Abu HayyanAl‑An'am · 6:121–124

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:121–124

6:121–122Page 143

وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١

And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1

أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ قالَ السَّخاوِيُّ: قالَ مَكْحُولٌ: ورُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مِثْلَ ذَلِكَ، وأجازَ ذَبائِحَ أهْلِ الكِتابِ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ ولا يَجُوزُ لَنا أنْ نَأْكُلَ مِن ذَبائِحِهِمْ إلّا ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ. انْتَهى. ولا يُسَمّى هَذا نَسْخًا بَلْ هو تَخْصِيصٌ، ولَمّا أمَرَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ مَفْهُومُهُ أنَّهُ لا يَأْكُلُ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أكَّدَ هَذا المَفْهُومَ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ تَحْرِيمُ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَمْدًا كَأنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ، أوْ نِسْيانًا، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الخَطِيمِيُّ وابْنُ سِيرِينَ والشَّعْبِيُّ ونافِعٌ وأبُو ثَوْرٍ وداوُدُ في رِوايَةٍ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةٍ، وأبُو عِياضٍ وأبُو رافِعٍ وعَطاءٌ وابْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ وجابِرٌ وعِكْرِمَةُ وطاوُسُ والنَّخَعِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى ورَبِيعَةُ ومالِكٌ في رِوايَةٍ، والشّافِعِيُّ والأصَمُّ: يَحِلُّ أكْلُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كانَ التُّرْكُ أوْ نِسْيانًا. وقالَ مُجاهِدٌ وطاوُسُ أيْضًا، وابْنُ شِهابٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ في رِوايَةٍ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وإسْحاقُ ومالِكٌ في رِوايَةٍ، وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي القاسِمِ وعِيسى وأصْبُغُ: يُؤْكَلُ إنْ كانَ التَّرْكُ ناسِيًا، وإنْ كانَ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَلْ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ وقالَ: لا يُسَمّى فاسِقًا إذا كانَ ناسِيًا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ أكْلِ ذَبِيحَةِ النّاسِي لِلتَّسْمِيَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ أشْهَبُ والطَّبَرِيُّ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَخِفًّا. وقالَ أبُو بَكْرٍ الآيِذِيُّ: يُكْرَهُ أكْلُ ذَبِيحَةِ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا. وتَحْتاجُ هَذِهِ التَّخْصِيصاتُ إلى دَلائِلَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهِرُهُ لِعُمُومِ الآيَةِ، وهو مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: إنَّهُ المَيْتَةُ، وعَنْهُ أنَّهُ المَيْتَةُ والمُنْخَنِقَةُ إلى: وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ، وقالَ عَطاءٌ: ذَبائِحُ لِلْأوْثانِ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: صَيْدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم (p-٢١٣)لا يُسَمُّونَ عِنْدَ إرْسالِ السَّهْمَ ولا هم مِن أهْلِ التَّسْمِيَةِ. قالَ الحَسَنُ: الفِسْقُ الكُفْرُ، قالَ الكِرْمانِيُّ: يُرِيدُ مَعَ الِاسْتِحْلالِ، وقالَ غَيْرُهُ: الفِسْقُ المَعْصِيَةُ، والضَّمِيرُ في (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ (تَأْكُلُوا)، أيْ: وإنَّ الأكْلَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وجَوَّزَ مَعَهُ الحَوْفِيُّ في أنْ يَعُودَ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ﴾، وجَوَّزَ مَعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لَمْ يُذْكَرِ﴾ . انْتَهى. ومَعْنى أنَّهُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَنفِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ تَرْكَ الذِّكْرِ لِفِسْقٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وتَضَمَّنَتْ مَعْنى التَّعْلِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِفِسْقِهِ.

﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ: وإنَّ شَياطِينَ الجِنِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَرَدَةُ الإنْسِ مِن مَجُوسِ فارِسَ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ كِتابَتِهِمْ إلى قُرَيْشٍ، أيْ: لَيُوَسْوِسُونَ إلى كَفّارِ قُرَيْشٍ بِإلْهامِهِمْ تِلْكَ الحُجَّةَ في أمْرِ الذَّبائِحِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، أوْ عَلى ألْسِنَةِ الكُهّانِ في زَمانِهِمْ لِيُجادِلُوكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِقَوْلِهِمْ: ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ، وبِهَذا تَرَجَّحَ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ بِالمَيْتَةِ. انْتَهى. والأحْسَنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى عَدَمِ التَّخْصِيصِ بِما ذَكَرُوهُ، بَلْ هَذا إخْبارٌ أنَّ ما صَدَرَ مِن جِدالِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُنازَعَتِهِمْ فَإنَّما هو مِنَ الشَّياطِينِ يُوَسْوِسُونَ لَهم بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ خُتِمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ أيْ: وإنْ أطَعْتُمْ أوْلِياءَ الشَّياطِينِ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ؛ لِأنَّ طاعَتَهم طاعَةٌ لِلشَّياطِينِ، وذَلِكَ إشْراكٌ، ولا يَكُونُ مُشْرِكًا حَقِيقَةً حَتّى يُطِيعَهُ في الِاعْتِقادِ، وأمّا إذا أطاعَهُ في الفِعْلِ وهو سَلِيمُ الِاعْتِقادِ فَهو فاسِقٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ، وأصْعَبُ ما عَلى المُؤْمِنِ أنْ يُشْبِهَ المُشْرِكَ فَضْلًا أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالشِّرْكِ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الَّذِينَ جادَلُوا بِتِلْكَ الحُجَّةِ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وضُعِّفَ بِأنَّ اليَهُودَ لا تَأْكُلُ المَيْتَةَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُغالَطَةِ وإجابَتِهِمْ عَنِ العَرَبِ فَيُمْكِنُ. وجَوابُ الشَّرْطِ زَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّهُ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ عَلى حَذْفِ الفاءِ، أيْ: فَإنَّكم، وهَذا الحَذْفُ مِنَ الضَّرائِرِ فَلا يَكُونُ في القُرْآنِ، وإنَّما الجَوابُ مَحْذُوفٌ، و﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: واللَّهِ إنْ أطَعْتُمُوهم، لِقَوْلِهِ: ”وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لِيَمَسَّنَّ“،، وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ هَذا التَّرْكِيبُ بِتَقْدِيرِ اللّامِ المُؤْذِنَةِ بِالقَسَمِ المَحْذُوفِ عَلى إنِ الشَّرْطِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]، وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.

﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ، (p-٢١٤)رَمى الرَّسُولَ بِفَرْثٍ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ حَمْزَةَ حِينَ رَجَعَ مِن قَنْصِهِ وبِيَدِهِ قَوْسٌ، وكانَ لَمْ يُسْلِمْ، فَغَضِبَ فَعَلا بِها أبا جَهْلٍ وهو يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَقُولُ: سَفَّهَ عُقُولَنا وسَبَّ آلِهَتِنا وخالَفَ آباءَنا، فَقالَ حَمْزَةُ: ومَن أسْفَهُ مِنكم، تَعْبُدُونَ الحِجارَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، وأسْلَمَ» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارٍ وأبِي جَهْلٍ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: في عُمَرَ وأبِي جَهْلٍ، لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مَثَّلَ تَعالى بِأنْ شَبَّهَ المُؤْمِنَ بَعْدَ أنْ كانَ كافِرًا بِالحَيِّ المَجْعُولِ لَهُ نُورٌ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ سَلَكَ، والكافِرَ بِالمُخْتَلِطِ في الظُّلُماتِ المُسْتَقِرِّ فِيها دائِمًا، لِيُظْهِرَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، والمَوْتُ والحَياةُ والنُّورُ والظُّلْمَةُ مَجازٌ، فالظُّلْمَةُ مَجازٌ عَنِ الكُفْرِ، والنُّورُ مَجازٌ عَنِ الإيمانِ، والمَوْتُ مَجازٌ عَنِ الكُفْرِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: المَوْتُ مَجازٌ عَنْ كَوْنِهِ في ظُلْمَةِ البَطْنِ، لا يُبْصِرُ ولا يَعْقِلُ شَيْئًا، ثُمَّ أُخْرِجَ فَأبْصَرَ وعَقَلَ، نَقُولُ: لا يَسْتَوِي مَن أُخْرِجَ مِنَ الظُّلُماتِ ومَن تُرِكَ فِيها، فَكَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُ الَّذِي يُبْصِرُ الحَقَّ ويَعْمَلُ بِهِ، والكافِرُ الَّذِي لا يُبْصِرُ، ونَحْوٌ مِنهُ قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ قالَ: أوَمَن كانَ نُطْفَةً أوْ عَلَقَةً أوْ مُضْغَةً فَصَوَّرْناهُ ونَفَخْنا فِيهِ الرُّوحَ. انْتَهى. وأمّا النُّورُ فَهو نُورُ الحِكْمَةِ أوْ نُورُ الدِّينِ أوِ القُرْآنُ، أقْوالٌ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الحَياةُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ المَعارِفِ، فَتَحْصُلُ لَهُ عُلُومٌ كُلِّيَّةٌ أوَّلِيَّةٌ وهي المُسَمّاةُ بِالعَقْلِ، والنُّورُ ما تُوَصِّلُ إلَيْهِ تَرْكِيبُ تِلْكَ البَدِيهِيّاتِ مِنَ المَجْهُولاتِ النَّظَرِيَّةِ، ومَشْيُهُ في النّاسِ كَوْنُهُ صارَ مُحْضِرًا لِلْمَعارِفِ القُدْسِيَّةِ والجَلايا الرُّوحانِيَّةِ ناظِرًا إلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ الحَياةُ الِاسْتِعْدادُ القائِمُ بِجَوْهَرِ الرُّوحِ، والنُّورُ اتِّصالُ نُورِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ بِهِ، فالبَصِيرَةُ لا بُدَّ فِيها مِن أمْرَيْنِ: سَلامَةُ حاسَّةِ العَقْلِ، وطُلُوعُ نُورِ الوَحْيِ، كَما أنَّ البَصَرَ لا بُدَّ فِيهِ مِن أمْرَيْنِ: سَلامَةُ الحاسَّةِ وطُلُوعُ الشَّمْسِ، انْتَهى مُلَخَّصًا. وهو بَعِيدٌ مِن مَناحِي كَلامِ العَرَبِ ومَفْهُوماتِها، ولَمّا ذَكَرَ صِفَةَ الإحْسانِ إلى العَبْدِ المُؤْمِنِ نَسَبَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾، وفي صِفَةِ الكافِرِ لَمْ يَنْسُبْها إلى نَفْسِهِ بَلْ قالَ: ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾، ولَمّا كانَتْ أنْواعُ الكُفْرِ مُتَعَدِّدَةً قالَ: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾، ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ النُّورِ لِلْمَيِّتِ قالَ: ”يَمْشِي بِهِ في النّاسِ“، أيْ: يَصْحَبُهُ كَيْفَ تَقَلَّبَ، وقالَ: في النّاسِ إشارَةً إلى تَنْوِيرِهِ عَلى نَفْسِهِ وعَلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ، فَذَكَرَ أنَّ مَنفَعَةَ المُؤْمِنِ لَيْسَتْ مُقْتَصِرَةً عَلى نَفْسِهِ، وقابَلَ تَصَرُّفَهُ بِالنُّورِ، ومُلازِمَةُ النُّورِ لَهُ بِاسْتِقْرارِ الكافِرِ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ وكَوْنِهِ لا يُفارِقُها، وأكَّدَ ذَلِكَ بِدُخُولِ الباءِ في خَبَرِ لَيْسَ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ هُما يَوْمَ القِيامَةِ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، وإلى ظُلْمَةِ جَهَنَّمَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَثَلِ في قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]، وقَرَأ طَلْحَةُ: (أفَمَن)، الفاءُ بَدَلُ الواوِ.

﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى إحْياءِ المُؤْمِنِ، أوْ إلى كَوْنِ الكافِرِ في الظُّلُماتِ، أيْ: كَما أحْيَيْنا المُؤْمِنَ زُيِّنَ لِلْكافِرِ، أوْ كَكَيْنُونَةِ الكافِرِ في الظُّلُماتِ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ. والفاعِلُ مَحْذُوفٌ. قالَ الحَسَنُ: هو الشَّيْطانُ، وقالَ غَيْرُهُ: اللَّهُ - تَعالى - وجَوَّزَ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّزْيِينِ، وقِيلَ: المُزَيِّنُ الأكابِرُ الأصاغِرُ.

6:123–124Page 143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allāh." Allāh is most knowing of where [i.e., with whom] He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allāh and severe punishment for what they used to conspire.

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ: كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ صَنادِيدَها (p-٢١٥)لِيَمْكُرُوا فِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ فَسادَ حالِ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، إذْ حالُهم حالُ مَن تَقَدَّمَهم مِن نُظَرائِهِمُ الكُفّارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ، يَعْنِي أنَّ التَّمْثِيلَ لَهم، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (كَذَلِكَ زَيَّنَ)، فَتَكُونُ الإشارَةُ فِيهِ إلى ما أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ زَيَّنَ)، و(جَعَلْنا) بِمَعْنى صَيَّرْنا، ومَفْعُولُها الأوَّلُ ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾، وفي كُلِّ قَرْيَةٍ المَفْعُولُ الثّانِي، و(أكابِرَ) عَلى هَذا مُضافٌ إلى (مُجْرِمِيها)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلًا مِن ﴿أكابِرَ﴾، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ﴿مُجْرِمِيها﴾ المَفْعُولَ الأوَّلَ، و﴿أكابِرَ﴾ المَفْعُولَ الثّانِيَ، والتَّقْدِيرُ: مُجْرِمِيها أكابِرَ، وما أجازاهُ خَطَأٌ وذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ، وهو أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ بِمِن مَلْفُوظًا بِها أوْ مُقَدَّرَةً أوْ مُضافَةً إلى نَكِرَةٍ كانَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا دائِمًا سَواءً كانَ لِمُذَكَّرٍ أوْ مُؤَنَّثٍ، مُفْرَدٍ أوْ مُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ، فَإذا أُنِّثَ أوْ ثُنِّيَ أوْ جُمِعَ طابَقَ ما هو لَهُ في ذَلِكَ ولَزِمَهُ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الألِفُ واللّامُ أوِ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا فالقَوْلُ بِأنَّ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلٌ مِن ﴿أكابِرَ﴾ أوْ أنَّ ﴿مُجْرِمِيها﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ، خَطَأٌ لِالتِزامِهِ أنْ يَبْقى ﴿أكابِرَ﴾ مَجْمُوعًا ولَيْسَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ، ولا هو مُضافٌ إلى مَعْرِفَةٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقَدْ تَنَبَّهَ الكِرْمانِيُّ لِهَذِهِ القاعِدَةِ فَقالَ: أضافَ الأكابِرَ إلى مُجْرِمِيها لِأنَّ أفْعَلُ لا يُجْمَعُ إلّا مَعَ الألِفِ واللّامِ أوْ مَعَ الإضافَةِ. انْتَهى. وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ: أوْ مَعَ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ. وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفًا، أيْ: فُسّاقًا ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُقالُ أكابِرَةٌ كَما قالُوا أحْمَرَ وأحامِرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إنَّ الأحامِرَةَ الثَّلاثَةَ أهْلَكَتْ مالِي وكُنْتُ بِهِنَّ قَدَمًا مُولَعًا

انْتَهى. ولا أعْلَمَ أحَدًا أجازَ في الأفاضِلِ أنْ يُقالَ الأفاضِلَةَ، بَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُجْمَعُ لِلْمُذَكَّرِ عَلى الأفْضَلِينَ أوِ الأفاضِلِ، وخَصَّ الأكابِرَ لِأنَّهم أقْدَرُ عَلى الفَسادِ والتَّحَيُّلِ والمَكْرِ لِرِئاسَتِهِمْ وسِعَةِ أرْزاقِهِمْ واسْتِتْباعِهِمُ الضُّعَفاءَ والمَحاوِيجَ. قالَ البَغَوِيُّ: سُنَّةُ اللَّهِ أنَّهُ جَعَلَ أتْباعَ الرُّسُلِ الضُّعَفاءَ كَما قالَ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وجَعَلَ فُسّاقَهم أكابِرَهم، وكانَ قَدْ جَلَسَ عَلى طَرِيقِ مَكَّةَ أرْبَعَةٌ لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنِ الأيْمانِ بِالرَّسُولِ، يَقُولُونَ لِكُلِّ مَن يَقْدَمُ: إيّاكَ وهَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ ساحِرٌ كاهِنٌ كَذّابٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ حالُهُ في أنْ كانَ رُؤَساءُ قَوْمِهِ يُعادُونَهُ، كَما كانَ في قَرْيَةِ مَن يُعانِدُ الأنْبِياءَ، وقَرَأ ابْنُ مُسْلِمٍ: أكْبَرَ مُجْرِمِيها، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ وكانَ لِمُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ أوْ مُؤَنَّثٍ جازَ أنْ يُطابِقَ وجازَ أنْ يُفْرَدَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وتَحْرِيرُ هَذا وتَفْصِيلُهُ وخِلافُهُ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ولامُ ﴿لِيَمْكُرُوا﴾ لامُ كَيْ. وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ.

﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وبالُهُ يَحِيقُ بِهِمْ، كَما قالَ: ”ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ“، ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ يَحِيقُ ذَلِكَ بِهِمْ، ولا يَعْنِي شُعُورَهم عَلى الإطْلاقِ، وهو مُبالَغَةٌ في نَفْيِ العِلْمِ إذْ نَفى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهائِمِ.

﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ (p-٢١٦)قالَ مُقاتِلٌ: رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أوْلى بِها مِنكَ؛ لِأنِّي أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا وأكْثَرُ مِنكَ مالًا. رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زاحَمْنا بَنِي عَبْدِ مُنافٍ في الشَّرَفِ حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ، واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ ولا نَتَّبِعُهُ أبَدًا إلّا أنْ يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ، فَنَزَلَتْ، ونَحْوَهُ ”﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]“، والآيَةُ العَلامَةُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والضَّمِيرُ في (جاءَتْهم) عائِدٌ عَلى الأكابِرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ غَيْرُهُ: يَعُودُ عَلى المُجادِلِينَ في أكْلِ المَيْتَةِ، وتَغْيِيَةُ إيمانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى نُؤْتى﴾ دَلِيلٌ عَلى تَمَحُّلِهِمْ في دَعْواهم واسْتِبْعادٌ مِنهم أنَّ الإيمانَ لا يَقَعُ مِنهُمُ البَتَّةَ إذْ عَلَّقُوهُ بِمُسْتَحِيلٍ عِنْدَهم، وقَوْلُهم: ﴿رُسُلُ اللَّهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ إقْرارٌ بِالرُّسُلِ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ، ولَوْ كانُوا مُوقِنِينَ وغَيْرَ مُعانِدِينَ لاتَّبَعُوا رُسُلَ اللَّهِ، والمِثْلِيَّةُ كَوْنُهم يُجْرى عَلى أيْدِيهِمُ المُعْجِزاتُ، فَتَحْيى لَهُمُ الأمْواتُ ويُفْلَقُ لَهُمُ البَحْرُ ونَحْوُ ذَلِكَ، كَما جَرَتْ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ أوِ النُّبُوَّةِ أوْ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ أوِ انْشِقاقِ القَمَرِ أوِ الدُّخانِ أوْ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ تَأْمُرُهم بِالإيمانِ، أقْوالٌ، آخِرُها لِلْحَسَنِ وابْنِ عَبّاسٍ، وفِيهِ: تَأْمُرُهم بِاتِّباعِ الرَّسُولِ، وأوْلاها النُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهِ﴾، فَظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المِثْلِيَّةُ هي في الرِّسالَةِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أخْبَرَ عَنْ غايَةِ سَفَهِهِمْ وأنَّهم يَنْكِرُونَ رِسالَتَهُ عَنْ عِلْمٍ بِها، ولَوْلا ذَلِكَ ما تَمَنَّوْا أنْ يُؤْتَوْا مِثْلَ ما أُوتِيَ. انْتَهى. ولَمْ يَتَمَنَّوْا ذَلِكَ إنَّما أخْبَرُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُؤْتَوْا مِثْلَ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ، فَعَلَّقُوا ذَلِكَ عَلى مُمْتَنِعٍ، وقَصَدُوا بِذَلِكَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ.

﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إنْكارٍ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لا يَصْطَفِي لِلرِّسالَةِ إلّا مَن عَلِمَ أنَّهُ يَصْلُحُ لَها، وهو أعْلَمُ بِالجِهَةِ الَّتِي يَضَعُها فِيها، وقَدْ وضَعَها فِيمَنِ اخْتارَهُ لَها وهو رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ ﷺ دُونَ أكابِرِ مَكَّةَ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ونَحْوِهِما. وقِيلَ: الأبْلَغُ في تَصْدِيقِ الرُّسُلِ أنْ لا يَكُونُوا قَبْلَ البَعْثِ مُطاعِينَ في قَوْمِهِمْ؛ لِأنَّهم إنْ كانُوا مُطاعِينَ قَبْلُ اتَّبَعُوا لِأجْلِ الطّاعَةِ السّابِقَةِ، وقالُوا: (حَيْثُ) لا يُمْكِنُ إقْرارُها عَلى الظَّرْفِيَّةِ هُنا. قالَ الحَوْفِيُّ: لِأنَّهُ تَعالى لا يَكُونُ في مَكانٍ أعْلَمَ مِنهُ في مَكانٍ، فَإذا لَمْ تَكُنْ ظَرْفًا كانَتْ مَفْعُولًا عَلى السِّعَةِ، والمَفْعُولُ عَلى السِّعَةِ لا يُعْمَلُ فِيهِ أعْلَمُ؛ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ في المَفْعُولاتِ فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ أعْلَمُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: والتَّقْدِيرُ يَعْلَمُ مَوْضِعَ رِسالاتِهِ، ولَيْسَ ظَرْفًا لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ يَعْلَمُ في هَذا المَكانِ كَذا، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وكَذا قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: (حَيْثُ) هُنا اسْمٌ لا ظَرْفٌ، انْتَصَبَ انْتِصابَ المَفْعُولِ، كَما في قَوْلِ الشَّمّاخِ:

؎وحَلَّأها عَنْ ذِي الأراكَةِ عامِرُ ∗∗∗ أخُو الخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوى النَّواحِرُ

فَجَعَلَ مَفْعُولًا بِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُ أنَّهُ يَرْمِي شَيْئًا حَيْثُ تُكْوى النَّواحِرُ، إنَّما يُرِيدُ أنَّهُ يَرْمِي ذَلِكَ المَوْضِعَ. انْتَهى. وما قالَهُ مِن أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى السِّعَةِ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى غَيْرِ السِّعَةِ، تَأْباهُ قَواعِدُ النَّحْوِ؛ لِأنَّ النُّحاةَ نَصُّوا عَلى أنَّ حَيْثُ مَنَّ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ، وشَذَّ إضافَةُ لَدى إلَيْها وجَرُّها بِالياءِ، ونَصُّوا عَلى أنَّ الظَّرْفَ الَّذِي يُتَوَسَّعُ فِيهِ لا يَكُونُ إلّا مُتَصَرِّفًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ نَصْبُ (حَيْثُ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لا عَلى السِّعَةِ ولا عَلى غَيْرِها، والَّذِي يَظْهَرُ لِي إقْرارُ (حَيْثُ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، عَلى أنَّ تَضَمُّنَ (أعْلَمُ) مَعْنى ما يَتَعَدّى إلى الظَّرْفِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: اللَّهُ أنْفَذُ عِلْمًا ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهِ﴾، أيْ: هو نافِذُ العِلْمِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ رِسالَتَهُ، والظَّرْفِيَّةُ هُنا مَجازٌ كَما قُلْنا، ورُوِيَ (حَيْثُ) بِالفَتْحِ، فَقِيلَ: حَرَكَةُ بِناءٍ، وقِيلَ: حَرَكَةُ إعْرابٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ بَنِي فَقْعَسٍ، فَإنَّهم يُعْرِبُونَ (حَيْثُ)، حَكاها الكِسائِيُّ. (p-٢١٧)وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ: رِسالَتَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ عَلى الجَمْعِ.

﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، وعَلَّقَ الإصابَةَ بِمَن أجْرَمَ لِيَعُمَّ الأكابِرَ وغَيْرَهم، والصَّغارُ: الذُّلُّ والهَوانُ، يُقالُ مِنهُ صَغِرَ يَصْغَرُ وصَغُرَ يَصْغُرُ صَغَرًا وصِغارًا، واسْمُ الفاعِلِ صاغِرٌ وصَغِيرٌ، وأرْضٌ مُصْغِرٌ لَمْ يَطُلْ نَبْتُها، عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: وقابَلَ الأكْبَرِيَّةَ بِالصَّغارِ، والعَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ في الدُّنْيا، والنّارِ في الآخِرَةِ، وإصابَةُ ذَلِكَ لَهم بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ﴾، وقَدَّمَ الصَّغارَ عَلى العَذابِ لِأنَّهم تَمَرَّدُوا عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ وتَكَبَّرُوا طَلَبًا لِلْعِزِّ والكَرامَةِ، فَقُوبِلُوا أوَّلًا بِالهَوانِ والذُّلِّ، ولَمّا كانَتِ الطّاعَةُ يَنْشَأُ عَنْها التَّعْظِيمُ ثُمَّ الثَّوابُ عَلَيْها نَشَأ عَنِ المَعْصِيَةِ الإهانَةُ ثُمَّ العِقابُ عَلَيْها، ومَعْنى (عِنْدَ اللَّهِ) قالَ الزَّجّاجُ: في عَرْصَةِ قَضاءِ الآخِرَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: في حُكْمِ اللَّهِ، كَما يَقُولُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أيْ: في حُكْمِهِ. وقِيلَ: في سابِقِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: إنَّ الجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ، وأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ مُثْبَتٌ عِنْدَهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ فِيهِمْ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: صَغارٌ ﴿وعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ، وانْتَصَبَ عِنْدَ (سَيُصِيبُ)، أوْ بِلَفْظِ (صِغارٌ) لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَعْمَلُ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ صَغارٌ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وقَدَّرَهُ الزَّجّاجُ: ثابِتٌ عِنْدَ اللَّهِ، و(ما) الظّاهِرُ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِكَوْنِهِمْ (يَمْكُرُونَ) . وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском