Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:53–58
3:53–55Page 57
رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣
Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger [i.e., Jesus], so register us among the witnesses [to truth]."
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤
And they [i.e., the disbelievers] planned, but Allāh planned. And Allāh is the best of planners.
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٥٥
[Mention] when Allāh said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify [i.e., free] you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allāh alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ أيْ: مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِكَ، أوْ: بِما أنْزَلْتَ مِن كَلامِكَ عَلى الرُّسُلِ، أوْ بِالإنْجِيلِ.
﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ هو عِيسى عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ.
﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ هم: مُحَمَّدٌ ﷺ وأمَّتُهُ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ لَهم بِالصِّدْقِ. رَوى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ: مَن آمَنَ قَبْلَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ. أوِ الصّادِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوِ الشّاهِدُونَ لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ الشّاهِدُونَ لِنُصْرَةِ رُسُلِكَ، أوِ الشّاهِدُونَ بِالحَقِّ عِنْدَكَ، رَغِبُوا في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ الشّاهِدِينَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، وعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِهِمْ بِلَفْظِ: فاكْتُبْنا، إذْ كانَتِ الكِتابَةُ تُقَيِّدُ وتَضْبُطُ ما يَحْتاجُ إلى تَحْقِيقِهِ وعِلْمِهِ في ثانِي حالٍ.
﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ في: مَكَرُوا، عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] وهم: بَنُو إسْرائِيلَ، ومَكْرُهم، هو احْتِيالُهم في قَتْلِ عِيسى، بِأنْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً، وسَيَأْتِي ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ حَصْرِهِ، وحَصْرِ أصْحابِهِ في مَكانٍ، ورَوْمِهِمْ قَتْلَهُ، وإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى رَجُلٍ، وقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وصَلْبِهِ في مَكانِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ.
﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ مُجازاتِهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ سَمّى ذَلِكَ مَكْرًا؛ لِأنَّ المُجازاةَ لَهم ناشِئَةٌ عَنِ المَكْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكَثِيرًا ما تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هو رَدُّهم عَمّا أرادُوا بِرَفْعِ عِيسى إلى السَّماءِ، وإلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى مَن أرادَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ. وقالَ الأصَمُّ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أهْلَ فارِسٍ فَقَتَلُوهم وسَبَوْا ذَرارِيهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنَّ اليَهُودَ غَزَوُا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، فَأخَذُوهم وعَذَّبُوهم، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ، فَأنْقَذَهم ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ، وصارَ نَصْرانِيًّا، ولَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. ثمَ ولِيَ مَلِكٌ آخَرُ بَعْدُ، وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ حَجْرًا عَلى آخَرَ، وخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ.
وقالَ المُفَضَّلُ: ودَبَّرُوا، ودَبَّرَ اللَّهُ، والمَكْرُ: لُطْفُ التَّدْبِيرِ، وقالَ ابْنُ عِيسى: المَكْرُ قَبِيحٌ، وإنَّما جازَ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ إعْلاءُ دِينِهِ، وقَهْرُهم بِالذُّلِّ، ومَكْرُهم: لُزُومُهم إبْطالَ دِينِهِ. والمَكْرُ عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِيالِ في إيصالِ الشَّرِّ في خُفْيَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وقِيلَ: المَكْرُ الأخْذُ بِالغَفْلَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ، وسَألَ رَجُلٌ الجُنَيْدَ، فَقالَ: كَيْفَ رَضِيَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَفْسِهِ المَكْرَ، وقَدْ عابَ بِهِ غَيْرَهُ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَكِنْ أنْشَدَنِي فُلانٌ الظَّهْرانِيُّ:
؎ويُقَبِّحُ مَن سِواكَ الفِعْلَ عِنْدِي فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا
ثُمَّ قالَ: قَدْ أجَبْتُكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ.
﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ مَعْناهُ أيِ: المُجازِينَ أهْلِ الخَيْرِ بِالفَضْلِ، وأهْلِ الجَوْرِ بِالعَدْلِ، لِأنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، وقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] . وقِيلَ: خَيْرُ، هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، بَلْ هي: كَهي في قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقالَ حَسّانُ:
؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِن ضُرُوبِ البَلاغَةِ: الِاسْتِعارَةُ في أحَسَّ: إذْ لا يُحِسُّ إلّا ما كانَ مُتَجَسَّدًا، والكُفْرُ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وإنَّما يُعْلَمُ، ويُفْطَنُ بِهِ، ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ إلّا إنْ كانَ أحَسَّ، بِمَعْنى رَأى، أوْ بِمَعْنى سَمِعَ مِنهم كَلِمَةَ الكُفْرِ، فَيَكُونُ أحَسَّ لا اسْتِعارَةَ فِيهِ، إذْ يَكُونُ أدْرَكَ ذَلِكَ مِنهم بِحاسَّةِ البَصَرِ، أوْ بِحاسَّةِ الأُذُنِ، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ثَمَرَتِهِ. قالَ الجُمْهُورُ: أحَسَّ مِنهُمُ القَتْلَ، وقَتْلُ نَبِيٍّ مِن أعْظَمِ ثَمَراتِ الكُفْرِ.
والسُّؤالُ والجَوابُ في: قالَ ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] (p-٤٧٣)والتَّكْرارُ في: مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ، وأنْصارُ اللَّهِ، وآمَنّا بِاللَّهِ، وآمَنّا بِما أنْزَلْتَ، ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ، والماكِرِينَ، وفي هَذا التَّجْنِيسُ المُماثِلُ، والمُغايِرُ، والحَذْفُ في مَواضِعَ.
﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ العامِلُ في: إذْ، ومَكَرَ اللَّهُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، أوِ اذْكُرْ، قالَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، أوْ: خَيْرُ الماكِرِينَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وهَذا القَوْلُ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ، لِأنَّ عِيسى لَيْسَ بِمُكَلِّمٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومُتَوَفِّيكَ: هي وفاةُ يَوْمَ رَفَعَهُ اللَّهُ في مَنامِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ: ورافِعُكَ، وأنْتَ نائِمٌ، حَتّى لا يَلْحَقَكَ خَوْفٌ، وتَسْتَيْقِظَ وأنْتَ في السَّماءِ آمِنٌ مُقَرَّبٌ. أوْ: وفاةُ مَوْتٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ وهْبٌ: ماتَ ثَلاثَ ساعاتٍ، ورَفَعَهُ فِيها ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ في السَّماءِ، وفي بَعْضِ الكُتُبِ: سَبْعَ ساعاتٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هي وفاةُ مَوْتٍ، ولَكِنَّ المَعْنى: مُتَوَفِّيكَ في آخِرِ أمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ، وقَتْلِكَ الدَّجّالَ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْتَوْفِي أجَلَكَ، ومَعْناهُ أيْ: عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُؤَخِّرُكَ إلى أجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ، لا قَتْلًا بِأيْدِيِهِمْ. وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ مِن غَيْرِ مَوْتٍ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، و مَطَرٌ الوَرّاقِ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، مِن تَوَفَّيْتُ مالِي عَلى فُلانٍ إذا اسْتَوْفَيْتَهُ.
وقِيلَ: أجْعَلُكَ كالمُتَوَفّى؛ لِأنَّهُ بِالرَّفْعِ يُشْبِهُهُ. وقِيلَ: آخُذُكَ وافِيًا بِرُوحِكَ وبَدَنِكَ. وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: مُتَقَبِّلُ عَمَلِكَ، ويَضْعُفُ هَذا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الواسِطِيُّ: مُتَوَفِّيكَ عَنْ شَهَواتِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ مِن: ”أنَّ عِيسى في السَّماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَفِيضُ العَدْلُ، وتَظْهَرُ بِهِ المِلَّةُ، مِلَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ويَحُجُّ البَيْتَ، ويَعْتَمِرُ، ويَبْقى في الأرْضِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً“ وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً انْتَهى.
﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ الرَّفْعُ نَقْلٌ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ، وإلَيَّ: إضافَةُ تَشْرِيفٍ. والمَعْنى: إلى سَمائِي ومَقَرِّ مَلائِكَتِي. وقَدْ عُلِمَ أنَّ البارِيَ تَعالى لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذا المُشَبِّهَةُ في ثُبُوتِ المَكانِ لَهُ تَعالى وقِيلَ: إلى مَكانٍ لا يَمْلِكُ الحُكْمَ فِيهِ في الحَقِيقَةِ، ولا في الظّاهِرِ إلّا أنا، بِخِلافِ الأرْضِ، فَإنَّهُ قَدْ يَتَوَلّى المَخْلُوقُونَ فِيها الأحْكامَ ظاهِرًا. وقِيلَ: إلى مَحَلِّ ثَوابِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَفْعُهُ إلى السَّماءِ، سَماءُ الدُّنْيا، فَهو فِيها يَسْبَحُ مَعَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ يُهْبِطُهُ اللَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ الدَّجّالِ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قِيلَ: كانَ عِيسى عَلى طُورِ سَيْناءَ، وهَبَّتْ رِيحٌ فَهَرْوَلَ عِيسى، فَرَفَعَهُ اللَّهُ في هَرْوَلَتِهِ، وعَلَيْهِ مَدْرَعَةٌ مِن شِعْرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عِيسى في بَيْتٍ لَهُ كُوَّةٌ، فَدَخَلَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَهُ، فَرُفِعَ عِيسى مِنَ البَيْتِ، وخَرَجَ الرَّجُلُ في شَبَهِ عِيسى يُخْبِرُهم أنَّ عِيسى لَيْسَ في البَيْتِ، فَقَتَلُوهُ. ورَوَيَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى مِن رَوْزَنَةٍ كانَتْ في البَيْتِ.
﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا دَنِسًا، ونَجِسًا فَطَهَّرَهُ مِنهم؛ لِأنَّ صُحْبَةَ الأشْرارِ وخَلْطَةَ الفُجّارِ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الدَّنَسِ في الثَّوْبِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُخَلِّصُهُ مِنهم، فَكَنّى عَنْ إخْراجِهِ مِنهم وتَخْلِيصِهِ بِالتَّطْهِيرِ، وأتى بِلَفْظِ الظّاهِرِ لا بِالضَّمِيرِ، وهو الَّذِينَ كَفَرُوا، إشارَةً إلى عِلَّةِ الدَّنَسِ والنَّجَسِ، وهو الكُفْرُ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وكَما جاءَ في الحَدِيثِ: «المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ» فَجَعَلَ عِلَّةَ تَطْهِيرِهِ الإيمانَ.
وقِيلَ: مُطَهِّرُكَ مِن أذى الكَفَرَةِ. وقِيلَ: مِنَ الكُفْرِ والفَواحِشِ. وقِيلَ: مِمّا قالُوهُ فِيكَ، وفي أُمِّكَ. وقِيلَ: ومُطَهِّرُكَ؛ أيْ: مُطَهِّرٌ بِكَ وجْهَ النّاسِ مِن نَجاسَةِ الكُفْرِ والعِصْيانِ. وقالَ الرّاغِبُ: مُتَوَفِّيكَ: آخِذُكَ عَنْ هَواكَ، ورافِعُكَ إلَيَّ عَنْ شَهَواتِكَ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَفْعًا مَكانِيًّا، وإنَّما هو رِفْعَةُ المَحَلِّ، وإنْ كانَ قَدْ رُفِعَ إلى السَّماءِ، وتَطْهِيرُهُ مِنَ الكافِرِينَ إخْراجُهُ مِن بَيْنِهِمْ. وقِيلَ: تَخْلِيصُهُ مِن قَتْلِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَجَسٌ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنهُ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: التَّخْلِيصُ والتَّطْهِيرُ واحِدٌ، إلّا أنَّ لَفْظَ التَّطْهِيرِ (p-٤٧٤)فِيهِ رِفْعَةٌ لِلْمُخاطَبِ، كَما أنَّ الشُّهُودَ والحُضُورَ واحِدٌ، وفي الشُّهُودِ رِفْعَةٌ. ولِهَذا ذَكَرَهُ اللَّهُ في المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ الحُضُورَ والإحْضارَ في الكافِرِينَ.
﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ الكافُ: ضَمِيرُ عِيسى كالكافِ السّابِقَةِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ انْتَهى هَذا القَوْلُ، ولا يَظْهَرُ. ومَعْنى اتَّبَعُوكَ: أيْ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ؛ لِأنَّهم مُتَّبِعُوهُ في أصْلِ الإسْلامِ، وإنِ اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ.
﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْلُونَهم بِالحُجَّةِ، وفي أكْثَرِ الأحْوالِ بِها وبِالسَّيْفِ، والَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وكَذَبُوا عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، بِتَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ في كَلامِهِ.
فالفَوْقِيَّةُ هُنا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، قالَهُ الحَسَنُ. أوْ: بِالعِزِّ والمَنَعَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَهم فَوْقَ اليَهُودِ، فَلا تَكُونُ لَهم مَمْلَكةٌ كَما لِلنَّصارى. فالآيَةُ، عَلى قَوْلِهِ مُخْبِرَةٌ عَنْ إذْلالِ اليَهُودِ وعُقُوبَتِهِمْ بِأنَّ النَّصارى فَوْقَهم في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ المُتَّبِعِينَ والكافِرِينَ، وجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فَضِيلَةَ فِيهِ لِلْمُتَّبَعِينَ الكُفّارِ، بَلْ كَوْنُهم فَوْقَ اليَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ. وقالَ الجُمْهُورُ بِعُمُومِ المُتَّبِعِينَ، فَتَدْخُلُ في ذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَصَّ عَلَيْهِ قَتادَةُ، وبِعُمُومِ الكافِرِينَ.
والآيَةُ تَقْتَضِي إعْلامَ عِيسى أنَّ أهْلَ الإيمانِ بِهِ كَما يُحِبُّ هم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ والعِزَّةِ والمَنَعَةِ والغَلَبَةِ، ويَظْهَرُ عَنْ عِبارَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المُتَّبِعِينَ لَهُ هم في وقْتِ اسْتِنْصارِهِ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ شَرَّفَهم، وأبْقى لَهم في الصّالِحِينَ ذِكْرًا، فَهم فَوْقَهم بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، وما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن رِضْوانِ اللَّهِ.
وقِيلَ: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ القِيامَةِ في الجَنَّةِ، إذْ هم في الغُرُفاتِ، والَّذِينَ كَفَرُوا في أسْفَلِ سافِلِينَ في الدَّرَكاتِ. وتُلُخِّصَ مِن أقْوالِ هَؤُلاءِ المُفَسِّرِينَ أنَّ مُتَّبِعِيهِ، هم مُتَّبِعُوهُ في أصْلِ الإسْلامِ، فَيَكُونُ عامًّا في المُسْلِمِينَ، وعامًّا في الكافِرِينَ، أوْ هم مُتَّبِعُوهُ في الِانْتِماءِ إلى شَرِيعَتِهِ، وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوها حَقِيقَةً، ويَكُونُ الكافِرُونَ خاصًّا بِاليَهُودِ، أوْ مُتَّبِعُوهُ هُمُ الحَوارِيُّونَ، والكافِرُونَ: مَن كَفَرَ بِهِ. وأمّا الفَوْقِيَّةُ فَإمّا حَقِيقَةً، وذَلِكَ بِالجَنَّةِ والنّارِ، وإمّا مَجازًا أيْ: بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دِينِيًّا، وإمّا: بِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دُنْيَوِيًّا، وإمّا بِهِما.
﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ: إلى، تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهو العامِلُ في: فَوْقَ، وهو المَفْعُولُ الثّانِي: لِـ ”جاعِلُ“، إذْ مَعْنى ”جاعِلُ“ هُنا: مُصَيِّرُ، فالمَعْنى كائِنِينَ فَوْقَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا عَلى أنَّ الفَوْقِيَّةَ مَجازٌ، وأمّا إنْ كانَتِ الفَوْقِيَّةُ حَقِيقَةً، وهي الفَوْقِيَّةُ بِالجَنَّةِ، فَلا تَتَعَلَّقُ: إلى، بِذَلِكَ المَحْذُوفِ، بَلْ بِما تَقَدَّمَ مِن: مُتَوَفِّيكَ، أوْ مِن: رافِعُكَ، أوْ مِن: مُطَهِّرُكَ، إذْ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها، إمّا بِرافِعُكَ أوْ مُطَهِّرُكَ، فَظاهَرٌ. وإمّا بِمُتَوَفِّيكَ فَعَلى بَعْضِ الأقْوالِ. وهَذِهِ الأخْبارُ الأرْبَعَةُ تَرْتِيبُها في غايَةِ الفَصاحَةِ، بَدَأ أوَّلًا: بِإخْبارِهِ تَعالى لِ عِيسى أنَّهُ مُتَوَفِّيهِ، فَلَيْسَ لِلْماكِرِينَ بِهِ تَسَلُّطٌ عَلَيْهِ، ولا تَوَصُّلٌ إلَيْهِ، ثُمَّ بَشَّرَهُ ثانِيًا بِرَفْعِهِ إلى سَمائِهِ، وسُكْناهُ مَعَ مَلائِكَتِهِ وعِبادَتِهِ فِيها، وطُولِ عُمْرِهِ في عِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ ثالِثًا بِرَفْعِهِ إلى سَمائِهِ بِتَطْهِيرِهِ مِنَ الكُفّارِ، فَعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ زَمانِهِ حِينَ رَفَعَهُ، وحِينَ يُنْزِلُهُ في آخِرِ الدُّنْيا، فَهي بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُ أنَّهُ مُطَهَّرٌ مِنَ الكُفّارِ أوَّلًا وآخِرًا. ولَمّا كانَ التَّوَفِّي والرَّفْعُ كُلٌّ مِنهُما خاصٌّ بِزَمانٍ، بُدِئَ بِهِما. ولَمّا كانَ التَّطْهِيرُ عامًّا يَشْمَلُ سائِرَ الأزْمانِ أُخِّرَ عَنْهُما، ولَمّا بَشَّرَهُ بِهَذِهِ البَشائِرِ الثَّلاثِ، وهي أوْصافٌ لَهُ في نَفْسِهِ، بَشَّرَهُ بِرِفْعَةِ أتْباعِهِ فَوْقَ كُلِّ كافِرٍ، لِتُقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ، ويُسَرَّ قَلْبُهُ.
ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ مِنِ اعْتِلاءِ تابِعِيهِ عَلى الكُفّارِ مِن أوْصافِ تابِعِيهِ، تَأخَّرَ عَنِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي لِنَفْسِهِ، إذِ البَداءَةُ بِالأوْصافِ الَّتِي لِلنَّفْسِ أهَمُّ، ثُمَّ أتْبَعَ بِهَذا الوَصْفِ الرّابِعِ عَلى سَبِيلِ التَّبْشِيرِ بِحالِ تابِعِيهِ في الدُّنْيا، لِيُكْمِلَ بِذَلِكَ سُرُورَهُ بِما أُوتِيهِ، وأُوتِيَ تابِعُوهُ مِنَ الخَيْرِ.
﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ بِالحَشْرِ والبَعْثِ، والمَعْنى (p-٤٧٥)ثُمَّ إلى حُكْمِي، وهَذا عِنْدِي مِنَ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرَ مُكَذِّبِيهِ وهُمُ اليَهُودُ، وذِكْرَ مَن آمَنَ بِهِ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ. وأعْقَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَذَكَرَ مُتَّبِعِيهِ والكافِرِينَ، فَلَوْ جاءَ عَلى نَمَطِ هَذا السّابِقِ لَكانَ التَّرْكِيبُ: ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُهم، ولَكِنَّهُ التَفَتَ عَلى سَبِيلِ الخِطابِ لِلْجَمِيعِ، لِيَكُونَ الإخْبارُ أبْلَغَ في التَّهْدِيدِ، وأشَدَّ زَجْرًا لِمَن يَزْدَجِرُ. ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَةَ: إلَيَّ، ولَفْظَةَ: فَأحْكُمُ، بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لِيُعْلَمَ أنَّ الحاكِمَ هُناكَ مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وذَكَرَ أنَّهُ يَحْكُمُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن أمْرِ الأنْبِياءِ واتِّباعِ شَرائِعِهِمْ، وأتى بِالحُكْمِ مُبْهَمًا، ثُمَّ فَصَّلَ المَحْكُومَ بَيْنَهم إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، وذَكَرَ جَزاءَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَرْجِعُكم، الخِطابُ لِ عِيسى، والمُرادُ الإخْبارُ بِالقِيامَةِ والحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جاءَ اللَّفْظُ عامًّا مِن حَيْثُ الأمْرُ في نَفْسِهِ لا يَخُصُّ عِيسى وحْدَهُ، فَخاطَبَهُ كَما يُخاطِبُ الجَماعَةَ، إذْ هو أحَدُها، وإذْ هي مُرادَةٌ في المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ. والأوْلى عِنْدِي أنْ يَكُونَ مِنَ الِالتِفاتِ كَما ذَكَرْتُهُ.
3:56–58Page 57
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٥٦
And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٧
But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allāh does not like the wrongdoers.
ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ ٥٨
This is what We recite to you, [O Muḥammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message [i.e., the Qur’ān].
﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خاصًّا، أيْ: كَفَرُوا بِكَ، وجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ.
﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وُصِفَ العَذابُ بِالشِّدَّةِ؛ لِتَضاعُفِهِ وازْدِيادِهِ. وقِيلَ: لِاخْتِلافِ أجْناسِهِ.
﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُّلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِن هَذا فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يَعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ.
(والآخِرَةِ) بِعَذابِ النّارِ. وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِما يَفْعَلُ بِالكافِرِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ في دُنْياهُ إلى آخِرِ أمْرِهِ في عُقْباهُ.
﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ بَدَأ أوَّلًا بِقِسْمِ الكُفّارِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حُكْمِهِ تَعالى بَيْنَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، والإخْبارِ بِجَزائِهِمْ، فَناسَبَتِ البَداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] وبِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِ عِيسى ورامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أتى ثانِيًا بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، وعَلَّقَ هُناكَ العَذابَ عَلى مُجَرَّدِ الكُفْرِ، وهُنا عَلَّقَ تَوْفِيَةَ الأجْرِ عَلى الإيمانِ، وعَمِلَ الصّالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ، ودُعاءً إلَيْها. والتَّوْفِيَةُ: دَفْعُ الشَّيْءِ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، والأُجُورُ: ثَوابُ الأعْمالِ، شَبَّهَهُ بِالعامِلِ الَّذِي يُوَفّى أجْرَهُ عِنْدَ تَمامِ عَمَلِهِ. وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي: قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ بِحَسَبِ الأعْمالِ عَلى ما رَتَّبَها تَعالى، وفي الآيَةِ قَبْلَها قالَ: (فَأُعَذِّبُهم) أسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، وذَلِكَ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥] وفي هَذِهِ الآيَةِ قالَ: فَيُوَفِّيهِمْ، بِالياءِ عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ، ورُوَيْسٍ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والخُرُوجِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلتَّنَوُّعِ في الفَصاحَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ، بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ شَأْنُهُ، ولَمْ يَأْتِ بِالهَمْزَةِ كَما في تِلْكَ الآيَةِ لِيُخالِفَ في الإخْبارِ بَيْنَ النِّسْبَةِ الإسْنادِيَّةِ فِيما يَفْعَلُهُ بِالكافِرِ وبِالمُؤْمِنِ، كَما خالَفَ في الفِعْلِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ العامِلَ لِلصّالِحاتِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَناسَبَهُ الإخْبارُ عَنِ المَجازِيِّ بِنُونِ العَظَمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ آمَنُوا، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُ ما بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] فِيمَن نَصَبَ الدّالَ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما يُشْبِهُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، لِأنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ مُحِبٌّ لَهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما تُخالِفُ المُحِبَّةُ الإرادَةَ إذا عُلِّقَتا بِالأشْخاصِ، فَيُقالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، ولا يُقالُ: أُرِيدُهُ، وأمّا الأفْعالُ فَهُما فِيها واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: لا يُحِبُّ: لا يُرِيدُ ظُلْمَ الظّالِمِينَ، هَكَذا قَرَّرَهُ عَبْدُ الجَبّارِ، وعِنْدَ أصْحابِنا المَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ إيصالِ الخَيْرِ لَهُ، فَهو تَعالى، وإنْ أرادَ كُفْرَ الكافِرِ، لا يُرِيدُ إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِ.
(p-٤٧٦)﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن خَبَرِ عِيسى وزَكَرِيّا، وغَيْرِهِما، ونَتْلُوهُ: نَسْرِدُهُ ونَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وأضافَ التِّلاوَةَ إلى نَفْسِهِ، وإنْ كانَ المَلِكُ هو التّالِيَ تَشْرِيفًا لَهُ، جَعَلَ تِلاوَةَ المَأْمُورِ تِلاوَةَ الآمِرِ، وفي: نَتْلُوهُ، التِفاتٌ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ضَمِيرَ غائِبٍ في قَوْلِهِ: لا يُحِبُّ، ونَتْلُوهُ: مَعْناهُ تَلَوْناهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ظاهِرُهُ مِنَ الحالِ؛ لِأنَّ قِصَّةَ عِيسى لَمْ يَفْرَغْ مِنها، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَعْنى هَذا.
والآياتُ هُنا، الظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِها آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها المُعْجِزاتُ والمُسْتَغْرَباتُ، أيْ: نَأْتِيهِمْ بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا، وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ، ولا تَصْحَبُ أهْلَ الكِتابِ، فَهي آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: والذِّكْرُ القُرْآنُ، والحَكِيمُ أيِ الحاكِمُ، أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِ، ووَصَفَ بِصِفَةِ مَن هو مِن سَبَبِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ: كَأنَّهُ يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ لِكَثْرَةِ حُكْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّهُ ذُو حِكْمَةٍ في تَأْلِيفِهِ ونَظْمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُحْكِمِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أحْكَمَ عَنْ طُرُقِ الخَلَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] ويَكُونُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، وهو قَلِيلٌ، ومِنهُ أعْقَدْتُ العَسَلَ فَهو مُعْقَدٌ وعَقِيدٌ، وأحْبَسْتُ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَهو مُحْبَسٌ وحَبِيسٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي مِنهُ نُقِلَتْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، أخْبَرَ أنَّهُ أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ مِمّا كُتِبَ هُناكَ.
وذَلِكَ: مُبْتَدَأٌ، ونَتْلُوهُ: خَبَرٌ. ومِنَ الآياتِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنًا مِنَ الآياتِ. و”مِن“: لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ هَذا المَتْلُوَّ بَعْضُ الآياتِ والذِّكْرِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: مِنَ الآياتِ، خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ، إذا كانَ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، ولَمْ يَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: مِن، لِبَيانِ الجِنْسِ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ أنْ تَكُونَ: مِن، لِبَيانِ الجِنْسِ. ولا يَتَأتّى ذَلِكَ هُنا مِن جِهَةِ المَعْنى إلّا بِمَجازٍ، لِأنَّ تَقْدِيرَ مِنَ البَيانِيَّةِ بِالمَوْصُولِ. ولَوْ قُلْتَ: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ الَّذِي هو الآياتُ والذِّكْرُ الحَكِيمُ، لاحْتِيجَ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ هَذا المُشارَ إلَيْهِ مِن نَبَأِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ لَيْسَ هو جَمِيعَ الآياتِ، والذِّكْرُ الحَكِيمُ إنَّما هو بَعْضُ الآياتِ، فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ أنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ الآياتِ، والذِّكْرُ هو الآياتُ، والذِّكْرُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّها لِبَيانِ الجِنْسِ: أبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، وبَدَأ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، أيْ: نَتْلُو ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أفْصَحُ؛ لِأنَّهُ عَرِيَ مِن مُرَجِّحِ النَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ؛ فَزَيْدٌ ضَرَبْتَهُ، أفْصَحُ مِن: زَيْدًا ضَرَبْتَهُ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا، وعَلى هَذا الإعْرابِ يَكُونُ: نَتْلُوهُ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، لِأنَّهُ مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَكُونُ: مِنَ الآياتِ، حالًا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في: نَتْلُوهُ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي، ونَتْلُوهُ: صِلَتَهُ. ومِنَ الآياتِ الخَبَرُ. وقالَهُ الزَّجّاجُ قَبْلَهُ، وهَذِهِ نَزْعَةٌ كُوفِيَّةٌ، يُجِيزُونَ في أسْماءِ الإشارَةِ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، إلّا في ذا، وحْدَها إذا سَبَقَها ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاتِّفاقٍ، أوْ مَنِ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاخْتِلافٍ. وتَقْرِيرُ هَذا في عِلْمِ النَّحْوِ. وجَوَّزُوا (p-٤٧٧)أيْضًا أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأً و”مِنَ الآياتِ“: خَبَرٌ. ونَتْلُوهُ: حالٌ. وأنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. ونَتْلُوهُ: حالٌ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الآياتِ، ومَن جَعَلَها لِلْقَسَمِ وجَوابَ القَسَمِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ [آل عمران: ٥٩] فَقَدْ أبْعَدَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences