Abu HayyanAn‑Nisa · 4:36–38

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:36–38

4:36Page 84

۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦

Worship Allāh and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side,1 the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allāh does not like those who are self-deluding and boastful,

﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الرِّجالَ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِتَفْضِيلِ اللَّهِ إيّاهم عَلَيْهِنَّ، وبِإنْفاقِ أمْوالِهِمْ، ودَلَّ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ أنَّهُ لا يَكُونُ قَوّامًا عَلى غَيْرِهِنَّ، أوْضَحَ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ قَوّامًا عَلى النِّساءِ هو أيْضًا مَأْمُورٌ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ، وإلى مَن عَطَفَهُ عَلى الوالِدَيْنِ. فَجاءَتْ حَثًّا عَلى الإحْسانِ، واسْتِطْرادًا لِمَكارِمِ الأخْلاقِ. وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَكْتَفِي مِنَ التَّكالِيفِ الإحْسانِيَّةِ بِما يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ فَقَطْ، بَلْ عَلَيْهِ غَيْرُها مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ وغَيْرِهِمْ. وافْتَتَحَ التَّوَصُّلَ إلى ذَلِكَ بِالأمْرِ بِإفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، إذْ هي مَبْدَأُ الخَيْرِ الَّذِي تَتَرَتَّبُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] وتَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾ إلّا أنْ هُنا وبِذِي، وهُناكَ وذِي، وإعادَةُ الباءِ تَدُلُّ عَلى التَّوْكِيدِ والمُبالَغَةِ، فَبُولِغَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها في حَقِّ هَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يُبالَغْ في حَقِّ تِلْكَ، لِأنَّها في حَقِّ بَنِي إسْرائِيلَ. والِاعْتِناءُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ أكْثَرُ مِنَ الِاعْتِناءِ بِغَيْرِها، إذْ هي خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وبِالوالِدَيْنِ إحْسانٌ بِالرَّفْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرٌ فِيهِ ما في المَنصُوبِ مِن مَعْنى الأمْرِ، وإنْ كانَ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلانا مُبْتَلى

﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ: هو الجارُ القَرِيبُ النَّسَبِ، والجارُ الجُنُبُ هو الجارُ الأجْنَبِيُّ، الَّذِي لا قَرابَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ. وقالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:

؎لا يَجْتَوِينا مُجاوِرٌ أبَدًا ∗∗∗ ذُو رَحِمٍ أوْ مُجاوِرٌ جُنُبُ

وقالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: هو الجارُ المُسْلِمُ.

* *

﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ هو: الجارُ اليَهُودِيُّ، والنَّصْرانِيُّ. فَهي عِنْدَهُ قَرابَةُ الإسْلامِ، وأجْنَبِيَّةُ الكُفْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ، هو الجارُ القَرِيبُ المَسْكَنِ مِنكَ، والجُنُبُ هو البَعِيدُ المَسْكَنِ مِنكَ. كَأنَّهُ انْتُزِعَ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: إنَّ لِي جارَيْنِ فَإلى أيِّهِما أُهْدِي ؟ قالَ: (إلى أقْرَبِهِما مِنكَ بابًا) . وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ أُرِيدَ بِهِ الجارُ القَرِيبُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٢٤٥)وهَذا خَطَأٌ في اللِّسانِ، لِأنَّهُ جَمَعَ عَلى تَأْوِيلِهِ بَيْنَ الألِفِ واللّامِ والإضافَةِ، وكانَ وجْهُ الكَلامِ: وجارِ ذِي القُرْبى. انْتَهى. ويُمْكِنُ تَصْحِيحُ قَوْلِ مَيْمُونٍ عَلى أنْ لا يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الألِفِ واللّامِ والإضافَةِ عَلى ما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ذِي القُرْبى بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: والجارِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ التَّقْدِيرُ: والجارِ جارِ ذِي القُرْبى، فَحَذَفَ (جارِ) لِدَلالَةِ الجارِ عَلَيْهِ، وقَدْ حَذَفُوا البَدَلَ في مِثْلِ هَذا. قالَ الشّاعِرُ:

؎رَحِمَ اللَّهُ أعْظُمًا دَفَنُوها بِسِجِسْتانَ طَلْحَةِ الطَّلَحاتِ

يُرِيدُ: أعْظُمَ طَلْحَةِ الطَّلَحاتِ. ومِن كَلامِ العَرَبِ: لَوْ يَعْلَمُونَ العِلْمَ الكَبِيرَةِ سَنَةً، يُرِيدُونَ: عِلْمَ الكَبِيرَةِ سَنَةً. والجُنُبُ: هو البَعِيدُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنِ القَرابَةِ. وقالَ: فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عَنْ جَنابَةٍ. والمُجاوَرَةُ مُساكَنَةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ في مَحَلَّةٍ، أوْ مَدِينَةٍ، أوْ كَيْنُونَةُ أرْبَعِينَ دارًا مِن كُلِّ جانِبٍ، أوْ يُعْتَبَرُ بِسَماعِ الأذانِ، أوْ بِسَماعِ الإقامَةِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، ثانِيها قَوْلُ الأوْزاعِيِّ. ورَوى في ذَلِكَ حَدِيثًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ مُنادِيَهُ يُنادِي: (ألا إنَّ أرْبَعِينَ دارًا جِوارٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ) والمُجاوَرَةُ مَراتِبُ، بَعْضُها ألْصَقُ مِن بَعْضٍ، أقْرَبُها الزَّوْجَةُ. قالَ الأعْشى:

؎أجارَتَنا بِينِي فَإنَّكِ طالِقَهْ

وقُرِئَ: (والجارَ ذا القُرْبى) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصْبًا عَلى الِاخْتِصاصِ كَما قُرِئَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ حَقِّهِ لِإدْلائِهِ بِحَقَّيِ الجِوارِ والقُرْبى انْتَهى، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عَنْهُ: (والجارِ الجَنْبِ) بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ، ومَعْناهُ البَعِيدُ. وسُئِلَ أعْرابِيٌّ عَنِ الجارِ الجُنُبِ فَقالَ: هو الَّذِي يَجِيءُ فَيَحِلُّ حَيْثُ تَقَعُ عَيْنُكَ عَلَيْهِ.

* *

﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: هو الرَّفِيقُ في السَّفَرِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى: الزَّوْجَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَن يَعْتَرِيكَ ويُلِمُّ بِكَ لِتَنْفَعَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الَّذِي صَحِبَكَ بِأنْ حَصَلَ بِجَنْبِكَ إمّا رَفِيقًا في سَفَرٍ، وإمّا جارًا مُلاصِقًا، وإمّا شَرِيكًا في تَعَلُّمِ عِلْمٍ أوْ حِرْفَةِ، وإمّا قاعِدًا إلى جَنْبِكَ في مَجْلِسٍ أوْ مَسْجِدٍ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِن أدْنى صُحْبَةٍ التَأمَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، فَعَلَيْكَ أنْ تُراعِيَ ذَلِكَ الحَقَّ ولا تَنْساهُ، وتَجْعَلَهُ ذَرِيعَةً لِلْإحْسانِ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: هو الَّذِي يَصْحَبُكَ سَفَرًا وحَضَرًا. وقِيلَ: الرَّفِيقُ الصّالِحُ.

(وابْنِ السَّبِيلِ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.

﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قِيلَ: ما وقَعَتْ عَلى العاقِلِ بِاعْتِبارِ النَّوْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] وقِيلَ: لِأنَّها أعَمُّ مِن (مَن)، فَتَشْمَلُ الحَيَواناتِ عَلى إطْلاقِها مِن عَبِيدٍ وغَيْرِهِمْ، والحَيَواناتُ غَيْرُ الأرِقّاءِ أكْثَرُ في يَدِ الإنْسانِ مِنَ الأرِقّاءِ، فَغَلَّبَ جانِبَ الكَثْرَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالإحْسانِ إلى كُلِّ مَمْلُوكٍ مِن آدَمِيٍّ وحَيَوانٍ غَيْرِهِ. وقَدْ ورَدَ غَيْرُ ما حَدِيثٍ في الوَصِيَّةِ بِالأرِقّاءِ خَيْرًا في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ. ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ ما نُقِلَ عَنْ سَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ قالَ: الجارُ ذُو القُرْبى هو القَلْبُ، والجارُ الجُنُبُ النَّفْسُ، والصّاحِبُ بِالجَنْبِ العَقْلُ الَّذِي يَجْهَرُ عَلى اقْتِداءِ السُّنَّةِ والشَّرائِعِ، وابْنُ السَّبِيلِ الجَوارِحُ المُطِيعَةُ.

* *

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ نَفى تَعالى مَحَبَّتَهُ عَمَّنِ اتَّصَفَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ: الِاخْتِيالُ وهو التَّكَبُّرُ، والفَخْرُ هو عَدُّ المَناقِبِ عَلى سَبِيلِ التَّطاوُلِ بِها والتَّعاظُمِ عَلى النّاسِ. لِأنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ حَمَلَتاهُ عَلى الإخْلالِ بِمَن ذُكِرَ في الآيَةِ مِمَّنْ يَكُونُ لَهم حاجَةٌ إلَيْهِ. وقالَ أبُو رَجاءٍ الهَرَوِيُّ: لا تَجِدُ سَيِّئَ المَلَكَةِ إلّا وجَدْتَهُ مُخْتالًا فَخُورًا، ولا عاقًّا إلّا وجَدْتَهُ جَبّارًا شَقِيًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُخْتالُ التَّيّاهُ الجَهُولُ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَنْ إكْرامِ أقارِبِهِ وأصْحابِهِ ومَمالِيكِهِ، فَلا يَحْتَفِي بِهِمْ، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ. وقالَ غَيْرُهُ: ذَكَرَ تَعالى الِاخْتِيالَ لِأنَّ المُخْتالَ يَأْنَفُ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ إذا كانُوا فُقَراءَ، ومِن جِيرانِهِ إذا كانُوا ضُعَفاءَ، ومِنَ الأيْتامِ لِاسْتِضْعافِهِمْ ومِنَ المَساكِينِ لِاحْتِقارِهِمْ، ومِنِ ابْنِ السَّبِيلِ لِبُعْدِهِ عَنْ أهْلِهِ ومالِهِ، ومِن مَمالِيكِهِ لِأسْرِهِمْ في يَدِهِ (p-٢٤٦)انْتَهى. وتَظافَرَتْ هَذِهِ النُّقُولُ عَلى أنَّ ذِكْرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في آخِرِ الآيَةِ إنَّما جاءَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالخُيَلاءِ والفَخْرِ يَأْنَفُ مِنَ الإحْسانِ لِلْأصْنافِ المَذْكُورِينَ، وأنَّ الحامِلَ لَهُ عَلى ذَلِكَ اتِّصافُهُ بِتَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَساقَهُما غَيْرُ هَذا المَساقِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالإحْسانِ لِلْأصْنافِ المَذْكُورَةِ والتَّحَفِّي بِهِمْ وإكْرامِهِمْ، كانَ في العادَةِ أنْ يَنْشَأ عَنْ مَنِ اتَّصَفَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ أنْ يَجِدَ في نَفْسِهِ زَهْوًا وخُيَلاءَ وافْتِخارًا بِما صَدَرَ مِنهُ مِنَ الإحْسانِ. وكَثِيرًا ما افْتَخَرَتِ العَرَبُ بِذَلِكَ وتَعاظَمَتْ في نَثْرِها ونَظْمِها بِهِ، فَأرادَ تَعالى أنْ يُنَبِّهَ عَلى التَّحَلِّي بِصِفَةِ التَّواضُعِ، وأنْ لا يَرى لِنَفْسِهِ شُفُوفًا عَلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ، وأنْ لا يَفْخَرَ عَلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَنَفى تَعالى مَحَبَّتَهُ عَنِ المُتَحَلِّي بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وكانَ المَعْنى أنَّهم أُمِرُوا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وبِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ. ومَن ذُكِرَ مَعَهُما: ونُهُوا عَنِ الخُيَلاءِ والفَخْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَخْتالُوا وتَفْخَرُوا عَلى مَن أحْسَنْتُمْ إلَيْهِ، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا. إلّا أنَّ ما ذَكَرْناهُ لا يَتِمُّ إلّا عَلى أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ مُبْتَدَأً مُقْتَطَعًا مِمّا قَبْلَهُ، أمّا إنْ كانَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ فَيَأْتِي المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، ويَأْتِي إعْرابُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى الَّذِي ذَكَرُوهُ، والمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

4:37Page 84

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ وَيَكۡتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٣٧

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allāh has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْمٍ كُفّارٍ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وحَضْرَمِيٍّ: أنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ بَخِلُوا بِالإعْلامِ بِأمْرِ مُحَمَّدٍ، وكَتَمُوا ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ في ذَلِكَ، وأمَرُوا بِالبُخْلِ عَلى جِهَتَيْنِ: أمَرُوا أتْباعَهم بِجُحُودِ أمْرِ مُحَمَّدٍ وقالُوا لِلْأنْصارِ: لِمَ تُنْفِقُونَ عَلى المُهاجِرِينَ فَتَفْتَقِرُونَ ؟ وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. وقِيلَ: في مُشْرِكِي مَكَّةَ.

وعَلى اخْتِلافِ سَبَبِ النُّزُولِ اخْتَلَفَ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ مِنَ المَعْنى بِالَّذِينِ يَبْخَلُونَ. وقِيلَ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن يَبْخَلُ ويَأْمُرُ بِالبُخْلِ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ. والبُخْلُ في كَلامِ العَرَبِ: مَنعُ السّائِلِ شَيْئًا مِمّا في يَدِ المَسْئُولِ مِنَ المالِ، وعِنْدَهُ فَضْلٌ. قالَ طاوُسٌ: البُخْلُ أنْ يَبْخَلَ الإنْسانُ بِما في يَدِهِ، والشُّحُّ أنْ يَشُحَّ عَلى ما في أيْدِي النّاسِ. والبُخْلُ في الشَّرِيعَةِ، هو مَنعُ الواجِبِ. وقالَ الرّاغِبُ: لَمْ يُرِدِ البُخْلَ بِالمالِ، بَلْ بِجَمِيعِ ما فِيهِ نَفْعٌ لِلْغَيْرِ. انْتَهى. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ ومَن ذَكَرَ مَعَهُما مِنَ المُحْتاجِينَ عَلى سَبِيلِ ابْتِداعِ أمْرِ اللَّهِ، بَيَّنَ أنَّ مَن لا يَفْعَلُ ذَلِكَ قِسْمانِ. أحَدُهُما: البَخِيلُ الَّذِي لا يُقْدِمُ عَلى إنْفاقِ المالِ ألْبَتَّةَ حَتّى أفْرَطَ في ذَلِكَ وأمَرَ بِالبُخْلِ. والثّانِي: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ، لا لِغَرَضِ أمْرِ اللَّهِ وامْتِثالِهِ وطاعَتِهِ. وذَمَّ تَعالى القِسْمَيْنِ بِأنْ أعْقَبَ القِسْمَ الأوَّلَ: وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ، وأعْقَبَ الثّانِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] .

والبُخْلُ أنْواعٌ: بُخْلٌ بِالمالِ، وبُخْلٌ بِالعِلْمِ وبُخْلٌ بِالطَّعامِ، وبُخْلٌ بِالسَّلامِ، وبُخْلٌ بِالكَلامِ، وبُخْلٌ عَلى الأقارِبِ دُونَ الأجانِبِ، وبُخْلٌ بِالجاهِ، وكُلُّها نَقائِضُ ورَذائِلُ مَذْمُومَةٌ عَقْلًا وشَرْعًا وقَدْ جاءَتْ أحادِيثُ في مَدْحِ السَّماحَةِ وذَمِّ البُخْلِ، مِنها: (خَصْلَتانِ لا يَجْتَمِعانِ في مُؤْمِنٍ البُخْلُ وسُوءُ الخُلُقِ)، وظاهِرُ قَوْلِهِ: بِالبُخْلِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ويَأْمُرُونَ، كَما تَقُولُ: أمَرْتُ زَيْدًا بِالصَّبْرِ، فالبُخْلُ مَأْمُورٌ بِهِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الأمْرِ مَحْذُوفٌ، والباءُ في (بِالبُخْلِ) حالِيَّةٌ، والمَعْنى: ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِشُكْرِهِمْ مَعَ التِباسِهِمْ بِالبُخْلِ، فَيَكُونُ نَحْوَ ما أشارَ إلَيْهِ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ:

؎أجْمَعْتَ أمْرَيْنِ ضاعَ الحَزْمُ بَيْنَهُما تِيهَ المُلُوكِ وأفْعالَ المَمالِيكِ

وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالبُخْلِ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ. وعِيسى بْنُ عَمْرٍو والحَسَنُ: بِضَمِّهِما. وحَمْزَةُ الكِسائِيُّ: بِفَتْحِهِما، وابْنُ الزُّبَيْرِ والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ بِفَتْحِ الباءِ، وسُكُونِ الخاءِ. وهي كُلُّها لُغاتٌ. قالَ الفَرّاءُ: البَخَلُ (p-٢٤٧)مُثَقَّلَةً لِأسَدٍ، والبُخْلُ خَفِيفَةً لِتَمِيمٍ، والبُخْلُ لِأهْلِ الحِجازِ. ويُخَفِّفُونَ أيْضًا فَتَصِيرُ لُغَتُهم ولُغَةُ تَمِيمٍ واحِدَةً، وبَعْضُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ يَقُولُونَ البَخْلَ قالَ جَرِيرٌ:

؎تُرِيدِينَ أنْ نَرْضى وأنْتِ بَخِيلَةٌ ∗∗∗ ومَن ذا الَّذِي يُرْضِي الأخِلّاءَ بِالبَخْلِ

وأنْشَدَنِي المُفَضَّلُ:

؎وأوْفاهم أوانَ بَخْلٍ

ويُنْشَدُ هَذا البَيْتُ بِفَتْحَتَيْنِ وضَمَّتَيْنِ:

؎وإنَّ امْرَأً لا يُرْتَجى الخَيْرُ عِنْدَهُ ∗∗∗ لَذُو بَخَلٍ كُلٌّ عَلى مَن يُصاحِبُ

واخْتَلَفُوا في إعْرابِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، فَقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبِ، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: مَن كانَ. وقِيلَ: مِن قَوْلِهِ مُخْتالًا فَخُورًا. أفْرَدَ اسْمَ (كانَ) والخَبَرَ عَلى لَفْظِ (مَن)، وجَمَعَ الَّذِينَ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى الذَّمِّ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَن، ولَمْ يَذْكُرُوا هَذا الوَجْهَ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في فَخُورًا، وهو قَلِقٌ. فَهَذِهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ يَكُونُ فِيها (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ويَكُونُ الباخِلُونَ مَنفِيًّا عَنْهم مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ الآيَةُ إذًا في المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: أحْسِنُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إلى مَن سَمّى اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن فِيهِ الخِلالُ المانِعَةُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وهي: الخُيَلاءُ، والفَخْرُ، والبُخْلُ، والأمْرُ بِهِ، وكِتْمانُ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ والمالِ. وقِيلَ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، واخْتَلَفُوا في الخَبَرِ: أهُوَ مَحْذُوفٌ ؟ أمْ مَلْفُوظٌ بِهِ ؟ فَقِيلَ: هو مَلْفُوظٌ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] ويَكُونُ الرّابِطُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: مِثْقالَ ذَرَّةٍ لَهم، أوْ لا يَظْلِمُهم مِثْقالَ ذَرَّةٍ. وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وهو بَعِيدٌ مُتَكَلَّفٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، ولِأنَّ الخَبَرَ لا يَنْتَظِمُ مَعَ المُبْتَدَأِ، مَعْناهُ: انْتِظامًا واضِحًا لِأنَّ سِياقَ المُبْتَدَأِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٣٨]، لا يُناسِبُ أنْ يُخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، بَلْ مَساقُ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ كَلامٍ إخْبارًا عَنْ عَدْلِهِ وعَنْ فَضْلِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ. وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَفْعَلُونَ ويَصْنَعُونَ أحِقّاءُ بِكُلِّ مَلامَةٍ. وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُعَذَّبُونَ أوْ مُجازَوْنَ ونَحْوَهُ. وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ: أُولَئِكَ قُرَناؤُهُمُ الشَّيْطانُ، وقَدَّرَهُ أيْضًا: مُبْغَضُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كافِرُونَ (وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ) فَإنْ كانَ ما قَبْلَ الخَبَرِ مِمّا يَقْتَضِي كُفْرًا حَقِيقَةً كَتَفْسِيرِهِمُ البُخْلَ بِأنَّهُ بُخْلٌ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِإظْهارِ نُبُوَّتِهِ. والأمْرُ بِالبُخْلِ لِأتْباعِهِمْ أيْ: بِكِتْمانِ ذَلِكَ، وكَتْمِهِمْ ما تَضَمَّنَتْهُ التَّوْراةُ مِن نُبُوَّتِهِ وشَرِيعَتِهِ، كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ حَقِيقَةً، فَإنْ كانَ ما قَبْلَ الخَبَرِ كُفْرَ نِعْمَةٍ كَتَفْسِيرِهِمْ: أنَّها في المُؤْمِنِينَ، كانَ قَوْلُهُ: وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ كُفْرَ نِعْمَةٍ ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ التَّقادِيرِ مُناسِبٌ مِنَ الآيَةِ، والآيَةُ عَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ وقَوْلِ الزَّجّاجِ - في الكُفّارِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ المُتَقَدِّمُ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البُخْلِ والأمْرِ بِهِ والكِتْمانِ عَلى هَذا الوَجْهِ في سَبَبِ النُّزُولِ. وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ: أيْ أعْدَدْنا وهَيَّأْنا. والعَتِيدُ: الحاضِرُ المُهَيَّأُ والمَهِينُ الَّذِي فِيهِ خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنَكى وأشُدُّ عَلى المُعَذَّبِ.

4:38Page 85

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا ٣٨

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allāh nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وهُنا: ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ، وهُناكَ: واليَوْمِ الآخِرِ. قالَ السُّدِّيُّ، والزَّجّاجُ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ والجُمْهُورُ: هُمُ المُنافِقُونَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وإنْفاقُهم هو إعْطاؤُهُمُ الزَّكاةَ، وإخْراجُهُمُ المالَ في السَّفَرِ لِلْغَزْوِ رِئاءً ودَفْعًا عَنْ أنْفُسِهِمْ، لا إيمانًا ولا حُبًّا في الدِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وضَعَّفَهُ الطَّبَرِيُّ مِن حَيْثُ إنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. ووَجَّهَ ابْنُ عَطِيَّةَ (p-٢٤٨)هَذا القَوْلَ بِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَلى ما يَنْبَغِي؛ جَعَلَ إيمانَهم كَلا إيمانٍ مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم. وقِيلَ: هم مُشْرِكُو مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ. وإنْفاقُ اليَهُودِ هو ما أعانُوا بِهِ قُرَيْشًا في غَزْوَةِ أُحُدٍ وغَزْوَةِ الخَنْدَقِ، وإنْفاقُ مُشْرِكِي مَكَّةَ هو ما كانَ في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وطَلَبِهِمُ الِانْتِصارَ. وفي إعْرابِ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، ويُقَدَّرُ: مُعَذَّبُونَ، أوْ قَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ، ويَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِرِينَ، فَيَكُونُ مَجْرُورًا، قالَهُ: الطَّبَرِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، فَيَكُونُ إعْرابُهُ كَإعْرابِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ. والعَطْفُ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ورِئاءَ مَصْدَرُ راءَ، أوِ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وفِيهِ شُرُوطُهُ فَيَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ قالَهُ: ابْنُ عَطِيَّةَ، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ولا يُؤْمِنُونَ أنَّهُ عَطَفَ عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، فَيَكُونُ صِلَةً. ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ أبْعاضِ الصِّلَةِ بِمَعْمُولٍ لِلصِّلَةِ، إذِ انْتِصابُ رِئاءَ عَلى وجْهَيْهِ بِـ يُنْفِقُونَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: ولا يُؤْمِنُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، فَتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ أيْ: غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، والعامِلُ فِيها يُنْفِقُونَ أيْضًا. وحَكى المَهْدَوِيُّ: أنَّهُ يَجُوزُ انْتِصابُ رِئاءَ عَلى الحالِ مِن نَفْسِ المَوْصُولِ لا مِنَ الضَّمِيرِ في يُنْفِقُونَ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ولا يُؤْمِنُونَ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ، ولا حالًا مِن ضَمِيرِ يُنْفِقُونَ، لِما يُلْزَمُ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ أبِعاضِ الصِّلَةِ، أوْ بَيْنَ مَعْمُولِ الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ وهو رِئاءَ المَنصُوبُ عَلى الحالِ مِن نَفْسِ المَوْصُولِ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ: ولا يُؤْمِنُونَ مُسْتَأْنَفٌ. وهَذا وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ. وتُعَلُّقُ رِئاءَ بِقَوْلِهِ: يُنْفِقُونَ واضِحٌ، إمّا عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أوِ الحالِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ. وتَكْرارُ لا وحَرْفِ الجَرِّ في قَوْلِهِ: ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ. لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا أضْرِبُ زَيْدًا وعَمْرًا، احْتَمَلَ أنْ لا تَجْمَعُ بَيْنَ ضَرْبَيْهِما. ولِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ: بَلْ أحَدَهُما. واحْتَمَلَ نَفْيَ الضَّرْبِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ، وعَلى سَبِيلِ الإفْرادِ. فَإذا قُلْتَ: لا أضْرِبُ زَيْدًا ولا عَمْرًا، تَعَيَّنَ هَذا الِاحْتِمالُ الثّانِي الَّذِي كانَ دُونَ تَكْرارِ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَنِ اتَّصَفَ بِالبُخْلِ والأمْرِ بِهِ وكِتْمانِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والإنْفاقِ رِئاءً، وانْتِفاءَ إيمانِهِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ مِن نَتائِجِ مُقارَنَةِ الشَّيْطانِ ومُخالَطَتِهِ ومُلازَمَتِهِ لِلْمُتَّصِفِ بِذَلِكَ، لِأنَّها شَرٌّ مَحْضٌ، إذْ جَمَعَتْ بَيْنَ سُوءِ الِاعْتِقادِ الصّادِرِ عَنْهُ الإنْفاقُ رِئاءً، وسائِرِ تِلْكَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ. ولِذَلِكَ قَدَّمَ تِلْكَ الأوْصافَ وذَكَرَ ما صَدَرَتْ عَنْهُ وهو انْتِفاءُ الإيمانِ بِالمُوجِدِ، وبِدارِ الجَزاءِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ مِن مُقارَنَةِ الشَّيْطانِ. والقَرِينُ هُنا فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، كالجَلِيسِ والخَلِيطِ أيِ: المُجالِسُ والمُخالِطُ. والشَّيْطانُ هُنا جِنْسٌ لا يُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وحْدَهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ولَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ قَرِينًا أيْ: قَرِينًا لَهُ. والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، وساءَ هُنا هي الَّتِي بِمَعْنى بِئْسَ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ، وفاعِلُها عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ ضَمِيرٌ عامٌّ، وقَرِينًا تَمْيِيزٌ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وهو العائِدُ عَلى الشَّيْطانِ الَّذِي هو قَرِينٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساءَ هُنا هي المُتَعَدِّيَةُ ومَفْعُولُها مَحْذُوفٌ وقَرِينًا حالَ، لِأنَّها إذْ ذاكَ تَكُونُ فِعْلًا مُتَصَرِّفًا فَلا تَدْخُلُهُ الفاءُ، أوْ تَدْخُلُهُ مَصْحُوبَةً بِقَدْ. وقَدْ جَوَّزُوا انْتِصابَ قَرِينًا عَلى الحالِ، أوْ عَلى القَطْعِ، وهو ضَعِيفٌ. وبُولِغَ في ذَمِّ هَذا القَرِينِ لِحَمْلِهِ عَلى تِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِأنَّ الشَّيْطانَ يُقْرَنُ بِهِمْ في النّارِ. انْتَهى. فَتَكُونُ المُقارَنَةُ إذْ ذاكَ في الآخِرَةِ يُقْرَنُ بِهِ في النّارِ فَيَتَلاعَنانِ ويَتَباغَضانِ كَما قالَ: مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ (p-٢٤٩)و(إذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ) . وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ المُقارَنَةُ هي في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥] و﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] و﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَنَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] وذَلِكَ مَرْدُودٌ، لِأنَّ بَدَلًا حالٌ، وفي هَذا نَظَرٌ. والَّذِي قالَهُ الطَّبَرِيُّ صَحِيحٌ، وبَدَلًا تَمْيِيزٌ لا حالٌ، وهو مُفَسِّرٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في بِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هم أيِ الشَّيْطانُ وذُرِّيَّتُهُ. وإنَّما ذَهَبَ إلى إعْرابِ المَنصُوبِ بَعْدَ نِعْمَ وبِئْسَ حالًا الكُوفِيُّونَ عَلى اخْتِلافٍ بَيْنَهم مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском