Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:160–164
7:160Page 171
وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠
And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.
﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾، أيْ: وقَطَّعْنا قَوْمَ مُوسى، ومَعْناهُ: فَرَّقْناهم ومَيَّزْناهم، وفي ذَلِكَ رُجُوعُ أمْرِ كُلِّ سِبْطٍ إلى رَئِيسِهِ لِيَخِفَّ أمْرُهم عَلى مُوسى، ولِئَلّا يَتَحاسَدُوا فَيَقَعَ الهَرْجُ، ولِهَذا فَجَّرَ لَهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا لِئَلّا يَتَنازَعُوا ويَقْتَتِلُوا عَلى الماءِ، ولِهَذا جَعَلَ لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا لِيُرْجَعَ بِأمْرِهِمْ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأسْباطِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ، وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ عَشِرَةَ بِكَسْرِ الشِّينِ، وعَنْهُمُ الفَتْحُ أيْضًا، وأبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، والجُمْهُورُ بِالإسْكانِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ حالٌ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قَطَّعْنا بِمَعْنى صَيَّرْنا، وأنْ يَنْتَصِبَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعْناهم، ولَمْ يَعُدَّ النَّحْوِيُّونَ قَطَّعْنا في بابِ ظَنَنْتُ، وجَزَمَ بِهِ الحَوْفِيُّ فَقالَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَفْعُولٌ لِـ قَطَّعْناهم، أيْ: جَعَلْنا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ (p-٤٠٧)وتَمْيِيزُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً وأسْباطًا، بَدَلٌ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وأُمَمًا. قالَ أبُو البَقاءِ: نَعْتٌ لِأسْباطًا، أوْ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْباطًا تَمْيِيزًا؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ، وتَمْيِيزُ هَذا النَّوْعِ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ أسْباطًا تَمْيِيزٌ، قالَ: (فَإنْ قُلْتَ): مُمَيَّزُ ما بَعْدَ العَشَرَةِ مُفْرَدٌ فَما وجْهُ مَجِيئِهِ مَجْمُوعًا، وهَلّا قِيلَ: اثْنَتَيْ عَشَرَ سِبْطًا، (قُلْتُ): لَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَحْقِيقًا؛ لِأنَّ المُرادَ: وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً، وكُلُّ قَبِيلَةٍ أسْباطٌ لا سِبْطٌ، فَوَضَعَ أسْباطًا مَوْضِعَ قَبِيلَةٍ، ونَظِيرُهُ:
؎بَيْنَ رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ
وأُمَمًا بَدَلٌ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، بِمَعْنى وقَطَّعْناهم أُمَمًا؛ لِأنَّ كُلَّ أسْباطٍ كانَتْ أُمَّةً عَظِيمَةً وجَماعَةً كَثِيفَةَ العَدَدِ، وكُلَّ واحِدَةٍ تَؤُمُّ خِلافَ ما تَؤُمُّهُ الأُخْرى لا تَكادُ تَأْتَلِفُ، انْتَهى، وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ كُلَّ قَبِيلَةٍ أسْباطٌ خِلافُ ما ذَكَرَ النّاسُ ذَكَرُوا أنَّ الأسْباطَ في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ في العَرَبِ، وقالُوا: الأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ وهُمُ الفِرَقُ، والأسْباطُ مِن ولَدِ إسْحاقَ بِمَنزِلَةِ القَبائِلِ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ ويَكُونُ عَلى زَعْمِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] مَعْناهُ القَبِيلَةُ، وقَوْلُهُ: ونَظِيرُهُ:
؎بَيْنَ رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ
لَيْسَ نَظِيرَهُ؛ لِأنَّ هَذا مِن تَثْنِيَةِ الجَمْعِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، وكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْحَظْ في الجَمْعِ كَوْنَهُ أُرِيدَ بِهِ نَوْعٌ مِنَ الرِّماحِ لَمْ يَصِحَّ تَثْنِيَتُهُ كَذَلِكَ هُنا، لَحَظَ هُنا الأسْباطَ وإنْ كانَ جَمْعًا مَعْنى القَبِيلَةِ فَمَيَّزَ بِهِ، كَما يُمَيِّزُ بِالمُفْرَدِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، ويَكُونَ أسْباطًا نَعْتًا لِفِرْقَةٍ، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، وأُمَمًا نَعْتٌ لِأسْباطٍ، وأنَّثَ العَدَدَ، وهو واقِعٌ عَلى الأسْباطِ، وهو مُذَكَّرٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى الفِرْقَةِ أوِ الأُمَّةِ، كَما قالَ: ثَلاثَةُ أنْفُسٍ، يَعْنِي رِجالًا وعَشَرَ أبْطُنٍ بِالنَّظَرِ إلى القَبِيلَةِ، انْتَهى، ونَظِيرُ وصْفِ التَّمْيِيزِ المُفْرَدِ بِالجَمْعِ مُراعاةً لِلْمَعْنى. قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فِيها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبَةً ∗∗∗ سُودًا كَحافَّتِهِ الغُرابِ الأسْحَمِ
ولَمْ يَقُلْ سَوْداءَ. وقِيلَ: جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا، كَما تَقُولُ: لِزَيْدٍ دَراهِمُ، ولِفُلانٍ دَراهِمُ، ولِعُمَرَ دَراهِمُ، فَهَذِهِ عِشْرُونَ دَراهِمَ؛ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وقَطَّعْناهم فِرَقًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، فَلا يُحْتاجُ إلى تَمْيِيزٍ، وقالَ البَغَوِيُّ: في الكَلامِ تَأْخِيرٌ وتَقْدِيمٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَطَّعْناهم أسْباطًا أُمَمًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وهَذِهِ كُلُّها تَقادِيرُ مُتَكَلِّفَةٌ، والأجْرى عَلى قَواعِدِ العَرَبِ القَوْلُ الَّذِي بَدَأْنا بِهِ.
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمَلِ في البَقَرَةِ، وانْبَجَسَتْ: إنْ كانَ مَعْناهُ ما قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، فَقِيلَ: كانَ يَظْهَرُ عَلى كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الحَجَرِ فَضَرَبَهُ مُوسى، مِثْلَ ثَدْيِ (p-٤٠٨)المَرْأةِ فَيَعْرَقُ أوَّلًا ثُمَّ يَسِيلُ، وإنْ كانَ مُرادِفًا لانْفَجَرَتْ فَلا فَرْقَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا الأُناسُ اسْمُ جَمْعٍ غَيْرِ تَكْسِيرٍ، نَحْوَ رُخاءٍ وثُناءٍ وثُؤامٍ وأخَواتٍ لَها، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الكَسْرُ والتَّكْسِيرُ، والضَّمَّةُ بَدَلٌ مِنَ الكَسْرِ، كَما أُبْدِلَتْ في نَحْوِ سُكارى وغُيارى مِنَ الفَتْحَةِ، انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالَ؛ لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِإناسٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَيَكُونَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ حَتّى تَكُونَ الضَّمَّةُ بَدَلًا مِنَ الكَسْرَةِ، بِخِلافِ سُكارى وغُيارى، فَإنَّ القِياسَ فِيهِ فَعالى بِفَتْحِ فاءِ الكَلِمَةِ، وهو مَسْمُوعٌ فِيهِما، (والثّانِي): أنَّ سُكارى وغُيارى وعُجالى وما ورَدَ مِن نَحْوِها لَيْسَتِ الضَّمَّةُ فِيهِ بَدَلًا مِنَ الفَتْحَةِ، بَلْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرِ أصْلٍ، كَما أنَّ فُعالى جَمْعُ تَكْسِيرِ أصْلٍ وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ الضَّمُّ، كَما يَنْقاسُ الفَتْحُ، قالَ سِيبَوَيْهِ في حَدِّ تَكْسِيرِ الصِّفاتِ: وقَدْ يُكَسِّرُونَ بَعْضَ هَذا عَلى فُعالى، وذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: سُكارى وعُجالى، وقالَ سِيبَوَيْهِ في الأبْنِيَةِ أيْضًا: ويَكُونُ فُعالى في الِاسْمِ نَحْوَ حُبارى وسُمانى ولُبادى، ولا يَكُونُ وصْفًا إلّا أنْ يُكَسَّرَ عَلَيْهِ الواحِدُ لِلْجَمْعِ، نَحْوُ عُجالى وكُسالى وسُمانى، فَهَذانِ نَصّانِ مِن سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، وإذا كانَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ أصْلًا لَمْ يَسُغْ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ أصْلَهُ فُعالى، وأنَّهُ أُبْدِلَتِ الحَرَكَةُ فِيهِ، وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّهُ اسْمٌ جامِعٌ - أعْنِي فُعالى بِضَمِّ الفاءِ -، ولَيْسَ بِجَمْعِ تَكْسِيرٍ فالزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَذْهَبْ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، ولا إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ المُبَرِّدِ اسْمُ جَمْعٍ، فالضَّمَّةُ في فائِهِ أصْلٌ لَيْسَتْ بَدَلًا مِنَ الفَتْحَةِ، بَلْ أحْدَثَ قَوْلًا ثالِثًا. وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: (مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْتُكم) مُوَحِّدًا لِلضَّمِيرِ.
7:161–163Page 171
وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١
And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢
But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.
وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣
And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ وتَفْسِيرُها في البَقَرَةِ، وكَأنَّ هَذِهِ مُخْتَصَرَةٌ مِن تِلْكَ، إلّا أنَّ هُناكَ: وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا، وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا، وهُناكَ: رَغَدًا، وسَقَطَ هُنا، وهُناكَ وسَنَزِيدُ، وهُنا سَنَزِيدُ، وهُناكَ فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، وهُنا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ، وبَيْنَهُما تَغايُرٌ في بَعْضِ الألْفاظِ لا تَناقُضَ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: وإذْ قِيلَ لَهُمُ، وهُناكَ: وإذْ قُلْنا، فَهُنا حُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى، وهُناكَ: ادْخُلُوا، وهُنا: اسْكُنُوا، السُّكْنى ضَرُورَةٌ تَتَعَقَّبُ الدُّخُولَ، فَأُمِرُوا هُناكَ بِمَبْدَأِ الشَّيْءِ وهُنا بِما تَسَبَّبَ عَنِ الدُّخُولِ، وهُناكَ: فَكُلُوا، بِالفاءِ وهُنا بِالواوِ فَجاءَتِ الواوُ عَلى أحَدِ مُحْتَمَلاتِها مِن كَوْنِ ما بَعْدَها وقَعَ بَعْدَ ما قَبْلَها؛ وقِيلَ: الدُّخُولُ حالَةٌ مُقْتَضِيَةٌ، فَحَسُنَ ذِكْرُ فاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَهُ، والسُّكْنى حالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فَحَسُنَ الأمْرُ بِالأكْلِ مَعَهُ لا عَقِيبَهُ، فَحَسُنَتِ الواوُ الجامِعَةُ لِلْأمْرَيْنِ في الزَّمَنِ الواحِدِ، وهو أحَدُ مَحامِلِها، ويَزْعُمُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ أوْلى بِحامِلِها وأكْثَرُ. وقِيلَ: ثَبَّتَ رَغَدًا بَعْدَ الأمْرِ بِالدُّخُولِ؛ لِأنَّها حالَةُ قُدُومٍ، فالأكْلُ فِيها ألَذُّ وأتَمُّ وهم إلَيْهِ أحْوَجُ، بِخِلافِ السُّكْنى فَإنَّها حالَةُ اسْتِقْرارٍ واطْمِئْنانٍ، فَلَيْسَ الأكْلُ فِيها ألَذَّ، ولا هم أحْوَجَ. وأمّا (p-٤٠٩)التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: وقُولُوا وادْخُلُوا، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَواءٌ قَدَّمُوا الحِطَّةَ عَلى دُخُولِ البابِ وأخَّرُوها فَهم جامِعُونَ في الإيجادِ بَيْنَهُما، انْتَهى، وقَوْلُهُ: سَواءٌ قَدَّمُوا وأخَّرُوها تَرْكِيبٌ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وإصْلاحُهُ سَواءٌ أقَدَّمُوا أمْ أخَّرُوها، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ناسَبَ تَقْدِيمُ الأمْرِ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا مَعَ تَرْكِيبِ ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الخُضُوعِ والذِّلَّةِ، وحِطَّةٌ قَوْلٌ، والفِعْلُ أقْوى في إظْهارِ الخُضُوعِ مِنَ القَوْلِ، فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ مَعَ مَبْدَأِ الشَّيْءِ، وهو الدُّخُولُ، ولِأنَّ قَبْلَهُ ادْخُلُوا، فَناسَبَ الأمْرَ بِالدُّخُولِ لِلْقَرْيَةِ الأمْرُ بِدُخُولِ بابِها عَلى هَيْئَةِ الخُضُوعِ، ولِأنَّ دُخُولَ القَرْيَةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِدُخُولِ بابِها، فَصارَ بابُ القَرْيَةِ، كَأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ القَرْيَةِ أُعِيدَ مَعَهُ العامِلُ، بِخِلافِ الأمْرِ بِالسُّكْنى، وأمّا سَنَزِيدُ هُنا فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَوْعِدٌ بِشَيْئَيْنِ بِالغُفْرانِ والزِّيادَةِ، وطَرْحُ الواوِ لا يُخِلُّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُرَتَّبٌ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلِ القائِلِ وماذا بَعْدَ الغُفْرانِ، فَقِيلَ لَهُ: سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ، وزِيادَةُ مِنهم بَيانٌ، وأرْسَلْنا، وأنْزَلْنا، ويَظْلِمُونَ، ويَفْسُقُونَ، مِن وادٍ واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: حِطَّةً، بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: حِطَّةُ ذُنُوبِنا حِطَّةً، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِقُولُوا عَلى حَذْفٍ، التَّقْدِيرُ: وقُولُوا قَوْلًا حِطَّةً، أيْ: ذا حِطَّةٍ، فَحَذَفَ ذا وصارَ حِطَّةً وصْفًا لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، كَما تَقُولُ: قُلْتُ حَسَنًا وقُلْتُ حَقًّا، أيْ: قَوْلًا حَسَنًا وقَوْلًا حَقًّا، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ كَثِيرٍ والحَسَنُ والأعْمَشُ: (نَغْفِرْ)، بِالنُّونِ، (لَكم خَطِيئاتِكم) جَمْعُ سَلامَةٍ، إلّا أنَّ الحَسَنَ خَفَّفَ الهَمْزَةَ وأدْغَمَ الياءَ فِيها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: نَغْفِرْ، بِالنُّونِ، لَكم خَطاياكم عَلى وزْنِ قَضاياكم، وقَرَأ نافِعٌ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (تُغْفَرْ)، بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (لَكم خَطِيئاتُكم) جَمْعُ سَلامَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، تُغْفَرْ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، لَكم خَطِيئَتُكم عَلى التَّوْحِيدِ مَهْمُوزًا. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: تَغْفِرْ، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى مَعْنى أنَّ الحِطَّةَ تَغْفِرُ؛ إذْ هي سَبَبُ الغُفْرانِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَدَّلَ: غَيَّرَ اللَّفْظَ دُونَ أنْ يَذْهَبَ بِجَمِيعِهِ، وأبْدَلَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وجاءَ بِلَفْظٍ آخَرَ، انْتَهى، وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وقَدْ جاءَ في القِراءاتِ بَدَّلَ وأبْدَلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، قُرِئَ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١]، و﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا﴾ [التحريم: ٥]، ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ [القلم: ٣٢] بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ والمَعْنى واحِدٌ، وهو إذْهابُ الشَّيْءِ والإتْيانُ بِغَيْرِهِ بَدَلًا مِنهُ، ثُمَّ التَّشْدِيدُ قَدْ جاءَ حَيْثُ يَذْهَبُ الشَّيْءُ كُلُّهُ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبإ: ١٦]، ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] وعَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ نَثْرُها ونَظْمُها.
﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ (p-٤١٠)الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الضَّمِيرُ في واسْألْهم عائِدٌ عَلى مَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وذَكَرَ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ المُعارِضِينَ لِلرَّسُولِ قالُوا لَهُ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِصْيانٌ ولا مُعانَدَةٌ لِما أُمِرُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُوَبِّخَةً لَهم ومُقَرِّرَةً كَذِبَهم ومُعَلِّمَةً ما جَرى عَلى أسْلافِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ والمَسْخِ، وكانَتِ اليَهُودُ تَكْتُمُ هَذِهِ القِصَّةَ فَهي مِمّا لا يُعْلَمُ إلّا بِكِتابٍ أوْ وحْيٍ، فَإذا أعْلَمَهم بِها مَن لَمْ يَقْرَأْ كِتابَهم عُلِمَ أنَّهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وقَوْلُهُ: عَنِ القَرْيَةِ فِيهِ حَذْفٌ، أيْ: عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ، والقَرْيَةُ: إيلَةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وعِكْرِمَةُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ والثَّوْرِيُّ، أوْ مَدْيَنُ، ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ ساحِلُ مَدْيَنَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ: هي مَقْنى بِالقافِ ساكِنَةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي مَقْناةُ ساحِلِ مَدْيَنَ، ويُقالُ لَها: مَعَنّى، بِالعَيْنِ مَفْتُوحَةً ونُونٍ مُشَدَّدَةٍ، أوْ طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، أوْ أرِيحا، أوْ بَيْتُ المَقْدِسِ، وهو بَعِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾، أوْ قَرْيَةٌ بِالشّامِ لَمْ تُسَمَّ بِعَيْنِها، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: ومَعَنّى، انْتَهى، ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾: بِقُرْبِ البَحْرِ مَبْنِيَّةً بِشاطِئِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَعْنى الحاضِرَةِ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لَها، أيْ: هي الحاضِرَةُ في قُرى البَحْرِ، فالتَّقْدِيرُ: حاضِرَةُ قُرى البَحْرِ، أيْ: يَحْضُرُ أهْلُ قُرى البَحْرِ إلَيْها لِبَيْعِهِمْ وشِرائِهِمْ وحاجَتِهِمْ؛ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ، أيْ: يُجاوِزُونَ أمْرَ اللَّهِ في العَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ تَعالى النَّهْيُ عَنِ العَمَلِ فِيهِ والِاشْتِغالِ بِصَيْدٍ أوْ غَيْرِهِ، إلّا أنَّهُ في هَذِهِ النّازِلَةِ كانَ عِصْيانُهم، وقُرِئَ: يُعِدُّونَ، مِنَ الإعْدادِ، وكانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، وهم مَأْمُورُونَ بِأنْ لا يَشْتَغِلُوا فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ، وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وأبُو نَهِيكٍ: يَعُدُّونَ، بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وأصْلُهُ يَعْتَدُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الدّالِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: لا تَعُدُّوا في السَّبْتِ؛ إذْ: ظَرْفٌ والعامِلُ فِيهِ. قالَ الحَوْفِيُّ: إذْ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَلْهم، انْتَهى، ولا يُتَصَوَّرُ؛ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ لِما مَضى وسَلْهم مُسْتَقْبَلٌ، ولَوْ كانَ ظَرْفًا مُسْتَقْبَلًا لَمْ يَصِحِّ المَعْنى؛ لِأنَّ العادِينَ وهم أهْلُ القَرْيَةِ مَفْقُودُونَ فَلا يُمْكِنُ سُؤالُهم، والمَسْئُولُ عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ العادِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ يَعْدُونَ بَدَلٌ مِنَ القَرْيَةِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَلْهم عَنْ أهْلِ القَرْيَةِ وقْتَ عُدْوانِهِمْ في السَّبْتِ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، انْتَهى، وهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ إذْ مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْها حَرْفُ جَرٍّ، وجَعْلُها بَدَلًا يَجُوزُ دُخُولُ عَنْ عَلَيْها، لِأنَّ البَدَلَ هو عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، ولَوْ أُدْخِلَتْ عَنْ عَلَيْها لَمْ يَجُزْ، وإنَّما تُصُرِّفَ فِيها بِأنْ أُضِيفَ إلَيْها بَعْضُ الظُّرُوفِ الزَّمانِيَّةِ نَحْوُ: يَوْمَ إذْ كانَ كَذا، وأمّا قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها يُتَصَرَّفُ فِيها بِأنْ تَكُونَ مَفْعُولَةً بِاذْكُرْ، فَهو قَوْلُ مَن عَجَزَ عَنْ تَأْوِيلِها عَلى ما (p-٤١١)يَنْبَغِي لَها مِن إبْقائِها ظَرْفًا، وقالَ أبُو البَقاءِ عَنِ القَرْيَةِ: أيْ: عَنْ خَبَرِ القَرْيَةِ، وهَذا المَحْذُوفُ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ الَّذِي هو إذْ يَعْدُونَ؛ وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِلْحاضِرَةِ، وجَوَّزَ ذَلِكَ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، ثُمَّ خُرِّبَتِ، انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: في السَّبْتِ ويَوْمَ سَبْتِهِمْ المُرادُ بِهِ اليَوْمُ، ومَعْنى اعْتَدَوْا فِيهِ، أيْ: بِعِصْيانِهِمْ وخِلافِهِمْ، كَما قَدَّمْنا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّبْتُ مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها بِتَرْكِ الصَّيْدِ والِاشْتِغالِ بِالتَّعَبُّدِ، فَمَعْناهُ: يَعْدُونَ في تَعْظِيمِ هَذا اليَوْمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: يَوْمَ سَبْتِهم يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ وإذْ تَأْتِيهِمُ، العامِلُ في إذْ يَعْدُونَ، أيْ: إذْ عَدَوْا في السَّبْتِ إذْ أتَتْهم؛ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ لِما مَضى يَصْرِفُ المُضارِعَ لِلْمُضِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا بَعْدَ بَدَلٍ، انْتَهى، يَعْنِي بَدَلًا مِنَ القَرْيَةِ بَعْدَ بَدَلِ إذْ يَعْدُونَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأضافَ السَّبْتَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم مَخْصُوصُونَ بِأحْكامٍ فِيهِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: حِيتانُهم يَوْمَ أسْباتِهِمْ، قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في كِتابِ اللَّوامِحِ وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: وهو مَصْدَرٌ مِن أسْبَتَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ في السَّبْتِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ بِخِلافٍ: لا يَسْبُتُونَ، بِضَمِّ كَسْرَةِ الباءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ وعاصِمٌ بِخِلافٍ: يُسْبِتُونَ، بِضَمِّ ياءِ المُضارَعَةِ مِن أسْبَتَ دَخَلَ في السَّبْتِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ الحَسَنِ لا يُسْبَتُونَ بِضَمِّ الياءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُدارُ عَلَيْهِمُ السَّبْتُ، ولا يُؤْمَرُونَ بِأنْ يُسْبِتُوا، والعامِلُ في يَوْمَ قَوْلُهُ: لا تَأْتِيهِمْ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَ لا لِلنَّفْيِ يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وفِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: الجَوازُ مُطْلَقًا، والمَنعُ مُطْلَقًا، والتَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ لا جَوابَ قَسَمٍ فَيَمْتَنِعُ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ، وهو الصَّحِيحُ كَذَلِكَ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ بِأمْرِ الحُوتِ نَبْلُوهم، أيْ: بَلَوْناهم وامْتَحَنّاهم؛ وقِيلَ: كَذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ، أيْ: لا تَأْتِيهِمْ إتْيانًا، مِثْلَ ذَلِكَ الإتْيانِ، وهو أنْ تَأْتِيَ شُرَّعًا ظاهِرَةً كَثِيرَةً بَلْ يَأْتِي ما أتى مِنها، وهو قَلِيلٌ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في كَذَلِكَ يَنْتَفِي إتْيانُ الحُوتِ مُطْلَقًا، كَما رُوِيَ في القَصَصِ أنَّهُ كانَ يَغِيبُ بِجُمْلَتِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي كانَ يَغِيبُ أكْثَرُهُ، ولا يَبْقى مِنهُ إلّا القَلِيلُ الَّذِي يُتْعِبُ بِصَيْدِهِ، قالَهُ قَتادَةُ: وهَذا الإتْيانُ مِنَ الحُوتِ قَدْ يَكُونُ بِإرْسالٍ مِنَ اللَّهِ كَإرْسالِ السَّحابِ أوْ بِوَحْيِ إلْهامٍ، كَما أوْحى إلى النَّحْلِ، أوْ بِإشْعارٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى نَحْوِ ما يُشْعِرُ اللَّهُ الدَّوابَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِأمْرِ السّاعَةِ حَسْبَما جاءَ: وما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَرَقًا مِنَ السّاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُوتِ شُعُورًا بِالسَّلامَةِ، ومَعْنى شُرَّعًا: مُقْبِلَةً إلَيْهِمْ مُصْطَفَّةً، كَما تَقُولُ: أشْرَعْتُ الرُّمْحَ نَحْوَهُ، أيْ: أقْبَلْتُ بِهِ إلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُرَّعًا ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ، وعَنِ الحَسَنِ: تُشْرَعُ عَلى أبْوابِهِمْ، كَأنَّها الكِباشُ السِّمَنُ، يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ إذا دَنا مِنّا وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا، وقالَ رُواةُ القَصَصِ: يَقْرَبُ حَتّى يُمْكِنَ أخْذُهُ بِاليَدِ، فَساءَهم ذَلِكَ وتَطَرَّقُوا إلى المَعْصِيَةِ بِأنْ حَفَرُوا حُفَرًا يَخْرُجُ إلَيْها ماءُ البَحْرِ عَلى أُخْدُودٍ، فَإذا جاءَ الحُوتُ يَوْمَ السَّبْتِ وحَصَلَ في الحُفْرَةِ ألْقَوْا في الأُخْدُودِ حَجَرًا فَمَنَعُوهُ الخُرُوجَ إلى البَحْرِ، فَإذا كانَ الأحَدُ أخَذُوهُ، فَكانَ هَذا أوَّلُ التَّطْرِيقِ، وقالَ ابْنُ رُومانَ: كانُوا يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنهم خَيْطًا ويَضَعُ فِيهِ وهْقَةً وألْقاها في ذَنَبِ الحُوتِ، وفي الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الخَيْطِ وتَدٌ مَضْرُوبٌ، وتَرَكَهُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَأْخُذَهُ في الأحَدِ، ثُمَّ تَطَرَّقَ النّاسُ حِينَ رَأوْا مَن يَصْنَعُ هَذا لا يُبْتَلى، حَتّى كَثُرَ صَيْدُ الحُوتِ ومُشِيَ بِهِ في الأسْواقِ، وأعْلَنَ الفَسَقَةُ بِصَيْدِهِ وقالُوا: ذَهَبَتْ حُرْمَةُ السَّبْتِ.
7:164Page 172
وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤
And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."
﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، أيْ: جَماعَةٌ مِن أهْلِ القَرْيَةِ مِن صُلَحائِهِمُ (p-٤١٢)الَّذِينَ جَرَّبُوا الوَعْظَ فِيهِمْ فَلَمْ يَرَوْهُ يُجْدِي، والظّاهِرُ أنَّ القائِلَ غَيْرُ المَقُولِ لَهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا، فَيَكُونُ ثَلاثَ فِرَقٍ: اعْتَدَوْا، وفِرْقَةٌ وعَظَتْ ونَهَتْ، وفِرْقَةٌ اعْتَزَلَتْ ولَمْ تَنْهَ ولَمْ تَعْتَدِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ غَيْرُ القائِلَةِ لِلْواعِظَةِ: لِمَ تَعِظُونَ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ عَصَتْ، وفِرْقَةٌ نَهَتْ ووَعَظَتْ، وأنَّ جَماعَةً مِنَ العاصِيَةِ قالَتْ لِلْواعِظَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا قَدْ عَلِمْتُمْ أنْتُمْ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، ويُؤَيِّدُهُ الضَّمائِرُ في قَوْلِهِ: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ فَهَذِهِ المُخاطَبَةُ تَقْتَضِي مُخاطَبًا، انْتَهى، ويَعْنِي أنَّهُ لَوْ كانَتِ العاصِيَةُ هي القائِلَةُ لَقالَتِ الواعِظَةُ: مَعْذِرَةً إلى رَبِّهِمْ ولَعَلَّهم، أوْ بِالخِطابِ: مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّكم تَتَّقُونَ، ومَعْنى مُهْلِكُهم: مُخْتَرِمُهم ومُطَهِّرُ الأرْضِ مِنهم، ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِتَمادِيهِمْ في العِصْيانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العَذابُ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، وإنْ كانُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فالقائِلَةُ إنَّما قالَتْ ذَلِكَ حَيْثُ عَلِمُوا أنَّ الوَعْظَ لا يَنْفَعُ فِيهِمْ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ عَلَيْهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا فِرْقَتَيْنِ: عاصِيَةً وطائِعَةً، وأنَّ الطّائِعَةَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا رَأوْا أنَّ العاصِيَةَ لا يُجْدِي فِيها الوَعْظُ ولا يُؤَثِّرُ شَيْئًا: لِمَ تَعِظُونَ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: مَعْذِرَةٌ، بِالرَّفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا إقامَةُ عُذْرٍ إلى اللَّهِ، ولِئَلّا نُنْسَبَ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ إلى بَعْضِ التَّفْرِيطِ، ولِطَمَعِنا في أنْ يَتَّقُوا المَعاصِيَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعاصِمٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عَنْهُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: مَعْذِرَةً، بِالنَّصْبِ، أيْ: وعَظْناهم مَعْذِرَةً، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَوْ قالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: مَعْذِرَةً إلى اللَّهِ وإلَيْكَ مِن كَذا لَنَصَبَ، انْتَهى، ويَخْتارُ هَنا سِيبَوَيْهِ الرَّفْعَ، قالَ: لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنْ يَعْتَذِرُوا اعْتِذارًا مُسْتَأْنَفًا، ولَكِنَّهم قِيلَ: لَهم لِمَ تَعِظُونَ ؟ قالُوا: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ، وقالَ أبُو البَقاءِ: مَن نَصَبَ فَعَلى المَفْعُولِ لَهُ، أيْ: وعْظُنا لِلْمَعْذِرَةِ؛ وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ، أيْ: نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً، وقالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences