Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:59–62
5:59Page 118
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩
Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allāh and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنَّ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتى نَفَرٌ مَن يُهُودَ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ ؟ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] فَقالُوا حِينَ سَمِعُوا ذِكْرَ عِيسى، ما نَعْلَمُ أهْلَ دِينٍ أقَلَّ حَظًّا في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنكم، ولا دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم، فَنَزَلَتْ؛ والمَعْنى: هَلْ تَعِيبُونَ عَلَيْنا، أوْ تُنْكِرُونَ، وتَعُدُّونَ ذَنْبًا أوْ نَقِيصَةً ما لا يُنْكَرُ ولا يُعابُ، وهو الإيمانُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كُلِّها ؟ وهَذِهِ مُحاوَرَةٌ لَطِيفَةٌ وجِيزَةٌ تُنَبِّهُ النّاقِمَ عَلى أنَّهُ ما نَقَمَ عَلَيْهِ إلّا ما لا يُنْقَمُ ولا يُعَدُّ عَيْبًا ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
والخِطابُ قِيلَ: لِلرَّسُولِ، وهو بِمَعْنى ما النّافِيَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَنْقِمُونَ؛ بِكَسْرِ القافِ، والماضِي نَقَمَ، بِفَتْحِها، وهي الَّتِي ذَكَرَها ثَعْلَبٌ في الفَصِيحِ. ونَقِمَ، بِالكَسْرِ، يَنْقَمُ، بِالفَتْحِ، لُغَةٌ حَكاها الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ. وقَرَأ بِها أبُو حَيْوَةَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو البِرِّ هُشَيْمٌ، وفُسِّرَ تَنْقِمُونَ: بِتَسْخَطُونَ وتَتَكَرَّهُونَ وتُنْكِرُونَ وتَعِيبُونَ وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ. وإلّا أنْ آمَنّا؛ اسْتِثْناءٌ فُرِّغَ لَهُ الفاعِلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وذَلِكَ في اللَّفْظَيْنِ، وقَرَأهُما أبُو نَهِيكٍ: مَبْنِيَّيْنِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهو واضِحُ المَعْنى، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ، وتَضَمَّنَتِ الإخْبارَ بِفِسْقِ أكْثَرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ، وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي مَوْضِعِ جَرٍّ. فالرَّفْعُ: عَلى الِابْتِداءِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الخَبَرَ مُؤَخَّرًا مَحْذُوفًا؛ أيْ: وفِسْقُ (p-٥١٧)أكْثَرِكم ثابِتٌ مَعْلُومٌ عِنْدَكم، لِأنَّكم عَلِمْتُمْ أنّا عَلى الحَقِّ، وأنَّكم عَلى الباطِلِ، إلّا أنَّ حُبَّ الرِّياسَةِ والرَّشا يَمْنَعُكم مِنَ الِاعْتِرافِ. ولا يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّمَ الخَبَرُ إلّا مُقَدَّمًا؛ أيْ: ومَعْلُومٌ فِسْقُ أكْثَرِكم، لِأنَّ الأصَحَّ أنْ لا يُبْدَأ بِها مُتَقَدِّمَةً إلّا بَعْدَ أمّا فَقَطْ. والنَّصْبُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنْ آمَنّا؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا وفِسْقَ أكْثَرِكم، فَيَدْخُلُ الفِسْقُ فِيما نَقِمُوهُ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ. ولا يَتَّجِهُ مَعْناهُ لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ فِسْقَ أكْثَرِهِمْ، فَكَيْفَ يَنْقِمُونَهُ ؟ لَكِنَّهُ يُحْمَلُ عَلى أنَّ المَعْنى ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا هَذا المَجْمُوعَ مِن أنّا مُؤْمِنُونَ وأكْثَرَكم فاسِقُونَ، وإنْ كانُوا لا يُسَلِّمُونَ أنَّ أكْثَرَهم فاسِقُونَ، كَما تَقُولُ: ما تَنْقِمُ مِنِّي إلّا أنِّي صَدَقْتُ وأنْتَ كَذَبْتَ، وما كَرِهْتَ مِنِّي إلّا أنِّي مُحَبَّبٌ إلى النّاسِ وأنْتَ مُبْغَضٌ، وإنْ كانَ لا يَعْتَرِفُ أنَّهُ كاذِبٌ ولا أنَّهُ مُبْغَضٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا مُخالَفَتَكم حَيْثُ دَخَلْنا في الإسْلامِ وأنْتُمْ خارِجُونَ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنْ آمَنّا، إلّا أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: واعْتِقادُنا فِيكم أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وهَذا مَعْنًى واضِحٌ. ويَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في ما تَنْقِمُونَ حَقِيقَةً. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ مَعَ، فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولًا مَعَهُ، التَّقْدِيرُ: وفِسْقَ أكْثَرِهِمْ؛ أيْ: تَنْقِمُونَ ذَلِكَ مَعَ فِسْقِ أكْثَرِكم؛ والمَعْنى: لا يَحْسُنُ أنْ تَنْقِمُوا مَعَ وُجُودِ فِسْقِ أكْثَرِكم، كَما تَقُولُ: تُسِيءُ إلَيَّ مَعَ أنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ. الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، هَلْ تَنْقِمُونَ؛ تَقْدِيرُهُ: ولا تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ. والجَرُّ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: بِما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وبِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، والجَرُّ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ التَّقْدِيرُ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ لِقِلَّةِ إنْصافِكم وفِسْقِكم. ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الحَسَنِ بِفِسْقِكم: نَقَمْتُمْ ذَلِكَ عَلَيْنا. فَهَذِهِ سَبْعَةُ وُجُوهٍ في مَوْضِعِ أنْ وصِلَتِها، ويَظْهَرُ وجْهٌ ثامِنٌ ولَعَلَّهُ يَكُونُ الأرْجَحَ: وذَلِكَ أنَّ نَقَمَ أصْلُها أنْ تَتَعَدّى بِعَلى، تَقُولُ: نَقَمْتُ عَلى الرَّجُلِ أنْقِمُ، ثُمَّ تُبْنى مِنها افْتَعَلَ فَتُعَدّى إذْ ذاكَ بِمِن، وتُضَمَّنُ مَعْنى الإصابَةِ بِالمَكْرُوهِ.
قالَ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] ومُناسَبَةُ التَّضْمِينِ فِيها أنَّ مَن عابَ عَلى شَخْصٍ فِعْلَهُ فَهو كارِهٌ لَهُ لا مَحالَةَ ومُصِيبُهُ عَلَيْهِ بِالمَكْرُوهِ، وإنْ قُدِّرَ، فَجاءَتْ هُنا فَعَلَ بِمَعْنى افْتَعَلَ، لِقَوْلِهِمْ: وقَدْ رَأوْهُ؛ ولِذَلِكَ عُدِّيَتْ بِمِن دُونَ الَّتِي أصْلُها أنْ يُعَدّى بِها، فَصارَ المَعْنى: وما تَنالُونَ مِنّا أوْ وما تُصِيبُونَنا بِما نَكْرَهُ إلّا أنْ آمَنّا؛ أيْ: لِأنْ آمَنّا، فَيَكُونُ أنْ آمَنّا، مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ؛ ويَكُونُ وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ؛ مَعْطُوفًا عَلى هَذِهِ العِلَّةِ، وهَذا، واللَّهُ أعْلَمُ، سَبَبُ تَعْدِيَتِهِ بِمِن دُونَ عَلى، وخُصَّ أكْثَرَكم بِالفِسْقِ لِأنَّ فِيهِمْ مَن هُدِيَ إلى الإسْلامِ، أوْ لِأنَّ فُسّاقَهم وهُمُ المُبالِغُونَ في الخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ تَقَرُّبًا إلى المُلُوكِ، وطَلَبًا لِلْجاهِ والرِّياسَةِ، فَهم فُسّاقٌ في دِينِهِمْ لا عُدُولٌ، وقَدْ يَكُونُ الكافِرُ عَدْلًا في دِينِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّهم لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا في دِينِهِمْ، فَلِذَلِكَ حُكِمَ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالفِسْقِ.
5:60Page 118
قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠
Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that1 as penalty from Allāh? [It is that of] those whom Allāh has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of ṭāghūt.2 Those are worse in position and further astray from the sound way."
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ الخِطابُ بِالأمْرِ لِلرَّسُولِ، ﷺ، (p-٥١٨)وتَضَمَّنَ الخِطابَ لِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يُنادِيَهم أوْ يُخاطِبَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا؛ هَذا هو الظّاهِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن حالِ هَؤُلاءِ الفاسِقِينَ في وقْتِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، أُولَئِكَ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِمْ، وتَكُونُ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالِهِمْ. انْتَهى. فَعَلى هَذا الإضْمارِ يَكُونُ قَوْلُهُ: بِشَرٍّ؛ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ باقِيَةً عَلى أصْلِ وضْعِها مِن كَوْنِها تَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ في الوَصْفِ، وزِيادَةِ الفَضْلِ عَلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ في الوَصْفِ، فَيَكُونُ ضَلالُ أُولَئِكَ الأسْلافِ وشَرُّهم أكْثَرَ مِن ضَلالِ هَؤُلاءِ الفاسِقِينَ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ خِطابًا لِأهْلِ الكِتابِ، فَيَكُونُ شَرٌّ عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِ أهْلِ الكِتابِ إذْ قالُوا: ما نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم. وفي الحَقِيقَةِ لا ضَلالَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، ولا شَرِكَةَ لَهم في ذَلِكَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ كَما ذَكَرْنا إشارَةٌ إلى دِينِ المُؤْمِنِينَ أوْ حالِ أهْلِ الكِتابِ، فَيَحْتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ إمّا قَبْلَهُ، وإمّا بَعْدَهُ؛ فَيُقَدَّرُ قَبْلَهُ: بِشَرٍّ مِن أصْحابِ هَذِهِ الحالِ، ويُقَدَّرُ بَعْدَهُ: حالُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ؛ ولِكَوْنِ لَعَنَهُ اللَّهُ. . . . . . . . . أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ عَلى كُلِّ حالٍ مِن تَأْنِيثٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ كَما يَكُونُ لِلْواحِدِ المُذَكَّرِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكم مِن هَذِهِ اللُّغَةِ، فَيَصِيرَ إشارَةً إلى الأشْخاصِ كَأنَّهُ قالَ: بِشَرٍّ مِن أُولَئِكم، فَلا يَحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، لا قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، ولا بَعْدَهُ، إذْ يَصِيرُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ: تَفْسِيرُ أشْخاصٍ بِأشْخاصٍ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكم أيْضًا: إشارَةً إلى مُتَشَخِّصٍ، وأُفْرِدَ عَلى مَعْنى الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن جِنْسِ الكِتابِيِّ، أوْ مِن جِنْسِ المُؤْمِنِ، عَلى اخْتِلافِ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ سَبَقا، ويَكُونُ أيْضًا مَن لَعَنَهُ اللَّهُ: تَفْسِيرَ شَخْصٍ بِشَخْصٍ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: أُنْبِئُكم مِن أنْبَأ، وابْنُ بُرَيْدَةَ، والأعْرَجُ، ونُبَيْجٌ، وابْنُ عِمْرانَ: مَثْوَبَةً كَمَعْوَرَةٍ. والجُمْهُورُ: مِن نَبَّأ ومَثُوبَةً كَمَعُونَةً. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ القِراءَتَيْنِ في ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٣] وانْتَصَبَ مَثُوبَةً هُنا عَلى التَّمْيِيزِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ الأكْثَرُ الأفْصَحُ مِن تَقْدِيمِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] وتَقْدِيمُ التَّمْيِيزِ عَلى المُفَضَّلِ أيْضًا فَصِيحٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] وهَذِهِ المَثُوبَةُ هي في الحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. فَإنْ لُوحِظَ أصْلُ الوَضْعِ فالمَعْنى مَرْجُوعًا، ولا يَدُلُّ إذْ ذاكَ عَلى مَعْنى الإحْسانِ. وإنْ لُوحِظَ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ في الخَيْرِ والإحْسانِ، فَوُضِعَتِ المَثُوبَةُ هُنا مَوْضِعَ العُقُوبَةِ عَلى طَرِيقَةٍ بَيْنَهم في: ”تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ“ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] و”مَن“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: بِشَرٍّ؛ وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَوْضِعِ بِشَرٍّ؛ أيْ: أُنَبِّئُكم مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. ويَحْتَمِلُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أنْ يُرادَ بِهِ أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ كَما تَقَدَّمَ، أوِ الأسْلافُ والأخْلافُ، فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ الحاضِرُونَ فِيهِمْ. والَّذِي تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ أنْ يَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ كَوْنُهُ شَرًّا مَثُوبَةً، وهي اللَّعْنَةُ والغَضَبُ. وجَعَلَ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ مِنهم، وعَبْدَ الطّاغُوتَ، وكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ أنْتُمْ؛ أيْ: هو أنْتُمْ. ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ [المائدة: ٦١] فَيَكُونُ الضَّمِيرُ واحِدًا. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: مَن غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وجَعَلَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وجَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ. وقالَ الفارِسِيُّ: بِمَعْنى خَلَقَ، لِأنَّ بَعْدَهُ وعَبْدَ الطّاغُوتِ، وهو مُعْتَزِلِيٌّ لا يَرى أنَّ اللَّهَ يُصَيِّرُ أحَدًا عابِدَ طاغُوتٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في البَقَرَةِ.
وأمّا الَّذِينَ مُسِخُوا خَنازِيرَ فَقِيلَ: شُيُوخُ أصْحابِ السَّبْتِ، إذْ مُسِخَ شُبّانُهم قِرَدَةً، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: أصْحابُ مائِدَةِ عِيسى. وذُكِرَتْ أيْضًا قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ في مَسْخِ بَنِي إسْرائِيلَ خَنازِيرَ مُلَخَّصُها: أنَّ امْرَأةً مِنهم مُؤْمِنَةً قاتَلَتْ مَلِكَ مَدِينَتِها ومَن مَعَهُ، وكانُوا قَدْ كَفَرُوا بِمَنِ اجْتَمَعَ إلَيْها مِمَّنْ دَعَتْهُ إلى (p-٥١٩)الجِهادِ ثَلاثَ مَرّاتٍ وأتْباعُها يُقْتَلُونَ، وتَنْفَلِتُ هي، فَبَعْدَ الثّالِثَةِ سُبِيَتْ واسْتَبْرَأتْ في دِينِها، فَمَسَخَ اللَّهُ أهْلَ المَدِينَةِ خَنازِيرَ في لَيْلَتِهِمْ تَثْبِيتًا لَها عَلى دِينِها، فَلَمّا رَأتْهم قالَتِ: اليَوْمَ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ أعَزَّ دِينَهُ وأقَرَّهُ، فَكانَ المَسْخُ خَنازِيرَ عَلى يَدَيْ هَذِهِ المَرْأةِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: وعَبَدَ الطّاغُوتَ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وعَبَدُوا الطّاغُوتَ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةٍ: وعَبْدَ الطّاغُوتِ، بِإسْكانِ الباءِ. وخَرَّجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى أنَّهُ أرادَ وعَبْدًا مُنَوَّنًا فَحُذِفَ التَّنْوِينُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا ولا وجْهَ لِهَذا التَّخْرِيجِ، لِأنَّ عَبْدًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْصِبَ الطّاغُوتَ، إذْ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ ولا اسْمِ فاعِلٍ، والتَّخْرِيجُ الصَّحِيحُ: أنْ يَكُونَ تَخْفِيفًا مِن عَبَدَ بِفَتْحِها كَقَوْلِهِمْ: في سَلَفَ سَلْفَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ: عَبُدَ، بِضَمِّ الباءِ، نَحْوَ شَرُفَ الرَّجُلُ؛ أيْ: صارَ لَهُ عَبْدٌ كالخُلُقِ والأمْرِ المُعْتادِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: صارَ مَعْبُودًا مِن دُونِ اللَّهِ كَقَوْلِكَ: أمُرَ إذا صارَ أمِيرًا. انْتَهى. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ القَعْقاعِ والأعْمَشُ في رِوايَةِ هارُونَ، وعُبِدَ الطّاغُوتُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، كَضُرِبَ زَيْدٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ: وعُبِدَتِ الطّاغُوتُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، كَضُرِبَتِ المَرْأةُ. فَهَذِهِ سِتُّ قِراءاتٍ بِالفِعْلِ الماضِي، وإعْرابُها واضِحٌ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا المَفْعُولَ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ مَن وُصِلَتْ بِلَعَنَهُ، وغَضِبَ، وجَعَلَ، وعَبَدَ، والمَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ ضَعَّفَهُ الطَّبَرِيُّ وهو يَتَّجِهُ عَلى حَذْفِ الرّابِطِ؛ أيْ: وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ أوْ بَيْنَهم. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وعَبَدَ لَيْسَ داخِلًا في الصِّلَةِ، لَكِنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مَن، وقَدْ قَرَأ بِها مُظْهَرَةً عَبْدُ اللَّهِ قَرَأ: ومَن عَبَدَ؛ فَإمّا عَطْفًا عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، وإمّا عَطْفًا عَلى ”مَن“ في قَوْلِهِ: مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ الأعْرابِيُّ: وعُبّادَ الطّاغُوتِ؛ جَمْعُ عابِدٍ، كَضُرّابِ زَيْدٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وجَماعَةٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ: وعُبُدَ الطّاغُوتِ؛ جَمْعُ عَبْدٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ. وقالَ ثَعْلَبٌ: جَمْعُ عابِدٍ، كَشارِفٍ وشُرُفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تابِعًا لِلْأخْفَشِ: جَمْعُ عَبِيدٍ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ جَمْعَ جَمْعٍ وأنْشَدُوا:
؎انْسُبِ العَبْدَ إلى آبائِهِ أسْوَدَ الجِلْدَةِ مِن قَوْمٍ عُبُدِ
وقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ: وعُبُدَ الطّاغُوتِ جَمْعُ عابِدٍ، كَضارِبٍ وضُرُبٍ. وقَرَأ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: وعِبادَ الطّاغُوتِ؛ جَمْعُ عابِدٍ كَقائِمٍ وقِيامٍ، أوْ جَمْعُ عَبْدٍ. أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎أتُوعِدُنِي بِقَوْمِكَ يابْنَ حِجْلٍ ∗∗∗ أُساباتٍ يُخالُونَ العِبادا
وسُمِّيَ عَرَبُ الحِيرَةِ مِنَ العِراقِ لِدُخُولِهِمْ في طاعَةِ كِسْرى: عِبادًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وعَبِيدَ الطّاغُوتِ؛ جَمْعُ عَبْدٍ، نَحْوَ كَلْبٍ وكَلِيبٍ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: وأعْبُدَ الطّاغُوتِ؛ جَمْعُ عَبْدٍ، كَفَلْسٍ وأفْلُسَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وعَبَدَ الطّاغُوتِ؛ يُرِيدُ: وعَبَدَةَ جَمْعُ عابِدٍ، كَفاجِرٍ وفَجَرَةٍ، وحَذَفَ التّاءَ لِلْإضافَةِ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ، وغائِبٍ وغَيَبٍ. وقُرِئَ: وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ؛ بِالتّاءِ نَحْوَ فاجِرٍ وفَجَرَةٍ، فَهَذِهِ ثَمانِ قِراءاتٍ بِالجَمْعِ المَنصُوبِ عَطْفًا عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ مُضافًا إلى الطّاغُوتِ. وقُرِئَ وعابِدِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: وعابِدُو. وقَرَأ عَوْنٌ العَقِيلِيُّ: وعابِدُو، وتَأوَّلَها أبُو عَمْرٍو عَلى أنَّها عَآبِدُ. وهَذانِ جَمْعا سَلامَةٍ أُضِيفا إلى الطّاغُوتِ، فَبِالتّاءِ عَطْفًا عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، وبِالواوِ عَطْفًا عَلى مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أوْ عَلى إضْمارِهِمْ. وتَحْتَمِلُ قِراءَةُ عَوْنٍ أنْ يَكُونَ عابِدَ مُفْرَدًا اسْمَ جِنْسٍ. وقَرَأ أبُو عُبَيْدَةَ: وعابِدَ؛ عَلى وزْنِ ضارِبٍ مُضافًا إلى لَفْظِ الشَّيْطانِ، بَدَلَ الطّاغُوتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: وعَبْدَ الطّاغُوتِ؛ عَلى وزْنِ كَلْبٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ: وعَبَّدَ؛ عَلى وزْنِ حَطَّمَ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ: وعَبِدَ؛ عَلى وزْنِ يَقِظٍ ونَدِسٍ، فَهَذِهِ أرْبَعُ قِراءاتٍ بِالمُفْرَدِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ أُضِيفَتْ إلى الطّاغُوتِ. وفي القِراءَةِ الأخِيرَةِ مِنها خِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ. قالَ نُصَيْرٌ النَّحْوِيُّ صاحِبُ (p-٥٢٠)الكِسائِيِّ: وهو وهْمٌ مِمَّنْ قَرَأ بِهِ، ولْيَسْألْ عَنْهُ العُلَماءَ حَتّى نَعْلَمَ أنَّهُ جائِزٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنْ يَكُنْ لُغَةً مِثْلَ حَذِرَ وعَجِلَ فَهو وجْهٌ، وإلّا فَلا يَجُوزُ في القِراءَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّما مَعْنى العُبُدِ عِنْدَهُمُ الأعْبَدُ، يُرِيدُونَ خَدَمَ الطّاغُوتِ، ولَمْ نَجِدْ هَذا يَصِحُّ عَنْ أحَدٍ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ أنَّ العَبْدَ يُقالُ فِيهِ عَبِدٌ، وإنَّما هو عَبْدٌ وأعْبُدٌ بِالألِفِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ في أبْنِيَةِ المَجْمُوعِ مِثْلُهُ، ولَكِنَّهُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، وهو بِناءٌ يُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ، فَكَأنَّ هَذا قَدْ ذَهَبَ في عِبادَةِ الطّاغُوتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ العُلُوُّ في العُبُودِيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ حَذِرٌ فَطِنٌ لِلْبَلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎أبَنِي لُبَيْنى إنَّ أُمَّكُمُ ∗∗∗ أمَةٌ وإنَّ أباكُمُ عَبِدُ
انْتَهى.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَبِدٌ لَفْظُ مُبالَغَةٍ كَيَقِظٍ ونَدِسٍ، فَهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وبُنِيَ بِناءَ الصِّفاتِ، لِأنَّ عَبْدًا في الأصْلِ صِفَةٌ، وإنْ كانَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الصِّفَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُبْنى مِنهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ. وأنْشَدَ أبَنِي لُبَيْنى. . . . . . . . . البَيْتَ، وقالَ: ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، بِضَمِّ الباءِ، . انْتَهى. وعَدَّ ابْنُ مالِكٍ في أبْنِيَةِ أسْماءِ الجَمْعِ فُعُلًا فَقالَ: ومِنها فُعُلٌ كَنَحْوِ سُمُرٍ وعُبُدٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ: وعُبُدَ الطّاغُوتَ جَمْعُ عابِدٍ كَضارِبٍ وضُرُبٍ، ونَصَبَ الطّاغُوتَ أرادَ عُبُدًا مُنَوَّنًا فَحُذِفَ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قالَ: (ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا) فَهَذِهِ إحْدى وعِشْرُونَ قِراءَةً بِقِراءَةِ بُرَيْدٍ، تَكُونُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ قِراءَةً.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ مِنهم عِبادَ الطّاغُوتِ ؟ (قُلْتُ): فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَذَلَهم حَتّى عَبَدُوها، والثّانِي: أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ووَصَفَهم بِهِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] . انْتَهى. وهَذا عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: الطَّواغِيتِ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ كانَ المُسْلِمُونَ يُعَيِّرُونَ اليَهُودَ يَقُولُونَ: يا إخْوَةَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، فَيُنَكِّسُونَ رُءُوسَهم.
* *
﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ الإشارَةُ إلى المَوْصُوفِينَ بِاللَّعْنَةِ وما بَعْدَها، وانْتَصَبَ مَكانًا عَلى التَّمْيِيزِ. فَإنْ كانَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ أنْ يُرادَ بِالمَكانِ حَقِيقَةً إذْ هو جَهَنَّمُ، وإنْ كانَ في الدُّنْيا فَيَكُونُ كِنايَةً واسْتِعارَةً لِلْمَكانَةِ في قَوْلِهِ: أُولَئِكَ شَرٌّ، لِدُخُولِهِ في بابِ الكِنايَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ طَوِيلُ النِّجادِ وهي إشارَةٌ إلى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لِوِزامِهِ وتَوابِعِهِ قَبْلَ المَفْضُولِ، وهو مَكانُ المُؤْمِنِينَ، ولا شَرَّ في مَكانِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: شَرٌّ مَكانًا عَلى قَوْلِكم وزَعْمِكم. وقالَ النَّحّاسُ: أحْسَنُ ما قِيلَ شَرٌّ مَكانًا في الآخِرَةِ مِن مَكانِكم في الدُّنْيا، لِما يَلْحَقُكم مِنَ الشَّرِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكانُهم سَقَرٌ، ولا مَكانَ أشَدُّ شَرًّا مِنهُ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَفْضُولَ هو غَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ، لِأنَّ اليَهُودَ جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ والرُّسُلُ والمُعْجِزاتُ ما لَمْ يَجِئْ غَيْرُهم كَثْرَةً، فَكانُوا أبْعَدَ ناسٍ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وأوْغَلَهم في العِصْيانِ، وكَفَرُوا بِأنْواعٍ مِنَ الكُفْرِ والرُّسُلِ، تَنْتابُهُمُ الغَيْبَةُ بَعْدَ الغَيْبَةِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم شَرٌّ مِنَ الكُفّارِ.
5:61Page 118
وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ٦١
And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allāh is most knowing of what they were concealing.
﴿وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] أيْ: عَنْ وسَطِ السَّبِيلِ وقَصْدِهِ، أيْ: هم حائِرُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى مُسْتَقِيمِ الطَّرِيقِ.
﴿وإذا جاؤُكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في جاءُوكم لِلْيَهُودِ والمُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ وخاصَّةً بِالمُنافِقِينَ مِنهم؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. إذْ ظاهِرُ الضَّمِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ: وإذا جاءُوكم أهْلُهم أوْ نِساؤُهم. وتَقَدَّمَ مِن قَوْلِنا: أنْ يَكُونَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ إلى آخِرِهِ عِبارَةً عَنِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٥٩] وأنَّهُ مِمّا وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ، فَلا يَحْتاجُ هَذا إلى حَذْفِ مُضافٍ.
كانَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ يَدْخُلُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، يُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ نِفاقًا فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِشَأْنِهِمْ وأنَّهم يَخْرُجُونَ كَما دَخَلُوا، لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ (p-٥٢١)مِمّا سَمِعُوا مِن تَذْكِيرٍ ومَوْعِظَةٍ، فَعَلى هَذا، الخِطابُ في جاءُوكم لِلرَّسُولِ، ﷺ، وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ. وهاتانِ الجُمْلَتانِ حالانِ، وبِالكُفْرِ، وبِهِ حالانِ أيْضًا؛ أيْ: مُلْتَبِسِينَ. ولِذَلِكَ دَخَلَتْ قَدْ تَقْرِيبًا لَها مِن زَمانِ الحالِ ولِمَعْنًى آخَرَ وهو: أنَّ أماراتِ النِّفاقِ كانَتْ لائِحَةً عَلَيْهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُتَوَقِّعًا لِإظْهارِ ما تَكَتَّمُوهُ، فَدَخَلَ حَرْفُ التَّوَقُّعِ وخالَفَ بَيْنَ جُمْلَتَيِ الحالِ اتِّساعًا في الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: وهم، تَخْلِيصٌ مِنِ احْتِمالِ العِبارَةِ أنْ يَدْخُلَ قَوْمٌ بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ، فَأزالَ الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ؛ أيْ: هم بِأعْيانِهِمْ. انْتَهى. والعامِلُ في الحالَيْنِ آمَنّا؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ وهَذِهِ حالُهم. وقِيلَ: مَعْنى هم لِلتَّأْكِيدِ في إضافَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِنَ الرَّسُولِ ما يُوجِبُ كُفْرَهم مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِ لَهم، بَلْ كانَ يَلْطُفُ بِهِمْ ويُعامِلُهم بِأحْسَنِ مُعامَلَةٍ. فالمَعْنى: أنَّهم هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِالكُفْرِ بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ، لا أنَّكَ أنْتَ الَّذِي تَسَبَّبْتَ لِبَقائِهِمْ في الكُفْرِ. والَّذِي نَقُولُ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الواقِعَةَ حالًا المُصَدَّرَةَ بِضَمِيرِ ذِي الحالِ المُخْبَرَ عَنْها بِفِعْلٍ أوِ اسْمٍ يَتَحَمَّلُ ضَمِيرَ ذِي الحالِ - آكَدُ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، مِن جِهَةِ أنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ فَيَصِيرُ نَظِيرَ: قامَ زَيْدٌ زَيْدٌ. ولَمّا كانُوا حِينَ جاءُوا الرَّسُولَ أوِ المُؤْمِنِينَ قالُوا: آمَنّا مُلْتَبِسِينَ بِالكُفْرِ، كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ لا يَخْرُجُوا بِالكُفْرِ، لِأنَّ رُؤْيَتَهُ، ﷺ، كافِيَةٌ في الإيمانِ. ألا تَرى إلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ حِينَ رَأى الرَّسُولَ: عَلِمْتُ أنَّ وجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذّابٍ، مَعَ ما يَظْهَرُ لَهم مِن خَوارِقِ الآياتِ وباهِرِ الدِّلالاتِ، فَكانَ المُناسِبُ أنَّهم وإنْ كانُوا دَخَلُوا بِالكُفْرِ أنْ لا يَخْرُجُوا بِهِ، بَلْ يَخْرُجُونَ بِالرَّسُولِ مُؤْمِنِينَ ظاهِرًا وباطِنًا. فَأكَّدَ وصْفَهم بِالكُفْرِ بِأنْ كَرَّرَ المُسْنَدَ إلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِهِمْ بِالكُفْرِ وتَمادِيهِمْ عَلَيْهِ، وأنَّ رُؤْيَةَ الرَّسُولِ لَمْ تُجْدِ عَنْهم، ولَمْ يَتَأثَّرُوا لَها. وكَذَلِكَ إنْ كانَ ضَمِيرُ الخِطابِ في: وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا، كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يُؤْمِنُوا ظاهِرًا وباطِنًا لِما يَرَوْنَ مِنِ اخْتِلافِ المُؤْمِنِينَ وتَصْدِيقِهِمْ لِلرَّسُولِ، والِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ، والزُّهْدِ في الدُّنْيا، وهَذِهِ حالُ مَن يَنْبَغِي مُوافَقَتُهُ. وكانَ يَنْبَغِي إذْ شاهَدُوهم أنْ يَتَّبِعُوهم عَلى دِينِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إيمانُهم بِالقَوْلِ مُوافِقًا لِاعْتِقادِ قُلُوبِهِمْ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مَجِيءِ حالَيْنِ لِذِي حالٍ واحِدٍ، إنْ كانَتِ الواوُ في: وهم، واوَ حالٍ، لا واوَ عَطْفٍ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ إلّا في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ. والظّاهِرُ أنَّ الدُّخُولَ والخُرُوجَ حَقِيقَةٌ. وقِيلَ: هَمّا اسْتِعارَةٌ؛ والمَعْنى: تَقَلَّبُوا في الكُفْرِ؛ أيْ: دَخَلُوا في أحْوالِهِمْ مُضْمِرِينَ الكُفْرَ وخَرَجُوا بِهِ إلى أحْوالٍ أُخَرَ مُضْمِرِينَ لَهُ، وهَذا هو التَّقَلُّبُ. والحَقِيقَةُ في الدُّخُولِ انْفِصالٌ بِالبَدَنِ مِن خارِجِ مَكانٍ إلى داخِلِهِ، وفي الخُرُوجِ انْفِصالٌ بِالبَدَنِ مِن داخِلِهِ إلى خارِجِهِ.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أيْ: مِن كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ. وقِيلَ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ونَعْتِهِ؛ وفي هَذا مُبالَغَةٌ في إفْشاءِ ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنَ المَكْرِ بِالمُسْلِمِينَ والكَيْدِ والعَداوَةِ.
5:62Page 118
وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢
And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.
﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَحْتَمِلُ تَرى أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، فَيَكُونَ يُسارِعُونَ صِفَةً: وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، فَيَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا. والمُسارَعَةُ: الشُّرُوعُ بِسُرْعَةٍ. والإثْمُ: الكَذِبُ. والعُدْوانُ: الظُّلْمُ. يَدُلُّ قَوْلُهُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ حَقِيقَةَ الإثْمِ الكَذِبُ، إذِ الإثْمُ هو المُتَعَلِّقُ بِصاحِبِ المَعْصِيَةِ، أوِ الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّى بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ. أوِ الإثْمُ الكُفْرُ، والعُدْوانُ الِاعْتِداءُ. أوِ الإثْمُ ما كَتَمُوهُ مِنَ الإيمانِ، والعُدْوانُ ما يُتَعَدّى فِيها. وقِيلَ: العُدْوانُ تَعَدِّيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ أقْوالٌ خَمْسَةٌ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ السُّحْتَ هو الرَّشا، وقِيلَ: هو الرِّبا، وقِيلَ: هو الرَّشا وسائِرُ مَكْسَبِهِمُ الخَبِيثِ. وعَلَّقَ الرُّؤْيَةَ بِالكَثِيرِ مِنهم، لِأنَّ بَعْضَهم كانَ لا يَتَعاطى ذَلِكَ المَجْمُوعَ أوْ بَعْضَهُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ المُسارَعَةِ في الخَيْرِ فَكَأنَّ هَذِهِ (p-٥٢٢)المَعاصِي عِنْدَهم مِن قَبِيلِ الطّاعاتِ، فَلِذَلِكَ يُسارِعُونَ فِيها؛ والإثْمُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها العِقابُ، فَجُرِّدَ مِن ذَلِكَ العُدْوانُ وأكْلُ السُّحْتِ، وخُصّا بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِهاتَيْنِ المَعْصِيَتَيْنِ وهُما: ظُلْمُ غَيْرِهِمْ، والمَطْعَمُ الخَبِيثُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ عَدَمُ قَبُولِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: العِدْوانِ؛ بِكَسْرِ ضَمَّةِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ما بَعْدَ بِئْسَ في قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences