Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:28–31
6:28Page 131
بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨
But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.
﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ . (بَلْ) هُنا لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِما سَبَقَ، وهَكَذا يَجِيءُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، إذا كانَ ما بَعْدَها مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى، لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَنْ قَوْمٍ، تَكُونُ (بَلْ) فِيهِ لِلْإضْرابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]، ومَعْنى (بَدا) ظَهَرَ. وقالَ الزَّجّاجُ: (بَلْ) هُنا اسْتِدْراكٌ وإيجابُ نَفْيٍ، كَقَوْلِهِمْ: ما قامَ زَيْدٌ، بَلْ قامَ عَمْرٌو انْتَهى. ولا أدْرِي ما النَّفْيُ الَّذِي سَبَقَ حَتّى تُوجِبَهُ (بَلْ) . وقالَ غَيْرُهُ: (بَلْ) رَدٌّ لِما تَمَنَّوْهُ؛ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ رَغْبَةً في الإيمانِ، بَلْ قالُوهُ إشْفاقًا مِنَ العَذابِ، وطَمَعًا في الرَّحْمَةِ انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا الكَلامُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ في وُقِفُوا. قالَ أبُو رَوْقٍ: وهم جَمِيعُ الكافِرِينَ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ، ويَقُولُ: (أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) الآيَةَ، فَيَقُولُونَ: (واللَّهِ رَبِّنا) الآيَةَ، فَتَنْطِقُ جَوارِحُهم، وتَشْهَدُ بِأنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ في الدُّنْيا وبِما كَتَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (بَلْ بَدا لَهم) فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن قَبْلُ راجِعًا إلى الآخِرَةِ؛ أيْ مِن قَبْلِ بُدُوِّهِ في الآخِرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: يَظْهَرُ ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ مِن شِرْكِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وذَلِكَ أنَّهم لَوْ سُئِلُوا في الدُّنْيا، هَلْ تُعاقَبُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ ظَهَرَ لَهم عُقُوبَةُ شِرْكِهِمْ في الآخِرَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ﴾ . وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، ظَهَرَ لَهم ما أخْفَوْهُ مِن أمْرِ البَعْثِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] بَعْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ كانُوا يُخْفُونَ الكُفْرَ، فَظَهَرَ لَهم وبالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا إذا وعَظَهُمُ الرَّسُولُ، خافُوا، وأخْفَوْا ذَلِكَ الخَوْفَ؛ لِئَلّا يَشْعُرَ بِهِمْ أتْباعُهم، فَيَظْهَرُ ذَلِكَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى وسائِرُ الكُفّارِ، ويَكُونُ الَّذِي يُخْفُونَهُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأحْوالَهُ، والمَعْنى بَدا لَهم صِدْقُكَ في النُّبُوَّةِ وتَحْذِيرُكَ مِن عِقابِ اللَّهِ، وهَذِهِ الأقْوالُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهم)، و(يُخْفُونَ) عائِدٌ عَلى جِنْسٍ واحِدٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ مُخْتَلِفٌ؛ أيْ بَدا لِلْأتْباعِ ما كانَ الرُّؤَساءُ يُخْفُونَهُ عَنْهم مِنَ الفَسادِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوُ هَذا. وقِيلَ: بَدا لِمُشْرِكِي العَرَبِ ما كانَ أهْلُ الكِتابِ يُخْفُونَهُ عَنْهم مِنَ البَعْثِ، وأمْرِ النّارِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ أهْلِ الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام: ٢٠] . وقِيلَ: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ﴾ أيْ لِبَعْضِهِمْ ما كانَ يُخْفِيهِ عَنْهُ بَعْضُهم، فَأطْلَقَ كُلًّا عَلى بَعْضٍ مَجازًا. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الآيَةِ الإخْبارَ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم ظَهَرَتْ (p-١٠٤)لَهم مَسْتُوراتُهم في الدُّنْيا مِن مَعاصٍ وغَيْرِها، فَكَيْفَ الظَّنُّ عَلى هَذا بِما كانُوا يُعْلِنُونَ بِهِ مِن كُفْرٍ ونَحْوِهِ، ويُنْظَرُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في تَعْظِيمِ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ مِنَ النّاسِ مِن قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ في صُحُفِهِمْ، وشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ تَمَنَّوْا ما تَمَنَّوْا ضَجَرًا، إلّا أنَّهم عازِمُونَ عَلى أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَآمَنُوا انْتَهى.
* *
﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ (ولَوْ رُدُّوا) إلى الدُّنْيا بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى النّارِ وتَمَنِّيهِمُ الرَّدَّ، لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الكُفْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعاصِي انْتَهى. فَأدْرَجَ الفُسّاقَ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا في المَوْقُوفِينَ عَلى النّارِ المُتَمَنِّينَ الرَّدَّ عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ لا يَكُونُ كَيْفَ كانَ يُؤْخَذُ، وهَذا النَّوْعُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَإنْ أعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنهُ، عُلِمَ، وإلّا لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ. قالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ) مِنَ الشِّرْكِ، لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِمْ وإرادَتِهِ أنْ لا يُؤْمِنُوا في الدُّنْيا، وقَدْ عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ. وقالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ قَوْمٍ جَرى عَلَيْهِمْ قَضاؤُهُ في الأزَلِ بِالشِّرْكِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَوْ شاهَدُوا النّارَ والعَذابَ، ثُمَّ سَألُوا الرَّجْعَةَ ورُدُّوا إلى الدُّنْيا، لَعادُوا إلى الشِّرْكِ، وذَلِكَ لِلْقَضاءِ السّابِقِ فِيهِمْ، وإلّا فالعاقِلُ لا يَرْتابُ فِيما شاهَدَ انْتَهى. وأوْرَدَ هُنا سُؤالًا، وأظُنُّهُ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وهو كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وإلى مَعْصِيَتِهِ وقَدْ عَرَفُوا اللَّهَ بِالضَّرُورَةِ وشاهَدُوا أنْواعَ العِقابِ ؟ وأجابَ القاضِي: بِأنَّ التَّقْدِيرَ، ولَوْ رُدُّوا إلى حالَةِ التَّكْلِيفِ، وإنَّما يَحْصُلُ الرَّدُّ إلى هَذِهِ الحالَةِ، لَوْ لَمْ يَحْصُلْ في القِيامَةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِالضَّرُورَةِ، ومُشاهَدَةُ الأهْوالِ وعَذابُ جَهَنَّمَ، فَهَذا الشَّرْطُ يَكُونُ مُضْمَرًا في الآيَةِ لا مَحالَةَ. وضُعِّفَ جَوابُ القاضِي، بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ غُلُوُّهم في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، وعَدَمِ الرَّغْبَةِ في الإيمانِ، ولَوْ قَدَّرْنا عَدَمَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ في القِيامَةِ، وعَدَمَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ يَوْمَ القِيامَةِ، لَمْ يَكُنْ في إصْرارِ القَوْمِ عَلى كُفْرِهِمْ مَزِيدُ تَعَجُّبٍ؛ لِأنَّ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ يَجْرِي مَجْرى إصْرارِ سائِرِ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ في الدُّنْيا، فَعَلِمْنا أنَّ الشَّرْطَ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي لا يُمْكِنُ اعْتِبارُهُ البَتَّةَ انْتَهى. وإنَّما المَعْنى (ولَوْ رُدُّوا)، وقَدْ عَرَفُوا اللَّهَ بِالضَّرُورَةِ، وعايَنُوا العَذابَ، وهم مُسْتَحْضِرُونَ ذَلِكَ، ذاكِرُونَ لَهُ، لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الكُفْرِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ (ولَوْ رِدُّوا) بِكَسْرِ الرّاءِ، عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدّالِ مِن (رَدِدَ) إلى الرّاءِ.
(وإنَّهم لَكاذِبُونَ) . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهَلِ التَّكْذِيبُ راجِعٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ، أوْ ذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ عادَتِهِمْ ودَيْدَنِهِمْ وما هم عَلَيْهِ مِنَ الكَذِبِ في مُخاطَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ مِنَ الكَلامِ.
6:29Page 131
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩
And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."
﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وقالُوا) عَطْفٌ عَلى (لَعادُوا) أيْ لَوْ رُدُّوا لَكَفَرُوا، ولَقالُوا (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا) كَما كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مُعايَنَةِ القِيامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: (وإنَّهم لَكاذِبُونَ) عَلى مَعْنى وإنَّهم لَقَوْمٌ كاذِبُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، وهُمُ الَّذِينَ ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾، وكَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِمُ انْتَهى. والقَوْلُ الأوَّلُ الَّذِي قَدَّمَهُ مِن كَوْنِهِ داخِلًا في جَوابِ (لَوْ)، هو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَوْقِيفُ اللَّهِ لَهم في الآيَةِ بَعْدَها عَلى البَعْثِ والإشارَةِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ٣٠] رَدٌّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ انْتَهى. ولا يَرُدُّهُ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ لِاخْتِلافِ المَوْطِنَيْنِ؛ لِأنَّ إقْرارَهم بِحَقِّيَةِ البَعْثِ، هو في الآخِرَةِ، وإنْكارَهم ذَلِكَ هو في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِهِمْ، وهو إنْكارُ عِنادٍ، فَإقْرارُهم بِهِ في الآخِرَةِ، لا يُنافِي إنْكارَهم لَهُ في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ العَوْدِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] ؟ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ. وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَقٌّ ما مَعْناهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، هَذا وذَلِكَ (p-١٠٥)فِي مَوْطِنٍ واحِدٍ، وهي الدُّنْيا، والقَوْلُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] كَلامًا مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ، وقالُوا: إخْبارٌ عَنْ ما صَدَرَ مِنهم في حالَةِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ، كُفّارَ مَكَّةَ بِالبَعْثِ، قالُوا: هَذا، ومَعْنى الآيَةِ إنْكارُ الحَشْرِ والمَعادِ. وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي كانُوا يَخافُونَهُ، هو الحَشْرُ والمَعادُ عَلى بَعْضِ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمَةِ. و(إنْ) هُنا نافِيَةٌ. ولَمْ يَكْتَفُوا بِالإخْبارِ عَنِ المَحْصُورِ، فَيَقُولُوا هي حَياتُنا الدُّنْيا حَتّى أتَوْا بِالنَّفْيِ والحَصْرِ؛ أيْ لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا فَقَطْ، وهي ضَمِيرُ الحَياةِ، وفَسَّرَهُ الخَبَرُ بَعْدَهُ. والتَّقْدِيرُ وما الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، هَكَذا قالَ بَعْضُ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَقَدَّمُ الضَّمِيرُ، ولا يُنْوى بِهِ التَّأْخِيرُ، إذا جُعِلَ الظّاهِرُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ المُضْمَرِ، وعَدَّهُ مَعَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِـ (رُبَّ)، نَحْوَ: رُبَّهُ رَجُلًا أكْرَمْتَ، والمَرْفُوعِ بِـ (نِعْمَ) عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، نَحْوَ نِعْمَ رَجُلٌ زَيْدٌ، أوْ بِأوَّلِ المُتَنازِعَيْنِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، نَحْوَ ضَرَبانِي وضَرَبْتُ الزَّيْدَيْنِ، أوْ أُبْدِلَ مِنهُ المُفَسَّرُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، نَحْوَ مَرَرْتُ بِهِ زِيدٍ، قالَ: أوْ جُعِلَ خَبَرَهُ، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ التَّقْدِيرانِ الحَياةُ، إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، فَإظْهارُ الخَبَرِ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ مِن أصْحابِنا هَذا القِسْمَ، أوْ كانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وضَمِيرَ المَجْهُولِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، نَحْوَ هَذا زِيدٌ قائِمٌ، خِلافًا لِابْنِ الطَّراوَةِ في إنْكارِ هَذا القِسْمِ. وتَوْضِيحُ هَذِهِ المُضْمَراتِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. والدُّنْيا صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (حَياتُنا)، ولَمْ يُؤْتَ بِها عَلى أنَّها صِفَةٌ تُزِيلُ اشْتِراكًا عارِضًا في مَعْرِفَةٍ؛ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِأنَّ ثَمَّ حَياةً غَيْرُ دُنْيا، بَلْ ذَلِكَ وصْفٌ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لا حَياةَ عِنْدَهم إلّا هَذِهِ الحَياةُ.
﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ . لَمّا دَلَّ الكَلامُ عَلى نَفْيِ البَعْثِ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الحَصْرِ، صَرَّحُوا بِالنَّفْيِ المَحْضِ الدّالِّ عَلى عَدَمِ البَعْثِ بِالمَنطُوقِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالباءِ الدّاخِلَةِ في الخَبَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في الإنْكارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مُشْرِكِي العَرَبِ، ومَن وافَقَهم في إنْكارِ البَعْثِ.
6:30Page 131
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠
If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."
﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: (ولَوْ تَرى) أوَّلًا، وذَلِكَ مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ والتَّوْبِيخِ والسُّؤالِ، كَما يَقِفُ العَبْدُ الجانِي بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ لِيُعاقِبَهُ، وقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: ظاهِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ في حَيِّزٍ ومَكانٍ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَقِفُونَ عِنْدَهُ، وبِالقُرْبِ مِنهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ، بِحَيْثُ يَحْضُرُ في مَكانٍ تارَةً، ويَغِيبُ عَنْهُ أُخْرى. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ واقِفِينَ عَلى اللَّهِ، كَما يَقِفُ أحَدُنا عَلى الأرْضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَعْلِيًا عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأنَّهُ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ، فَيَكُونُ المُرادُ، إذا وُقِفُوا عَلى ما وعَدَهم رَبُّهم مِن عَذابِ الكافِرِينَ، وثَوابِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ وُقُوفَ المَعْرِفَةِ انْتَهى. وهَذانِ التَّأْوِيلانِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى حُكْمِهِ وأمْرِهِ انْتَهى. وقِيلَ: عَلى مَسْألَةِ رَبِّهِمْ إيّاهم عَنْ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: لِمَسْألَةِ (p-١٠٦)مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ، وقِيلَ: عَلى حِسابِ رَبِّهِمْ قالَ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بَقالَ هو اللَّهُ فَيَكُونُ السُّؤالُ مِنهُ تَعالى لَهم، وقِيلَ: السُّؤالُ مِنَ المَلائِكَةِ فَكَأنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن وقَفَهم عَلى اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ أيْ قالَ: مَن وقَفَهم مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ: مَرْدُودٌ عَلى مَن قالَ قائِلٌ قالَ ماذا قالَ لَهم رَبُّهم إذْ وقَفُوا عَلَيْهِ ؟ فَقِيلَ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذا تَعْيِيرٌ مِنَ اللَّهِ لَهم عَلى التَّكْذِيبِ وقَوْلِهِمْ لَمّا كانُوا يَسْمَعُونَ مِن حَدِيثِ البَعْثِ والجَزاءِ ما هو بِحَقٍّ وما هو إلّا باطِلٌ انْتَهى. ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً، التَّقْدِيرُ ﴿إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قائِلًا لَهم ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ والإشارَةُ بِهَذا إلى البَعْثِ ومُتَعَلِّقاتِهِ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: ألَيْسَ هَذا العَذابُ بِالحَقِّ وكَأنَّهُ لاحَظَ قَوْلَهُ قالَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ قالُوا: (بَلى ورَبِّنا) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بَلى؛ وأكَّدُوا جَوابَهم بِاليَمِينِ في قَوْلِهِمْ (ورَبِّنا) وهو إقْرارٌ بِالإيمانِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ وناسَبَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِمْ (ورَبِّنا) صَدْرَ الآيَةِ في ﴿وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تِذْكارٌ لَهم في أنَّهُ كانَ يُرَبِّيهِمْ ويُصْلِحُ حالَهم إذا كانَ سَيِّدُهم وهم عَبِيدُهُ لَكِنَّهم عَصَوْهُ وخالَفُوا أمْرَهُ.
* *
﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِكَفْرِكم بِالعَذابِ والباءُ سَبَبِيَّةٌ فَقِيلَ مُتَعَلِّقُ الكُفْرِ البَعْثُ أيْ بِكُفْرِكم بِالبَعْثِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُهُ العَذابُ أيْ بِكُفْرِكم بِالعَذابِ، والذَّوْقُ في العَذابِ اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ والمَعْنى باشِرُوهُ مُباشَرَةَ الذّائِقِ إذْ هي أشَدُّ المُباشَراتِ.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١] هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أحْوالِ مُنْكِرِي البَعْثِ وخُسْرانِهِمْ أنَّهُمُ اسْتَعاضُوا الكُفْرَ عَنِ الإيمانِ فَصارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِحالَةِ البائِعِ الَّذِي أخَذَ وأعْطى وكانَ ما أخَذَ مِنَ الكُفْرِ سَبَبًا لِهَلاكِهِ وما أعْطاهُ مِنَ الإيمانِ سَبَبًا لِنَجاتِهِ فَأشْبَهَ الخاسِرَ في صَفْقَتِهِ العادِمَ الرِّبْحَ ورَأْسَ مالِهِ ومَعْنى (بِلِقاءِ اللَّهِ) بُلُوغُ الآخِرَةِ وما يَكُونُ فِيها مِنَ الجَزاءِ ورُجُوعُهم إلى أحْكامِ اللَّهِ فِيها وحَتّى غايَةٌ لِتَكْذِيبِهِمْ لا لِخُسْرانِهِمْ لِأنَّ الخُسْرانَ لا غايَةَ لَهُ والتَّكْذِيبَ مُغَيًّا بِالحَسْرَةِ لِأنَّهُ لا يَزالُ بِهِمُ التَّكْذِيبُ إلى قَوْلِهِمْ يا حَسْرَتَنا وقْتَ مَجِيءِ السّاعَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (حَتّى إذا) في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ومَعْنى (بِلِقاءِ اللَّهِ) بِلِقاءِ جَزائِهِ والإضافَةُ تَفْخِيمٌ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الجَزاءِ وهو نَظِيرُ (لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ) أيْ لَقِيَ جَزاءَهُ ومَن أثْبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى في جِهَةٍ اسْتَدَلَّ بِهَذا وقالَ: اللِّقاءُ حَقِيقَةٌ، و(السّاعَةُ) يَوْمُ القِيامَةِ سُمِّيَ ساعَةً لِسُرْعَةِ انْقِضاءِ الحِسابِ فِيها لِلْجَزاءِ لِقَوْلِهِ: ﴿أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأُدْخِلَ عَلَيْها تَعْرِيفُ العَهْدِ دُونَ تَقَدُّمِ ذِكْرٍ لِشُهْرَتِها واسْتِقْرارِها في النُّفُوسِ وذَياعِ ذِكْرِها وأيْضًا فَقَدْ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: (بِلِقاءِ اللَّهِ) انْتَهى. ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمالُ السّاعَةِ؛ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ فَصارَتِ الألِفُ واللّامُ فِيها لِلْغَلَبَةِ كَهي في البَيْتِ لِلْكَعْبَةِ والنَّجْمِ لِلثُّرَيّا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إنَّما يَتَحَسَّرُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ قُلْتُ: لَمّا كانَ المَوْتُ وُقُوعًا في أحْوالِ الآخِرَةِ ومُقَدِّماتِها جُعِلَ مِن جِنْسِ السّاعَةِ وسُمِّي بِاسْمِها ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» . وجُعِلَ في مَجِيءِ السّاعَةِ بَعْدَ المَوْتِ لِسُرْعَتِهِ فالواقِعُ بِغَيْرِ فَتْرَةٍ انْتَهى. وإطْلاقُ (السّاعَةُ) عَلى وقْتِ المَوْتِ مَجازٌ ويُمْكِنُ حَمْلُ السّاعَةِ عَلى الحَقِيقَةِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ولا يَلْزَمُ مِن تَحَسُّرِهِمْ وقْتَ المَوْتِ أنَّهم لا يَتَحَسَّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَلِ الظّاهِرُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] إذْ هَذا حالٌ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١] وهي حالُ مُقارَنَةٍ وإذا حَمَلْنا السّاعَةَ عَلى وقْتِ المَوْتِ كانَتْ حالًا مُقَدَّرَةً ومَجِيءُ القُدْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُقارَنَةِ قَلِيلٌ فَيَكُونُ التَّكْذِيبُ مُتَّصِلًا بِهِمْ مُغَيًّا بِالحَسْرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إذْ مُكْثُهم في البَرْزَخِ عَلى اعْتِقادِ أمْثَلِهِمْ (p-١٠٧)طَرِيقَةً يَوْمٌ واحِدٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] فَلَمّا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ زالَ التَّكْذِيبُ وشاهَدُوا ما أخْبَرَتْهم بِهِ الرُّسُلُ عِيانًا فَقالُوا (يا حَسْرَتَنا) وجَوَّزُوا في انْتِصابِ (بَغْتَةً) أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِن (السّاعَةُ) أيْ باغِتَةً أوْ مِن مَفْعُولِ جاءَتْهم أيْ مَبْغُوتِينَ أوْ مَصْدَرًا لَجاءَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا بَغَتَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أوْ مَصْدَرًا لْفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَبْغَتُهم بَغْتَةً ونادَوُا الحَسْرَةَ وإنْ كانَتْ لا تُجِيبُ عَلى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وكَأنَّ الَّذِي يُنادِي الحَسْرَةَ أوِ العَجَبَ أوِ السُّرُورَ أوِ الوَيْلَ يَقُولُ: اقْرُبِي أوِ احْضُرِي فَهَذا أوانُكِ وزَمَنُكَ وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ عَلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ وعَلى سامِعِهِ كانَ ثَمَّ سامِعٌ وهَذا التَّعْظِيمُ عَلى النَّفْسِ والسّامِعِ هو المَقْصُودُ أيْضًا في نِداءِ الجَماداتِ كَقَوْلِكَ يا دارُ يا رَبْعُ وفي نِداءِ ما لا يَعْقِلُ كَقَوْلِهِمْ: يا جَمَلُ، و(فَرَّطْنا) قَصَّرْنا والتَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِهِ والضَّمِيرُ في (فِيها) عائِدٌ عَلى (السّاعَةُ) أيْ في التَّقْدُمَةِ لَها قالَهُ الحَسَنُ أوِ الصَّفْقَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها ذِكْرُ الخَسارَةِ قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ لِلْحَياةِ الدُّنْيا جِيءَ بِضَمِيرِها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِكَوْنِها مَعْلُومَةً أوِ السّاعَةِ عَلى مَعْنى قَصَّرْنا في شَأْنِها وفي الإيمانِ بِها كَما تَقُولُ: فَرَّطْتُ في فُلانٍ ومِنهُ فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ انْتَهى. وكَوْنُهُ عائِدًا عَلى الدُّنْيا وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ودَلَّ العَقْلُ عَلى أنَّ مَوْضِعَ التَّقْصِيرِ لَيْسَ إلّا الدُّنْيا فَحَسُنَ عَوْدُهُ عَلَيْها لِهَذا المَعْنى وأوْرَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا القَوْلَ احْتِمالًا فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الدُّنْيا إذِ المَعْنى يَقْتَضِيها وتَجِيءُ الظَّرْفِيَّةُ أمْكَنَ بِمَنزِلَةِ زَيْدٌ في الدّارِ انْتَهى. وعَوْدُهُ عَلى (السّاعَةُ) قَوْلُ الحَسَنِ والمَعْنى في إعْدادِ الزّادِ والأُهْبَةِ لَها، وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى (ما) وهي مَوْصُولٌ وعادَ عَلى المَعْنى أيْ (يا حَسْرَتَنا) عَلى الأعْمالِ والطّاعاتِ الَّتِي فَرَّطْنا فِيها و(ما) في الأوْجُهِ الَّتِي سَبَقَتْ مَصْدَرِيَّةٌ التَّقْدِيرُ عَلى تَفْرِيطِنا في الدُّنْيا أوْ في السّاعَةِ أوْ في الصَّفْقَةِ عَلى التَّقْدِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى السّاعَةِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عائِدٌ إلى مَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ إذا رَأوْا مَنازِلَهم فِيها لَوْ كانُوا آمَنُوا.
6:31Page 131
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١
Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.
﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ الأوْزارُ: الخَطايا والآثامُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الحَمْلَ حَقِيقَةٌ وهو قَوْلُ عُمَيْرِ بْنِ هانِئٍ وعَمْرِو بْنِ قَيْسٍ المُلائِئِّ والسُّدِّيِّ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ وما ذَكَرَهُ مَحْصُولُهُ أنَّ عَمَلَهُ يُمَثَّلُ في صُورَةِ رَجُلٍ قَبِيحِ الوَجْهِ والصُّورَةِ خَبِيثِ الرِّيحِ فَيَسْألُهُ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ طالَما رَكِبْتَنِي في الدُّنْيا فَأنا اليَوْمَ أرْكَبُكَ فَيَرْكَبُهُ ويَتَخَطّى بِهِ رِقابَ النّاسِ ويَسُوقُهُ حَتّى يُدْخِلَهُ النّارَ ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ بِهَذا المَعْنى واللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ، وقِيلَ: هو مَجازٌ عُبِّرَ بِحَمْلِ الوِزْرِ عَنْ ما يَجِدُهُ مِنَ المَشَقَّةِ والآلامِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ والمَعْنى أنَّهم يُقاسُونَ عِقابَ ذُنُوبِهِمْ مُقاساةَ تَثْقِيلٍ عَلَيْهِمْ وهَذا القَوْلُ بَدَأ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ قالَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] لِأنَّهُ اعْتِيدَ حَمْلُ الأثْقالِ عَلى الظُّهُورِ كَما أُلِّفَ الكَسْبُ بِالأيْدِي والواوُ في (وهم) واوُ الحالِ وأتَتِ الجُمْلَةُ مُصَدَّرَةً بِالضَّمِيرِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في النِّسْبَةِ إذْ صارَ ذُو الحالِ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ مِن حَيْثُ المَعْنى وخُصَّ الظَّهْرُ لِأنَّهُ غالِبًا مَوْضِعُ اعْتِيادِ الحَمْلِ ولِأنَّهُ يُشْعِرُ بِالمُبالَغَةِ في ثِقَلِ المَحْمُولِ إذْ يُطِيقُ مِنَ الحَمْلِ الثَّقِيلِ ما لا تُطِيقُهُ الرَّأْسُ ولا الكاهِلُ كَما قالَ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] لِأنَّ اللَّمْسَ أغْلَبُ ما يَكُونُ بِاليَدِ ولِأنَّها أقْوى في الإدْراكِ.
﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (ساءَ) هُنا تَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً. أحَدُها: أنْ تَكُونَ المُتَعَدِّيَةَ المُتَصَرِّفَةَ ووَزْنُها (فَعَلَ) بِفَتْحِ العَيْنِ والمَعْنى ألا ساءَهم (p-١٠٨)ما يَزِرُونَ، وتَحْتَمِلُ (ما) عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، فَتَكُونَ فاعِلَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، فَيَنْسَبِكَ مِنها وما بَعْدَها مَصْدَرٌ، هو الفاعِلُ؛ أيْ ألا ساءَهم وِزْرُهم. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّها حُوِّلَتْ إلى (فَعُلَ)، بِضَمِّ العَيْنِ، وأُشْرِبَتْ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والمَعْنى ألا ما أسْوَأ الَّذِي يَزِرُونَهُ، أوْ ما أسْوَأ وِزْرَهم، عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في (ما) . والثّالِثُ: أنَّها أيْضًا حُوِّلَتْ إلى (فَعُلَ)، بِضَمِّ العَيْنِ، وأُرِيدَ بِها المُبالَغَةُ في الذَّمِّ، فَتَكُونُ مُساوِيَةً لِـ (بِئْسَ) في المَعْنى والأحْكامِ، ويَكُونُ إطْلاقُ الَّذِي سَبَقَ في (ما)، في قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠] جارِيًا فِيها هُنا، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ، والوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ أنَّ الَّذِي قَبْلَهُ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ ما يُشْتَرَطُ في فاعِلِ (بِئْسَ) مِنَ الأحْكامِ، ولا هو جُمْلَةٌ مُنْعَقِدَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، إنَّما هو مُنْعَقِدٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ والأوَّلِ؛ أنَّ في الأوَّلِ الفِعْلُ مُتَعَدٍّ، وفي هَذَيْنِ قاصِرٌ، وأنَّ الكَلامَ فِيهِ خَبَرٌ، وهو في هَذَيْنِ إنْشاءٌ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن بابِ (بِئْسَ) فَقَطْ، فَقالَ: ساءَ ما يَزِرُونَ؛ بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَ وِزْرَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧] . وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا الوَجْهَ احْتِمالًا أخِيرًا، وبَدَأ بِأنَّ (ساءَ) مُتَعَدِّيَةٌ، و(ما) فاعِلٌ، كَما تَقُولُ: ساءَ في هَذا الأمْرِ، وأنَّ الكَلامَ خَبَرٌ مُجَرَّدٌ؛ قالَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎رَضِيتَ خُطَّةَ خَسْفٍ غَيْرَ طائِلَةٍ فَساءَ هَذا رِضًا يا قَيْسَ غَيْلانا
ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ في البَيْتِ مِن أنَّ الكَلامَ فِيهِ خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، بَلْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: فَساءَ هَذا رِضًا، الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ. وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِـ (ألا) تَنْبِيهًا وإشارَةً لِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ، فَألا تَدُلُّ عَلى الإشارَةِ بِما يَأْتِي بَعْدَها، كَقَوْلِهِ: ألا فَلْيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ، ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ [هود: ٥]، ألا لا يَجْهَلَنَ أحَدٌ عَلَيْنا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences