِ القِتالِ فَجْعُهم بِقَتْلِ أنْبِيائِهِمْ، أوْ قَتْلِ رِبِّيِّيهِمْ، بَلْ مَضَوْا قُدُمًا في نُصْرَةِ دِينِهِمْ صابِرِينَ عَلى ما حَلَّ بِهِمْ. وقَتْلُ نَبِيٍّ أوْ أتْباعِهِ مِن أعْظَمِ المَصابِ، فَكَذَلِكَ كانَ يَنْبَغِي لَكُمُ التَّأسِّي بِمَن مَضى مِن صالِحِي الأُمَمِ السّابِقَةِ، هَذا وأنْتُمْ خَيْرُ الأُمَمِ، ونَبِيُّكم خَيْرُ الأنْبِياءِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ العَتْبِ لِمَن فَرَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وكَأيِّنْ“، قالُوا: وهي أصْلُ الكَلِمَةِ، إذْ هي ”أيٌّ“ دَخَلَ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ، وكُتِبَتْ بِنُونٍ في المُصْحَفِ، ووَقَفَ عَلَيْها أبُو عَمْرٍو. وسَوْرَةُ بْنُ المُبارَكِ عَنِ الكِسائِيِّ، بِياءٍ دُونَ نُونٍ، ووَقَفَ الجُمْهُورُ عَلى النُّونِ اتْباعًا لِلرَّسْمِ. واعْتَلَّ لِذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كَلامِهِ، وذَلِكَ عَلى عادَةِ المُعَلِّلِينَ، ومِمّا جاءَ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وكَأيِّنْ في المَعاسِرِ مِن أُناسٍ أخُوهم فَوْقَهم وهُمُ كِرامُ
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”وكائِنْ“ وهي أكْثَرُ اسْتِعْمالًا في لِسانِ العَرَبِ وأشْعارِها، قالَ:
؎وكائِنْ رَدَدْنا عَنْكُمُ مِن مُـدَجَّـجٍ
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِينٍ والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ: وكَأيِّنْ عَلى مِثالِ كَعَيِّنْ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ مِنَ الشَّواذِّ ”كَيْئِنْ“، وهو مَقْلُوبُ قِراءَةِ ابْنِ مُحَيْصِينٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِينٍ أيْضًا فِيما حَكاهُ الدّانِي كانَ عَلى مِثالِ كَعِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎كانَ صَدِيقٌ خِلْتُهُ صادِقَ الأخا ∗∗∗ أبانَ اخْتِبارِي أنَّهُ لِي مُداهِنُ
وقَرَأ الحَسَنُ ”كَيٍّ“ بِكافٍ بَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ. وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ - ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ - بِتَعْلِيلِ هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ في ”كَأيِّنْ“، وبِما عُمِلَ في ”كَأيِّنْ“؛ فَلِذَلِكَ أضْرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو ”قُتِّلَ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَتادَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ شَدَّدَ التّاءَ، وباقِي السَّبْعَةِ ”قاتَلَ“ بِألِفٍ، فِعْلًا ماضِيًا. وعَلى كُلٍّ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يَصْلُحُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ صاحِبُ الضَّمِيرِ هو الَّذِي قُتِلَ أوْ قُتِّلَ عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ الأشْخاصِ، لا بِالنِّسْبَةِ لِفَرْدٍ فَرْدٍ. إذِ القَتْلُ لا يَتَكَثَّرُ في كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ. أوْ هو قاتِلٌ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ”مَعَهُ رِبِّيُّونَ“ مُحْتَمِلًا أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَرْتَفِعُ رِبِّيُّونَ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الواوِ لِأجْلِ الضَّمِيرِ في ”مَعَهُ“ العائِدِ عَلى ذِي الحالِ، ومُحْتَمِلًا أنْ يَرْتَفِعَ ”﴿رِبِّيُّونَ﴾“ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالظَّرْفِ، ويَكُونَ الظَّرْفُ هو الواقِعُ حالًا، التَّقْدِيرُ: كائِنًا مَعَهُ رِبِّيُّونَ، وهَذا هو الأحْسَنُ؛ لِأنَّ وُقُوعَ الحالِ مُفْرَدًا أحْسَنُ مِن وُقُوعِهِ جُمْلَةً. وقَدِ اعْتُمِدَ الظَّرْفُ لِكَوْنِهِ وقَعَ حالًا فَيَعْمَلُ، وهي حالٌ مَحْكِيَّةٌ؛ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ ”﴿رِبِّيُّونَ﴾“ بِالظَّرْفِ، وإنْ كانَ العامِلُ ماضِيًا؛ لِأنَّهُ حَكى الحالَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨] وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكِسائِيُّ وهِشامٌ، فَإنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُما إعْمالُ اسْمِ الفاعِلِ الماضِي غَيْرِ المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، بِكَوْنِهِ حِكايَةَ حالٍ، ويَصْلُحُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى رِبِّيُّونَ فَلا يَكُونُ فِيهِ ضَمِيرٌ، ويَكُونُ الرِّبِّيُّونَ هُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا أوْ قُتِّلُوا أوْ قاتَلُوا، ومَوْضِعُ ”كَأيِّنْ“ رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ. والظّاهِرُ أنَّ خَبَرَهُ بِالجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: قُتِلَ أوْ قُتِّلَ أوْ قاتَلَ، سَواءٌ أرَفَعَ الفِعْلُ الضَّمِيرَ، أمِ الرِّبِّيِّينَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ قُتِلَ إذا رُفِعَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ ومَعَهُ رِبِّيُّونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ كَما تَقُولُ: كَمْ مِن رَجُلٍ صالِحٍ مَعَهُ مالٌ. أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَيَكُونُ قَدْ وُصِفَ بِكَوْنِهِ مَقْتُولًا، أوْ مُقَتَّلًا، أوْ مُقاتِلًا، وبِكَوْنِهِ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. ويَكُونُ خَبَرُ كَأيِّنْ قَدْ حُذِفَ تَقْدِيرُهُ: في الدُّنْيا أوْ مَضى. وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ إضْمارٍ. وأمّا إذا رَفَعَ الظّاهِرَ فَجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ مِن قُتِلَ ومُتَعَلِّقاتِها في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِنَبِيٍّ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ. وهَذا كَما قُلْنا (p-٧٣)ضَعِيفٌ. ولَمّا ذَكَرُوا أنَّ أصْلَ كَأيِّنْ هو ”أيٍّ“ دَخَلَتْ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ فَجَرَّتْها، فَهي عامِلَةٌ فِيها، كَما دَخَلَتْ عَلى ذا في قَوْلِهِمْ: لَهُ عِنْدِي كَذا. وكَما دَخَلَتْ عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ: كَأنَّ، ادَّعى أكْثَرُهم أنَّ كَأنَّ بَقِيَتْ فِيها الكافُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ. وأنَّ كَذا وكَأنَّ زالَ عَنْهُما مَعْنى التَّشْبِيهِ. فَعَلى هَذا لا تَتَعَلَّقُ الكافُ بِشَيْءٍ، وصارَ مَعْنى كَأيِّنْ مَعْنى كَمْ، فَلا تَدُلُّ عَلى التَّشْبِيهِ ألْبَتَّةَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أمّا العامِلُ في الكافِ فَإنْ حَمَلْناها عَلى حُكْمِ الأصْلِ فَمَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، والمَعْنى: إصابَتْكم كَإصابَةِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ وأصْحابِهِمْ. وإنْ حَمَلْنا الحُكْمَ عَلى الِانْتِقالِ إلى مَعْنى ”كَمْ“، كانَ العامِلُ بِتَقْدِيرِ الِابْتِداءِ، وكانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ و”قُتِلَ“ الخَبَرُ. ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ أوْضَحُ؛ لِحَمْلِ الكَلامِ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى بِما يَجِبُ مِنَ الخَفْضِ في ”أيٍّ“ . وإذا كانَتْ ”أيٍّ“ عَلى بابِها مِن مُعامَلَةِ اللَّفْظِ، فَـ ”مِن“ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الكافُ مِنَ المَعْنى المَدْلُولِ عَلَيْهِ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو كَلامٌ فِيهِ غَرابَةٌ. وجَرَّهم إلى التَّخْلِيطِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ادِّعاؤُهم بِأنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ، وأنَّ أصْلَها ”أيٌّ“ فَجُرَّتْ بِكافِ التَّشْبِيهِ، وهي دَعْوى لا يَقُومُ عَلى صِحَّتِها دَلِيلٌ. وقَدْ ذَكَرْنا رَأْيَنا فِيها أنَّها بَسِيطَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُّكُونِ، والنُّونُ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ ولَيْسَ بِتَنْوِينٍ، وحُمِلَتْ في البِناءِ عَلى نَظِيرَتِها ”كَمْ“، وإلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الضَّمِيرِ.
ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ ورَجَّحَ ذَلِكَ بِأنَّ القِصَّةَ هي سَبَبُ غَزْوَةِ أُحُدٍ وتَخاذُلِ المُؤْمِنِينَ حِينَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَضُرِبَ المَثَلُ بِنَبِيٍّ قُتِلَ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّرْجِيحَ قَوْلُهُ: ”﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]“ . وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]: النَّبِيُّ يُقْتَلُ، فَكَيْفَ لا يُخانُ ؟ وإذا أُسْنِدَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ كانَ المَعْنى تَثْبِيتُ المُؤْمِنِينَ لِفَقْدِ مَن فُقِدَ مِنهم فَقَطْ. وإلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الرِّبِّيِّينَ ذَهَبَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ. قالَ هو وابْنُ جُبَيْرَ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ في حَرْبٍ قَطُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِراءَةُ مَن قَرَأ قاتَلَ أعَمُّ في المَدْحِ؛ لِأنَّهُ يُدْخِلُ فِيها مَن قُتِلَ ومَن بَقِيَ. ويَحْسُنُ عِنْدِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ الفِعْلِ إلى الرِّبِّيِّينَ، وعَلى قِراءَةِ ”قُتِلَ“ إسْنادُهُ إلى ”نَبِيٍّ“ . انْتَهى كَلامُهُ. ونَقُولُ: ”قُتِلَ“ يَظْهَرُ أنَّها مَدْحٌ، وهي أبْلَغُ في مَقْصُودِ الخِطابِ؛ لِأنَّها نَصٌّ في وُقُوعِ القَتْلِ، ويَسْتَلْزِمُ المُقاتَلَةَ. وقاتَلَ لا تَدُّلُ عَلى القَتْلِ، إذْ لا يَلْزَمُ مِنَ المُقاتَلَةِ وُجُودُ القَتْلِ. قَدْ تَكُونُ مُقاتَلَةً ولا يَقَعُ قَتْلٌ. وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ يَحْسُنُ عِنْدَهُ ما ذُكِرَ لا يَظْهَرُ حُسْنُهُ، بَلِ القِراءَتانِ تَحْتَمِلانِ الوَجْهَيْنِ. وقالَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي: في قِراءَةِ قَتادَةَ لا يَحْسُنُ أنْ يَسْتَنِدَ الفِعْلُ إلى الرِّبِّيِّينَ؛ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّكْثِيرِ الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في قَتْلِ شَخْصٍ واحِدٍ. فَإنْ قِيلَ: يَسْتَنِدُ إلى نَبِيٍّ مُراعاةً لِمَعْنى ”كَأيِّنْ“، فالجَوابُ: أنَّ اللَّفْظَ قَدْ مَشى عَلى جِهَةِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: ”﴿مِن نَبِيٍّ﴾“، ودَلَّ الضَّمِيرُ المُفْرَدُ في ”مَعَهُ“ عَلى أنَّ المُرادَ إنَّما هو التَّمْثِيلُ بِواحِدٍ واحِدٍ، فَخَرَجَ الكَلامُ عَلى مَعْنى كَأيِّنْ. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي قَوْلَ مَن قالَ لِمَن قُتِلَ وقاتَلَ: إنَّما يَسْتَنِدُ إلى الرِّبِّيِّينَ. انْتَهى كَلامُهُ ولَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ كَأيِّنْ مِثْلَ كَمْ، وأنْتَ خَبِيرٌ إذا قُلْتَ: كَمْ مِن عانٍ فَكَكْتُهُ، فَأفْرَدْتَ. راعَيْتَ لَفْظَ كَمْ ومَعْناها الجَمْعُ، وإذا قُلْتَ: كَمْ مِن عانٍ فَكَكْتُهم، راعَيْتَ مَعْنى كَمْ لا لَفْظَها. ولَيْسَ مَعْنى مُراعاةِ اللَّفْظِ إلّا أنَّكَ أفْرَدْتَ الضَّمِيرَ والمُرادُ بِهِ الجَمْعُ، فَلا فَرْقَ مِن حَيْثُ المَعْنى بَيْن فَكَكْتُهُ وفَكَكْتُهم، كَذَلِكَ لا فَرْقَ بَيْنَ قُتِلُوا مَعَهم رِبِّيُّونَ وقُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ، وإنَّما جازَ مُراعاةُ اللَّفْظِ تارَةً، ومُراعاةُ المَعْنى تارَةً؛ لِأنَّ مَدْلُولَ كَمْ وكَأيِّنْ كَثِيرٌ، والمَعْنى جَمْعٌ كَثِيرٌ. وإذا أُخْبِرْتَ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ فَتارَةً تُفْرِدُ مُراعاةً لِلَّفْظِ، وتارَةً تَجْمَعُ مُراعاةً لِلْمَعْنى كَما قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] فَقالَ: ”﴿مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]“، وقالَ: ”﴿ويُوَلُّونَ﴾ [القمر: ٤٥]“، فَأفْرَدَ ”﴿مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]“، وجَمَعَ في ”يُوَلُّونَ“ . وقَوْلُ أبِي الفَتْحِ في جَوابِ السُّؤالِ الَّذِي فَرَضَهُ: إنَّ اللَّفْظَ قَدْ جَرى عَلى جِهَةِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: مِن نَبِيٍّ، أيْ رُوعِيَ لَفْظُ كَأيِّنْ لِكَوْنِ تَمْيِيزِها جاءَ مُفْرَدًا - فَناسَبَ لَمّا مُيِّزَتْ بِمُفْرَدٍ أنْ (p-٧٤)يُراعى لَفْظُها، والمَعْنى عَلى الجَمْعِ. وقَوْلُهُ: ودَلَّ الضَّمِيرُ المُفْرَدُ في ”مَعَهُ“ عَلى أنَّ المُرادَ إنَّما هو التَّمْثِيلُ بِواحِدٍ واحِدٍ، هَذا المُرادُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أنْ يُفْرَدَ الضَّمِيرُ أوْ يُجْمَعَ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ المُفْرَدَ لَيْسَ مَعْناهُ هُنا إفْرادُ مَدْلُولِهِ، بَلْ لا فَرْقَ بَيْنَهُ مُفْرَدًا ومَجْمُوعًا مِن حَيْثُ المَعْنى. وإذْ لا فَرْقَ فَدَلالَتُهُ عامَّةٌ، وهي دَلالَتُهُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ. وقَوْلُهُ: فَخَرَجَ الكَلامُ عَنْ مَعْنى كَأيِّنْ، لَمْ يَخْرُجِ الكَلامُ عَنْ مَعْنى كَأيِّنْ، إنَّما خَرَجَ عَنْ جَمْعِ الضَّمِيرِ عَلى مَعْنى كَأيِّنْ دُونَ لَفْظِها؛ لِأنَّهُ إذا أُفْرِدَ لَفْظًا لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مُفْرَدًا، إنَّما يَكُونُ جَمْعًا كَما قالُوا: هو أحْسَنُ الفِتْيانِ وأجْمَلُهُ، مَعْناهُ: وأجْمَلُهم. ومَن أسْنَدَ قُتِلَ أوْ قُتِّلَ إلى رِبِّيُّونَ، فالمَعْنى عِنْدَهُ: قُتِلَ بَعْضُهم. كَما تَقُولُ: قُتِلَ بَنُو فُلانٍ في وقْعَةِ كَذا، أيْ جَماعَةٌ مِنهم.
والرِّبِّيُّ: عابِدُ الرَّبِّ، وكُسِرَ الرّاءُ مِن تَغْيِيرِ النِّسَبِ، كَما قالُوا: أمْسِيٌّ في النِّسْبَةِ إلى أمْسِ، قالَهُ الأخْفَشُ. أوِ الجَماعَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. أوْ مَنسُوبٌ إلى الرِّبَّةِ وهي الجَماعَةُ، ثُمَّ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، قالَهُ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ. ورِبِّيُّونَ مَنسُوبٌ إلَيْها. قالَ قُطْرُبٌ: جَماعَةُ العُلَماءِ عَلى قَوْلِ يُونُسَ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الأُلُوفُ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. عَدَّدَ ذَلِكَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ: هم عَشَرَةُ آلافٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ: هُمُ الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الحَسَنِ: هُمُ العُلَماءُ الأتْقِياءُ الصُّبَّرُ عَلى ما يُصِيبُهم، واخْتارَهُ اليَزِيدِيُّ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأتْباعُ، والرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الصّالِحُونَ العارِفُونَ بِاللَّهِ. وقِيلَ: وُزَراءُ الأنْبِياءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الرِّبِّيَّةُ الواحِدَةُ ألْفٌ، والرِّبِّيُونَ جَمْعُها. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرِّبِّيَّةُ الواحِدَةُ عَشَرَةُ آلافٍ. وقالَ النَّقّاشُ: هُمُ المُكْثِرُونَ العِلْمَ مِن قَوْلِهِمْ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو، إذا كَثُرَ. وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ؛ لِأنَّ رِبا أُصُولُهُ راءٌ وباءٌ وواوٌ، وأُصُولُ هَذا راءٌ وباءٌ وباءٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعَطاءُ بْنُ السّائِبِ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ. كَما قالُوا: دُهْرِيٌّ بِضَمِّ الدّالِّ، وهو مَنسُوبٌ إلى الدُّهْرِ الطَّوِيلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - فِيما رَوى قَتادَةُ عَنْهُ - بِفَتْحِ الرّاءِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وكُلُّها لُغاتٌ، والضَّمِيرُ في: وهَنُوا عائِدٌ عَلى الرِّبِّيِّينَ، إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قُتِلَ عائِدًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانَ رِبِّيُّونَ مُسْنَدًا إلَيْهِ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فَكَذَلِكَ، أوْ لِلْمَفْعُولِ فالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى مَن بَقِيَ مِنهم، إذِ المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِ. إذْ لا يَصِحُّ عَوْدُهُ عَلى رِبِّيُّونَ لِأجْلِ العَطْفِ بِالفاءِ، لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ بِقَتْلِ أنْبِيائِهِمْ أوْ رِبِّيِّيهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”﴿وهَنُوا﴾“ بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والحَسَنُ، وأبُو السَّمّالِ بِكَسْرِها. وهُما لُغَتانِ، وهَنَ يَهِنُ كَوَعَدَ يَعِدُ، ووَهَنَ يَوْهَنُ كَوَجَلَ يَوْجَلُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو السَّمّالِ أيْضًا: ”وهْنُوا“ بِإسْكانِ الهاءِ، كَما قالُوا نَعْمٌ في نَعَمْ، وشَهْدَ في شَهَدَ. وتَمِيمُ تُسَكِّنُ عَيْنَ فَعْلَ.
وما ضَعُفُوا عَنِ الجِهادِ بَعْدَ ما أصابَهم، وقِيلَ: ما ضَعُفَ يَقِينُهم، ولا انْحَلَّتْ عَزِيمَتُهم. وأصْلُ الضَّعْفَ نُقْصانُ القُوَّةِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في الرَّأْيِ والعَقْلِ. وقُرِئَ ”ضَعَفُوا“ بِفَتْحِ العَيْنِ، وحَكاها الكِسائِيُّ لُغَةً.
”﴿وما اسْتَكانُوا﴾“ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ما قَعَدُوا عَنِ الجِهادِ في دِينِهِمْ. وقالَ السُّدِّيُّ: ما ذَلُّوا. وقالَ عَطاءٌ: ما تَضَرَّعُوا. وقالَ مُقاتِلٌ: ما اسْتَسْلَمُوا. وقالَ أبُو العالِيَةَ: ما جَبُنُوا. وقالَ المُفَضَّلُ: ما خَشَعُوا. وقالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ: ما ارْتَدُّوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ دِينَهم، ولَكِنَّهم قاتَلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّهم حَتّى لَحِقُوا بِرَبِّهِمْ. وكُلُّ هَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وهَذا تَعْرِيضٌ لِما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الوَهْنِ والِانْكِسارِ عِنْدَ الإرْجافِ بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِضَعْفِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ مِن مُجاهَدَةِ المُشْرِكِينَ واسْتِكانَتِهِمْ لَهم، حِينَ أرادَ بَعْضُهم أنْ يَعْتَضِدَ بِالمُنافِقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ في طَلَبِ الأمانِ (p-٧٥)مِن أبِي سُفْيانَ.
واسْتَكانَ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتَفْعَلَ مِنَ الكَوْنِ، فَتَكُونُ أصْلُ ألِفِهِ واوًا أوْ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ماتَ فُلانٌ بِكِينَةِ سُوءٍ، أيْ بِحالَةِ سُوءٍ. وكانَهُ يَكِينُهُ إذا خَضَّعَهُ. قالَ هَذا الأزْهَرِيُّ وأبُو عَلِيٍّ. فَعَلى قَوْلِهِما أصْلُ الألِفِ ياءٌ. وقالَ الفَرّاءُ وطائِفَةٌ مِنَ النُّحاةِ: أنَّهُ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ، وأُشْبِعَتِ الفَتْحَةُ فَتَوَلَّدَ مِنها ألِفٌ. كَما قالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ، يُرِيدُ مِنَ العَقْرَبِ، وهَذا الإشْباعُ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ. وهَذِهِ الكَلِمَةُ في جَمِيعِ تَصارِيفِها بُنِيَتْ عَلى هَذا الحَرْفِ، تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ لَهُ، والإشْباعُ لا يَكُونُ عَلى هَذا الحَدِّ.
﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾: أيْ عَلى قِتالِ عَدُوِّهِمْ. قالَهُ الجُمْهُورُ. أوْ عَلى دِينِهِمْ وقِتالِ الكُفّارِ. والظّاهِرُ العُمُومُ لِكُلِّ صابِرٍ عَلى ما أصابَهُ مِن قَتْلٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ جُرْحٍ، أوْ بَلاءٍ، أوْ أذًى يَنالُهُ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، أوْ مُصِيبَةٍ في نَفْسِهِ، أوْ أهْلِهِ، أوْ مالِهِ، أوْ ما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ. وكَثِيرًا ما تَمَدَّحَتِ العَرَبُ بِالصَّبْرِ وحَرَصَتْ عَلَيْهِ كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ:
؎وتَشَكِّي النَّفْسُ ما أصابَ بِها ∗∗∗ فاصْبِرِي إنَّكِ مِن قَوْمٍ صُبُرُ
؎إنْ تُلاقِي سَفْسالًا بَلَغْنا ∗∗∗ فُرُحَ الخَيْرِ ولا تَكْبُوا لِضُر
3:147Page 68
وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧
And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."
﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الجَلَدِ والصَّبْرِ وعَدَمِ الوَهْنِ والِاسْتِكانَةِ لِلْعَدُوِّ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الأفْعالِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي يَظْهَرُ أثَرُها عَلى الجَوارِحِ، ذَكَرَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإنابَةِ والِاسْتِغْفارِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ، وحَصَرَ قَوْلَهم في ذَلِكَ القَوْلِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم مَلْجَأٌ ولا مَفْزَعٌ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، ولا قَوْلٌ إلّا هَذا القَوْلٌ، لا ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الِاضْطِرابِ واخْتِلافِ الأقْوالِ، فَمِن قائِلٍ: نَأْخُذُ أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، ومِن قائِلٍ: نَرْجِعُ إلى دِينِنا، ومِن قائِلٍ ما قالَ حِينَ فَرَّ. وهَؤُلاءِ قَدْ فُجِعُوا بِمَوْتِ نَبِيِّهِمْ أوْ رِبِّيِّيهِمْ، لَمْ يَهِنُوا، بَلْ صَبَرُوا وقالُوا هَذا القَوْلَ، وهم رِبِّيُّونَ أحْبارٌ؛ هَضْمًا لِأنْفُسِهِمْ، وإشْعارًا أنَّ ما نَزَلْ مِن بَلايا الدُّنْيا إنَّما هو بِذُنُوبٍ مِنَ البَشَرِ، كَما كانَ في قِصَّةِ أُحُدٍ بِعِصْيانِ مَن عَصى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قَوْلَهم“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ و”أنْ قالُوا“ في مَوْضِعِ الِاسْمِ، جَعَلُوا ما كانَ أعْرَفَ الِاسْمَ؛ لِأنَّ إنْ وصِلَتَها تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ. و”قَوْلَهم“: مُضافٌ لِلضَّمِيرِ، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ العِلْمِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ مِنهم حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فِيما ذَكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ بِرَفْعِ ”قَوْلِهِمْ“، جَعَلُوهُ اسْمَ كانَ، والخَبَرَ ”أنْ قالُوا“، والوَجْهانِ فَصِيحانِ، وإنْ كانَ الأوَّلُ أكْثَرُ. وقَدْ قُرِئَ: ”﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣]“ بِالوَجْهَيْنِ في السَّبْعَةِ، وقَدَّمَ طَلَبَ الِاسْتِغْفارِ عَلى طَلَبِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ والنُّصْرَةِ؛ لِيَكُونَ طَلَبُهم ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَنْ زَكاةٍ وطَهارَةٍ، فَيَكُونُ طَلَبُهُمُ التَّثْبِيتَ بِتَقْدِيمِ الِاسْتِغْفارِ حَرِيًّا بِالإجابَةِ، وذُنُوبُنا وإسْرافُنا مُتَقارِبانِ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَجاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ.
وقِيلَ: الذُّنُوبُ ما دُونُ الكَبائِرِ، والإسْرافُ الكَبائِرُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذُّنُوبُ هي الخَطايا، وإسْرافُنا أيْ تَفْرِيطُنا. وقالَ الضَّحّاكُ: الذُّنُوبُ عامٌّ، والإسْرافُ في الأمْرِ الكَبائِرُ خاصَّةً.
والأقْدامُ هُنا قِيلَ: حَقِيقَةٌ، دَعَوْا بِتَثْبِيتِ الأقْدامِ في مَواطِئِ الحَرْبِ ولِقاءِ العَدُوِّ كَيْ لا تَزُلْ. وقِيلَ: المَعْنى: شَجِّعْ قُلُوبَنا عَلى لِقاءِ العَدُوِّ. وقِيلَ: ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ. والأحْسَنُ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ مِن مَظانِّها. وثُبُوتُ القَدَمِ في الحَرْبِ لا يَكُونُ إلّا مِن ثُبُوتِ صاحِبِها في الدِّينِ. وكَثِيرًا ما جاءَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دائِرَةً في الحَرْبِ ومَعَ النُّصْرَةِ كَقَوْلِهِ: ”﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا﴾ [البقرة: ٢٥٠]“ ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقِيلَ: اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا في المُخالَفَةِ، وإسْرافَنا في الهَزِيمَةِ، وثَبِّتْ أقْدامَنا بِالمُصابَرَةِ، وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ بِالمُجاهَدَةِ.
قالَ ابْنُ فُورَكٍ: في هَذا الدُّعاءِ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ؛ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العَبْدِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَسُغْ أنْ يُدْعى فِيما لَمْ يَفْعَلْهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعاءِ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، وأنْ يَدْعُوَ بِهَذا الدُّعاءِ المُعَيَّنِ. وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ أدْعِيَةٌ (p-٧٦)أعْقَبَ اللَّهُ بِالإجابَةِ فِيها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences