Abu HayyanAli 'Imran · 3:148–152

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:148–152

3:148Page 68

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨

So Allāh gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allāh loves the doers of good.

﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”﴿فَأثابَهُمُ﴾ [المائدة: ٨٥]“ مِنَ الإثابَةِ. ولَمّا تَقَدَّمَ في دُعائِهِمْ ما يَتَضَمَّنُ الإجابَةَ فِيهِ الثَّوابَيْنَ وهو قَوْلُهم: اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا، فَهَذا يَتَضَمَّنُ ثَوابَ الآخِرَةِ، وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا يَتَضَمَّنُ ثَوابَ الدُّنْيا، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مَنَحَهُمُ الثَّوابَيْنِ، وهُناكَ بَدَأُوا في الطَّلَبِ بِالأهَمِّ عِنْدَهم، وهو ما يَنْشَأُ عَنْهُ ثَوابُ الآخِرَةِ، وهُنا أخْبَرَ بِما أعْطاهم مُقَدَّمًا. ذَكَرَ ثَوابَ الدُّنْيا لِيَكُونَ ذَلِكَ إشْعارًا لَهم بِقَبُولِ دُعائِهِمْ وإجابَتِهِمْ إلى طَلَبِهِمْ؛ ولِأنَّ ذَلِكَ في الزَّمانِ مُتَقَدِّمٌ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُما: ثَوابُ الدُّنْيا هو الظُّهُورُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو الظَّفَرُ والغَنِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَوابُ الدُّنْيا مِنَ النُّصْرَةِ والغَنِيمَةِ والعِزِّ وطِيبِ الذِّكْرِ. وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَ إلّا الظَّفَرُ والغَلَبَةُ؛ لِأنَّ الغَنِيمَةَ لَمْ تَحِلَّ إلّا لِهَذِهِ الأُمَّةِ. وهَذا صَحِيحٌ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي» وهي إحْدى الخَمْسِ الَّذِي أُوتِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُؤْتَها أحَدٌ قَبْلَهُ. وحُسْنُ ثَوابِ الآخِرَةِ الجَنَّةُ بِلا خِلافٍ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: الأجْرُ والمَغْفِرَةُ. وخَصَّ ثَوابَ الآخِرَةِ بِالحُسْنِ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ وتَقَدُّمِهِ، وأنَّهُ هو المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] وتَرْغِيبًا في طَلَبِ ما يُحَصِّلُهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، ومُناسِبَةً لِآخِرِ الآيَةِ. قالَ عَلِيٌّ: مَن عَمِلَ لِدُنْياهُ أضَرَّ بِآخِرَتِهِ، ومَن عَمِلَ لِآخِرَتِهِ أضَرَّ بِدُنْياهُ، وقَدْ يَجْمَعُهُما اللَّهُ تَعالى لِأقْوامٍ.

﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾: قَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإحْسانَ حِينَ سُئِلَ عَنْ حَقِيقَتِهِ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وفَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ هُنا بِأحَدِ قَوْلَيْنِ، وهو مَن أحْسَنَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ في لُزُومِ طاعَتِهِ، أوْ مَن ثَبَتَ في القِتالِ مَعَ نَبِيِّهِ حَتّى يُقْتَلَ أوْ يَغْلِبَ.

3:149Page 69

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾: الخِطابُ عامٌّ يَتَناوَلُ أهْلَ أُحُدٍ وغَيْرِهِمْ. وما زالَ الكُفّارُ مُثابِرِينَ عَلى رُجُوعِ المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، ”﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩]“ . ”﴿ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]“، ”﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]“ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩] .

﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] وقِيلَ: الخِطابُ خاصٌّ بِمَن كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. فَعَلى الأوَّلِ عَلَّقَ عَلى مُطْلَقِ طاعَتِهِمُ الرَّدَّ عَلى العَقِبِ والِانْقِلابِ بِالخُسْرانِ، وهَذا غايَةٌ في التَّحَرُّزِ مِنهم والمُجانَبَةِ لَهم، فَلا يُطاعُونَ في شَيْءٍ ولا يُشاوَرُونَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَجِرُّ إلى مُوافَقَتِهِمْ، ويَكُونُ الَّذِينَ كَفَرُوا عامًّا، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الَّذِينَ كَفَرُوا خاصًّا. فَقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا رَجَعُوا مِن أُحُدٍ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما أصابَهُ الَّذِي أصابَهُ، فارْجِعُوا إلى إخْوانِكم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وقالَهُ الحَسَنُ وعَنْهُ: إنْ تَسْتَنْصِحُوا اليَهُودَ والنَّصارى وتَقْبَلُوا مِنهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَغْوُونَهم، ويُوقِعُونَ لَهُمُ الشُّبَهَ، ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ لَكم نَبِيًّا حَقًّا لَما غُلِبَ، ولَما أصابَهُ وأصْحابَهُ ما أصابَهم، وإنَّما هو رَجُلٌ حالُهُ كَحالِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ، يَوْمًا لَهُ ويَوْمًا عَلَيْهِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: هم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِن عُبّادِ الأوْثانِ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو كَعْبٌ وأصْحابُهُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: فِيها دَلالَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ مُطْلَقًا، لَكِنْ أجْمَعُ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مَن وثِقْنا بِنُصْحِهِ مِنهم، كالجاسُوسِ، والخِرِّيتِ الَّذِي يَهْدِي إلى الطَّرِيقِ، وصاحِبِ الرَّأْيِ ذِي المَصْلَحَةِ الظّاهِرَةِ، والزَّوْجَةِ تُشِيرُ بِصَوابٍ. والرِّدَّةُ هُنا عَلى العَقِبِ كِنايَةٌ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ. وخاسِرِينَ: أيْ مَغْبُونِينَ بِبَيْعِكُمُ الآخِرَةَ.

3:150Page 69

بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠

But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.

﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ ”بَلْ“: لِتَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ وأخْذٍ في كَلامٍ غَيْرِهِ. والمَعْنى: لَيْسَ الكُفّارُ أوْلِياءَ فَيُطاعُوا في شَيْءٍ، بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم. وقَرَأ الحَسَنُ بِنَصْبِ الجَلالَةِ عَلى مَعْنى: بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ السّابِقَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى النَّهْيِ، أيْ لا تُطِيعُوا (p-٧٧)الكُفّارَ فَتَكْفُرُوا، بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ مَوْلاكم.

﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَوْلاهم، أيْ ناصِرِهم ذَكَرَ أنَّهُ خَيْرُ ناصِرٍ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى نُصْرَةِ أحَدٍ، ولا وِلايَتِهِ. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن قاتَلَ لِنَصْرِ دِينِ اللَّهِ لا يُخْذَلُ ولا يُغْلَبُ؛ لِأنَّ اللَّهَ مَوْلاهُ. وقالَ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] .

3:151Page 69

سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: أيْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، وإنْ كانُوا ظاهِرِينَ عَلَيْكم يَوْمَ أُحُدٍ فَإنّا نَخْذُلُهم بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. وأتى بِالسِّينِ القَرِيبَةِ الِاسْتِقْبالِ، وكَذا وقَعَ. ألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ، فانْهَزَمُوا إلى مَكَّةَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولَهم إذْ ذاكَ القُوَّةُ والغَلَبَةُ. وقِيلَ: ذَهَبُوا إلى مَكَّةَ، فَلَمّا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قالُوا: ما صَنَعْنا شَيْئًا، قَتَلْنا مِنهم ثُمَّ تَرَكْناهم ونَحْنُ قاهِرُونَ، ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهم، فَلَمّا عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ ألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَأمْسَكُوا. والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ في الأجْرامِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْجَعْلِ، ونَظِيرُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎هُما نَفَثا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِما عَلى النّابِحِ العاوِي أشَدَّ رِجامِ

وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنُلْقِي بِالنُّونِ، وهو مُشْعِرٌ بِعِظَمِ ما يُلْقى؛ إذْ أسْنَدَهُ إلى المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ”سَيُلْقِي“ بِالياءِ جَرْيًا عَلى الغَيْبَةِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] وقَدَّمَ ”في قُلُوبِهِمْ“: وهو مَجْرُورٌ عَلى المَفْعُولِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِالمَحَلِّ المُلْقى فِيهِ قَبْلَ ذِكْرِ المُلْقى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”الرُّعُبَ“ بِضَمِّ العَيْنِ، والباقُونَ بِسُكُونِها. فَقِيلَ: لُغَتانِ. وقِيلَ: الأصْلُ السُّكُونُ، وضُمَّ إتْباعًا، كالصُّبْحِ والصُّبُحِ. وقِيلَ: الأصْلُ الضَّمُّ، وسُكِّنَ تَخْفِيفًا، كالرُّسْلِ والرُّسُلِ. وذَكَرُوا في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ قِصَّةً طَوِيلَةً أرَدْنا أنْ لا نُخَلِّيَ الكِتابَ مِن شَيْءٍ مِنها، فَلَخَّصْنا مِنها أنْ عَلِيًّا أخْبَرَ الرَّسُولَ بِأنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ حِينَ ارْتَحَلُوا رَكِبُوا الإبِلَ وجَنَبُوا الخَيْلَ، فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَدِينَةِ فَتَجَهَزَ واتَّبَعَ المُشْرِكِينَ إلى حَمْراءَ الأسَدِ. وأنَّ مَعْبَدَ الخُزاعِيَّ جاءَ إلى الرَّسُولِ ﷺ وهو كافِرٌ مُمْتَعِضٌ مِمّا حَلَّ بِالمُسْلِمِينَ، وكانَتْ خُزاعَةُ تَمِيلُ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ المُشْرِكِينَ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ إلى القِتالِ، فَخَذَلَهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَعْبَدٌ. وقالَ مَعْبَدٌ: خَرَجُوا يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ، ولَمْ أرَ إلّا نَواصِيَ خَيْلِهِمْ قَدْ جاءَتْكم. وحَمَلَنِي ما رَأيْتُ أنِّي قُلْتُ في ذَلِكَ شِعْرًا وأنْشَدَ:

؎كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي ∗∗∗ إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجَرَدِ الأبابِيلِ

؎تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مِيلٍ مَهازِيلٍ

؎فَظَلْتُ أعْدُو أظُنُّ الأرْضَ مائِلَةً ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ

إلى آخِرِ الشِّعْرِ، فَوَقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِ الكُفّارِ. وقَوْلُهُ: ”سَنُلْقِي“ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ بَعْدَ أُحُدٍ، والظَّفَرِ. وقالَ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ يُلْقِي الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ.

﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾: الباءُ لِلسَّبَبِ، و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ آلِهَةً لَمْ يُنَزِّلْ بِإشْراكِها حُجَّةً ولا بُرْهانًا، وتَسْلِيطُ النَّفْيِ عَلى الإنْزالِ والمَقْصُودُ: نَفْيُ السُّلْطانِ، أيْ: آلِهَةٌ لا سُلْطانَ في إشْراكِها، فَيَنْزِلُ نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎عَلَـى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنَــارِهِ

أيْ لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، وقَوْلُهُ:

؎ولا تَـرى الضَّبَّ بِهَـا يَنْجَحِــرُ

أيْ لا يَنْجَحِرُ الضَّبُّ، فَيُرى بِها. والمُرادُ نَفْيُ السُّلْطانِ والنُّزُولُ مَعًا. وكانَ الإشْراكُ بِاللَّهِ سَبَبًا لِإلْقاءِ الرُّعْبِ؛ لِأنَّهم يَكْرَهُونَ المَوْتَ ويُؤْثِرُونَ الحَياةَ، إذْ لَمْ تَتَعَلَّقْ آمالُهم بِالآخِرَةِ ولا بِثَوابٍ فِيها ولا عِقابٍ، فَصارَ اعْتِقادُهم ذَلِكَ مُؤَثِّرًا في الرَّغْبَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا كَما قالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] (p-٧٨)وفِي قَوْلِهِ: ”﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾“، دَلِيلٌ عَلى إبْطالِ التَّقْلِيدِ؛ إذْ لا بُرْهانَ مَعَ المُقَلِّدِ.

﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾: أُخْبِرَ تَعالى بِأنَّ مَصِيرَهم ومَرْجِعَهم إلى النّارِ، فَهم في الدُّنْيا مَرْعُوبُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ، بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ، فَهو جالِبٌ لَهُمُ الشَّرَّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

﴿وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾: بالَغَ في ذَمِّ مَثْواهم، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ النّارُ. وجَعَلَ النّارَ مَأْواهم ومَثْواهم. وبَدَأ بِالمَأْوى وهو المَكانُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ الثَّواءُ؛ لِأنَّ الثَّواءَ دالٌّ عَلى الإقامَةِ، فَجَعَلَها مَأْوًى ومَثْوًى كَما قالَ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ النّارَ وهو الظُّلْمُ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ؛ إذْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ. كَما قالَ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

3:152Page 69

وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢

And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.

﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾: هَذا جَوابٌ لِمَن رَجَعَ إلى المَدِينَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالُوا: وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ والإمْدادَ بِالمَلائِكَةِ، فَمِن أيِّ وجْهٍ أُتِينا، فَنَزَلَتْ إعْلامًا أنَّهُ تَعالى صَدَقَهُمُ الوَعْدَ ونَصَرَهم عَلى أعْدائِهِمْ أوَّلًا، وكانَ الإمْدادُ مَشْرُوطًا بِالصَّبْرِ والتَّقْوى. واتَّفَقَ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ ما نَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ، وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِجَمْعِ ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ، وإنْ كانَ لَمْ يَصْدُرْ ما يُعاتَبُ عَلَيْهِ مِن جَمِيعِهِمْ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ لِلْجَمِيعِ عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ، وفي ذَلِكَ إبْقاءٌ عَلى مَن فَعَلَ، وسَتَرَ إذْ لَمْ يُعَيِّنْ، وزَجْرٌ لِمَن لَمْ يَفْعَلْ أنْ يَفْعَلَ.

وصِدْقُ الوَعْدُ: هو أنَّهم هَزَمُوا المُشْرِكِينَ أوَّلًا، وكانَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والزُّبَيْرِ وأبِي دُجانَةَ وعاصِمِ بْنِ أبِي الأفْلَحِ بَلاءٌ عَظِيمٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو مَذْكُورٌ في السِّيَرِ. وكانَ المُشْرِكُونَ في ثَلاثَةِ آلافٍ، ومَعَهم مِائَتا فَرَسٍ. والمُسْلِمُونَ في سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ. وتَعَدَّتْ ”صَدَقَ“ هُنا إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ جَرٍّ، تَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، وصَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ، ذَكَرَها بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ في بابِ ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ، فَيَكُونُ مِن بابِ اسْتَغْفَرَ، واخْتارَ. والعامِلُ في ”إذْ“: ”﴿صَدَقَكُمُ﴾“ .

ومَعْنى تَحَسُّونَهم: تَقْتُلُونَهم. وكانُوا قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ رَجُلًا. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ”﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾“ رُباعِيًّا مِنَ الإحْساسِ، أيْ تُذْهِبُونَ حِسَّهم بِالقَتْلِ. وتَمَنِّي القَتْلَ بِوَقْتِ الفَشَلِ وهو: الجُبْنُ، والضَّعْفُ.

والتَّنازُعُ: وهو التَّجاذُبُ في الأمْرِ، وهَذا التَّنازُعُ صَدَرَ مِنَ الرُّماةِ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَتَّبَ الرُّماةَ عَلى فَمِ الوادِي وقالَ: ”اثْبُتُوا مَكانَكم، وإنْ رَأيْتُمُونا هَزَمْناهم، فَإنّا لا نَزالُ غالِبِينَ ما ثَبَتُّمْ مَكانَكم“ . ووَعَدَهم (p-٧٩)بِالنَّصْرِ إنِ انْتَهَوْا إلى أمْرِهِ. فَلَمّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ قالَ بَعْضُ الرُّماةِ: قَدِ انْهَزَمُوا فَما مَوْقِفُنا هُنا ؟ الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، الحَقُوا بِالمُسْلِمِينَ. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ نَثْبُتُ مَكانَنا كَما أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: التَّنازُعُ هو ما صَدَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ الِاخْتِلافِ حِينَ صِيحَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ.

والعِصْيانُ: هو ذَهابُ مَن ذَهَبَ مِنَ الرُّماةِ مِن مَكانِهِ طَلَبًا لِلنَّهْبِ والغَنِيمَةِ، وكانَ خالِدٌ حِينَ رَأى قِلَّةَ الرُّماةِ صاحَ في خَيْلِهِ وحَمَلَ عَلى مَن بَقِيَ مِنَ الرُّماةِ فَقَتَلَهم، وحَمَلَ عَلى عَسْكَرِ المُسْلِمِينَ، فَتَراجَعَ المُشْرِكُونَ، فَأُصِيبَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ رَجُلًا.

”﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾“: وهو ظَفَرُ المُؤْمِنِينَ وغَلَبَتُهم. قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: لَقَدْ رَأيْتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هِنْدٍ وصَواحِبِها مُشَمِّراتٍ هَوارِبَ ما دُونَ أخْذِهِنَّ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ؛ إذْ مالَتِ الرُّماةُ إلى العَسْكَرِ يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وخَلُّوا ظُهُورَنا لِلْخَيْلِ، فَأُتِينا مِن أدْبارِنا، وصَرَخَ صارِخٌ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فانْكَفَأْنا وانْكَفَأ القَوْمُ عَلَيْنا.

و”إذا“ في قَوْلِهِ: ”﴿إذا فَشِلْتُمْ﴾“، قِيلَ: بِمَعْنى إذْ، وحَتّى حَرْفُ جَرٍّ ولا جَوابَ لَها إذْ ذاكَ، ويَتَعَلَّقُ بِتَحُسُّونَهم أيْ: تَقْتُلُونَهم إلى هَذا الوَقْتِ. وقِيلَ: حَتّى حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، كَما تَدْخُلُ عَلى جُمَلِ الِابْتِداءِ. والجَوابُ مَلْفُوظٌ بِهِ وهو قَوْلُهُ: وتَنازَعْتُمْ عَلى زِيادَةِ الواوِ، قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وثُمَّ صَرَفَكم عَلى زِيادَةِ ثُمَّ، وهَذانِ القَوْلانِ واللَّذانِ قَبْلَهُما ضِعافٌ. والصَّحِيحُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: انْهَزَمْتُمْ. والزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَعَكم نَصْرَهُ، وغَيْرُهُما: امْتُحِنْتُمْ. والتَّقادِيرُ مُتَقارِبَةٌ. وحَذْفُ جَوابِ الشَّرْطِ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] تَقْدِيرُهُ: فافْعَلْ. ويَظْهَرُ أنَّ الجَوابَ المَحْذُوفَ غَيْرُ ما قَدَّرُوهُ وهو: انْقَسَمْتُمْ إلى قِسْمَيْنِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، وهو نَظِيرُ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] التَّقْدِيرُ: انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: فَمِنهم مُقْتَصِدٌ لا يُقالُ: كَيْفَ يُقالُ: انْقَسَمُوا فِيمَن فَشِلَ وتَنازَعَ وعَصى؛ لِأنَّ هَذِهِ الأفْعالَ لَمْ تَصْدُرْ مِن كُلِّهِمْ، بَلْ مِن بَعْضِهِمْ كَما ذَكَرْناهُ في أوَّلِ الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَقَدُّمِ وعْدِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِمْ ما لَمْ يَعْصُوا بِتَنازُعِهِمْ وفَشَلِهِمْ، وكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ هَزَمُوهم وقَتَلُوا، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّبِيِّ بِأنَّ الإخْبارَ بِالغُيُوبِ مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ وصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ولا يَنْتَهِي عِلْمُها إلَيْنا إلّا عَلى لِسانِ رَسُولٍ يُخْبِرُ بِها عَنِ اللَّهِ تَعالى.

﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الدُّنْيا الغَنِيمَةُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ما شَعَرْنا أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الدُّنْيا حَتّى كانَ يَوْمُ أُحُدٍ، والَّذِينَ أرادُوا الآخِرَةَ هُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا في مَرْكَزِهِمْ مَعَ أمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ في نَفَرٍ دُونَ العَشْرَةِ قُتِلُوا جَمِيعًا، وكانَ الرُّماةُ خَمْسِينَ، ذَهَبَ مِنهم نَيِّفٌ عَلى أرْبَعِينَ لِلنَّهْبِ وعَصَوُا الأمْرَ. ومِمَّنْ أرادَ الآخِرَةَ مَن ثَبَتَ بَعْدَ تَخَلْخُلِ المُسْلِمِينَ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، كَأنَسِ بْنِ النَّضْرِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَضْطَرِبْ في قِتالِهِ ولا في دِينِهِ. وهاتانِ الجُمْلَتانِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ.

* *

﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ أيْ جَعَلَكم تَنْصَرِفُونَ. (لِيَبْتَلِيَكم) أيْ لِيَمْتَحِنَ صَبْرَكم عَلى المَصائِبِ وثَباتَكم عَلى الإيمانِ عِنْدَها. وقِيلَ: صَرَفَكم عَنْهم، أيْ لَمْ تَتَمادَ الكَسْرَةُ عَلَيْكم فَيَسْتَأْصِلُوكم. وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يُكَلِّفْكم طَلَبَهم عَقِيبَ انْصِرافِهِمْ. وتَأوَّلَتْهُ المُعْتَزِلَةُ عَلى مَعْنى: ثُمَّ انْصَرَفْتُمْ عَنْهم، فَإضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِإخْراجِهِ الرُّعْبَ مِن قُلُوبِ الكافِرِينَ ابْتِلاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: مَعْنى لِيَبْتَلِيَكم أيْ لِيُنْزِلَ بِكم ذَلِكَ البَلاءَ مِنَ القَتْلِ والتَّمْحِيصِ.

﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ قِيلَ: عَنْ عُقُوبَتِكم عَلى فِرارِكم، ولَمْ يُؤاخِذْكم بِهِ. وقِيلَ: بِرَدِّ العَدُوِّ عَنْكم. وقِيلَ: بِتَرْكِ الأمْرِ بِالعَوْدِ إلى قِتالِهِمْ مِن فَوْرِكم. وقِيلَ: بِتَرْكِ الِاسْتِئْصالِ بَعْدَ المَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ. فَمَعْنى (p-٨٠)عَفا عَنْكم: أبْقى عَلَيْكم.

قالَ الحَسَنُ: قُتِلَ مِنهم جَماعَةٌ سَبْعُونَ، وقُتِلَ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ وشُجَّ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، وإنَّما العَفْوُ إنْ لَمْ يَسْتَأْصِلْهم هَؤُلاءِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وفي سَبِيلِ اللَّهِ غِضابٌ لِلَّهِ يُقاتِلُونَ أعْداءَ اللَّهِ، نُهُوا عَنْ شَيْءٍ فَضَيَّعُوهُ، فَواللَّهِ ما تُرِكُوا حَتّى غُمُّوا بِهَذا الغُمِّ، يا فِسْقَ الفاسِقِينَ ! اليَوْمَ يُحِلُّ كُلَّ كَبِيرَةٍ، ويَرْكَبُ كُلَّ داهِيَةٍ ويَسْحَبُ عَلَيْها ثِيابَهُ، ويَزْعُمُ أنْ لا بَأْسَ عَلَيْهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ الحَسَنِ. والظّاهِرُ أنَّ العَفْوَ إنَّما هو عَنِ الذَّنْبِ، أيْ لَمْ يُؤاخِذْكم بِالعِصْيانِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةُ قَوْلِهِ: وعَصَيْتُمْ. والمَعْنى: أنَّ الذَّنْبَ كانَ يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِمّا نَزَلَ بِكم، فَعَفا عَنْكم، فَهو إخْبارٌ بِالعَفْوِ عَمّا كانَ يُسْتَحَقُّ بِالذَّنْبِ مِنَ العِقابِ. وقالَ بِهَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وجَماعَةٌ. وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَحْذِيرٌ.

﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ في الأحْوالِ، أوْ بِالعَفْوِ.

وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ ضُرُوبًا: مِن ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ في: أمْ حَسِبْتُمْ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: انْقَلَبْتُمْ، ومَن يَنْقَلِبْ، وفي: ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ. والمُغايِرُ في قَوْلِهِمْ: إلّا أنْ قالُوا. وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ في: تَمَنَّوْنَ المَوْتَ أيِ الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفي قَوْلِهِ: وثَبِّتْ أقْدامَنا فِيمَن فَسَّرَ ذَلِكَ بِالقُلُوبِ؛ لِأنَّ ثَباتَ الأقْدامِ مُتَسَبِّبٌ عَنْ ثَباتِ القُلُوبِ. والِالتِفاتُ في: وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ. والتَّكْرارُ في: ولَمّا يَعْلَمْ، ويَعْلَمْ؛ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى فَضْلِ الصّابِرِ. وفي: أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَوْتِ خِلافُ العُرْفِ في القَتْلِ، والمَعْنى: مُفارَقَةُ الرُّوحِ الجَسَدَ، فَهو واحِدٌ. ومَن في ”ومَن يُرِدْ ثَوابَ“ الجُمْلَتَيْنِ، وفي: ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في قَوْلِ مَن سَوّى بَيْنَهُما، وفي: ”ثَوابَ“ و”﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]“ . وفي: لَفْظِ الجَلالَةِ، وفي: ”﴿مِنكم مَن يُرِيدُ﴾“، الجُمْلَتَيْنِ. والتَّقْسِيمُ في: ”﴿ومَن يُرِدْ﴾ [آل عمران: ١٤٥]“ وفي ”﴿مِنكم مَن يُرِيدُ﴾“ . والِاخْتِصاصُ في: الشّاكِرِينَ، والصّابِرِينَ، والمُؤْمِنِينَ. والطِّباقُ في: ”﴿آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩]“ . والتَّشْبِيهُ في: يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم، شَبَّهَ الرُّجُوعَ عَنِ الدِّينِ بِالرّاجِعِ القَهْقَرى والَّذِي حَبِطَ عَمَلُهُ بِالكُفْرِ بِالخاسِرِ الَّذِي ضاعَ رِبْحُهُ ورَأْسُ مالِهِ، وبِالمُنْقَلِبِ الَّذِي يَرُوحُ في طَرِيقٍ ويَغْدُو في أُخْرى، وفي قَوْلِهِ: سَنَلْقى. وقِيلَ: هَذا كُلُّهُ اسْتِعارَةٌ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском