Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:150–159
4:150–159Page 102
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠
Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١
Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢
But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣
The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.
وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤
And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly"; and We said to them, "Do not transgress on the sabbath"; and We took from them a solemn covenant.
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥
And [We cursed them]1 for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allāh and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped" [i.e., sealed against reception]. Rather, Allāh has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.2
وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦
And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1
وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧
And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1
بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨
Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩
And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وآمَنَتِ النَّصارى بِعِيسى والإنْجِيلِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، آمَنُوا بِمُوسى وعُزَيْرٍ والتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِ المُنافِقُونَ مِن سُوءِ الخَلِيقَةِ ومَذْمُومِ الطَّرِيقَةِ أخَذَ في الكَلامِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضِ الرُّسُلِ كُفْرًا بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وكُفْرَهم بِالرُّسُلِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعالى.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ وفُلانٍ مِنَ الأنْبِياءِ.
﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ هو تَصْدِيقُ اليَهُودِ بِمُحَمَّد أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ونَحْوُ هَذا مِن تَفَرُّقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا، ورَوَغانًا.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أيْ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أكَّدَ بِقَوْلِهِ هم، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ يَنْفَعُهم. وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: حَقًّا، وهو تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: هَذا عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. أوْ هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُفْرًا حَقًّا؛ أيْ ثابِتًا يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ نَظائِرُ، وقَدْ طَعَنَ الواحِدِيُّ في هَذا التَّوْجِيهِ، وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ إنَّهُ لا يُرادُ بِحَقًّا الحَقُّ الَّذِي هو مُقابِلٌ لِلْباطِلِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ كُفْرٌ ثابِتٌ مُتَيَقَّنٌ؛ وإنَّما كانَ التَّوْكِيدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ داعِيَ الإيمانِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ، (p-٣٨٦)وهُوَ ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلى أيْدِيهِمْ؛ فَكَوْنُهم فَرَّقُوا في الإيمانِ بَيْنَهم دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ إيمانُهم بِبَعْضٍ ناشِئًا عَنِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ؛ وإنَّما هم عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّلاعُبِ.
(وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) هَذا وعِيدٌ لَهم بِالإهانَةِ في العَذابِ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ أتْباعُ مُحَمَّدٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ (بَيْنَ) عَلى (أحَدٍ) في البَقَرَةِ. في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
(أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم) صَرَّحَ تَعالى بِوَعْدِ هَؤُلاءِ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: يُؤْتِيهِمْ بِالياءِ لِيَعُودَ عَلى اسْمِ اللَّهِ قَبْلَهُ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ومُقابِلُهُ (وأعْتَدْنا) . وقَوْلُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ: قِراءَةُ النُّونِ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أنْهَمُ، والآخَرُ: أنَّهُ مَشاكِلٌ لِقَوْلِهِ: وأعْتَدْنا؛ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، ولا أوْلَوِيَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ كِلْتاهُما مُتَواتِرَةٌ، هَكَذا نَزَلَتْ، وهَكَذا أُنْزِلَتْ.
(وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لَمّا وعَدَهم تَعالى بِالثَّوابِ زادَهم تَبْشِيرًا لِتَجاوُزٍ عَنِ السَّيِّئاتِ، وبِرَحْمَتِهِ إيّاهم.
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما جاءَ مُوسى بِالكِتابِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالُوا: ائْتِ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ، كَما أتى مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَّوْراةُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ يَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالُوا: لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ، حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ كِتابًا نُعايِنُهُ حَتّى يَنْزِلَ، وسَمّى مِن سائِلِي اليَهُودِ: كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وفِنْخاصَ بْنَ عازُوراءَ. وقِيلَ السّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وسُؤالُهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. وقالَ الحَسَنُ: لَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنَ الحَقُّ لَأعْطاهم؛ فَإنَّ فِيما أعْطاكم كِفايَةً.
﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَدَّرُوا قَبْلَ هَذا كَلامًا مَحْذُوفًا؛ فَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ شَرْطًا هَذا جَوابُهُ، وتَقْدِيرُهُ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عَنْ سُؤالِهِمْ وتَشْطِيطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهم؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. وأسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ إنَّما وقَعَ مِن آبائِهِمْ مِن نُقَبائِهِمُ السَبْعِينَ؛ لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِ آبائِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، ومُشابِهُونَ لَهم في التَّعَنُّتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: أكْثَرَ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَدَلَ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ومَعْنى جَهْرَةً: عِيانًا رُؤْيَةً (p-٣٨٧)مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً. والجَهْرَةُ مِن وصْفِ الرُّؤْيَةِ. واخْتُلِفَ في النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ: أنَّ جَهْرَةً مِن صِفَةِ السُّؤالِ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى. أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ سَألُوا أيْ سَألُوهُ مُجاهِرِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالُوا جَهْرَةً مِنهُ، وتَصْرِيحًا أرِنا اللَّهَ؛ فَيَكُونُ مِن صِفَةِ القَوْلِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ تَعَنُّتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِظُلْمِهِمْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ. كَما سَألَ إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصّاعِقَةِ لِلْمُشَبِّهَةِ، ورَمْيًا بِالصَّواعِقِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في اسْتِحالَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عِنْدَهم. وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ، أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا والرُّؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ الرَّسُولِ بِالتَّواتُرِ، وهي جائِزَةٌ عَقْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَقَرَةِ عَلى الصّاعِقَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والنَّخَعِيُّ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ)، والجُمْهُورُ (الصّاعِقَةُ) .
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ ثُمَّ: لِلتَّرْتِيبِ في الأخْبارِ، لا في نَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ أيْ آباؤُهم والَّذِينَ صُعِقُوا غَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ. والبَيِّناتُ: إجازَةُ البَحْرِ والعَصا، وغَرَقُ فِرْعَوْنَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِعِنادِهِمْ، وإصْرارِهِمْ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ الَّذِي سَألُوا لَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما خالَفُوهُ مِن بَعْدِ إحْياءِ اللَّهِ لَهم مِن صَعْقَتِهِمْ، وعَبَدُوا العِجْلَ، واتَّخَذُوهُ إلَهًا.
﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ عَنِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن مُخالَفَتِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ في قِصَّةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ. ويَعْنِي: بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهم.
﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ حُجَّةً وتَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً ظاهِرًا عَلَيْهِمْ، حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم حَتّى يُتابَ عَلَيْهِمْ؛ فَأطاعُوهُ واحْتَبَوْا بِأفْنِيَتِهِمْ والسُّيُوفُ تَتَساقَطُ عَلَيْهِمْ، فَيا لَهُ مِن سُلْطانٍ مُبِينٍ.
﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ ما المَعْنِيُّ بِالطُّورِ. وفي الشّامِ جَبَلٌ عُرِفَ بِالطُّورِ، ولَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، وهو طُورٌ بِسَيْناءَ. ولَيْسَ هو المَرْفُوعَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي التِّيهَ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ، وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ رَفْعِ الطُّورِ في البَقَرَةِ. والباءُ في بِمِيثاقِهِمْ لِلسَّبَبِ، وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ مُوسى عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَنَقَضُوا مِيثاقَهم، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ. وفي كَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثاقِهِمْ.
(p-٣٨٨)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ.
﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ اعْتِدائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَرَأ ورْشٌ لا تَعَدُّوا بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعْتَدُوا، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ التّاءِ عَلى العَيْنِ، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ. وقَرَأ قالُونُ: بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، والنَّصُّ بِالإسْكانِ. وأصْلُهُ أيْضًا لا تَعْتَدُوا. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: لا تَعْدُوا بِإسْكانِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ مِن عَدا يَعْدُو. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقَرَأ الأعْمَشُ والأخْفَشُ: لا تَعْتَدُوا مِنَ اعْتَدى.
(وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا) قِيلَ هو المِيثاقُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (بِمِيثاقِهِمْ)، ووُصِفَ بِالغِلَظِ لِلتَّأْكِيدِ، وهو المَأْخُوذُ عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ أنْ يَأْخُذُوا التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، ويَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيها، ويُوصِلُوهُ إلى أبْنائِهِمْ. وقِيلَ: هَذا المِيثاقُ غَيْرُ الأوَّلِ، وهو المِيثاقُ الثّانِي الَّذِي أُخِذَ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ.
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيما لَخَّصْناهُ مِن كَلامِهِ، هَذا إخْبارٌ عَنْ أشْياءَ واقَعُوها في الضِّدِّ مِمّا أُخِذُوا بِهِ، نَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ بِسَبَبِهِ، وجَعَلُوا بَدَلَ الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا المُتَضَمِّنُ التَّواضُعَ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الإيمانِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، وبَذْلِ الطّاعَةِ، وامْتِثالِ مُوافَقَتِهِ في أنْ لا يَعْدُوا في السَّبْتِ انْتِهاكَ أعْظَمِ الحُرُمِ، وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ. وقابَلُوا أخْذَ المِيثاقِ الغَلِيظِ بِتَجاهُلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أيْ في حُجُبٍ وغُلُفٍ: فَهي لا تَفْهَمُ. وأضْرَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، انْتَهى. والمِيثاقُ المَنقُوضُ: أهُوَ كِتْمانُهم صِفَةَ الرَّسُولِ، وتَكْذِيبُهُ فِيما جاءَ بِهِ ؟ أوْ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِما في كِتابِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهم قَبِلُوا والتَزَمُوا العَمَلَ بِها قَوْلانِ. وآياتُ اللَّهِ الَّتِي كَفَرُوا بِها أهِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ ؟ أوْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ؟ قَوْلانِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) في البَقَرَةِ.
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ أدْغَمَ لامَ (بَلْ) في طاءِ (طَبَعَ) الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الذَّمُّ، عَلى أنَّ قُلُوبَهم بِمَنزِلَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا، ولا تُطِيعُ مُرْسَلًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَنا غُلْفًا؛ أيْ في أكِنَّةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . وتَكْذِيبُ المُجْبِرَةِ أخْزاهُمُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهم: خَذَلَها اللَّهَ، ومَنَعَها الألْطافَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَصارَتْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْها، لا إنْ تُخْلَقْ غُلْفًا قابِلَةَ الذِّكْرِ، ولا مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِهِ، انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلَيْها حَقِيقَةً كَما أخْبَرَ تَعالى إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ. والباءُ في فَبِما نَقْضِهِمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْناهُ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَعَنّاهم، وأذْلَلْناهم، وحَتَّمْنا عَلى الوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السّامِعِ، انْتَهى. وتَسْمِيَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ بِأنَّهُ جَوابُ اصْطِلاحٍ لَمْ يُعْهَدْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ وقالَهُ الزَّجّاجُ، وأبُو بَكْرٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ؛ ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ؛ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ في الوَقْتِ عَنْ وقْتِ التَّحْرِيمِ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ مُسَبِّبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ ”قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا“ وقَوْلَهم ”﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾“ مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ (p-٣٨٩)تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ؛ فالأوْلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنّاهم، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] .
(فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (فَبِما نَقْضِهِمْ)، وما بَعْدَهُ. عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى بِكُفْرِهِمْ. وتَكْرارُ نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ؛ إذْ كَفَرُوا بِمُوسى، ثُمَّ بِعِيسى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَطَفَ بَعْضَ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى بَعْضٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَطَفَ مَجْمُوعَ المَعْطُوفِ عَلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ فَيَجْمَعُهم بَيْنَ نَقْضِ المِيثاقِ والكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَوْلِهِمْ: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، وجَمْعِهِمْ بَيْنَ كُفْرِهِمْ، وبُهْتِهِمْ مَرْيَمَ، وافْتِخارِهِمْ بِقَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاقَبْناهم. أوْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها، وجَمَعَهم بَيْنَ كَفْرِهِمْ، وكَذا وكَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا زَعَمْتَ أنَّ المَحْذُوفَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ؛ فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، انْتَهى. وهو جَوابٌ حَسَنٌ، ويَمْتَنِعُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ العَطْفَ بِبَلْ يَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ الحُكْمِ الأوَّلِ، وإثْباتِهِ لِلثّانِي عَلى جِهَةِ إبْطالِ الأوَّلِ، أوْ الِانْتِقالِ عامًّا في كِتابِ اللَّهِ في الإخْبارِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا لِلِانْتِقالِ. ويُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى. والَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُسَوَّغُ فِيهِ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ فَأفادَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الأُولى، وهو لا يَجُوزُ. لَوْ قُلْتَ: مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو، بَلْ مَرَّ زَيْدٌ بِعَمْرٍو لَمْ يَجُزْ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وكَذا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ التَّقْدِيرُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا والفاءُ مُقْحَمَةٌ. وما في قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ كَهي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها. والبُهْتانُ العَظِيمُ رَمْيُهم مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالزِّنا مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، انْتَهى. ووُصِفَ بِالعِظَمِ؛ لِأنَّهم تَمادَوْا عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الآيَةِ، وقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، وقَدْ جاءَتْ تَسْمِيَةُ الرَّمْيِ بِذَلِكَ بُهْتانًا عَظِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] .
﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وضَعَ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ في الحِكايَةِ عَنْهُ رَفْعًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما كانُوا يُذَكِّرُونَهُ بِهِ. ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سِوى الثّانِي؛ قالَ: هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِصِفَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الرِّسالَةُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ، ولَزِمَهُمُ الذَّنْبُ، وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى، وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَّنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، ولَيْسَ يَدْفَعُ الذَّنْبَ عَنْهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ.
﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهم ما قَتَلُوا عِيسى، وما صَلَبُوهُ.
واخْتَلَفَ الرُّواةُ في (p-٣٩٠)كَيْفِيَّةِ القَتْلِ والصَّلْبِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ.
ومُنْتَهى ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَتْهُ اليَهُودُ فاخْتَفى هو والحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ؛ فَدُلُّوا عَلَيْهِ وحَضَرُوا لَيْلًا، وهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ فَفَرَّقَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ، وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَّجُلِ فَصُلِبَ. وقِيلَ هو اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ، وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ ؟ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى. وقِيلَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا أُخْرِجُوا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ فَصُلِبَ. ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ عِيسى لِما رَأوْهُ مِن نُقْصانِ العِدَّةِ، واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأُبْعِدَ النّاسُ عَنْ خَشَبَتِهِ أيّامًا حَتّى تَغَيَّرَ، ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا النّاسُ مِنهُ، ومَضى الحَوارِيُّونَ يَتَحَدَّثُونَ في الآفاقِ: إنَّ عِيسى صُلِبَ. وقِيلَ لَمْ يُلْقَ شَبَهُهُ عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما مَعْنى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أيْ شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ المُمَخْرِقُ لِيَسْتَدِيمَ بِما نَقَصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ، وكانَ بادَرَ بِصَلْبِ واحِدٍ، وأبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وقالَ: هَذا عِيسى؛ وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أمّا أنْ يُلْقى شَبَهُهُ عَلى شَخْصٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ اخْتِلافًا كَثِيرًا. فَقِيلَ اليَهُودِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ. وقِيلَ خَلِيفَةُ قَيْصَرَ الَّذِي كانَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ. وقِيلَ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ دَخَلَ لِيَقْتُلَهُ. وقِيلَ رَقِيبٌ، وكَلَتْهُ بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى كُلِّ الحَوارِيِّينَ. وقِيلَ أُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلى الوَجْهِ دُونَ البَدَنِ، وهَذا الوُثُوقُ مِمّا يَدْفَعُ الوُثُوقَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ؛ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ. وقِيلَ سَبَبُ اجْتِماعِ اليَهُودِ عَلى قَتْلِهِ هو أنَّ رَهْطًا مِنهم سَبُّوهُ، وسَبُّوا أُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ: ”اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، وبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، اللَّهُمَّ العَنْ مَن سَبَّنِي، وسَبَّ والِدَتِي“ فَمَسَخَ اللَّهُ مَن سَبَّهُما قِرَدَةً، وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ. و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ؛ كَقَوْلِهِ: خُيِّلَ إلَيْهِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ. ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الدّالِّ عَلَيْهِ: إنّا قَتَلْنا أيْ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم مَن قَتَلُوهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَسِيحِ؛ لِأنَّ المَسِيحَ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ.
﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ اليَهُودُ؛ فَقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ؛ الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ. وقِيلَ: أدْخَلُوا عَلَيْهِ واحِدًا لِيَقْتُلَهُ، فَأُلْقِيَ الشَّبَهُ عَلَيْهِ فَصُلِبَ، ونَقَصَ مِنَ العَدَدِ واحِدٌ. وكانُوا عَلِمُوا عَدَدَ الحَوارِيِّينَ؛ فَقالُوا: إنْ كانَ المَصْلُوبُ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ وإنْ كانَ عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا ؟ وقِيلَ قالَ العَوامُّ: قَتَلْنا عِيسى، وقالَ مَن عايَنَ: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ ما قُتِلَ، ولا صُلِبَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عَنْ حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ، وهَلْ هو عِيسى أمْ لا ؟ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَوّاسِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ نَقْلٌ كافَّةً. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القَتْلِ؛ مَعْناهُ: في قَتْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ أيْضًا، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ إلَهٌ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ اخْتِلافُهم فِيهِ أنَّ النَّسْطُورِيَّةَ قالُوا: وقَعَ الصَّلْبُ عَلى ناسُوتِهِ دُونَ لاهُوتِهِ. وقِيلَ وقَعَ القَتْلُ والصَّلْبُ عَلَيْهِما. وقِيلَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَإنَّ اليَهُودَ قالُوا: هو ابْنُ زِنًا. وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ اخْتِلافُهم مِن جِهَةِ أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ وصَلَبَتْهُ واليَهُودُ الَّذِينَ عايَنُوا رَفْعَهُ قالُوا: رُفِعَ إلى السَّماءِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِن جِنْسِ العِلْمِ (p-٣٩١)أيْ ولَكِنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذِ الظَّنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ. وقَدْ يَقُولُ الظّانُّ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ: عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا، وهو يَعْنِي ظَنَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِن مُعْتَقَداتِ اليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ؛ وما كانَ تَرْجِيحًا فَهو يُنافِي اليَقِينَ؛ كَما أنَّ اليَقِينَ يُنافِي تَرْجِيحَ أحَدِ الجائِزَيْنِ. وعَلى تَقْدِيرِ: أنَّ الظَّنَّ والعِلْمَ يَضُمُّهُما ما ذُكِرَ؛ فَلا يَكُونُ أيْضًا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الظَّنَّ مِنَ العِلْمِ. فَلَيْسَتِ التِّلاوَةُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا الظَّنَّ؛ وإنَّما التِّلاوَةُ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ، والِاتِّباعُ لِلظَّنِّ لا يَضُمُّهُ والعِلْمُ جِنْسُ ما ذُكِرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ وُصِفُوا بِالشَّكِّ، والشَّكُّ أنْ لا يَتَرَجَّحَ أحَدُ الجائِزَيْنِ ؟ ثُمَّ وُصِفُوا بِالظَّنِّ، والظَّنُّ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُهُما؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شاكِّينَ ظانِّينَ ؟ قُلْتُ: أُرِيدَ أنَّهم شاكُّونَ ما لَهم مِن عِلْمٍ قَطُّ، ولَكِنْ لاحَتْ لَهم أمارَةٌ فَظَنُّوا، انْتَهى. وهو جَوابُ سُؤالِهِ؛ ولَكِنْ يُقالُ: لا يَرِدُ هَذا السُّؤالُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الشَّكَّ عَلى ما لَمْ يَقَعْ فِيهِ القَطْعُ واليَقِينُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَرَدَّدُ فِيهِ، إمّا عَلى السَّواءِ بِلا تَرْجِيحٍ، أوْ بِتَرْجِيحِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ السُّؤالُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences