Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:46–50
6:46Page 133
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ ٤٦
Say, "Have you considered:1 if Allāh should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allāh could bring them [back] to you?" Look how We diversify2 the verses; then they [still] turn away.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا تَهْدِيدَهم بِإتْيانِ العَذابِ أوِ السّاعَةِ كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ مِن هَذا التَّهْدِيدِ، فَأكَّدَ خِطابَ الضَّمِيرِ بِحَرْفِ الخِطابِ فَقِيلَ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] ولَمّا كانَ هَذا التَّهْدِيدُ أخَفَّ مِن ذَلِكَ لَمْ يُؤَكَّدْ بِهِ، بَلِ اكْتُفِيَ بِخِطابِ الضَّمِيرِ فَقِيلَ أرَأيْتُمْ، وفي تِلْكَ وهَذِهِ الِاسْتِدْلالُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ المُتَصَرِّفُ في العالَمِ الكاشِفُ لِلْعَذابِ والرّادُّ لِما شاءَ بَعْدَ الذَّهابِ، وأنَّ آلِهَتَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ ﴿أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ أنَّهُ ذَهابُ الحاسَّةِ (p-١٣٢)السَّمْعِيَّةِ والبَصَرِيَّةِ فَيَكُونُ أخْذًا حَقِيقِيًّا. وقِيلَ: هو أخْذٌ مَعْنَوِيٌّ والمُرادُ إذْهابُ نُورِ البَصَرِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ العَمى، وإذْهابُ سَمْعِ الأُذُنِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الصَّمَمُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ وعَلى الخَتْمِ عَلى القُلُوبِ في أوَّلِ البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ومَفْعُولُ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ أرَأيْتُمْ سَمْعَكم وأبْصارَكم إنْ أخَذَها اللَّهُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ كَما تَقُولُ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما يَصْنَعُ، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ، أعْمَلَ الثّانِيَ وحَذَفَ مِنَ الأوَّلِ، وأوْضَحْنا كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) أفْرَدَهُ إجْراءً لَهُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَأْتِيكم بِذَلِكَ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِما أخَذَ وخَتَمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى السَّمْعِ بِالتَّصْرِيحِ وتَدْخُلُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الهُدى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى لِأنَّ أخْذَ السَّمْعِ والبَصَرِ والخَتْمَ عَلى القُلُوبِ سَبَبُ الضَّلالِ وسَدٌّ لِطُرُقِ الهِدايَةِ، و(مَن إلَهٌ) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ تَوْقِيفُهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ سِواهُ، فالتَّعَلُّقُ بِغَيْرِهِ لا يَنْفَعُ. قالَ الحَوْفِيُّ: وحَرْفُ الشَّرْطِ وما اتَّصَلَ بِهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ في الحالِ أرَأيْتُمْ كَقَوْلِهِ: اضْرِبْهُ إنْ خَرَجَ، أيْ خارِجًا، وجَوابُ الشَّرْطِ ما تَقَدَّمَ مِمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وهَذا الإعْرابُ تَخْلِيطٌ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ رَوى أبُو قُرَّةَ المُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِهُ انْظُرْ، بِضَمِّ الهاءِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ. وانْظُرْ خِطابٌ لِلسّامِعِ، وتَصْرِيفُ الآياتِ، قالَ مُقاتِلٌ: نُخَوِّفُهم بِأخْذِ الأسْماعِ والأبْصارِ والقُلُوبِ وبِما صُنِعَ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: تَصْرِيفُها: مَرَّةٌ تَأْتِي بِالنِّقْمَةِ ومَرَّةٌ تَأْتِي بِالنِّعْمَةِ ومَرَّةٌ بِالتَّرْغِيبِ ومَرَّةٌ بِالتَّرْهِيبِ. وقِيلَ: نُتابِعُ لَهُمُ الحُجَجَ ونَضْرِبُ لَهُمُ الأمْثالَ. وقِيلَ: نُوَجِّهُها إلى الإنْشاءِ والإفْناءِ والإهْلاكِ. وقِيلَ: الآياتُ عَلى صِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ نَبِيِّهِ، والصَّدْفُ والصُّدُوفُ الإعْراضُ والنُّفُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: يَصْدِفُونَ: يُعْرِضُونَ ولا يَعْتَبِرُونَ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: كَيْفَ نَصْرِفُ، مِن صَرَفَ ثُلاثِيًّا.
6:47–49Page 133
قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧
Say, "Have you considered: if the punishment of Allāh should come to you unexpectedly or manifestly,1 will any be destroyed but the wrongdoing people?"
وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٤٨
And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٤٩
But those who deny Our verses - the punishment will touch1 them for their defiant disobedience.
﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، فالأوَّلُ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: العَذابُ والسّاعَةُ، والثّانِي: بِالأخْذِ والخَتْمِ، والثّالِثُ: بِالعَذابِ فَقَطْ. قِيلَ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً لا يَتَقَدَّمُ لَكم بِهِ عِلْمٌ. و﴿جَهْرَةً﴾ تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ ثُمَّ يَنْزِلُ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بَغْتَةً﴾ لَيْلًا و﴿جَهْرَةً﴾ نَهارًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً آمِنِينَ و﴿جَهْرَةً﴾ وهم يَنْظُرُونَ، ولَمّا كانَتِ البَغْتَةُ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الخِفْيَةِ صَحَّ مُقابَلَتُها لِلْجَهْرَةِ وبُدِئَ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مَعْناها النَّفْيُ أيْ ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَكم، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ هَلْ يُهْلَكُ بِهِ، والأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ مَحْذُوفٌ مِن بابِ الإعْمالِ لِما قَرَّرْناهُ، ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ شَدِيدًا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ أداتَيِ الخِطابِ. والخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، وفي ذِكْرِ الظُّلْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ الإهْلاكِ، والمَعْنى: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ لِظُلْمِكم ؟ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (هَلْ يَهْلِكُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ، وانْتَصَبَ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ عَلى الحالِ وفِيهِما مَعْنى العِلِّيَّةِ، أيْ أرْسَلْناهم لِلتَّبْشِيرِ والإنْذارِ لا لِأنْ تُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ بَعْدَ وُضُوحِ ما جاءُوا بِهِ وتَبْيِينِ صِحَّتِهِ.
﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ أيْ مَن صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وأصْلَحَ في عَمَلِهِ.
﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ جَعَلَ العَذابَ ماسًّا كَأنَّهُ ذُو حَياةٍ يَفْعَلُ (p-١٣٣)بِهِمْ ما شاءَ مِنَ الآلامِ. وقَرَأ عَلْقَمَةُ: (نُمِسُّهُمُ العَذابَ) بِالنُّونِ مِن أمَسَّ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ العَذابَ بِما كَأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: (يَفْسِقُونَ) بِكَسْرِ السِّينِ.
6:50Page 133
قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠
Say, [O Muḥammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"
﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا أدَّعِي ما يُسْتَبْعَدُ في العُقُولِ أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ مِن مِلْكِ خَزائِنِ اللَّهِ - وهي قَسْمُهُ بَيْنَ الخَلْقِ وأرْزاقُهُ - وعِلْمِ الغَيْبِ وأنِّي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ جِنْسٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وأفْضَلُهُ وأقْرَبُهُ مَنزِلَةً مِنهُ، أيْ لَمْ أدَّعِ الأُلُوهِيَّةَ ولا المَلَكِيَّةَ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإلَهِيَّةِ مَنزِلَةٌ أرْفَعُ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ حَتّى تَسْتَبْعِدُونَ دَعْوايَ وتَسْتَنْكِرُونَها، وإنَّما أدَّعِي ما كانَ مِثْلُهُ لِكَثِيرٍ مِنَ البَشَرِ وهو النُّبُوَّةُ. انْتَهى. وما قالَهُ مِن أنَّ المَعْنى إنِّي أقُولُ لَكم: إنِّي لَسْتُ بِإلَهٍ فَأتَّصِفُ بِصِفاتِهِ مِن كَيْنُونَةِ خَزائِنِهِ عِنْدِي وعِلْمِ الغَيْبِ، وهو قَوْلُ الطَّبَرِيِّ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ بَشَرٌ لا شَيْءَ عِنْدَهُ مِن خَزائِنِ اللَّهِ ولا مِن قُدْرَتِهِ ولا يَعْلَمُ شَيْئًا مِمّا غابَ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في المَلائِكَةِ: هم أشْرَفُ جِنْسٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وأفْضَلُهُ وأقْرَبُهُ مَنزِلَةً فَهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ مِن أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ قالَ: لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ لا أدَّعِي مَنزِلَةً فَوْقَ مَنزِلَتِي، فَلَوْلا أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. قالَ القاضِي: إنْ كانَ الغَرَضُ مِمّا نَفى طَرِيقَةَ التَّواضُعِ فالأقْرَبُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ، وإنْ كانَ نَفْيُ قُدْرَتِهِ عَنْ أفْعالٍ لا يَقْوى عَلَيْها إلّا المَلائِكَةُ لَمْ يَدُلَّ عَلى كَوْنِهِمْ أفْضَلَ. انْتَهى. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتُعْطِي قُوَّةُ اللَّفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ مِن هَذا المَوْضِعِ، وإنَّما الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ المَلَكَ أعْظَمُ مَوْقِعًا في أنْفُسِهِمْ وأقْرَبُ إلى اللَّهِ، والتَّفْضِيلُ يُعْطِيهِ المَعْنى عَطاءً خَفِيًّا وهو ظاهِرٌ مِن آياتٍ أُخَرَ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ، و﴿ما يُوحى﴾ يُرِيدُ بِهِ القُرْآنَ وسائِرَ ما يَأْتِي بِهِ المَلَكُ أيْ في ذَلِكَ عِبَرٌ وآياتٌ لِمَن تَأمَّلَ ونَظَرَ. انْتَهى. وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مَقْدُوراتُهُ مِن إغْناءِ الفَقِيرِ وإفْقارِ الغَنِيِّ. وقالَ مُقاتِلٌ: الرَّحْمَةُ والعَذابُ. وقِيلَ: آياتُهُ. وقِيلَ: مَجْمُوعُ هَذا لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] . قِيلَ: وهَذِهِ الثَّلاثُ جَوابٌ لِما سَألَهُ المُشْرِكُونَ، فالأوَّلُ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: إنْ (p-١٣٤)كُنْتَ رَسُولًا فاسْألِ اللَّهَ حَتّى يُوَسِّعَ عَلَيْنا خَزائِنَ الدُّنْيا، والثّانِي: جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ إنْ كُنْتَ رَسُولًا فَأخْبِرْنا بِما يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَصالِحِ والمَضارِّ فَنَسْتَعِدَّ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ ودَفْعِ هَذِهِ، والثّالِثُ: جَوابُ قَوْلِهِمْ: مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ؟ انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (فَإنْ قُلْتَ): أعْلَمُ الغَيْبَ ما مَحَلُّهُ مِنَ الإعْرابِ ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ: ﴿خَزائِنُ اللَّهِ﴾؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، كَأنَّهُ قالَ: لا أقُولُ لَكم هَذا القَوْلَ ولا هَذا القَوْلَ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى لا أقُولُ لا مَعْمُولٌ لَهُ، فَهو أُمِرَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ فَهي مَعْمُولَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي هو قُلْ، وغايَرَ في مُتَعَلِّقِ النَّفْيِ فَنَفى قَوْلَهُ: ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿إنِّي مَلَكٌ﴾ ونَفى عِلْمَ الغَيْبِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ، ولا أقُولُ إنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ لِأنَّ كَوْنَهُ لَيْسَ عِنْدَهُ خَزائِنُ اللَّهِ مِن أرْزاقِ العِبادِ وقَسْمِهِمْ مَعْلُومٌ ذَلِكَ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، فَنَفى ادِّعاءَهُ ذَلِكَ، وكَوْنَهُ بِصُورَةِ البَشَرِ مَعْلُومٌ أيْضًا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِوِلادَتِهِ ونَشْأتِهِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَنَفى أيْضًا ادِّعاءَهُ ذَلِكَ ولَمْ يَنْفِهِما مَن أصِلِهِما لِأنَّ انْتِفاءَ ذَلِكَ مِن أصْلِهِ مَعْلُومٌ عِنْدَهم، فَنَفى أنْ يُكابِرَهم في ادِّعاءِ شَيْءٍ يَعْلَمُونَ خِلافَهُ قَطْعًا. ولَمّا كانَ عِلْمُ الغَيْبِ أمْرًا يُمْكِنُ أنْ يَظْهَرَ عَلى لِسانِ البَشَرِ بَلْ قَدْ يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ كالكُهّانِ وضُرّابِ الرَّمْلِ والمُنَجِّمِينَ، وكانَ قَدْ أخْبَرَ بِأشْياءَ مِنَ المُغَيَّباتِ وطابَقَتْ ما أخْبَرَ بِهِ نَفى عِلْمَ الغَيْبِ مِن أصْلِهِ فَقالَ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾، تَنْصِيصًا عَلى مَحْضِ العُبُودِيَّةِ والِافْتِقارِ. وأنَّ ما صَدَرَ عَنْهُ مِن إخْبارٍ بِغَيْبٍ إنَّما هو مِنَ الوَحْيِ الوارِدِ عَلَيْهِ لا مِن ذاتِ نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ كَما قالَ فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] وكَما أُثِرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لا أعْلَمُ ما وراءَ هَذا الجِدارِ إلّا أنْ يُعْلِمَنِي رَبِّي»، وجاءَ هَذا النَّفْيُ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي، فَنَفى أوَّلًا ما تَتَعَلَّقُ بِهِ رَغَباتُ النّاسِ أجْمَعِينَ مِنَ الأرْزاقِ الَّتِي هي قِوامُ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، ثُمَّ نَفى ثانِيًا ما تَتَعَلَّقُ بِهِ وتَتَشَوَّفُ إلَيْهِ النُّفُوسُ الفاضِلَةُ مِن مَعْرِفَةِ ما يَجْهَلُونَ وتَعَرُّفِ ما يَقَعُ مِنَ الكَوائِنِ، ثُمَّ نَفى ثالِثًا ما هو مُخْتَصٌّ بِذاتِهِ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ الَّتِي هي مُبايِنَةٌ لِصِفَةِ البَشَرِيَّةِ، فَتَرَقّى في النَّفْيِ مِن عامٍّ إلى خاصٍّ إلى أخَصَّ، ثُمَّ حَصَرَ ما هو عَلَيْهِ في أحْوالِهِ كُلِّها بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ أنا مُتَّبِعٌ ما أوْحى اللَّهُ غَيْرُ شارِعٍ شَيْئًا مِن جِهَتِي، وظاهِرُهُ حُجَّةٌ لِنُفاةِ القِياسِ.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيْ لا يَسْتَوِي النّاظِرُ المُفَكِّرُ في الآياتِ والمُعْرِضُ الكافِرُ الَّذِي يُهْمِلُ النَّظَرَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكافِرُ والمُؤْمِنُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الضّالُّ والمُهْتَدِي. وقِيلَ: الجاهِلُ والعالِمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَثَلٌ لِلضُّلّالِ والمُهْتَدِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَثَلًا لِمَنِ اتَّبَعَ ما يُوحى إلَيْهِ ومَن لَمْ يَتَّبِعْ أوْ لِمَنِ ادَّعى المُسْتَقِيمَ وهو النُّبُوَّةُ والمُحالَ وهو الأُلُوهِيَّةُ والمَلَكِيَّةُ.
﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ هَذا عَرْضٌ وتَحْضِيضٌ مَعْناهُ الأمْرُ أيْ فَفَكِّرُوا ولا تَكُونُوا ضالِّينَ أشْباهَ العُمْيِ، أوْ فَكِّرُوا فَتَعْلَمُونَ أنِّي لا أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ، أوْ فَتَعْلَمُونَ أنِّي لا أدَّعِي ما لا يَلِيقُ بِالبَشَرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences