Abu HayyanAn‑Nisa · 4:87–88

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:87–88

4:87Page 92

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧

Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨] ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩] ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]

الإرْكاسُ: الرَّدُّ والرَّجْعُ. قِيلَ مِن آخِرِهِ عَلى أوَّلِهِ والرِّكْسُ: الرَّجِيعُ. ومِنهُ قَوْلُهُ في «الرَّوْثَةِ هَذا رِكْسٌ»، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:

؎فَأُرْكِسُوا في حَمِيمِ النّارِ أنَّهُمُ كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُّورا

وحَكى الكِسائِيُّ والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: رَكَسَ وأرْكَسَ بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ رَجَعَهم. ويُقالُ: رَكَّسَ مُشَدَّدًا بِمَعْنى أرْكَسَ، وارْتَكَسَ هو أيِ ارْتَجَعَ، وقِيلَ أرْكَسَهُ أوْبَقَهُ قالَ:

؎بِشُؤْمِكَ أرْكَسْتَنِي في الخَنا ∗∗∗ وأرْمَيْتَنِي بِضُرُوبِ العَنا

وقِيلَ أضَلَّهم. وقالَ الشّاعِرُ:

؎وأرْكَسْتَنِي عَنْ طَرِيقِ الهُدى ∗∗∗ وصَيَّرْتَنِي مَثَلًا لَلْعِدا

وقِيلَ نَكَّسَهُ. قالَهُ الزَّجّاجُ قالَ:

؎رَكَسُوا في فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ ∗∗∗ كَسَوادِ اللَّيْلِ يَتْلُوها فِتَنْ

الدِّيَةُ: ما غُرِمَ في القَتْلِ مِنَ المالِ، وكانَ لَها في الجاهِلِيَّةِ أحْكامٌ، ومَقادِيرُ، ولَها في الشَّرْعِ أحْكامٌ، ومَقادِيرُ، سَيَأْتِي ذِكْرُ شَيْءٍ مِنها. وأصْلُها: مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المالِ المَذْكُورِ، وتَقُولُ: مِنهُ ودى يَدِي ودْيًا ودِيَةً. كَما تَقُولُ: وشى يَشِي وشْيًا وشِيَةً، ومِثالُهُ مِن صَحِيحِ اللّامِ: زِنَةٌ وعِدَةٌ.

التَّعَمُّدُ والعَمْدُ: القَصْدُ إلى الشَّيْءِ (p-٣١٢)﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ فِيمَن شَكَّ في البَعْثِ؛ فَأقْسَمَ اللَّهُ لَيَبْعَثَنَّهُ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا تَلاهُ بِالإعْلامِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لا إلَهَ إلّا هو خَبَرًا عَنِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها، وحُذِفَ هُنا القَسَمُ لِلْعِلْمِ بِهِ. وإلى إمّا عَلى بابِها، ومَعْناها: مِنَ الغايَةِ، ويَكُونُ الجَمْعُ في القُبُورِ، أوْ يُضَمَّنُ مَعْنى: لَيَجْمَعَنَّكم مَعْنى: لَيَحْشُرَنَّكم، فَيُعَدّى بِإلى. قِيلَ أوْ تَكُونُ إلى بِمَعْنى في، كَما أوَّلُوهُ في قَوْلِ النّابِغَةِ:

؎فَلا تَتْرُكْنِي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي ∗∗∗ إلى النّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجْرَبُ

أيْ: في النّاسِ. وقِيلَ إلى بِمَعْنى مَعَ. والقِيامَةُ والقِيامُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالطِّلابَةِ والطِّلابِ. قِيلَ، ودَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ لِشِدَّةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ إمّا لِقِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ، أوْ لِقِيامِهِمْ لِلْحِسابِ. قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، ولَمّا كانَ الحَشْرُ جائِزًا بِالعَقْلِ واجِبًا بِالسَّمْعِ أكَّدَهُ بِالقَسَمِ قَبْلَهُ وبِالجُمْلَةِ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: لا رَيْبَ فِيهِ. واحْتَمَلَ الضَّمِيرُ في (فِيهِ) أنْ يَعُودَ إلى اليَوْمِ، وهو الظّاهِرُ. وأنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: لَيَجْمَعَنَّكم. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ البَقَرَةِ.

﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ . هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، التَّقْدِيرُ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا. وفَسَّرَ الحَدِيثَ بِالخَبَرِ أوْ بِالوَعْدِ قَوْلانِ والأظْهَرُ هُنا الخَبَرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ أنَّ دُخُولَ الكَذِبِ في حَدِيثِ البَشَرِ، إنَّما عِلَّتُهُ الخَوْفُ أوِ الرَّجاءُ أوْ سُوءُ السَّجِيَّةِ، وهَذِهِ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، والصِّدْقُ في حَقِيقَتِهِ أنْ يَكُونَ ما يَجْرِي عَلى لِسانِ المُخْبِرِ مُوافِقًا لِما في قَلْبِهِ والأمْرِ المُخْبَرِ عَنْهُ في وُجُودِهِ انْتَهى. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أيْ أنَّكم تَقْبَلُونَ حَدِيثَ بَعْضِكم مِن بَعْضٍ مَعَ احْتِمالِ صِدْقِهِ وكَذِبِهِ؛ فَإنْ تَقْبَلُوا حَدِيثَ مَن يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الكَذِبُ في كُلِّ ما أخْبَرَكم بِهِ مِن طَرِيقِ الأوْلى. وطَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا إشْعارًا بِمَذْهَبِهِ فَقالَ: لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ، وذَلِكَ أنَّ الكَذِبَ مُسْتَقْبَلٌ بِصارِفٍ عَنِ الإقْدامِ عَلَيْهِ، وهو قُبْحُهُ الَّذِي هو كَوْنُهُ كَذِبًا، وإخْبارًا عَنِ الشَّيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، فَمَن كَذَبَ لَمْ يَكْذِبْ إلّا لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى أنْ يَكْذِبَ لِيَجُرَّ مَنفَعَةً، أوْ يَدْفَعَ مَضَرَّةً، أوْ هو غَنِيٌّ عَنْهُ إلّا أنَّهُ يَجْهَلُ غِناهُ، أوْ هو جاهِلٌ بِقُبْحِهِ، أوْ هو سَفِيهٌ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ في أخْبارِهِ، ولا يُبالِي بِأيِّهِما نَطَقَ، ورُبَّما كانَ الكَذِبُ أحْلى عَلى حَنَكِهِ مِنَ الصِّدْقِ. وعَنْ بَعْضِ السُّفَهاءِ: أنَّهُ عُوتِبَ عَلى الكَذِبِ فَقالَ: لَوْ غَرْغَرَتْ لَهَواتُكَ بِهِ ما فارَقْتَهُ. وقِيلَ لِكَذّابٍ: هَلْ صَدَقْتَ قَطُّ ؟ فَقالَ: لَوْلا أنِّي صادِقٌ في قَوْلِي لا لَقُلْتُها. فَكانَ الحَكِيمُ الغَنِيُّ الَّذِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ الحاجاتُ، العالِمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ مُنَزَّهًا عَنْهُ كَما هو مُنَزَّهٌ عَنْ سائِرِ القَبائِحِ انْتَهى. وكَلامُهُ تَكْثِيرٌ لا يَلِيقُ بِكِتابِهِ، فَإنَّهُ مُخْتَصَرٌ في التَّفْسِيرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (أصْدَقُ) بِإشْمامِ الصّادِ زايًا، وكَذا فِيما كانَ مِثْلَهُ مِن صادٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها دالٌ نَحْوَ: يَصْدُقُونَ، وتَصْدِيَةً. وأمّا إبْدالُها زايًا مَحْضَةً في ذَلِكَ فَهي لُغَةُ كَلْبٍ. وأنْشَدُوا:

؎يَزِيدُ اللَّهُ في خَيْراتِهِ ∗∗∗ حامِي الذِّمارِ عِنْدَهُ مَصْدُوقاتُهُ

يُرِيدُ: عِنْدَ مَصْدُوقاتِهِ.

4:88Page 92

۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3

﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِها أقْوالًا طَوَّلُوا بِها، ومُلَخَّصُها: أنَّهم قَوْمٌ أسْلَمُوا فاسْتَوْبَئُوا المَدِينَةَ فَخَرَجُوا، فَقِيلَ لِهم: أما لَكم في الرَّسُولِ أُسْوَةٌ ؟ أوْ ناسٌ رَجَعُوا مِن أُحُدٍ لَمّا خَرَجَ الرَّسُولُ، وهَذا في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ. أوْ ناسٍ بِمَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ وهم يُعِينُونَ الكُفّارَ، فَخَرَجُوا مِن مَكَّةَ. قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: خَرَجُوا لِحاجَةٍ لَهم؛ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، اخْرُجُوا إلَيْهِمْ فاقْتُلُوهم؛ فَإنَّهم يُظاهِرُونَ عَدُوَّكم.

وقالَ قَوْمٌ: كَيْفَ نَقْتُلُهم، وقَدْ تَكَلَّمُوا (p-٣١٣)بِالإسْلامِ رَواهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ قَوْمٌ قَدِمُوا المَدِينَةَ، وأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ، فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ، أوْ قَوْمٌ أعْلَنُوا الإيمانَ بِمَكَّةَ، وامْتَنَعُوا مِنَ الهِجْرَةِ قالَهُ الضَّحّاكُ. أوِ العُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أغارُوا عَلى السَّرْحِ وقَتَلُوا يَسارًا، أوِ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في حَدِيثِ الإفْكِ.

وما كانَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ يَتَضَمَّنُ أنَّهم كانُوا بِالمَدِينَةِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩] إلّا إنْ حَمَلْتَ المُهاجَرَةَ عَلى هِجْرَةِ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ؛ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ عَلَيْهِمُ اخْتِلافَهم في نِفاقِ مَن ظَهَرَ مِنهُ النِّفاقُ؛ أيْ مَن ظَهَرَ مِنهُ النِّفاقُ قُطِعَ بِنِفاقِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُونُوا بادِيًا نِفاقُهم؛ لَما أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ النِّفاقِ. و﴿فِي المُنافِقِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَكم، وهو كائِنٌ أيْ شَيْءٌ كائِنٌ لَكم في شَأْنِ المُنافِقِينَ. أوْ بِمَعْنى فِئَتَيْنِ؛ أيْ فِرْقَتَيْنِ في أمْرِ المُنافِقِينَ. وانْتَصَبَ (فِئَتَيْنِ) عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في لَكم والعامِلُ فِيها العامِلُ في لَكم. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ (كانَ)؛ أيْ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ. ويُجِيزُونَ ما لَكَ الشّاتِمَ؛ أيْ كُنْتَ الشّاتِمَ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم حالٌ والحالُ لا يَجُوزُ تَعْرِيفُها.

﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ أيْ رَجَّعَهم ورَدَّهم في كُفْرِهِمْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أوْبَقَهم. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ أضَلَّهم؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ أهْلَكَهم؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ نَكَّسَهم قالَهُ الزَّجّاجُ. وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ. ومَن عَبَّرَ بِهِ عَنِ الإهْلاكِ فَإنَّهُ أخَذَ بِلازِمِ الإرْكاسِ. ومَعْنى بِما كَسَبُوا؛ أيْ بِما أجْراهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ، وذَلِكَ الإرْكاسُ هو بِخَلْقِ اللَّهِ واخْتِراعِهِ، ويُنْسَبُ لِلْعَبْدِ كَسْبًا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واللَّهُ أرْكَسَهم؛ أيْ رَدَّهم في حُكْمِ المُشْرِكِينَ كَما كانُوا بِما كَسَبُوا مِنِ ارْتِدادِهِمْ، ولُحُوقِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ، واحْتِيالِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أوْ أرْكَسَهم في الكُفْرِ بِأنْ خَذَلَهم حَتّى ارْتَكَبُوا فِيهِ لِما عَلِمَ مِن مَرَضِ قُلُوبِهِمْ، انْتَهى. وهو جارٍ عَلى عَقِيدَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ؛ فَلا يَنْسُبُ الإرْكاسَ إلى اللَّهِ حَقِيقَةً، بَلْ يُؤَوِّلُهُ عَلى مَعْنى الخِذْلانِ وتَرْكِ اللُّطْفِ، أوْ عَلى الحُكْمِ بِكَوْنِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. إذْ هم فاعِلُو الكُفْرِ ومُخْتَرِعُوهُ لا اللَّهُ؛ تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: رَكَسَهم ثُلاثِيًّا. وقُرِئَ: رَكَّسَهم رَكَسُوا فِيها بِالتَّشْدِيدِ؛ قالَ الرّاغِبُ: الرِّكْسُ والنِّكْسُ الرَّذْلُ والرِّكْسُ أبْلَغُ مِنَ النِّكْسِ؛ لِأنَّ النِّكْسَ ما جُعِلَ أسْفَلُهُ أعْلاهُ والرِّكْسُ أصْلُهُ ما رَجَعَ رَجِيعًا بَعْدَ أنْ كانَ طَعامًا، فَهو كالرِّجْسِ، وصَفَ أعْمالَهم بِهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأرْكَسَهُ أبْلَغُ مَن رَكَسَهُ، كَما أنَّ أسْقاهُ أبْلَغُ مِن سَقاهُ، انْتَهى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمُ اخْتِلافَهم في هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، في حالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ رَدَّهم في الكُفْرِ؛ ومَن يَرُدُّهُ اللَّهُ إلى الكُفْرِ لا يُخْتَلَفُ في كُفْرِهِ.

﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ أيْ مَن أرادَ اللَّهُ ضَلالَهُ، لا يُرِيدُ أحَدٌ هِدايَتَهُ؛ لِئَلّا تَقَعَ إرادَتُهُ مُخالِفَةً إرادَةَ اللَّهِ تَعالى، ومَن قَضى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالضَّلالِ لا يُمْكِنُ إرْشادُهُ، ومَن أضَلَّ اللَّهُ انْدَرَجَ فِيهِ المُرْكِسُونَ وغَيْرُهم مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ؟ ومَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِهِمْ. وانْدِراجُهم في عُمُومِ (مَن) بَعْدِ قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ هو عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ إذْ ذُكِرُوا أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الخُصُوصِ، وثانِيًا عَلى سَبِيلِ انْدِراجِهِمْ في العُمُومِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا مِن جُمْلَةِ المُهْتَدِينَ ؟ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ مَن جَعَلَهُ مِنَ الضُّلّالِ وحَكَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أوْ خَذَلَهُ حَتّى ضَلَّ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ مِن أنَّهُ لا يَنْسُبُ الإضْلالَ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ.

﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أيْ فَلَنْ تَجِدَ لِهِدايَتِهِ سَبِيلًا. والمَعْنى: لِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ، وهَذا هو المَنفِيُّ. والهِدايَةُ بِمَعْنى الإرْشادِ والتَّبْيِينِ هي لِلرُّسُلِ. وخَرَجَ مِن خِطابِهِمْ إلى خِطابِ الرَّسُولِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ في حَقِّ المُخْتَلِفِينَ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فالأحْرى أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ لَهم. وقِيلَ مَن يَحْرِمُهُ (p-٣١٤)الثَّوابَ والجَنَّةَ لا يَجِدُ لَهُ أحَدٌ طَرِيقًا إلَيْهِما. وقِيلَ مَن يُهْلِكُهُ اللَّهُ فَلَيْسَ لِأحَدٍ طَرِيقٌ إلى نَجاتِهِ مِنَ الهَلاكِ. وقِيلَ، ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ مَخْرَجًا وحُجَّةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском