Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:103–110
6:103–110Page 141
لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٠٣
Vision perceives Him not,1 but He perceives [all] vision; and He is the Subtle,2 the Aware.3
قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ١٠٤
There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."1
وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١٠٥
And thus do We diversify the verses so they [i.e., the disbelievers] will say, "You have studied,"1 and so We may make it [i.e., the Qur’ān] clear for a people who know.
ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٦
Follow, [O Muḥammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allāh.
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧
But if Allāh had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.1
وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٠٨
And do not insult those they invoke other than Allāh, lest they insult Allāh in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.
وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩
And they swear by Allāh their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with [i.e., from] Allāh." And what will make you perceive that even if it [i.e., a sign] came, they would not believe.
وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠
And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ.
﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ (p-١٩٦)الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ.
﴿وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ يَلْطُفُ عَنْ أنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ، الخَبِيرُ بِكُلِّ لَطِيفٍ ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، لا تَلْطُفُ عَنْ إدْراكِهِ، وهَذا مِن بابِ اللَّفِّ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وتَظافَرَتِ الأخْبارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ في الآخِرَةِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الدُّنْيا بِبَصَرِهِ لَيْلَةَ المِعْراجِ ؟ فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ والفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ إلى إنْكارِ ذَلِكَ، قالَتْ عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو هُرَيْرَةَ عَلى خِلافٍ عَنْهُما بِذَلِكَ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وكَعْبٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ إلى أنَّهُ رَآهُ بِبَصَرِهِ وعَيْنَيْ رَأْسِهِ، ورَوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، والأوَّلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أشْهَرُ، وقِيلَ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ مَعْناهُ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وخَصَّ الأبْصارَ لِتَجْنِيسِ الكَلامِ يَعْنِي المُقابَلَةَ، وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ لا يُدْرِكُونَ الأبْصارَ أيْ لا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ حَقِيقَةِ البَصَرِ الَّذِي صارَ بِهِ الإنْسانُ مُبْصِرًا مِن عَيْنَيْهِ دُونَ أنْ يُبْصِرَ مِن غَيْرِهِما مِن سائِرِ أعْضائِهِ.
﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، قالَ أبُو العالِيَةِ: لَطِيفٌ بِاسْتِخْراجِ الأشْياءِ، خَبِيرٌ بِأماكِنِها.
﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ هَذا وارِدٌ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ لِقَوْلِهِ آخِرَهُ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾، والبَصِيرَةُ نُورُ القَلْبِ الَّذِي يُسْتَبْصَرُ بِهِ، كَما أنَّ البَصَرَ نُورُ العَيْنِ الَّذِي بِهِ تُبْصِرُ، أيْ: جاءَكم مِنَ الوَحْيِ والتَّنْبِيهِ بِما يَجُوزُ عَلى اللَّهِ - تَعالى - وما لا يَجُوزُ ما هو لِلْقُلُوبِ كالبَصائِرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: البَصِيرَةُ هي ما يَنْقُبُ عَنْ تَحْصِيلِ العَقْلِ لِلْأشْياءِ المَنظُورِ فِيها بِالِاعْتِبارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جاءَكم في القُرْآنِ والآياتِ طَرائِقُ إبْصارِ الحَقِّ والمُعِينَةِ عَلَيْهِ، والبَصِيرَةُ لِلْقَلْبِ مُسْتَعارَةٌ مِن إبْصارِ العَيْنِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: البَصِيرَةُ الحُجَّةُ البَيِّنَةُ الظّاهِرَةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، وقالَ الكَلْبِيُّ: البَصائِرُ آياتُ القُرْآنِ الَّتِي فِيها الإيضاحُ والبَيِّناتُ والتَّنْبِيهُ عَلى ما يَجُوزُ عَلَيْهِ وعَلى ما يَسْتَحِيلُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَصائِرِ مَجازٌ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها، إذْ كانَتْ بِمَنزِلَةِ الغائِبِ المُتَوَقَّعِ حُضُورُهُ، كَما يُقالُ: جاءَتِ العافِيَةُ.
﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: فالإبْصارُ لِنَفْسِهِ، أيْ: نَفْعُهُ وثَمَرَتُهُ.
﴿ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ أيْ: فالعَمى عَلَيْها، أيْ: فَجَدْوى العَمى عائِدٌ عَلى نَفْسِهِ، والإبْصارُ والعَمى كِنايَتانِ عَنِ الهُدى والضَّلالِ، والمَعْنى: أنَّ ثَمَرَةَ الهُدى والضَّلالِ إنَّما هي لِلْمُهْتَدِي والضّالِّ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، وهي مِنَ الكِناياتِ الحَسَنَةِ، لَمّا ذَكَرَ البَصائِرَ أعْقَبَها تَعالى بِالإبْصارِ والعَمى، وهَذِهِ مُطابَقَةٌ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ الحَقَّ وآمَنَ (فَلِنَفْسِهِ) أبْصَرَ وإيّاها نَفَعَ، ﴿ومَن عَمِيَ﴾ عَنْهُ فَعَلى نَفْسِهِ عَمِيَ، والَّذِي قَدَّرْناهُ مِنَ المَصْدَرِ أوْلى وهو فالإبْصارُ والعَمى لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ المَحْذُوفَ يَكُونُ مُفْرَدًا لا جُمْلَةً، ويَكُونُ الجارُّ والمَجْرُورُ عُمْدَةً لا فَضْلَةً، وفي تَقْدِيرِهِ هو: المَحْذُوفُ جُمْلَةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ فَضْلَةٌ، والثّانِي وهو أقْوى، وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْدِيرُ فِعْلًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ سَواءٌ كانَتْ (مَن) شَرْطًا أمْ مَوْصُولَةً مُشَبَّهَةً (p-١٩٧)بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الماضِيَ إذا لَمْ يَكُنْ دُعاءً ولا جامِدًا ووَقَعَ جَوابَ شَرْطٍ أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُشَبَّهٍ بِاسْمِ الشَّرْطِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في جَوابِ الشَّرْطِ ولا في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، لَوْ قُلْتُ: مَن جاءَنِي فَأكْرَمْتُهُ، لَمْ يَجُزْ بِخِلافِ تَقْدِيرِنا، فَإنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في الشِّعْرِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: البَصِيرَةُ اسْمُ الإدْراكِ التّامِّ الحاصِلِ في القَلْبِ، والآياتُ المُتَقَدِّمَةُ لَيْسَتْ في أنْفُسِها بَصائِرَ، إلّا أنَّها لِقُوَّتِها وجَلائِها تُوجِبُ البَصائِرَ لِمَن عَرَفَها، فَلَمّا كانَتْ أسْبابًا لِحُصُولِ البَصائِرِ سُمِّيَتْ بَصائِرَ.
﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أيْ: بِرَقِيبٍ أحْصُرُ أعْمالَكم، أوْ بِوَكِيلٍ آخُذُكم بِالإيمانِ، أوْ بِحافِظِكم مِن عَذابِ اللَّهِ، أوْ بِرَبٍّ أُجازِيكم، أوْ بِشاهِدٍ، أقْوالٌ، رابِعُها لِلْحَسَنِ وخامِسُها لِلزَّجّاجِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِحَفِيظٍ) أحْفَظُ أعْمالَكم وأُجازِيكم عَلَيْها، إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ هو الحَفِيظُ عَلَيْكم. انْتَهى. وهو بَسْطُ قَوْلِ الحَسَنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَ قَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ حَفِيظًا عَلى العالَمِ آخِذًا لَهم بِالإسْلامِ والسَّيْفِ.
﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ: ومِثْلَ ما بَيَّنّا تِلْكَ الآياتِ الَّتِي هي بَصائِرُ وصَرَّفْناها نُصَرِّفُ الآياتِ ونَرْدُدُها عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ يَعْنِي أهْلُ مَكَّةَ حِينَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: دارَسْتَ، أيْ: دارَسْتَ يا مُحَمَّدُ غَيْرَكَ في هَذِهِ الأشْياءِ، أيْ: قارَأْتَهُ وناظَرْتَهُ، إشارَةً مِنهم إلى سَلْمانَ وغَيْرِهِ مِنَ الأعاجِمِ واليَهُودِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وجَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَّبْعَةِ: (دَرَسَتْ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُضْمَرًا فِيهِ، أيْ: دَرَسَتِ الآياتُ، أيْ: تَرَدَّدَتْ عَلى أسْماعِهِمْ حَتّى بَلِيَتْ وقَدِمَتْ في نُفُوسِهِمْ وأمْحَتْ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (دَرَسْتَ) يا مُحَمَّدُ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ ما تَجِيئُنا بِهِ، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥]، وقالَ الضَّحّاكُ: (دَرَسْتَ): قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ مِن أبِي فَكِيهَةَ وجَبْرٍ ويَسارٍ، وقُرِئَ: (دَرَّسْتَ) بِالتَّشْدِيدِ والخِطابِ، أيْ: دَرَّسْتَ الكُتُبَ القَدِيمَةَ، وقُرِئَ: دُرِّسْتَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ المُخاطَبِ، وقُرِئَ: (دُورِسْتَ) بِالتَّخْفِيفِ والواوِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والواوُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الألْفِ في دارَسْتَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: دارَسْتَ، أيْ: دارَسَتْكَ الجَماعَةُ الَّذِينَ تَتَعَلَّمُ مِنهم، وجازَ الإضْمارُ؛ لِأنَّ الشُّهْرَةَ بِالدِّراسَةِ كانَتْ لِلْيَهُودِ عِنْدَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ لِلْآياتِ وهو لِأهْلِها أيْ: دارَسَ أهْلَ الآياتِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (دُرِسَتْ) بِضَمِّ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى غائِبٍ، مُبالَغَةً في دَرَسَتْ أيِ: اشْتَدَّ دُرُوسُها وبِلاها، وقَرَأ قَتادَةُ والحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (دُرِسَتْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وفِيهِ ضَمِيرُ الآياتِ غائِبًا، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ عُفِيَتْ أوْ تُلِيَتْ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: بِمَعْنى قُرِئَتْ أوْ عُفِيَتْ، أمّا بِمَعْنى قُرِئَتْ فَظاهِرٌ لِأنَّ دَرَسَ بِمَعْنى كَرَّرَ القِراءَةَ مُتَعَدٍّ، وأمّا دَرَسَ بِمَعْنى بَلِيَ وأُمْحِيَ فَلا أحْفَظُهُ مُتَعَدِّيًا، وما وجَدْناهُ في أشْعارِ مِن وقَفْنا عَلى شِعْرِهِ مِنَ العَرَبِ إلّا لازَما، وقَرَأ أُبَيٌّ: دَرَسَ أيْ مُحَمَّدٌ أوِ الكِتابُ، وهي مُصْحَفُ عَبْدِ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: دَرَسْنَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى النُّونِ أيْ دَرَسَ الآياتُ، وكَذا هي في بَعْضِ مَصاحِفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: دَرَّسْنَ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مُبالَغَةً في دَرَسْنَ، وقُرِئَ: دارِساتٌ أيْ هي قَدِيماتٌ أوْ ذاتُ دَرْسٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، فَهَذِهِ ثَلاثَ عَشْرَ قِراءَةً في هَذِهِ الكَلِمَةِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ: (ولْيَقُولُوا) بِسُكُونِ اللّامِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها، وقالُوا: هَذِهِ اللّامُ هي الَّتِي تُضْمَرُ أنْ بَعْدَها، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنِ المُضْمَرَةِ. (p-١٩٨)قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى أنَّها لامُ كَيْ، وهي عَلى هَذا لامُ الصَّيْرُورَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: لِما صارَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولِيَقُولُوا) جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَقُولُوا دارَسْتَ تَصَرُّفَها، (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ اللّامَيْنِ في (لِيَقُولُوا) و(لِنُبَيِّنَهُ) ؟ (قُلْتُ): الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الأُولى مَجازٌ والثّانِيَةَ حَقِيقَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الآياتِ صُرِّفَتْ لِلتَّبْيِينِ ولَمْ تُصَرَّفْ لِيَقُولُوا دارَسْتَ، ولَكِنَّهُ لِأنَّهُ حَصَلَ هَذا القَوْلُ بِتَصْرِيفِ الآياتِ كَما حَصَلَ التَّبْيِينُ شُبِّهَ بِهِ فَسِيقَ مَساقَهُ، وقِيلَ: (لِيَقُولُوا) كَما قِيلَ: (لِنُبَيِّنَهُ) . انْتَهى. وتَسْمِيَتُهُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلَهُ ”لِيَقُولُوا“ جَوابًا اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ومِثْلُ هَذا لا يُسَمّى جَوابًا، لا تَقُولُ: في جِئْتُ مِن قَوْلِكَ: جِئْتُ لِتَقُومَ، أنَّهُ جَوابٌ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَخْرِيجِ (لِيَقُولُوا) عَلَيْهِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَن أنْكَرَ لامَ الصَّيْرُورَةِ وهي الَّتِي تُسَمّى أيْضًا لامَ العاقِبَةِ والمَآلِ، وهو أنَّهُ لَمّا تَرَتَّبَ عَلى التِقاطِهِ كَوْنُهُ صارَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، جُعِلَ كَأنَّهُ عِلَّةٌ لِالتِقاطِهِ، فَهو عِلَّةٌ مَجازِيَّةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: واللّامُ في (لِيَقُولُوا) عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ومَن وافَقَهُ بِمَعْنى لِئَلّا يَقُولُوا، أيْ: صُرِّفَ الآياتُ وأُحْكِمَتْ لِئَلّا يَقُولُوا هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ قَدِيمَةٌ قَدْ تُلِيَتْ وتَكَرَّرَتْ عَلى الأسْماعِ، واللّامُ عَلى سائِرِ القِراءاتِ لامُ الصَّيْرُورَةِ، وما أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ مِن إضْمارِ لا بَعْدَ اللّامِ المُضْمَرِ بَعْدَها أنْ هو مَذْهَبٌ لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لِئَلّا يَقُولُوا، كَما أضْمَرُوها بَعْدَ أنِ المُظْهِرَةِ في قَوْلِهِ: ”أنْ تَضِلُّوا“، ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ إضْمارَ لا إلّا في القَسَمِ عَلى ما تَبَيَّنَ فِيهِ، وقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ حَقِيقَةً، فَقالَ: المَعْنى تَصْرِيفُ هَذِهِ الدَّلائِلِ حالًا بَعْدَ حالٍ لِيَقُولَ بَعْضُهم دارَسْتَ فَيَزْدادُوا كُفْرًا عَلى كُفْرٍ، وتَنْبِيهٌ لِبَعْضِهِمْ فَيَزْدادُوا إيمانًا عَلى إيمانٍ، ونَظِيرُهُ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ولا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَهُ المُعْرِبُونَ والمُفَسِّرُونَ مِن أنَّ اللّامَ في (ولِيَقُولُوا) لامُ كَيْ أوْ لامُ الصَّيْرُورَةِ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّها لامُ الأمْرِ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِها لا مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن سَكَّنَ اللّامَ، والمَعْنى عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِثْلَ ذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا هم ما يَقُولُونَ مِن كَوْنِكَ دَرَسْتَها وتَعَلَّمَتْها، أوْ دَرَسَتْ هي أيْ بَلِيَتْ وقَدُمَتْ، فَإنَّهُ لا يَحْفُلُ بِهِمْ ولا يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِمْ، وهو أمْرٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ بِالتَّهْدِيدِ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِما يَقُولُونَ في الآياتِ، أيْ نُصَرِّفُها لِيَدَّعُوا فِيها ما شاءُوا فَلا اكْتِراثَ بِدَعْواهم.
﴿ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: نُصَرِّفُ الآياتِ، وأعادَ الضَّمِيرَ مُفْرَدًا، قالُوا: عَلى مَعْنى الآياتِ لِأنَّها القُرْآنُ، كَأنَّهُ قالَ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ القُرْآنَ أوْ عَلى القُرْآنِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الآياتُ أوْ دَرَسْتَ أوْ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن (ولِنُبَيِّنَهُ) أيْ: ولِنُبَيِّنَ التَّبْيِينَ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ زَيْدًا، إذا أرَدْتَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَ زَيْدًا، أوْ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مَن نُصَرِّفُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (لِقَوْمٍ) يُرِيدُ أوْلِياءَ الَّذِينَ هَداهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ.
﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَتَّبِعَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وبِأنْ يُعْرِضَ عَنْ مِن أشْرَكَ، والأمْرُ بِالإعْراضِ عَنْهم كانَ قَبْلَ نَسْخِهِ بِالقِتالِ والسَّوْقِ إلى الدِّينِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، والجُمْلَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ اعْتِراضٌ أكَّدَ بِهِ وُجُوبَ اتِّباعِ المُوحى، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ: إنَّ إشْراكَهم لَيْسَ في الحَقِيقَةِ بِمَشِيئَتِهِمْ وإنَّما هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعالى - وظاهِرُ الآيَةِ يَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ ويَتَأوَّلُونَها عَلى مَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ.
﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: رَقِيبًا تَحْفَظُهم مِنَ الإشْراكِ.
﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: بِمُسَلَّطٍ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَتانِ مُتَقارِبَتانِ في المَعْنى، إلّا أنَّ الأُولى فِيها نَفْيُ جَعْلِ الحِفْظِ مِنهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِمْ، والثّانِيَةُ فِيها نَفْيُ الوِكالَةِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: أنّا لَمْ نُسَلِّطْكَ ولا أنْتَ في ذاتِكَ بِمُسَلَّطٍ، فَناسَبَ أنْ تُعْرِضَ عَنْهم إذْ لَسْتَ مَأْمُورًا مِنّا بِأنْ تَكُونَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ، ولا أنْتَ وكِيلٌ (p-١٩٩)عَلَيْهِمْ مِن تِلْقائِكَ.
﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِأبِي طالِبٍ: إمّا أنْ يَنْتَهِيَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا والغَضِّ مِنها، وإمّا أنْ نَسُبَّ إلَهَهُ ونَهْجُوَهُ، فَنَزَلَتْ» . وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ آلِهَتَهم فَنُهُوا لِئَلّا يَكُونَ سَبُّهم سَبَبًا لِسَبِّ اللَّهِ - تَعالى - وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةَ باقٍ في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإذا كانَ الكافِرُ في مَنَعَةٍ، وخِيفَ أنْ يُسَبَّ الإسْلامُ أوِ الرَّسُولُ أوِ اللَّهُ، فَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ ذَمُّ دِينِ الكافِرِ ولا صَنَمِهِ ولا صَلِيبِهِ ولا يَتَعَرَّضُ إلى ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، ولَمّا أمَرَ تَعالى بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وبِمُوادَعَةِ المُشْرِكِينَ عَدَلَ عَنْ خِطابِهِ إلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ، فَنُهُوا عَنْ سَبِّ أصْنامِ المُشْرِكِينَ، ولَمْ يُواجَهْ هو ﷺ بِالخِطابِ وإنْ كانَ هو الَّذِي سُبَّتِ الأصْنامُ عَلى لِسانِهِ، وأصْحابُهُ تابِعُونَ لَهُ في ذَلِكَ، لِما في مُواجَهَتِهِ وحْدَهُ بِالنَّهْيِ مِن خِلافِ ما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الأخْلاقِ الكَرِيمَةِ، إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحّاشًا ولا صَخّابًا ولا سَبّابًا، فَلِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقِيلَ: ﴿ولا تَسُبُّوا﴾، ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ: ولا تَسُبَّ، كَما جاءَ (وأعْرِضْ)، وإذا كانَتِ الطّاعَةُ تُؤَدِّي إلى مَفْسَدَةٍ خَرَجَتْ عَنْ أنْ تَكُونَ طاعَةً، فَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْها كَما يُنْهى عَنِ المَعْصِيَةِ، و﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ هُمُ الأصْنامُ، أيْ: يَدْعُونَهُمُ المُشْرِكُونَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ وهي لا تَعْقِلُ بِالَّذِينِ كَما يُعَبَّرُ عَنِ العاقِلِ، عَلى مُعامَلَةِ ما لا يَعْقِلُ مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، إذْ كانُوا يُنْزِلُونَهم مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ في عِبادَتِهِمْ واعْتِقادِهِمْ فِيهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الكُفّارُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى سَبِّ اللَّهِ إذا سَبَّ آلِهَتَهم وإنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِاللَّهِ - تَعالى - لَكِنْ يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ انْتِصارُهم لِآلِهَتِهِمْ وشَدَّةُ غَيْظِهِمْ لِأجْلِها، فَيَخْرُجُونَ عَنْ الِاعْتِدالِ إلى ما يُنافِي العَقْلَ، كَما يَقَعُ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ وانْحَرَفَ، فَإنَّهُ قَدْ يَلْفِظُ بِما يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: رُبَّما كانَ بَعْضُهم قائِلًا بِالدَّهْرِ ونَفْيِ الصّانِعِ، فَكانَ يَأْتِي بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الشَّناعَةِ، أوْ كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ الأصْنامَ، وهم كانُوا يَسُبُّونَ الرَّسُولَ، فَأُجْرِيَ سَبُّ الرَّسُولِ مُجْرى سَبِّ اللَّهِ - تَعالى - كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وكَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، أوْ كانَ بَعْضُ الكَفَرَةِ يَعْتَقِدُ أنْ شَيْطانًا يَحْمِلُ الرَّسُولَ عَلى ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وكانُوا بِجَهْلِهِمْ يَشْتُمُونَ ذَلِكَ الشَّيْطانَ بِأنَّهُ إلَهُ مُحَمَّدٍ. انْتَهى. وهَذِهِ احْتِمالاتٌ مُخالِفَةٌ لِلظّاهِرِ، وإنَّما أوْرَدَها لِأنَّهُ ذَكَرَ أنَّ المُعْتَرِفِينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ لا يَجْسُرُونَ أنْ يُقْدِمُوا عَلى سَبِّهِ تَعالى، وقَدْ ذَكَرْنا ما يُحْمَلُ عَلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وقالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: بِمَعْنى خاطِبُوهم بِلِسانِ الحُجَّةِ وإلْزامِ الدَّلِيلِ ولا تُكَلِّمُوهم عَلى نَوازِعِ النَّفْسِ والعادَةِ، و(فَيَسُبُّوا) مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقِيلَ: هو مَجْزُومٌ عَلى العَطْفِ، كَقَوْلِكَ: (p-٢٠٠)لا تَمْدُدْها فَتَشْقُقْها، و(عَدْوًا) مَصْدَرُ عَدا، وكَذا عَدَوَ وعُدْوانٍ بِمَعْنى اعْتَدى أيْ ظَلَمَ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ ويَعْقُوبُ وسَلّامٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهو مَصْدَرٌ لِعَدا كَما ذَكَرْناهُ، وجَوَّزُوا فِيهِما انْتِصابَهُما عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ سَبَّ اللَّهِ عُدْوانٌ، أوْ عَلى المَفْعُولِ لَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ بَعْضُ المَكِّيِّينَ، وعَيَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ أيْ أعْداءً، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ، وعَدُوٌّ يُخْبَرُ بِهِ عَنِ الجَمْعِ، كَما قالَ: ”﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]“، ومَعْنى ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ عَلى جَهالَةٍ بِما يَجِبُ لِلَّهِ - تَعالى - أنْ يُذْكَرَ بِهِ، وهو بَيانٌ لِمَعْنى الِاعْتِداءِ.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ تَزْيِينِ عِبادَةِ الأصْنامِ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾، وظاهِرُ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ العُمُومُ في الأُمَمِ وفي العَمَلِ فِيهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، وتَزْيِينُهُ هو ما يَخْلُقُهُ ويَخْتَرِعُهُ في النُّفُوسِ مِنَ المَحَبَّةِ لِلْخَيْرِ أوِ الشَّرِّ والِاتِّباعِ لِطُرُقِهِ، وتَزْيِينُ الشَّيْطانِ هو ما يَقْذِفُهُ في النُّفُوسِ مِنَ الوَسْوَسَةِ وخَطَراتِ السُّوءِ، وخَصَّ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فَقالَ: مِن أُمَمِ الكُفّارِ سُوءُ عَمَلِهِمْ، أيْ: خَلَّيْناهم وشَأْنَهم ولَمْ نَكُفُّهم حَتّى حَسُنَ عِنْدَهم سُوءُ عَمَلِهِمْ، وأمْهَلْنا الشَّيْطانَ حَتّى زَيَّنَ لَهم أوْ زَيَّنّاهُ في زَعْمِهِمْ وقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِهَذا وزَيَّنَهُ لَنا. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: أيْ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ العَمَلَ الَّذِي أوْجَبْناهُ عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ (زَيَّنّا) بِمَعْنى شَرَعْنا، و﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ عامٌّ، والعَمَلُ خاصٌّ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى. وأنْكَرَ هَذا الزَّجّاجُ وقالَ: هو بِمَعْنى طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨] . انْتَهى. وما فَسَّرَ بِهِ الحَسَنُ قَدْ أوْضَحَهُ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ فَقالَ: المُرادُ بِتَزْيِينِ العَمَلِ تَزْيِينُ المَأْمُورِ بِهِ لا المَنهِيِّ عَنْهُ، ويُحْمَلُ عَلى الخُصُوصِ وإنْ كانَ عامًّا لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى تَناقُضِ النُّصُوصِ؛ لِأنَّهُ نُصَّ عَلى تَزْيِينِ اللَّهِ لِلْإيمانِ وتَكْرِيهِهِ لِلْكُفْرِ في قَوْلِهِ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ [الحجرات: ٧]، فَلَوْ دَخَلَ تَزْيِينُ الكُفْرِ في هَذِهِ الآيَةِ في المُرادِ لَوَجَبَ التَّناقُضُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ؛ ولِذَلِكَ أضافَ التَّزْيِينَ إلى الشَّيْطانِ بِقَوْلِهِ: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فَلا يَكُونُ اللَّهُ مُزَيِّنًا ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ، فَنَقُولُ: اللَّهُ يُزَيِّنُ ما يَأْمُرُ بِهِ، والشَّيْطانُ يُزَيِّنُ ما يَنْهى عَنْهُ، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ عَمَلًا بِجَمِيعِ النُّصُوصِ. انْتَهى. وأُجِيبَ بِأنْ لا تَناقُضَ لِاخْتِلافِ التَّزْيِينِ: تَزْيِينِ اللَّهِ بِالخَلْقِ لِلشَّهَواتِ، وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ بِالدُّعاءِ إلى المَعاصِي، فالآيَةُ عَلى عُمُومِها في كُلِّ أُمَّةٍ وفي عَمَلِهِمْ.
﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أمْرُهم مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ وهو عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِهِمْ، ومُنْقَلَبُهم يَوْمَ القِيامَةِ إلَيْهِ، فَيُجازى كُلٌّ بِمُقْتَضى عَمَلِهِ، وفي ذَلِكَ وعْدٌ جَمِيلٌ لِلْمُحْسِنِ ووَعِيدٌ لِلْمُسِيئِ.
﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ أيْ: آيَةٌ مِنِ اقْتِراحِهِمْ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: حَتّى تُنَزِّلَ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أنْزِلْها عَلَيْنا حَتّى نُؤْمِنَ بِها، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزِلْها عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: يَجْعَلُ الصَّفا ذَهَبًا، حَتّى ذَكَرُوا مُعْجِزَةَ مُوسى في الحَجَرِ، وعِيسى في إحْياءِ المَوْتى، وصالِحٍ في النّاقَةِ، فَقامَ الرَّسُولُ يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ (p-٢٠١)السَّلامُ - فَقالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا، فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ مُعاجَلَةً كَما فُعِلَ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، وإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم، فَقالَ: ”بَلْ حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم“، وإنَّما اقْتَرَحُوا آيَةً مُعَيَّنَةً لِأنَّهم شَكُّوا في القُرْآنِ، ولِهَذا قالُوا: دارَسْتَ أيِ العُلَماءَ وباحَثْتَ أهْلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وكابَرَ أكْثَرُهم وعانَدَ، والمَعْنى: أنَّهم حَلَفُوا غايَةَ حَلِفِهِمْ، وسُمِّيَ الحَلِفُ قَسَمًا لِأنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ انْقِسامِ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ، فَكَأنَّهُ يُقَوِّي القِسْمَ الَّذِي يَخْتارُهُ، قالَ التِّبْرِيزِيُّ: الإقْسامُ إفْعالٌ مِنَ القَسَمِ الَّذِي هو بِمَعْنى النَّصِيبِ والقِسْمَةِ، وكانَ إقْسامُهم بِاللَّهِ غايَةً في الحَلِفِ، وكانُوا يُقْسِمُونَ بِآبائِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، فَإذا كانَ الأمْرُ عَظِيمًا أقْسَمُوا بِاللَّهِ تَعالى. والجَهْدُ: بِفَتْحِ الجِيمِ المَشَقَّةُ، وبِضَمِّها الطّاقَةُ، ومِنهم مَن يَجْعَلُهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وانْتَصَبَ (جَهْدَ) عَلى المَصْدَرِ المَنصُوبِ بِـ (أقْسَمُوا) أيْ: أقْسَمُوا جَهْدَ إقْساماتِهِمْ، والأيْمانُ بِمَعْنى الإقْساماتِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ أشَدَّ الضَّرَباتِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (أقْسَمُوا) أيْ: مُجْتَهِدِينَ في أيْمانِهِمْ، وقالَ المُبَرِّدَ: مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ في المائِدَةِ، و﴿لَئِنْ جاءَتْهُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْهم لا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ إذْ لَوْ حُكِيَ قَوْلُهم لَكانَ: لَئِنْ جاءَتْنا آيَةٌ، وعامَلَ الإخْبارَ عَنِ القَسَمِ مُعامَلَةَ حِكايَةِ القَسَمِ بِلَفْظِ ما نَطَقَ بِهِ المُقْسِمُ، وأنَّهُ لا يُرادُ بِها مُطْلَقُ آيَةٍ، إذْ قَدْ جاءَتْهم آياتٌ كَثِيرَةٌ ولَكِنَّهم أرادُوا آيَةً مُقْتَرَحَةً، كَما ذَكَرْناهُ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ﴿لَيُؤْمَنَنْ بِها﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وبِالنُّونِ الخَفِيفَةِ.
﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هَذا أمَرٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وأنَّ مَجِيءَ الآياتِ لَيْسَ لِي إنَّما ذَلِكَ لِلَّهِ - تَعالى - وهو القادِرُ عَلَيْها يُنَزِّلُها عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ كَيْفَ شاءَ لِحِكْمَتِهِ، ولَيْسَتْ عِنْدِي فَتُقْتَرَحُ عَلَيَّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences