Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:150–159, continued
﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: الضَّمِيرُ في قَتَلُوهُ عائِدٌ عَلى الظَّنِّ. تَقُولُ: قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا إذا قَطَعْتَ بِهِ، وجَزَمْتَ الجَزْمَ الَّذِي لا يُخالِجُهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهم، وما تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا، ولا قَطَعُوا الظَّنَّ بِاليَقِينِ. وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى العِلْمِ؛ أيْ ما قَتَلُوا العِلْمَ يَقِينًا. يُقالُ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ يَقِينًا وقَتَلْتُهُ عِلْمًا؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ؛ إنَّما كانَ ظَنًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ (إذا) نُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ نَفْيًا كُلِّيًا بِحَرْفِ الِاسْتِغْراقِ ثُمَّ قِيلَ، وما عَلِمُوهُ عِلْمَ يَقِينٍ وإحاطَةٍ لَمْ يَكُنْ إلّا تَهَكُّمًا، انْتَهى. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عِيسى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ كُلِّها كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا تَخْتَلِفُ. والمَعْنى صَحِيحٌ بَلِيغٌ، وانْتِصابُ (يَقِينًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قَتَلُوهُ)؛ أيْ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى كَما ادَّعَوْا ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ قَتْلًا يَقِينًا جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، انْتَهى. فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَقَوْلِكَ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا؛ أيْ حَقَّ انْتِفاءِ قَتْلِهِ حَقًّا. وما حُكِيَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأنَّ (يَقِينًا) مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ والمَعْنى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا؛ فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ (بَلْ) في ما قَبْلَها.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ هَذا إبْطالٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ في حَدِيثِ المِعْراجِ. وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، ولِيَمْلَأها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ فَصارَ مَعَ المَلائِكَةِ؛ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ؛ فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا.
والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ إلى سَمائِهِ، وقَدْ جاءَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وقِيلَ إلى حَيْثُ لا حُكْمَ فِيهِ إلّا لَهُ. ولا يُوَجَّهُ الدُّعاءُ إلّا نَحْوَهُ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ ذِكْرِهِ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ مِنَ البَلايا أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ فَدَلَّ أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في إيصالِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ، ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، انْتَهى. وفِيهِ نَحْوٌ (p-٣٩٢)مِن كَلامِ المُتَفَلْسِفَةِ.
(وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ المَعَزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ؛ فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذَّرِ عَلى البَشَرِ، لَكِنْ لا تُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وحِكْمَتِي، انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: عَزِيزًا أيْ قَوِيًّا بِالنِّقْمَةِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيّ فَقَتَلَ مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. حَكِيمًا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبِ. وقِيلَ: عَزِيزًا؛ أيْ: لا يُغالَبُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ حاوَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ خِلافَهُ. حَكِيمًا أيْ: واضِعَ الأشْياءِ مَواضِعَها؛ فَمِن حَكَمَتِهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ اليَهُودِ، ورَفْعُهُ إلى السَّماءِ لِما يُرِيدُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ. وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلَهُ خَوْخَةً فِيها رَوْزَنَةٌ في سَقْفِها؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ مِن تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ.
﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . إنْ: هُنا نافِيَةٌ، والمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ: وما أحَدٌ مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ، وما أحَدٌ مِنكم إلّا وارِدُها. قالَ الزَّجّاجُ: وحُذِفَ (أحَدٌ) لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ في كُلِّ نَفْيٍ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْناءُ نَحْوَ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ، مَعْناهُ ما قامَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمَعْنى: وما مِنَ اليَهُودِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، انْتَهى.
وهُوَ غَلَطٌ فاحِشٌ إذْ زَعَمَ أنَّ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ واقِعَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلى آخِرِهِ، وصِفَةُ (أحَدٌ) المَحْذُوفِ إنَّما هو الجارُّ والمَجْرُورُ وهو (مِن أهْلِ الكِتابِ)، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرْناهُ: وإنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ فَلَيْسَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ، ولا هي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ كَما زَعَمَ؛ إنَّما هي جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ، والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، والقَسَمُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (أحَدٌ) المَحْذُوفُ؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ؛ وإنَّما يَنْتَظِمُ الإسْنادُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وجَوابِها؛ فَذَلِكَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ وكَذَلِكَ أيْضًا الخَبَرُ هو ﴿إلّا لَهُ مَقامٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وكَذَلِكَ إلّا وارِدُها؛ إذْ لا يَنْتَظِمُ مِمّا قَبْلَ إلّا تَرْكِيبٌ إسْنادِيٌّ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَيْنِ في: بِهِ ومَوْتِهِ عائِدانِ عَلى عِيسى وهو سِياقُ الكَلامِ، والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في زَمانِ نُزُولِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ؛ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو مالِكٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم: الضَّمِيرُ في بِهِ لِعِيسى، وفي مَوْتِهِ لِكِتابِيٍّ وقالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ فَهو إيمانٌ لا (p-٣٩٣)يَنْفَعُهُ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ وقْتَ المُعايَنَةِ. وبَدَأ بِما يُشْبِهُ هَذا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِيسى، وبِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ؟ يَعْنِي: إذا عايَنَ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ والحَجّاجِ حِكايَةٌ فِيها طُولٌ يَمَسُّ بِالتَّفْسِيرِ مِنها: أنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ نَبِيٌّ. وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ؟ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ. قالَ: وإنْ خَرَجَ فَوْقَ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَوى، ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ“ بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ. فَإنْ قُلْتَ: فَما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولْيَكُنْ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعالَجَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهم.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ، وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ اللَّهَ يُحْيِيهِمْ في قُبُورِهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ويُعْلِمُهم نُزُولَهُ وما نَزَلَ لَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي مَوْتِهِ لِلْكِتابِيِّ. قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، ولَوْ غَرِقَ أوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: يَعُودُ في بِهِ عَلى اللَّهِ، وفي مَوْتِهِ عَلى أحَدٍ المُقَدَّرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إذا نَزَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ يَرَوْنَ قَتْلَ الدَّجّالِ، وتَصِيرُ الأُمَمُ كُلُّها واحِدَةً عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ، ويُعْزى هَذا القَوْلُ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ.
وقالَ العَبّاسُ بْنُ غَزْوانَ: وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ التَّخْرِيجِ، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: شَهِيدًا عَلى أهْلِ الكِتابِ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وطَعْنِهِمْ فِيهِ، وعَلى النَّصارى بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ إلاهًا مَعَ اللَّهِ أوِ ابْنًا لَهُ، والضَّمِيرُ في يَكُونُ لِعِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ؛ فَمِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: (يُخادِعُونَ) و(خادِعُهم)، و(شَكَرْتُمْ) و(شاكِرًا) . والمُماثِلُ في: (وإذا قامُوا) . والتَّكْرارُ في اسْمِ اللَّهِ، وفي: (هَؤُلاءِ) و(هَؤُلاءِ)، وفي: و(يَرَوْنَ) و(يُرِيدُونَ)، وفي: (الكافِرِينَ) و(الكافِرِينَ)، وفي: (أهْلِ الكِتابِ) و(كِتابًا)، وفي: (بِمِيثاقِهِمْ) و(مِيثاقًا) . والطِّباقُ في: الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وفي: (إنْ تَبْدُوا) أوْ (تُخْفُوهُ)، وفي: (نُؤْمِنُ) و(نَكْفُرُ)، والِاخْتِصاصُ في: (إلى الصَّلاةِ)، وفي: ﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي: ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] . والإشارَةُ في مَواضِعَ الِاسْتِعارَةِ في ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] اسْتَعارَ اسْمَ الخِداعِ لِلْمُجازاةِ وفي (سَبِيلًا)، وفي (سُلْطانًا) لِقِيامِ الحُجَّةِ و﴿الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] لِانْخِفاضِ طَبَقاتِهِمْ في النّارِ، و(اعْتَصِمُوا) لِلِالتِجاءِ، وفي: ﴿أنْ يُفَرِّقُوا﴾، وفي: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الأجْسامِ اسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي، وفي (سُلْطانًا) اسْتُعِيرَ لِلْحُجَّةِ، وفي: (غُلْفٌ) و﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ . وزِيادَةُ الحَرْفِ لِمَعْنى في (فَبِما نَقْضِهِمْ) .
وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وجاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وإلى الرّاضِي بِهِ وفي: وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وفي: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾، ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ . وحُسْنُ النَّسَقِ في: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والمَعاطِيفِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ حَيْثُ نُسِّقَتْ بِالواوِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ فَقَطْ. وبَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ أعْصارٌ مُتَباعِدَةٌ فَشَرَكَ أوائِلَهم وأواخِرَهم لِعَمَلِ أُولَئِكَ ورِضا هَؤُلاءِ. وإطْلاقُ اسْمِ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ وفي: كُفْرِهم بِآياتِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ والإنْجِيلُ ولَمْ يَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ إلّا بِهِما وفي قَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْضُهم. والتَّعْرِيضُ في رَسُولِ اللَّهِ إذا قُلْنا إنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. والتَّوْجِيهُ في غُلْفٌ مِنَ احْتِمالِ المَصْدَرِ جَمْعُ غِلافٍ أوْ جَمْعُ أغْلُفٍ. وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَلى مَن جَعَلَهُما لِغَيْرِ عِيسى. والنَّقْلُ مِن صِيغَةِ فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ في شَهِيدٍ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences