Abu HayyanAl‑An'am · 6:103–111

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:103–111, continued

﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامِيَّةٌ، ويَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرُ الفاعِلِ في (يُشْعِرُكم)، وقَرَأ قَوْمٌ بِسُكُونِ ضَمَّةِ الرّاءِ، وقُرِئَ بِاخْتِلاسِها، وأمّا الخِطابُ فَقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو لِلْكُفّارِ، وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: المُخاطَبُ بِها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والعَلِيمِيُّ والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ داوُدَ الإيادِيِّ أنَّها بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِفَتْحِها، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: (لا تُؤْمِنُونَ) بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ، فَتَرَتَّبَتْ أرْبَعُ قِراءاتٍ، الأُولى كَسْرُ الهَمْزَةِ والياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وأبِي بَكْرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ في كَسْرِ الهَمْزَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ واضِحَةٌ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ البَتَّةَ عَلى تَقْدِيرِ مَجِيءِ الآيَةِ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾، ومُتَعَلَّقُ (يُشْعِرُكم) مَحْذُوفٌ، أيْ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ ما يَكُونُ، فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ كانَ التَّقْدِيرُ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ ما يَكُونُ مِنكم، ثُمَّ أخْبَرَ عَلى جِهَةِ الِالتِفاتِ بِما عَلِمَهُ مِن حالِهِمْ لَوْ جاءَتْهُمُ الآياتُ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ كانَ التَّقْدِيرُ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ما يَكُونُ مِنهم، ثُمَّ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ. القِراءَةُ الثّانِيَةُ كَسْرُ الهَمْزَةِ والتّاءُ، وهي رِوايَةُ العَلِيمِيِّ والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ في هَذِهِ القِراءَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما يُدْرِيكم أيُّها الكُفّارُ ما يَكُونُ مِنكم، ثُمَّ أخْبَرَهم عَلى جِهَةِ الجَزْمِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عَلى تَقْدِيرِ مَجِيئِها، ويَبْعُدُ جِدًّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ في ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ”لا تُؤْمِنُونَ“ لِلْكُفّارِ. القِراءَةُ الثّالِثَةُ فَتْحُ الهَمْزَةِ والتّاءُ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ، فالظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: وما يُدْرِيكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنَّ الآيَةَ الَّتِي تَقْتَرِحُونَها إذا جاءَتْ (p-٢٠٢)لا يُؤْمِنُونَ بِها، يَعْنِي أنا أعْلَمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ بِذَلِكَ، وكانَ المُؤْمِنُونَ يَطْمَعُونَ في إيمانِهِمْ إذا جاءَتْ تِلْكَ الآيَةُ، ويَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها، فَقالَ: وما يُدْرِيكم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، عَلى مَعْنى أنَّكم لا تَدْرُونَ ما سَبَقَ عِلْمِي بِهِ مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ويَبْعُدُ جِدًّا أنَّ يَكُونَ الخِطابُ في ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ لِلْكُفّارِ، و(أنَّ) في هَذِهِ القِراءَةِ مَصْدَرِيَّةٌ ولا عَلى مَعْناها مِنَ النَّفْيِ، وجَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ (أنَّ) هُنا بِمَعْنى لَعَلَّ، وحُكِيَ مِن كَلامِهِمْ ذَلِكَ، قالُوا: إيتِ السُّوقَ إنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، يُرِيدُونَ: لَعَلَّكَ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎عُوجا عَلى الطَّلَلِ المُحِيلِ لِأنَّنا نَبْكِي الدِّيارَ كَما بَكى ابْنُ حَرامِ

وذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، و(لَعَلَّ) تَأْتِي كَثِيرًا في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ، قالَ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣]، ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: وما أدْراكم لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، وضَعَّفَ أبُو عَلِيٍّ هَذا القَوْلَ بِأنَّ التَّوَقُّعَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَعَلَّ) لا يُناسِبُ قِراءَةَ الكَسْرِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى حُكْمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ (أنَّها) مَعْمُولَةً لِـ (يُشْعِرُكم) بَلْ جَعَلَها عِلَّةً عَلى حَذْفِ لامِها، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، فَهو لا يَأْتِي بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ فَيَكُونُ نَظِيرَ ”وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ“ أيْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ. انْتَهى. ويَكُونُ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْلُولِ وعِلَّتِهِ، إذْ صارَ المَعْنى: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُقْتَرَحَةُ لا يَأْتِي بِها لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ، وجَعَلَ بَعْضُهم ”لا“ زائِدَةً فَيَكُونُ المَعْنى: وما يُدْرِيكم بِإيمانِهِمْ، كَما قالُوا: إذا جاءَتْ، وإنَّما جَعَلَها زائِدَةً لِأنَّها لَوْ بَقِيَتْ عَلى النَّفْيِ لَكانَ الكَلامُ عُذْرًا لِلْكَفّارِ وفَسَدَ المُرادُ بِالآيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: وضَعَّفَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ زِيادَةَ لا. انْتَهى قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ. والقائِلُ بِزِيادَةِ ”لا“ هو الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ مَعْناها لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ، قالَ: وهَذا الوَجْهُ أقْوى في العَرَبِيَّةِ، والَّذِي ذَكَرَ أنَّ ”لا“ لَغْوٌ غالِطٌ لِأنَّ ما كانَ لَغْوًا لا يَكُونُ غَيْرَ لَغْوٍ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ فالإجْماعُ عَلى أنَّ ”لا“ غَيْرُ لَغْوٍ، فَلَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مَرَّةً إيجابًا ومَرَّةً غَيْرَ ذَلِكَ في سِياقِ كَلامٍ واحِدٍ، وتَأوَّلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ يُخْرِجُ ”لا“ عَنِ الزِّيادَةِ وتَقْدِيرُهُ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أوْ يُؤْمِنُونَ، أيْ: ما يُدْرِيكم بِانْتِفاءِ الإيمانِ أوْ وُقُوعِهِ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ولا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى زِيادَةِ ”لا“، ولا إلى هَذا الإضْمارِ، ولا يَكُونُ (أنَّ) بِمَعْنى (لَعَلَّ) وهَذا كُلُّهُ خُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِفَرْضِهِ، بَلْ حَمْلُهُ عَلى الظّاهِرِ أوْلى، وهو واضِحٌ سائِغٌ كَما بَحَثْناهُ أوَّلًا، أيْ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ ويُدْرِيكم بِمَعْرِفَةِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ، لا سَبِيلَ لَكم إلى الشُّعُورِ بِها.

القِراءَةُ الرّابِعَةُ: فَتْحُ الهَمْزَةِ والتّاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، ويَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى زِيادَةِ ”لا“، أيْ: وما يُدْرِيكم أنَّكم تُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْ كَما أقْسَمْتُمْ عَلَيْهِ، وعَلى تَأْوِيلِ (أنَّ) بِمَعْنى لَعَلَّ، وكَوْنِ ”لا“ نَفْيًا، أيْ: وما يُدْرِيكم بِحالِهِمْ لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وكَذَلِكَ يَصِحُّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المَعْطُوفِ، أيْ: وما يُدْرِيكم بِانْتِفاءِ إيمانِكم إذا جاءَتْ أوْ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ مَآلَ أمْرِكم مُغَيَّبٌ عَنْكم، فَكَيْفَ تُقْسِمُونَ عَلى الإيمانِ إذا جاءَتْكُمُ الآيَةُ ؟ وكَذَلِكَ يَصِحُّ مَعْناها عَلى تَقْدِيرٍ، أيْ عَلى أنْ تَكُونَ أنَّها عِلَّةٌ، أيْ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَلا يَأْتِيكم بِها لِأنَّها ﴿إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وما يُشْعِرُكم بِأنَّكم تُؤْمِنُونَ، وأمّا عَلى إقْرارِ أنَّ (أنَّها) مَعْمُولَةٌ لِـ (يُشْعِرُكم) وبَقاءِ (لا) عَلى النَّفْيِ، فَيُشْكِلُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ أيُّها الكُفّارُ بِانْتِفاءِ إيمانِكم إذا جاءَتْكُمُ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ، والَّذِي يُناسِبُ صَدْرَ الآيَةِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ بِوُقُوعِ الإيمانِ مِنكم إذا جاءَتْ، وقَدْ يَصِحُّ أنْ (p-٢٠٣)يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وأيُّ شَيْءٍ يُشْعِرُكم بِانْتِفاءِ الإيمانِ إذا جاءَتْ، أيْ: لا يَقَعُ ذَلِكَ في خَواطِرِكم، بَلْ أنْتُمْ مُصَمِّمُونَ عَلى الإيمانِ إذا جاءَتْ، وأنا أعْلَمُ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ إذا جاءَتْ لِأنَّكم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِكم، وكَمْ آيَةٌ جاءَتْكم فَلَمْ تُؤْمِنُوا. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ نافِيَةٌ، والفاعِلُ بِـ (يُشْعِرُكم) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ويَتَكَلَّفُ مَعْنى الآيَةِ عَلى جَعْلِها نافِيَةً، سَواءٌ فُتِحَتْ (أنَّ) أمْ كُسِرَتْ. ومُتَعَلَّقُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ كَوْنُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وقَعَ فاصِلَةً، وتَقْدِيرُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِها. وقَدِ اتَّضَحَ مِن تَرْتِيبِ هَذِهِ القِراءاتِ الأرْبَعِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الإطْلاقِ ولا لِلْكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ، بَلِ الخِطابُ يَكُونُ عَلى ما يَصِحُّ بِهِ المَعْنى الَّذِي لِلْقِراءَةِ.

﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ونُقَلِّبُ) جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ، وهي إشارَةٌ إلى الحَيْرَةِ والتَّرَدُّدِ وصَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُحَوِّلُهم عَنِ الهُدى، ويَتْرُكُهم في الضَّلالِ والكُفْرِ، و(كَما) لِلتَّعْلِيلِ؛ أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ وقْتٍ جاءَهم هُدى اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ويُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى آخِرُ الآيَةِ: ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ نَتْرُكُهم في تَغَمُّطِهِمْ في الشَّرِّ، والإفْراطِ فِيهِ يَتَحَيَّرُونَ، وهَذا كُلُّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِفِعْلِهِ بِهِمْ في الدُّنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا الإخْبارُ هو عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ جاءَتِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها، صَنَعْنا بِهِمْ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم ونَذَرُهم، عَطْفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ داخِلٌ في حُكْمِ: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ بِمَعْنى: وما يُشْعِرُكم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم؛ أيْ فَنَطْبَعُ عَلى أبْصارِهِمْ وقُلُوبِهِمْ فَلا يَفْقَهُونَ ولا يُبْصِرُونَ الحَقَّ؛ كَما كانُوا عِنْدَ نُزُولِ آياتِنا أوَّلًا لا يُؤْمِنُونَ بِها؛ لِكَوْنِهِمْ وما يُشْعِرُكم أنّا نَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ؛ أيْ نُخَلِّيهِمْ وشَأْنَهم لا نَكُفُّهم ونَصْرِفُهم عَنِ الطُّغْيانِ حَتّى يَعْمَهُوا فِيهِ. انْتَهى. وهَذا مَعْنى ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، قالُوا: لَوْ أتَيْناهم بِآيَةٍ كَما سَألُوا لَقَلَبْنا أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم عَنِ الإيمانِ بِها وحُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى فَلَمْ يُؤْمِنُوا؛ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِما رَأوْا قَبْلَها عُقُوبَةً لَهم عَلى ذَلِكَ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ والَّذِي بَدَأْنا بِهِ أوَّلًا أنَّ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِما يَفْعَلُ بِهِمْ تَعالى في الدُّنْيا، وهَذا إخْبارٌ عَلى تَقْدِيرِ مَجِيءِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ، فَذَلِكَ واقِعٌ وهَذا غَيْرُ واقِعٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ المُقْتَرَحَةَ لَمْ تَقَعْ، فَلَمْ يَقَعْ ما رُتِّبَ عَلَيْها، وقالَ مُقاتِلٌ: نُقَلِّبُ أفْئِدَةَ هَؤُلاءِ وأبْصارَهم عَنِ الإيمانِ وعَنِ الآياتِ كَما لَمْ يُؤْمِن أوائِلُهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِما رَأوْا مِنَ الآياتِ وقِيلَ: تَقْلِيبُها بِإزْعاجِ نُفُوسِهِمْ هَمًّا وغَمًّا. وقالَ الكِرْمانِيُّ: مَعْناهُ أنّا نُحِيطُ عِلْمًا بِذاتِ الصُّدُورِ وخائِنَةِ الأعْيُنِ مِنهم. انْتَهى. ولا يَسْتَقِيمُ هَذا التَّفْسِيرُ لِقَوْلِهِ: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ لا عَلى التَّعْلِيلِ لا عَلى التَّشْبِيهِ إلّا إنْ جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ“ أيْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ فَيَصِحُّ عَلى بُعْدٍ في تَفْسِيرِ هَذا التَّقْلِيبِ بِإحاطَةِ العِلْمِ.

وقالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ أنّا لا نَفْعَلُ بِهِمْ ما نَفْعَلُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَوائِدِ والألْطافِ مِن حَيْثُ أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنِ الهِدايَةِ بِسَبَبِ الكُفْرِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِهِ الِاعْتِزالِيِّ.

ومَعْنى تَقْلِيبِ القَلْبِ والبَصَرِ ما يَنْشَأُ عَنِ القَلْبِ والبَصَرِ مِنَ الدَّواعِي إلى الحَيْرَةِ والضَّلالِ لِأنَّ القَلْبَ والبَصَرَ يَتَقَلَّبانِ بِأنْفُسِهِما فَنِسْبَةُ التَّقْلِيبِ إلَيْهِما مَجازٌ، وقُدِّمَتِ الأفْئِدَةُ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ هو القَلْبُ؛ فَإذا حَصَلَتِ الدّاعِيَةُ في القَلْبِ انْصَرَفَ البَصَرُ إلَيْهِ شاءَ أمْ أبى، وإذا حَصَلَتِ الصَّوارِفُ في القَلْبِ انْصَرَفَ البَصَرُ عَنْهُ، وإنْ كانَ تَحَدُّقُ النَّظَرِ إلَيْهِ ظاهِرًا، وهَذِهِ التَّفاسِيرُ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ إنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ أنَّ اللَّهِ تَعالى يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالِهِمْ (p-٢٠٤)فِي الآخِرَةِ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، والمَعْنى: لَوْ رُدُّوا لَحُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهم في الدُّنْيا. انْتَهى. وهَذا يَنْبُو عَنْهُ تَرْكِيبُ الكَلامِ وقِيلَ: تَقْلِيبُها في النّارِ في جَهَنَّمَ عَلى لَهِيبِها وجَمْرِها لِيُعَذَّبُوا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ يَعْنِي في الدُّنْيا، وقالَهُ الجُبّائِيُّ، وقالَ أبُو الهُذَيْلِ: تَقْلِيبُ أفْئِدَتِهِمْ بُلُوغُها الحَناجِرَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨]، وقِيلَ: تَقْلِيبُ أبْصارِهِمْ إلى الزُّرْقَةِ، وحَمْلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في الآخِرَةِ ضَعِيفٌ قَلِقُ النَّظْمِ؛ لِأنَّ التَّقْلِيبَ في الآخِرَةِ، وتَرْكَهم في الطُّغْيانِ في الدُّنْيا، فَيَخْتَلِفُ الظَّرْفانِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلى اخْتِلافِهِما، بَلِ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ كَما قَرَّرْناهُ أوَّلًا، والكافُ في (كَما) ذَكَرْنا أنَّها لِلتَّعْلِيلِ، وهو واضِحٌ فِيها، وإنْ كانَ اسْتِعْمالُها فِيهِ قَلِيلًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ (كَما) هي بِمَعْنى المُجازاةِ؛ أيْ: لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ نُجازِيهِمْ بِأنْ نُقَلِّبَ أفْئِدَتَهم عَنِ الهُدى، ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: ونَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم جَزاءً لِما لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الشَّرْعِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وهو مَعْنى التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ إلّا أنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ بِمَعْنى المُجازاةِ غَرِيبَةٌ، لا يُعْهَدُ في كَلامِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الكافَ لِلْمُجازاةِ، وقِيلَ: لِلتَّشْبِيهِ، وقِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلا يُؤْمِنُونَ بِهِ ثانِيَ مَرَّةٍ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ، وقِيلَ: الكافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ تَقْلِيبًا لِكُفْرِهِمْ أيْ عُقُوبَةً مُساوِيَةً لِمَعْصِيَتِهِمْ. قالَهُ أبُو البَقاءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ إيمانًا ثانِيًا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ. انْتَهى. والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أوِ القُرْآنِ أوِ الرَّسُولِ. أقْوالٌ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ يَعُودُ عَلى التَّقْلِيبِ، وانْتَصَبَ (أوَّلَ مَرَّةٍ) عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ: (ويُقَلِّبُ ويَذَرُهم) بِالياءِ فِيهِما، والفاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ، وقَرَأ أيْضًا فِيما رَوى عَنْهُ مُغِيرَةُ: وتُقَلَّبُ أفْئِدَتُهم وأبْصارُهم، بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ويَذَرُهم بِالياءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وافَقَهُ عَلى (ويَذَرُهُمُ) الأعْمَشُ والهَمَدانِيُّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الأعْمَشُ: وتُقَلَّبُ أفْئِدَتُهم وأبْصارُهم، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

6:111Page 142

۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.

﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩] ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣] ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦]

(p-٢٠٥)قُبُلٌ: جَمْعُ قَبِيلٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، ومَعْناهُ جَماعَةٌ أوْ كَقَبْلَ، أوْ مُفْرَدٌ بِمَعْنى قِبَلَ، أيْ مُواجَهَةً ومُقابَلَةً، ويَكُونُ (قُبُلُ) ظَرْفًا أيْضًا. الزُّخْرُفُ: الزِّينَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ ما حَسَّنْتَهُ وزَيَّنْتَهُ وهو باطِلٌ فَهو زُخْرُفٌ. انْتَهى. والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. صَغَوْتُ وصَغَيْتُ وصَغِيتُ بِكَسْرِ الغَيْنِ، فَمَصْدَرُ الأوَّلِ صَغْوًا، والثّانِي صَغًا، والثّالِثُ صِغًا، ومُضارِعُها يَصْغى بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهي لازِمَةٌ، وأصْغى مِثْلُها لازِمٌ، ويَأْتِي مُتَعَدِّيًا بِكَوْنِ الهَمْزَةِ فِيهِ لِلنَّقْلِ، قالَ الشّاعِرُ في اللّازِمِ:

؎تَرى السَّفِيهَ بِهِ عَنْ كُلِّ مُحْكَمَةٍ زَيْغٌ وفِيهِ إلى التَّشْبِيهِ إصْغاءُ

وقالَ في المُتَعَدِّي:

؎أصاخَ مِن نَبْأةٍ أصْغى لَها أُذُنًا ∗∗∗ صِماخُها بِدَسِيسِ الذَّوْقِ مَسْتُورُ

وأصْلُهُ المَيْلُ، يُقالُ: صَغَتِ النُّجُومُ: مالَتْ لِلْغُرُوبِ. وفي الحَدِيثِ: «فَأصْغى لَها الإناءَ» . قالَ أبُو زَيْدٍ: ويُقالُ: صَغْوُهُ مَعَكَ وصِغْوُهُ وصَغاهُ. ويُقالُ: أكْرِمُوا فَلانا في صاغِيَتِهِ، أيْ: في قَرابَتِهِ الَّذِينَ يَمِيلُونَ إلَيْهِ ويَطْلُبُونَ ما عِنْدَهُ. اقْتَرَفَ: اكْتَسَبَ، وأكْثَرَ ما يَكُونُ في الشَّرِّ والذُّنُوبِ. ويُقالُ: خَرَجَ يَقْتَرِفُ لِأهْلِهِ، أيْ: يَكْتَسِبُ لَهم، وقارَفَ فُلانٌ الأمْرَ أيْ: واقَعَهُ، وقَرَفَهُ بِكَذا: رَماهُ بِرِيبَةٍ، واقْتَرَفَ كَذِبًا، وأصْلُهُ اقْتِطاعُ قِطْعَةٍ مِنَ الشَّيْءِ. خَرَصَ: حَزَرَ وقالَ بِغَيْرِ تَيَقُّنٍ ولا عِلْمٍ، ومِنهُ خَرَصَ بِمَعْنى كَذَبَ، وافَتَرى خَرَصًا وخُرُوصًا. وقالَ الأزْهَرِيُّ: وأصْلُهُ التَّظَنِّي فِيما لا يُسْتَيْقَنُ. الشَّرْحُ: البَسْطُ والتَّوْسِعَةُ. قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ فانْشَرَحَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الشَّرْحُ: الفَتْحُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ شَرَحْتُ لَكَ الأمْرَ وشَرَحْتُ اللَّحْمَ: فَتَحْتَهُ. الضَّيِّقُ فَيْعِلٌ مِن ضاقَ الشَّيْءُ: انْضَمَّتْ أجْزاؤُهُ إذا كانَ مُجَوَّفًا. الحَرِجُ اسْمُ فاعِلٍ مِن حَرَجَ: إذا اشْتَدَّ ضِيقُهُ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَنزِلَةِ الوَحَدِ والوَحِدِ، والفَرَدِ والفَرِدِ، والدَّنَفِ والدَّنِفِ يَعْنِي أنَّهُما وصْفانِ. انْتَهى. وأصْلُهُ مِنَ الحَرَجَةِ وهي شَجَرَةٌ تَحُفُّ بِها الأشْجارُ حَتّى تَمْنَعَ الدّاعِيَ أنْ يَصِلَ إلَيْها. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: الحِراجُ غِياضٌ مِن شَجَرِ السِّلْمِ مُلْتَفَّةٌ، واحِدُها حَرَجَةٌ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَ فِيها أوْ يَنْفُذَ.

﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: لَوْ أتَيْناهم بِالآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها مِن إنْزالِ المَلائِكَةِ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]، وتَكْلِيمِ المَوْتى إيّاهُ في قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ [الدخان: ٣٦]، وفي قَوْلِهِمْ أحْيِ قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ وجُدْعانَ بْنَ عَمْرٍو، وهُما أمِينا العَرَبِ والوَسَطانِ فِيهِمْ، وحَشْرِ كُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ مِنَ السِّباعِ والدَّوابِّ والطُّيُورِ، وشَهادَتِهِمْ بِصِدْقِ الرَّسُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالُوا: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: قِبَلا بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، ومَعْناهُ مُقابَلَةً أيْ عِيانًا ومُشاهَدَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. وقالَ المُبَرِّدُ: مَعْناهُ ناحِيَةً، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ قِبَلَكَ، ولِي قِبَلَ فُلانٍ دَيْنٌ، فانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ، وفِيهِ بُعْدٌ.

وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (قُبُلًا) بِضَمِّ القافِ والباءِ. فَقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: جَمْعُ قَبِيلٍ وهو النَّوْعُ، أيْ نَوْعًا نَوْعًا وصِنْفًا (p-٢٠٦)صِنْفًا. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى كَفِيلٍ، أيْ: كُفُلًا بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ. يُقالُ: قَبِلْتُ الرَّجُلَ أقْبَلُهُ قُبالَةً، أيْ كَفُلْتُ بِهِ، والقَبِيلُ والكَفِيلُ والزَّعِيمُ والأدِينُ والحَمِيلُ والضَّمِينُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقِيلَ: قُبُلا بِمَعْنى قِبَلًا أيْ مُقابَلَةً ومُواجَهَةً. ومِنهُ أتَيْتُكَ قُبُلًا لا دُبُرًا، أيْ مِن قِبَلِ وجْهِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦]، وقُرِئَ: (لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) أيْ لِاسْتِقْبالِها ومُواجَهَتِها. وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أحْسَنُ لِاتِّفاقِ القِراءَتَيْنِ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وأبُو حَيْوَةَ: (قُبْلًا) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الباءِ عَلى جِهَةِ التَّخْفِيفِ مِنَ الضَّمِّ. وقَرَأ أُبَيٌّ والأعْمَشُ: (قَبِيلًا) بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الباءِ وياءٍ بَعْدَها، وانْتِصابُهُ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الحالِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، وجَوابُ (لَوْ) ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾، وقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ: لَما كانُوا، قالَ: وحُذِفَتِ اللّامُ وهي مُرادُهُ، ولَيْسَ قَوْلُهُ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَنفِيَّ بِـ (ما) إذا وقَعَ جَوابًا لِـ (لَوْ) فالأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ أنْ لا تَدْخُلَ اللّامُ عَلى ما، وقَلَّ دُخُولُها عَلى ما، فَلا نَقُولُ إنَّ اللّامَ حُذِفَتْ مِنهُ بَلْ إنَّما أدْخَلُوها عَلى (ما) تَشْبِيهًا لِلْمَنفِيِّ بِما بِالمُوجَبِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا كانَ النَّفْيُ بِـ (لَمْ) لَمْ تَدْخُلِ اللّامُ عَلى لَمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ أصْلَ المَنفِيِّ أنْ لا تَدْخُلَ عَلَيْهِ اللّامُ، و﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِن: لَمْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْيَ التَّأهُّلِ والصَّلاحِيَةِ لِلْإيمانِ؛ ولِذَلِكَ جاءَتْ لامُ الجُحُودِ في الخَبَرِ، و(إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ) اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن مَحْذُوفٍ هو عِلَّةٌ وسَبَبٌ، التَّقْدِيرُ: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِمَشِيئَةِ اللَّهِ. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم في كُلِّ حالٍ إلّا في حالِ مَشِيئَةِ اللَّهِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كالكِرْمانِيِّ وأبِي البَقاءِ والحَوْفِيِّ فَقَوْلُهُ فِيهِ بُعْدٌ، إذْ هو ظاهِرُ الِاتِّصالِ، أوْ عُلِّقَ إيمانُهم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّ إيمانَ العَبْدِ واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وحَمَلَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ والقَهْرِ. ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَشِيئَةُ إكْراهٍ واضْطِرارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (أكْثَرَهم) عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، قِيلَ: مِنَ الكُفّارِ، أيْ: يَجْهَلُونَ الحَقَّ، أوْ يَجْهَلُونَ أنَّهُ لا يَجُوزُ اقْتِراحُ الآياتِ بَعْدَ أنْ رَأوْا آيَةً واحِدَةً، أوْ يَجْهَلُونَ أنَّ كُلًّا مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وقَدَرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجْهَلُونَ فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما لا يَشْعُرُونَ مِن حالِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ الآياتِ، قالَ: أوْ لَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ أنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ إلّا أنْ يَضْطَرَّهم فَيَطْمَعُونَ في إيمانِهِمْ إذا جاءَتِ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ. وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: يَجْهَلُونَ أنَّهم يَبْقَوْنَ كُفّارًا عِنْدَ ظُهُورِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها. وقالَ الجُبّائِيُّ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ مَشِيئَةِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كانَتْ قَدِيمَةً لَمْ يَجُزْ أنْ يُعَلَّقَ عَلَيْها الحادِثُ لِأنَّها شَرْطٌ، ويَلْزَمُ مِن حُصُولِ المَشْرُوطِ حُصُولُ الشَّرْطِ، والحِسُّ دَلَّ عَلى حُدُوثِ الإيمانِ فَوَجَبَ كَوْنُ الشَّرْطِ حادِثًا وهو المَشِيئَةُ. وأجابَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ بِأنَّ المَشِيئَةَ - وإنْ كانَتْ قَدِيمَةً - تَعَلُّقُها بِإحْداثِ ذَلِكَ المُحْدَثِ في الحالَةِ إضافَةٌ حادِثَةٌ. انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ مُؤَيِّسَةٌ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا الآياتِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم. ولِذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ وهم مَن خُتِمَ لَهُ بِالسَّعادَةِ فَآمَنَ مِنهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском