Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:66–70
5:66Page 119
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦
And if only they had upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord [i.e., the Qur’ān], they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet.1 Among them are a moderate [i.e., acceptable] community, but many of them - evil is that which they do.
﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ هَذا اسْتِدْعاءٌ لِإيمانِهِمْ، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى اتِّباعِ ما في كُتُبِهِمْ، وتَرْغِيبٌ لَهم في عاجِلِ الدُّنْيا وبَسْطِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ فِيها، إذْ أكْثَرُ ما في التَّوْراةِ مِنَ المَوْعُودِ بِهِ عَلى الطّاعاتِ هو الإحْسانُ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا. ولَمّا رَغَّبَهم في الآيَةِ قَبْلُ في مَوْعُودِ الآخِرَةِ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، رَغَّبَهم في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْعُودِ الدُّنْيا لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ تَقْدِيمُ مَوْعُودِ الآخِرَةِ أهَمَّ لِأنَّهُ هو الدّائِمُ الباقِي، والَّذِي بِهِ النَّجاةُ السَّرْمَدِيَّةُ، والنَّعِيمُ الَّذِي لا يَنْقَضِي. ومَعْنى إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: هو إظْهارُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ والتَّبْشِيرِ بِالرَّسُولِ والأمْرِ بِاتِّباعِهِ، كَقَوْلِهِمْ: أقامُوا السُّوقَ؛ أيْ: حَرَّكُوها وأظْهَرُوها، وذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالقائِمِ مِنَ النّاسِ إذْ هي أظْهَرُ هَيْآتِهِ. وفي قَوْلِهِ: والإنْجِيلَ؛ دَلِيلٌ عَلى دُخُولِ النَّصارى في لَفْظِ أهْلِ الكِتابِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ؛ العُمُومُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مِثْلَ: كِتابِ أشْعِياءَ، وكِتابِ حَزْقِيلَ، وكِتابِ دانْيالَ، فَإنَّها مَمْلُوءَةٌ مِنَ البِشارَةِ بِمَبْعَثِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ هو القُرْآنُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، أنَّهُ اسْتِعارَةٌ عَنْ سُبُوغِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، وتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: قَدْ عَمَّهُ الرِّزْقُ مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ ولا فَوْقَ ولا تَحْتَ حَكاهُ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: لَأعْطَتْهُمُ السَّماءُ مَطَرَها وبَرَكَتَها، والأرْضُ نَباتَها كَما قالَ تَعالى: ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وذَكَرَ النَّقّاشُ مِن فَوْقِهِمْ مِن رِزْقِ الجَنَّةِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِن رِزْقِ الدُّنْيا إذْ هو مِن نَباتِ الأرْضِ؛ وقِيلَ: مِن فَوْقِهِمْ: كَثْرَةُ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمُ: الزَّرْعُ المُغِلَّةُ. وقِيلَ: مِن فَوْقِهِمُ: الجِنانُ اليانِعَةُ الثِّمارِ يَجْتَنُونَ ما تَهَدَّلَ مِنها مِن رُءُوسِ الشَّجَرِ، ويَلْتَقِطُونَ ما تَساقَطَ مِنها عَلى الأرْضِ، وتَحْتَ أرْجُلِهِمْ؛ (p-٥٢٨)وقالَ تاجُ القُرّاءِ: مِن فَوْقِهِمْ ما يَأْتِيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ ومُلُوكِهِمْ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ما يَأْتِيهِمْ مِن سِفْلَتِهِمْ وعَوامِّهِمْ، وعَبَّرَ بِالأكْلِ عَنِ الأخْذِ، لِأنَّهُ أجَلُّ مَنافِعِهِ وأبْلَغُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في دَيْمُومَةِ الحَياةِ.
﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ في مِنهم يَعُودُ عَلى أهْلِ الكِتابِ. والأُمَّةُ هُنا يُرادُ بِها الجَماعَةُ القَلِيلَةُ لِلْمُقابِلَةِ لَها بِقَوْلِهِ: وكَثِيرٌ مِنهم. والِاقْتِصادُ مِنَ القَصْدِ وهو الِاعْتِدالُ، وهو افْتَعَلَ بِمَعْنى اعْتَمَلَ واكْتَسَبَ؛ أيْ: كانَتْ أوَّلًا جائِزَةً ثُمَّ اقْتَصَدَتْ. قِيلَ: هم مُؤْمِنُو الفَرِيقَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِنَ النَّصارى. واقْتِصادُهم هو الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ: المُقْتَصِدَةُ مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ونَحْوُهُ قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ: هم أهْلُ طاعَةِ اللَّهِ مِن أهْلِ الكِتابِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: أنَّها الطَّوائِفُ الَّتِي لَمْ تُناصِبِ الأنْبِياءَ مُناصَبَةَ المُتَمَرِّدِينَ المُجاهِدِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُقْتَصِدَةٌ حالُها أُمَمٌ في عَداوَةِ الرَّسُولِ، ﷺ . وقالَ الطَّبَرِيُّ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَن يَقْتَصِدُ في عِيسى فَيَقُولُ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحٌ مِنهُ، والأكْثَرُ مِنهم غَلا فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: هو الإلَهُ، وعَلى هَذا مَشى الرُّومُ ومَن دَخَلَ بِآخِرَةٍ في مِلَّةِ عِيسى. وقالَ بَعْضُهم وهو الأكْثَرُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ: هو آدَمِيٌّ كَغَيْرِهِ لِغَيْرِ رُشْدِهِ، فَتُلَخَّصُ في الِاقْتِصادِ أهُوَ في حَقِّ عِيسى، أوْ في المُناصَبَةِ، أوْ في الإيمانِ ؟ فَإنْ كانَ في المُناصَبَةِ فَهَلْ هو بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ وحْدَهُ أمْ بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْبِياءِ ؟ قَوْلانِ. وإنْ كانَ في الإيمانِ فَهَلْ هو في إيمانِ مَن آمَنَ بِالرَّسُولِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أوْ مَن آمَنَ قَدِيمًا وحَدِيثًا ؟ قَوْلانِ.
﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ هَذا تَنْوِيعٌ في التَّفْصِيلِ. فالجُمْلَةُ الأُولى جاءَتْ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، جاءَ الخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ساءَ ما يَعْمَلُونَ، وبَيْنَ التَّرْكِيبَيْنِ تَفاوُتٌ غَرِيبٌ مِن حَيْثُ المَعْنى. وذَلِكَ أنَّ الِاقْتِصادَ جُعِلَ وصْفًا، والوَصْفُ ألْزَمُ لِلْمَوْصُوفِ مِنَ الخَبَرِ، فَأتى بِالوَصْفِ اللّازِمِ في الطّائِفَةِ المَمْدُوحَةِ، وأخْبَرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: مِنهم، والخَبَرُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ اللُّزُومُ ولا سِيَّما هُنا، فَأخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ في الأصْلِ، ثُمَّ قَدْ تَزُولُ هَذِهِ النِّسْبَةُ بِالإسْلامِ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهم والإخْبارُ بِأنَّهم مِنهم، بِاعْتِبارِ الحالَةِ الماضِيَةِ. وأمّا في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهم مِنهم حَقِيقَةً لِأنَّهم كُفّارٌ، فَجاءَ الوَصْفُ بِالإلْزامِ، ولَمْ يُجْعَلْ خَبَرًا، وجُعِلَ خَبَرَ الجُمْلَةِ الَّتِي هي ساءَ ما يَعْمَلُونَ، لِأنَّ الخَبَرَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ اللُّزُومُ، فَهم بِصَدَدِ أنَّ يُسْلِمَ ناسٌ مِنهم فَيَزُولَ عَنْهُمُ الإخْبارُ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ساءَ أنْ تَكُونَ الَّتِي لا تَنْصَرِفُ، فَإنَّ فِيهِ التَّعَجُّبَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أسْوَأ عَمَلَهم ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ. واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ المُتَصَرِّفَةَ؛ تَقُولُ: ساءَ الأمْرُ يَسُوءُ، وأجازَ أنْ تَكُونَ غَيْرَ المُتَصَرِّفَةِ فَتُسْتَعْمَلَ اسْتِعْمالَ نِعْمَ وبِئْسَ؛ كَقَوْلِهِ: ساءَ مَثَلًا. فالمُتَصَرِّفَةُ تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ؛ أيْ: ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ، وغَيْرُ المُتَصَرِّفَةِ تَحْتاجُ إلى تَمْيِيزٍ؛ أيْ: ساءَ عَمَلًا ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
5:67Page 119
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧
O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allāh will protect you from the people. Indeed, Allāh does not guide the disbelieving people.
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ هَذا نِداءٌ بِالصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ أوْصافِ الجِنْسِ الإنْسانِيِّ، (p-٥٢٩)وأمْرٌ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، ﷺ، وهو قَدْ بَلَّغَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، فَهو أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وأيَّ شَيْءٍ أُنْزِلَ غَيْرَ مُراقِبٍ في تَبْلِيغِهِ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِالتَّبْلِيغِ عَلى الِاسْتِيفاءِ والكَمالِ، لِأنَّهُ قَدْ قالَ: بَلِّغْ، فَإنَّما أُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يَتَوَقَّفَ عَلى شَيْءٍ مَخافَةَ أحَدٍ، وذَلِكَ أنَّ رِسالَتَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، تَضَمَّنَتِ الطَّعْنَ عَلى أنْواعِ الكَفَرَةِ وفَسادِ أحْوالِهِمْ، فَكانَ يَلْقى مِنهم عَنَتًا، ورُبَّما خافَهم أحْيانًا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ،: «لَمّا بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسالَتِهِ ضِقْتُ بِها ذَرْعًا وعَرَفْتُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُكَذِّبُنِي فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَبْلِيغٍ خاصٍّ؛ أيْ: ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ الرَّجْمِ والقِصاصِ الَّذِي غَيَّرَهُ اليَهُودُ في التَّوْراةِ والنَّصارى في الإنْجِيلِ. وقِيلَ: أمْرٌ بِتَبْلِيغِ أمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ونِكاحِها. وقِيلَ: بِتَبْلِيغِ الجِهادِ والحَثِّ عَلَيْهِ، وأنْ لا يَتْرُكَهُ لِأجْلِ أحَدٍ. وقِيلَ: أمْرٌ بِتَبْلِيغِ مَعائِبِ آلِهَتِهِمْ، إذْ كانَ قَدْ سَكَتَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآيَةَ - عَنْ عَيْبِها، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذا التَّبْلِيغِ الخاصِّ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى أمَّنَهُ مِن مَكْرِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأمَرَهُ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ في أمْرِهِمْ وغَيْرِهِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِأحَدٍ، لِأنَّ الكَلامَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وبَعْدَها هو مَعَهم، فَيَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ أجْنَبِيَّةً عَمّا قَبْلَها وعَمّا بَعْدَها.
﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ أيْ: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وظاهِرُ هَذا الجَوابِ لا يُنافِي الشَّرْطَ، إذْ صارَ المَعْنى: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ لَمْ تَفْعَلْ، والجَوابُ لا بُدَّ أنْ يُغايِرَ الشَّرْطَ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا لَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَ اللَّهِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وكَتَمَها كُلَّها كَأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ رَسُولًا، كانَ أمْرًا شَنِيعًا. وقِيلَ: إنْ لَمْ تُبَلِّغْ مِنها أدْنى شَيْءٍ وإنْ كَلِمَةً واحِدَةً فَأنْتَ كَمَن رَكِبَ الأمْرَ الشَّنِيعَ الَّذِي هو كِتْمانُ كُلِّها، كَما عَظَّمَ قَتْلَ النَّفْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] والثّانِي: أنْ يُرادَ فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ ما يُوجِبُهُ كِتْمانُ الوَحْيِ كُلِّهِ مِنَ العِقابِ، فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ،: (فَأوْحى اللَّهُ إلَيَّ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي لَأُعَذِّبَنَّكَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: إنْ تَرَكْتَ شَيْئًا فَكَأنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ الكُلَّ، وصارَ ما بَلَّغْتَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ. فَمَعْنى: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ، وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ. ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سُئِلْتَ فَلَمْ تَبْخَلْ ولَمْ تُعْطِ نائِلًا فَسِيّانَ لا ذَمٌّ عَلَيْكَ ولا حَمْدُ
أيْ إنْ لَمْ تُعْطِ ما يُعَدُّ نائِلًا وألّا تَتَكاذَبَ. . . . . . البَيْتَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أجابَ الجُمْهُورُ بِإنْ لَمْ تُبَلِّغْ واحِدًا مِنها كُنْتَ كَمَن لَمْ يُبَلِّغْ شَيْئًا. وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ مَن أتى بِالبَعْضِ وتَرَكَ البَعْضَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَرَكَ الكُلَّ كانَ كاذِبًا، ولَوْ قِيلَ: إنْ مِقْدارَ الجُرْمِ في تَرْكِ البَعْضِ مِثْلُ الجُرْمِ في تَرْكِ الكُلِّ، فَهَذا هو المُحالُ المُمْتَنِعُ، فَسَقَطَ هَذا الجَوابُ. انْتَهى. وما ضَعَّفَ بِهِ جَوابَ الجُمْهُورِ لا يُضَعَّفُ بِهِ، لِأنَّهُ قالَ: فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَرَكَ الكُلَّ - كانَ كاذِبًا، ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إنَّما قالُوا: إنَّ بَعْضَها لَيْسَ أوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإنْ لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا. كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها كانَ كَمَن لا يُؤْمِنُ بِكُلِّها لِأداءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِي بِهِ غَيْرُها، وكَوْنِها لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، والشَّيْءُ الواحِدِ لا يَكُونُ مُبَلَّغًا غَيْرَ مُبَلَّغٍ مُؤْمَنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمَنٍ، فَصارَ ذَلِكَ التَّبْلِيغُ لِلْبَعْضِ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ، وأمّا ما ذُكِرَ مِن أنَّ مِقْدارَ الجُرْمِ في تَرْكِ البَعْضِ مِثْلُ الجُرْمِ في تَرْكِ الكُلِّ مُحالٌ مُمْتَنِعٌ، فَلا اسْتِحالَةَ فِيهِ. ولِلَّهِ تَعالى أنْ يُرَتِّبَ عَلى الذَّنْبِ اليَسِيرِ العَذابَ العَظِيمَ، ولَهُ تَعالى أنْ يَعْفُوَ عَنِ الذَّنْبِ العَظِيمِ، ويُؤاخِذَ بِالذَّنْبِ الحَقِيرِ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ في تَرْتِيبِ العُقُوباتِ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، رَتَّبَ عَلى مَن أخَذَ شَيْئًا بِالِاخْتِفاءِ والتَّسَتُّرِ، قَطْعَ اليَدِ مَعَ رَدِّ ما أخَذَهُ أوْ قِيمَتِهِ، ورَتَّبَ عَلى مَن أخَذَ شَيْئًا بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ والغَصْبِ رَدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ أوْ قِيمَتِهِ إنْ فُقِدْ دُونَ (p-٥٣٠)قَطْعِ اليَدِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: والأصَحُّ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا خَرَجَ عَلى قانُونِ قَوْلِهِ: أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي، ومَعْناهُ: أنَّ شِعْرِي بَلَغَ في الكَمالِ والفَصاحَةِ والمَتانَةِ بِحَيْثُ مَتى قِيلَ فِيهِ إنَّهُ شِعْرِي فَقَدِ انْتَهى مَدْحُهُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها، وهَذا الكَلامُ مُفِيدٌ المُبالَغَةَ التّامَّةَ مِن هَذا الوَجْهِ، فَكَذا هَهُنا. قالَ: فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ؛ يَعْنِي: أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَصِفَ البَلِيغُ بِتَرْكِ التَّهْدِيدِ بِأعْظَمَ مِن أنَّهُ تَرَكَ التَّعْظِيمَ، فَكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: رِسالاتِهِ؛ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلى التَّوْحِيدِ.
﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: لا تُبالِ في التَّبْلِيغِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ فَلَيْسَ لَهم تَسْلِيطٌ عَلى قَتْلِكَ لا بِمُؤامَرَةٍ ولا بِاغْتِيالٍ، ولا بِاسْتِيلاءٍ عَلَيْكَ بِأخْذٍ وأسْرٍ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ الأعْرابِيِّ الَّذِي اخْتَرَطَ سَيْفَ النَّبِيِّ، ﷺ، لِيَقْتُلَهُ. انْتَهى، وهو غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، وذَلِكَ في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ.
ورَوى المُفَسِّرُونَ أنَّ أبا طالِبٍ كانَ يُرْسِلُ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾؛ فَقالَ: إنِ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، فَلا أحْتاجُ إلى مَن يَحْرُسُنِي. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ يَهابُ قُرَيْشًا فَلَمّا نَزَلَتِ اسْتَلْقى وقالَ: مَن شاءَ فَلْيَخْذُلْنِي، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا. ورَوى أبُو أُمامَةَ «حَدِيثَ ”رُكانَةَ“ " ٠٠٠٠ مِن ولَدِ هاشِمٍ مُشْرِكًا أفْتَكَ النّاسِ وأشَدَّهم، تَصارَعَ هو والرَّسُولُ، فَصَرَعَهُ الرَّسُولُ، ﷺ، ثَلاثًا ودَعاهُ إلى الإسْلامِ، فَسَألَهُ آيَةً، فَدَعا الشَّجَرَةَ فَأقْبَلَتْ إلَيْهِ. وقَدِ انْشَقَّتْ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ سَألَهُ رَدَّها إلى مَوْضِعِها فالتَأمَتْ وعادَتْ، فالتَمَسَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَدَلّا عَلَيْهِ أنَّهُ خَرَجَ إلى وادِ أُضْمٍ حَيْثُ رُكانَةُ، فَسارا نَحْوَهُ واجْتَمَعا بِهِ، وذَكَرا أنَّهُما خافا الفَتْكَ مِن رُكانَةَ، فَأخْبَرَهُما خَبَرَهُ مَعَهُ وضَحِكَ، وقَرَأ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾» . وهَذا وما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِمَكَّةَ أوْ في ذاتِ الرِّقاعِ، والصَّحِيحُ أنَّها «نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ والرَّسُولُ بِها مُقِيمٌ شَهْرًا، وحَرَسَهُ سَعْدٌ وحُذَيْفَةُ، فَنامَ حَتّى غَطَّ، فَنَزَلَتْ، فَأخْرَجَ إلَيْهِما رَأْسَهُ مِن قُبَّةٍ آدَمَ وقالَ: (انْصَرِفُوا أيُّها النّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ لا أُبالِي مَن نَصَرَنِي ومَن خَذَلَنِي») وأصْلُ هَذا الحَدِيثِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: وأمّا شَجُّ جَبِينِهِ وكَسْرُ رُباعِيَّتِهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَقِيلَ: الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ، فَأمّا إنْ كانَتْ قَبْلَهُ فَلَمْ تَتَضَمَّنِ العِصْمَةُ هَذا الِابْتِلاءَ ونَحْوَهُ مِن أذى الكُفّارِ بِالقَوْلِ، بَلْ تَضَمَّنَتِ العِصْمَةَ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، وأمّا مِثْلُ هَذِهِ فِيها الِابْتِلاءُ الَّذِي فِيهِ رَفْعُ الدَّرَجاتِ واحْتِمالُ كُلِّ الأذى دُونَ النَّفْسِ في ذاتِ اللَّهِ، وابْتِلاءُ الأنْبِياءِ أشَدُّ، وما أعْظَمَ تَكْلِيفَهم. وأتى بِلَفْظِ يَعْصِمُكَ لِأنَّ المُضارِعَ يَدُلُّ عَلى الدَّيْمُومَةِ والِاسْتِمْرارِ، والنّاسُ: عامٌّ يُرادُ بِهِ الكُفّارُ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الإخْبارَ بِمُغَيَّبٍ ووُجِدَ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ أحَدٌ بِقَتْلٍ ولا أسْرٍ مَعَ قَصْدِ الَأعْداءِ لَهُ مُغالَبَةً واغْتِيالًا. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إخْبارُهُ بِذَلِكَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وكَذا جَمِيعُ ما أخْبَرَ بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ لا الهِدايَةُ، فَمَن قَضَيْتُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والمُوافاةِ عَلَيْهِ لا يَهْتَدِي أبَدًا، فَيَكُونُ خاصًّا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمّا عَلى العُمُومِ عَلى أنْ لا هِدايَةَ في الكُفْرِ، ولا يَهْدِي اللَّهُ الكافِرَ في سَبِيلِ كُفْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ إنْزالَهُ، بَلْ مِنَ الهَلاكِ. انْتَهى. وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ لا يُعِينُهم عَلى بُلُوغِ غَرَضِهِمْ مِنكَ. وقِيلَ: المَعْنى لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ. والظّاهِرُ مِنَ الهِدايَةِ إذا أُطْلِقَتْ ما فَسَّرْناها بِهِ أوَّلًا.
5:68Page 119
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلُ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ «قالَ رافِعُ بْنُ سَلّامِ بْنِ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ (p-٥٣١)حُرَيْمَلَةَ»: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وأنَّكَ تُؤْمِنُ بِالتَّوْراةِ ونُبُوَّةِ مُوسى، وأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ ؟ قالَ: ”بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وغَيَّرْتُمْ وكَتَمْتُمْ“ فَقالُوا: إنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا فَإنَّهُ الحَقُّ، ولا نُصَدِّقُكَ، ولا نَتَّبِعُكَ فَنَزَلَتْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وما أُنْزِلَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ونَفْيُ أنْ يَكُونُوا عَلى شَيْءٍ جَعَلَ ما هم عَلَيْهِ عَدَمًا صِرْفًا لِفَسادِهِ وبُطْلانِهِ فَنَفاهُ مِن أصْلِهِ، أوْ لا حَظَّ فِيهِ، صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ؛ أيْ: عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، فَيَتَوَجَّهُ النَّفْيُ إلى الصِّفَةِ دُونَ المَوْصُوفِ.
﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ.
﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ. فَأقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِعَدَمِ التَّأسُّفِ، أوْ هو عامٌّ فَيَنْدَرِجُونَ فِيهِ. وقِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ﴾ جَمَعَ في الضَّمِيرِ، والمَقْصُودُ التَّفْصِيلُ؛ أيْ: حَتّى يُقِيمَ أهْلُ التَّوْراةِ التَّوْراةَ، ويُقِيمَ أهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ، ولا يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ أُرِيدَ ما في الكِتابَيْنِ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَإنَّ الشَّرائِعَ فِيهِ مُتَساوِيَةٌ.
5:69Page 119
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩
Indeed, those who have believed [in Prophet Muḥammad (ﷺ)] and those [before him (ﷺ)] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.1
﴿إنِ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ عُثْمانُ، وأُبَيٌّ، وعائِشَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ: والصّابِئِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ: والصّابِيُونَ؛ بِكَسْرِ الباءِ وضَمِّ الياءِ، وهو مِن تَخْفِيفِ الهَمْزِ كَقِراءَةِ: يَسْتَهْزِئُونَ؛ وقَرَأ القُرّاءُ السَّبْعَةُ: والصّابِئُونَ؛ بِالرَّفْعِ، وعَلَيْهِ مَصاحِفُ الأمْصارِ، والجُمْهُورُ. وفي تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ ونُحاةِ البَصْرَةِ: أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وهو مَنَوِيٌّ بِهِ التَّأْخِيرُ، ونَظِيرُهُ: إنَّ زَيْدًا وعَمْرٌو قائِمٌ؛ التَّقْدِيرُ: وإنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو قائِمٌ، فَحُذِفَ خَبَرُ عَمْرٍو لِدَلالَةِ خَبَرِ إنَّ عَلَيْهِ، والنِّيَّةُ بِقَوْلِهِ: وعَمْرٌو، التَّأْخِيرُ. ويَكُونُ عَمْرٌو قائِمٌ بِخَبَرِهِ هَذا المُقَدَّرِ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ مِن إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وكِلاهُما لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ لِأنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ إنَّ كانَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ. أمّا الكِسائِيُّ فَإنَّهُ أجازَ رَفْعَ المَعْطُوفِ عَلى المَوْضِعِ سَواءٌ كانَ الِاسْمُ مِمّا خَفِيَ فِيهِ الإعْرابُ، أوْ مِمّا ظَهَرَ فِيهِ. وأمّا الفَرّاءُ فَإنَّهُ أجازَ ذَلِكَ بِشَرْطِ خَفاءِ الإعْرابِ. واسْمُ إنَّ هُنا خَفِيَ فِيهِ الإعْرابُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في هادُوا؛ ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. ورُدَّ بِأنَّ العَطْفَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أنَّ الصّابِئِينَ تَهَوَّدُوا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ إنَّ بِمَعْنى نَعَمْ، حَرْفُ جَوابٍ، وما بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ فَيَكُونُ والصّابِئُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المَرْفُوعِ، وهَذا ضَعِيفٌ. لِأنَّ ثُبُوتَ أنَّ بِمَعْنى نَعَمْ فِيهِ خِلافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ، وعَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ ذَلِكَ مِن لِسانِ العَرَبِ فَتَحْتاجُ إلى شَيْءٍ يَتَقَدَّمُها يَكُونُ تَصْدِيقًا لَهُ، ولا تَجِيءُ ابْتِدائِيَّةً أوَّلَ الكَلامِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِكَلامٍ سابِقٍ. وقَدْ أطالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَقْدِيرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ونُصْرَتِهِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وأوْرَدَ أسْئِلَةً وجَواباتٍ في الآيَةِ إعْرابِيَّةً تَقَدَّمَ نَظِيرُها في البَقَرَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادَوْا والصّابِئُونَ.
5:70Page 119
لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠
We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.
﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِما صَدَرَ مِن أسْلافِ اليَهُودِ مِن نَقْضِ المِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الجَرائِمِ العِظامِ مِن تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وقَتْلِ بَعْضِهِمْ، والَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ (p-٥٣٢)الرَّسُولِ هم أخْلافُ أُولَئِكَ، فَغَيْرُ بِدْعٍ ما يَصْدُرُ مِنهم لِلرَّسُولِ مِنَ الأذى والعِصْيانِ، إذْ ذاكَ شِنْشِنَةٌ مِن أسْلافِهِمْ.
﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في البَقَرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا: (فَإنْ قُلْتَ): أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ فَإنَّ قَوْلَهُ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ نابَ عَنِ الجَوابِ، لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، ولِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: إنْ أكْرَمْتَ أخِي أخاكَ أكْرَمْتُ. (قُلْتُ): هو مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا (p-٥٣٣)يَقْتُلُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم ناصَبُوهُ. وقَوْلُهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا، جَوابٌ مُسْتَأْنَفٌ لِسُؤالِ قائِلٍ: كَيْفَ فَعَلُوا بِرُسُلِهِمْ ؟ . انْتَهى. قَوْلُهُ: فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ سَمّى قَوْلَهُ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ - شَرْطًا ولَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ كُلَّ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ لِإضافَتِها إلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيها هو ما يَأْتِي بَعْدَ ما المَذْكُورَةِ وصِلَتِها مِنَ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهُمْ﴾ [النساء: ٥٦] ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها﴾ [الملك: ٨] وأجْمَعَتِ العَرَبُ عَلى أنَّهُ لا يُجْزَمُ بِكُلَّما، وعَلى تَسْلِيمِ تَسْمِيَتِهِ شَرْطًا فَذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا يَنْبُو عَنِ الجَوابِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ الرَّسُولَ في هَذا التَّرْكِيبِ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ، بَلِ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ وأيُّ نَجْمٍ طَلَعَ، وإذا كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ انْقَسَمَ إلى الفَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ كُذِّبَ، وفَرِيقٌ قُتِلَ. والوَجْهُ الثّانِي قَوْلُه: ولِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ إنْ أكْرَمْتَ أخِي أخاكَ أكْرَمْتُ، يَعْنِي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَنصُوبِ فِعْلٍ لِلْجَوابِ عَلَيْهِ. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ، بَلْ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ والكِسائِيِّ أنَّ ذاكَ جائِزٌ حَسَنٌ، ولَمْ يَمْنَعْهُ إلّا الفَرّاءُ وحْدَهُ، وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّ كُلَّما شَرْطٌ، وإلّا فَلا يَلْزَمُ أنْ يَعْتَذِرَ بِهَذا، بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَنصُوبِ الفِعْلِ العامِلِ في كُلَّما عَلَيْهِ. فَتَقُولُ في كُلَّما جِئْتَنِي أخاكَ أكْرَمْتُ، وعُمُومُ نُصُوصِ النَّحْوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهم حِينَ حَصَرُوا ما يَجِبُ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ بِهِ عَلى العامِلِ وما يَجِبُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ قالُوا: وما سِوى ذَلِكَ يَجُوزُ فِيهِ التَّقْدِيمُ عَلى العامِلِ والتَّأْخِيرُ عَنْهُ، ولَمْ يَسْتَثْنُوا هَذِهِ الصُّورَةَ، ولا ذَكَرُوا فِيها خِلافًا. فَعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَكُونُ العامِلُ في كُلَّما قَوْلُهُ: كَذَّبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ ولا يَكُونُ مَحْذُوفًا. وقالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: كُلَّما ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ كَذَّبُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: كَذَّبُوا جَوابُ كُلَّما. انْتَهى. وجاءَ بِلَفْظِ يَقْتُلُونَ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ، واسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الحالِ الشَّنِيعَةِ لِلتَّعَجُّبِ مِنها؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويُحَسِّنُ مَجِيئُهُ أيْضًا كَوْنُهُ رَأْسَ آيَةٍ؛ والمَعْنى: أنَّهم يُكَذِّبُونَ فَرِيقًا فَقَطْ، وقَتَلُوا فَرِيقًا ولا يَقْتُلُونَهُ إلّا مَعَ التَّكْذِيبِ، فاكْتَفى بِذِكْرِ القَتْلِ عَنْ ذِكْرِ التَّكْذِيبِ؛ أيِ: اقْتَصَرَ ناسٌ عَلى تَكْذِيبِ فَرِيقٍ، وزادَ ناسٌ عَلى التَّكْذِيبِ القَتْلَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences